علي أبوالريش
علي أبوالريش
روائي وشاعر وإعلامي إماراتي

لا تكن واثقاً

الأربعاء ١١ يوليو ٢٠١٨

عندما يخذلك زمانك في صديق فإن وعاءك ينكسر ولا تستطيع حمل وقود حياتك لا تستطيع أن تضع يدك في وعاء مثلوم لأنه قد يجرحك، وينسفح الدم من فؤادك المجروح، فتشعر بضياعك، حيث يراعك قد تلوث، ونهرك الذي كنت تجلس عند ضفته قد جف ماؤه، وتشققت الأرض حتى صارت يباباً وصرت أنت خراباً، والحياة جافلة حافلة بأحداث مريرة وسقيمة وعديمة، وكلما عدت إلى التاريخ وجدته مجرد أوراق صفراء عجفاء، طوت سجلها من زمان بعيد وبقيت وحدك تلثم الهواء الملوث، مثلما تفعل فراشة تائهة وسط الضباب. لا تثق كثيراً، فكثير من الوجوه تبدو ناصعة بفعل المساحيق ولكنها تخبئ تحت الجلد نفايات التاريخ، وغضونه، وشجونه، وشؤونه التي لا تليق بأخلاق البشر، فأنت عندما تكون في حضرة المزاج الرائق والنفس المطمئنة تظن أن السماء الزرقاء سجادة من حرير أزرق، فترفع بصرك إلى الأعلى وأنت في غاية السرور، والحبور، وما أن تولي وجهك إلى السكينة فإذا بالسماء تنبري وحشاً ضارياً يقصفك بجحيم الريح الصرصر، فتفتح عينيك، حتى تمتلئ بالغبار، ويبدو فمك مثل طبق معدني لسعته شمس القيظ اللاهبة، تبدو أنت ساذجاً إلى درجة الغباء الفاحش، فتصرخ لا، لا، هذا يكفي ولكن الصديق الذي غدر يصبح مثل الموجة العارمة لا يكتفي بلطم سواحلك بالغضب، لا يكتفي بصفع أحلامك حتى تذبل، وتبدو مثل ورقة لوز أطاحت بها…

أبناؤنا في الامتحان 1

الخميس ٢٨ يونيو ٢٠١٨

في الامتحان تبدو حالة من الوعي الداخلي تنتاب البشر، حيث يتم استدعاء القدرات، ومعها مشاعر من الرهبة، هذا الغزو القادم من الداخل يستولي على الكيان، والبنيان، ويفرض حالة من الاستنفار بحيث لا يوجد أمام الإنسان سوى مشهد الرعب، الذي يجسده اختبار العقل والتحدي الذي يواجهه، ولا يرى الفرد منا غير صورة الرقيب المتربص، والمتلصص، والتخصص في فرض حالة من التوخي والحرص، والبحث عن ثغرة ولو بسيطة، تفضي إلى معلومة تسد الغرض، وتمنع الوقوع في حفرة الفشل. الخوف الذي يستولي على الطالب أثناء الامتحان، مبعثه الخوف من الفشل، والتخلف عن الأقران، الأمر الذي يستوجب من هذا الطالب أن يحشد كل قواه العقلية، والنفسية، لمواجهة الظرف العصيب، نعم وضع الامتحان حالة رهيبة، ومرجفة تؤلب كل مشاعر الخوف في فترات الامتحان، ما يجعل الطالب أثناء هذه المدة الوجيزة وكأنه في يوم الحساب، والكثير من الطلاب يشعرون بحالة فراغ ذهني قبل بدء الجلوس على كرسي «العقاب» والإحساس بنسيان كل ما حفظوه، في الأيام السابقة، لأن العقل في هذه الحالة يقع في حومة الصراع ما بين ملكة الحفظ، وملكة النسيان، صراع من أجل الخروج من وهدة الفشل، فالإنسان عدو الفشل، مهما بلغ به من تجاهل، وحتى الطالب المهمل للدراسة، والكسول في ساعة الامتحان يعيش هذه الحالة لأنه أمام الأمر الواقع يتغاضى عن حالته السابقة وهي…

منذ زمن

الثلاثاء ٢٦ يونيو ٢٠١٨

منذ زمن وسقراط يئن في قبره، ويتهكم على الذين أسقوه السم لكونه خالفهم في الفكر، ورفض أن يكون كسائر الأنعام، وقال لهم سأشرب السم ولكن الفكرة ستظل حية لأنها تملك من المناعة ما يجعلها خالدة مثل أنهار العالم. أسبينوزا بصقوا على قبره، بعد أن دفنوه في مقبرة نائية بعيداً عن مقابر الكنسيين، وابن رشد نفوه، وأحرقوا كتبة ووصفه الغزالي بالمهرطق، ولكن كل هؤلاء بقوا في الوجدان الإنساني كمؤسسين لفكر التجديد، وقادة رأي التنوير، لأنهم لم يخرجوا عن نطاق العقل، بل أعطوا العقل مكانه ومنحوه مكانته، وكان الدين الحقيقي سقيا الفكرة، والله في السماء عين لا تغفل عمن يحرسون دينه بأمانة، ورزانة، وتقانة الأوفياء، والنبلاء. البعض يهمهم قشر البرتقالة، فيظل يشتم الرائحة إلى أن تفسد البرتقالة، وتضيع فرصته في الغذاء الصحيح، أما البعض الآخر، فهو الذي يعرف كيف يكون للبرتقالة قيمة عندما يلج عمقها ويرتشف من الرحيق، فتكون فائدته أنه أخذ من طبيعة الأشياء لبها وحقيقتها، واستلهم من عطاء الله ما فرضه على البشرية. كتلة من الجحيم تسكن ضمائر البعض، فتعميهم عن رؤية الحقيقة، ولا يرون من الحياة سوى نصفها الفارغ، ولا يرتوون إلا من حثالة البئر المهجورة، فاليوم تستعر نيران البعض لمجرد سماع فكرة مناهضة لفكرة سابقة قد ناموا على مخدتها واستراحت عليها أبدانهم، هؤلاء تخيلوا دائماً أن الفكر الإنساني…

قل الصدق أو اصمت

الأحد ٢٤ يونيو ٢٠١٨

قل الحقيقة ولا ترهبك لومة لائم، لأن الكثير من اللائمين لا يتكئون إلا على قشة الذاكرة المثقوبة، فلذلك عندما يدخلون في حوار حول قضية جوهرية، فإنهم يخورون مثل عجل رفاق موسى الذين شذوا عن حقيقة ما أراده هذا النبي المرسل. لقد جاء كوبر نيكس بنظرية دحضت فكرة بطليموس، وأشار بالبنان والبيان إلى أن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض فثارت ثائرة البلهاء من أبناء ذلك العصر، ولاقى هذا الفيلسوف ما لاقى من التنكيل، والنكب، والغضب، والشغب، والسغب، لأنه اخترق الذهنية السائدة بفكرة غير معتادة، وغير معهودة، وغير مشهودة، ولكن ماذا حُصد من هذه الفكرة الصادمة؟ إنها الحقيقة التي صمدت أمام الغوغاء، وتربعت على مشهد التاريخ، وذهب زبد الخرافة البطليموسية جفاء. وهكذا نحن بحاجة إلى من يحرك المياه الآسنة في أذهاننا، نحن بحاجة إلى من يعيد صياغة تاريخنا وهو مليء بالنفايات، وبقايا عظام رميم، وصدأ أخفى تحته حقائق بحاجة إلى من يجليها. يعلي من شأنها، ولا ضير إن واجه المخلصون شتى أشكال التسفيه، والإسفاف، والاستخفاف، لأن من طبيعة البشر الخوف من الحقيقة، لأنها تضع الأنا المتربص بكل شيء جديد، ولأن الحقيقة تظهر عيوب الشخصية المركبة من رقاع الأفكار المضللة، والمزللة، والمتخلخلة، والتي لا هدف لها سوى إبقاء الأمر، كما هو عليه لتضمن الأنا قوتها وبقاءها مسيطرة ومستولية على زمام الأفكار المسبقة،…

أطفال الجوجيتسو في اليد الأمينة

الخميس ٢٤ مايو ٢٠١٨

يبلغ أطفالنا الرشد قبل موعده، ويصلون إلى الحقيقة الكاملة، وهم في سن الأظافر الناعمة، وينجزون مشروعهم الوطني، وهم في الأيدي الأمينة، ويحققون طموحاتهم، وهم في الطريق إلى المدرسة، ويبلغون المجد وبين أيديهم دفاتر التذكير، ويسيرون إلى مواقع النجوم، وهم في الملابس البيضاء، ومعصم الحشمة. هؤلاء هم أطفالنا، لأنهم في وطن قطف ثمرات السعادة، من وقت طويل، وأجاد في اصطياد عصافير الأحلام منذ وقت مبكر، واستطاع أن يجلس مع الأمل في غرفة واحدة، وأن يتحدث مع أمنياته بتجليات الفطرة الصافية، وغريزة الانتماء إلى الصدق، والإيمان أن الوطن بيتنا، وأن الأرض التي نمشي على ترابها هي وسادة الطمأنينة، والسماء شرشف أزرق يهفهف على مشاعرنا، ويجعلنا نحتسي طيب الحياة، بشغف العشاق، ولهف من كبرت في فؤاده الأشواق، وتنامت في نفسه قصائد النبل، والتوق الأصيل. الجوجيتسو، هي المنطقة التي تستيقظ فيها الروح، من سبات الأيام، كما تفعل الشمس عندما تصحو صباحاً لتغسل ثيابها، وتمسح على محياها لتحي الصاحين، وتمد لهم أهداباً بلون البرتقال، وتبتسم لأجل أن يصبح الوجود مثل الوردة الطالعة في بساتين الحياة مثل غزالة البرية، ترقص بخفة النسيم. أطفالنا اليوم بهذه الرياضة النبيلة، يخلدون ذاكرة النجمة، ويؤصلون سجايا الغيمة، ويطلون على العالم بذهنية الموجة المتألقة عند شواطئ الأحلام الزاهية، أطفالنا يكتبون في دفاتر التاريخ، كيف يستدل الإنسان على حقيقته عندما يغادر منطقة…

صديقة أحباب الله

الإثنين ٢١ مايو ٢٠١٨

الأطفال أحبهم الله لنقائهم وصفائهم وقدرتهم على الوصول إلى نهر العطاء قبل غيرهم، لأنهم صفحات بيضاء من غير سوء. في الشارقة كتاب يفتح صفحاته أمام الأطفال ليقرأوا ما يتيسر من كلمات تبعثها النجوم، ليضيئوا سماوات أفئدتهم، وليستمروا في الحياة مشعشعين بالوعي، وليبقوا دائماً مثل الشمس بلا غيمة تكدر ولا غمة تعسر، ولا نقمة تكسر زجاجات القلب. بحضور الصحوة تستيقظ طيور الأطفال، وتغادر أعشاشها مرفرفة محلقة محدقة في الوجود، محتفلة بالجمال ببوح يزهر على شفتي الحلم، ليصير واقعاً زاهياً، ثرياً بالحياة والحيوية، يصير في الكون صورة مثلى للعطاء الإنساني عندما تحتفي به العقول، وتضعه في مقام الأيقونة المتوجة بالحب. شارقة البذل والسخاء ترسم صورة المستقبل على الجباه البضة، وعلى الجبين اللجين، وتذهب بالجيل نحو غايات ورايات وساريات تبعث على السرور والفخر، وتؤكد أن بلادنا هي المنطقة الخضراء التي تنمو فيها أعشاب الحلم الجميل، وتزدهر أفئدة الطير، وهو يطوق الفضاء بأجنحة الفرح، منتمياً إلى الوجود بكل جوارحه وبوحه. اعتماد الشارقة مدينة صديقة للطفل، هو اعتراف عالمي بأن للأطفال أجنحة لا تنمو إلا في المكان الصحيح، وأن للأطفال بوحاً لا يصفو إلا في الشارقة، لأن لهذه الإمارة موعداً مع الطلائع، وطريقاً لا يسلكه إلا العشاق، والذين في قلوبهم شغف الانتماء إلى الكون من دون حدود، ومن دون موجات تعرقل مسيرة السفينة باتجاه الأفق.…

لماذا المرأة؟

الثلاثاء ١٥ مايو ٢٠١٨

المرأة مرآة العالم، ولو صفت زجاجتها، لأصبحت وجوه العالم أصفى من ماء النهر.. المرأة شجرة لو أسقيت بماء المكرمات، لأثمرت وأعطت وأسخت وفاضت بثراء القيم والشيم.. المرأة وهي الوردة، إن ساطتها ألسنة اللهب، ذبلت وتلاشت وفقدت عطرها. المرأة فراشة، ألوانها من فرح الناس من حولها، فإن عجفت مشاعرهم، واكفهرت وجوههم بهت اللون على جناحيها، وانطفأت وانكفأت، وانسحبت إلى مراحل ما قبل التكوين. المرأة نهر يحمل كل نفايات العالم، وكل خراب التاريخ، ولا يتلوث، بل يذهب صوب الحقول ليروي ويشفي الظمأ.. المرأة حصن جدرانه من جدائل مشاعر، رتب خصلاتها زمن الفطرة.. المرأة بفطرتها تعلو، وبعفويتها تسمو، وبحريتها تصيغ الحياة من قماشة الحرير، وتجعل فناء العلاقة مع الآخر، معشوشباً زاهياً مزدهراً ثرياً جلياً نقياً، تزينه الابتسامة المشرقة. المرأة مثل التربة، إن اعتنيت بها واحترمت رملها، أينعت من بين حباتها أغصان وأفنان.. المرأة أحبها نيتشه، فأعطاها كل فخر فلسفته، وعشقها سارتر، فألهمته جل ما قدمه للعالم من فكر، المرأة اصطفاها الأنبياء، لعظمة شأنها وسمو قدرها. المرأة لو شاخت عروق الحب في الكون، ما شاخ الحب في قلبها، لأنها هي الحب في حد ذاته، لأنها المكان الذي يبزغ فيه شعاع الرحمة، لأنها من أول يوم من ميلاد الكائن الصغير تمنحه النظرة مشفوعة بقبلة، مطوقة بدفق الحنان، وفي سهر الليل تكون المناغاة، وتكون بداية التحليق…

تآخي الأديان

الأحد ١٣ مايو ٢٠١٨

يقول روسو: «لو اكتفت البشرية بما أملاه الخالق على قلب كل فرد، لما وجد على الأرض سوى دين واحد. ويقول انزع من قلب الإنسان حب الجمال، تسلب الحياة روعتها وجاذبيتها». هذه هي سمة القلب وسجيته وفطرته وعفويته، هذه هي قدرة القلب النقي على استيعاب ما في الحياة من متناقضات، ومختلفات، إنه يدفع بالتي هي أحسن، ويجعلك شفافاً واسعاً مثل النهر، تضم كل الطيور والأعشاب، وتحتضن مشاعر المخلوقات من دون تمييز أو تلوين أو محاصصة أو اصطفاف. وهذه هي الإمارات اليوم، هي النهر الواسع، الممتد عبر الأكوان، لتضع الإنسان في خيمة الألفة، وتحتوي تطلعاته إلى الحياة الدافئة، الزاهية، المزدهرة بالحيوية، وعدم الاكتظاظ بالرواسب، والخيال الرمادي. هذه هي الإمارات تقود العالم إلى الشمس، إلى السماء الصافية، وتعمل على تهذيب القيم وتشذيب الشجرة من الأوراق الصفراء الذابلة. العالم المتطور، والمستنير لا يحتمل الأفكار الضيقة والداكنة، العالم ذاهب إلى الحياة بوعي الاستنارة، ذاهب إلى حيث تكمن الزهرة المتفتحة، وإلى حيث ترتع الغزلان وسط العشب القشيب، ومن يحيد لا يجد غير الصهد والنكد والتخلف، والتلاشي في غضون الأشواك والهلاك. الذين يصطفون إلى دين هم أناس كارهون للحياة، هم أشخاص لا يرون الجمال الذي خلقه الله لكي نفهم قدرته على جمع الجنس البشري ضمن جينة دينية واحدة، وهو الذي دعانا كي نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله،…

القوة الناعمة

الأحد ٢٩ أبريل ٢٠١٨

الثقافة مثل النهر، قوتها في صفائها وتأثيرها في زخم عطائها، وأشجار الحياة لا تنمو إلا بمستوى جريان النهر في عروقها، ولا ترقى الأمم إلا برسوخ ثقافتها وامتدادها باتجاه العالم، وتفرعها واخضرار أوراقها. في الإمارات، هُناك الوعي المتجذر في السقف الثقافي، وهناك الطموح بأن تكون الثقافة القوة الناعمة، ولسان البوح الجميل الذي يرسم صورة الوجدان الإماراتي، والاقتناع بأهمية أن يكون للكتاب مقعد في مجالس الحوار الإنساني، وأن يكون للمثقف حضور في منابر السرد، وما يداخله من قيم وشيم تضيء الفضاء بكلمة سواء تدحض الافتراء، وتجهض الهراء، وتمنع كل ما يفسد مجرى النهر، ويعكر صفاءه. اليوم لم تصبح الثقافة ترفاً وطنياً، أو اجتماعياً، ولم تضح تنفيساً عن ذات مكبوتة، بل هي تحريض حقيقي للذات كي تفرض وجوداً في الوجود، وتفتل خيوط الحياة، كي تصبح قماشة الحرير التي تضع نعومتها على الجسد الإنساني، فتمنحه الجمال، وتهبه حب الحياة، وتفتح للنفس قنوات بسعة المحيط باتجاه الآخر من دون رواسب أو شوائب. فعندما تصفو الثقافة، يصير النسيج البشري، مثل رقراق الماء، مثل أوراق التوت، مثل أشواق الطير، مثل أعناق الإبل مثل أحداق الغزلان. الإنسانية بحاجة إلى ثقافة تنقي الأفكار، وتصفي قاع البئر. الإنسانية بحاجة إلى ثقافة الانتشار السلمي للأفكار، ووعاؤها الحب، ومنطقها الطموح اللا منتهي لتحقيق السلام النفسي والطمأنينة، وكبح جماح النفس الأمارة، وتأثيث الأفئدة…

اتحاد الكتاب.. عزوف يشبه الانتحار

الأربعاء ٢٥ أبريل ٢٠١٨

اتحاد كتاب الإمارات بيت الفعل الثقافي، وهو المنطقة التي تنمو فيها أعشاب الفرح، عندما تلتئم الأكتاف وتصير كأغصان شجرة السدر تشد بعضها بعضاً، ولا تجعل للعصافير فجوة الفرار من العش، ولكن ما يحصل الآن هناك تقطيبة على الجباه، مبررها اللا شيء، ومحتواها أنا ومن بعدي الطوفان، وهذا يشبه ما يحصل في المجتمعات السياسية عندما استنفر المدعون، وهدموا المعبد على رؤوس أصحابه، وبقيت المجتمعات مثل قوافل النمل الهاربة من جحيم التشظي. اتحاد كتابنا يحتاج إلى أفراد أسرته، كي تتصافح القلوب قبل الأيدي، ومن دون تصنيف أو تجفيف منابع الحب الذي هو النهر الذي يروي الجذور، ويجعل من التربة حاضنة لكل الأعشاب بألوانها المختلفة، ونحن بحاجة إلى الاختلاف ولكن من دون طواف حول الأنا المتورمة، ومن دون عبادة الذات المحتقنة، ومن دون اللجوء إلى الألغاز التي تفجر نيران الذاتية الفجة والقميئة، والتي لا تعبر إلا عن ضغائن شخصية لا تخدم للود قضية، بل تحول الاتحاد إلى منصة للصراخ الذي يصم الآذان، ويعمي الأبصار عن رؤية الحقيقة، وحقيقة الاتحاد أنه قدم الكثير للثقافة الإماراتية، ومد الشراع إلى المحيط العربي، بحيث أصبحت الإمارات الحضن الدافئ الذي يضع الاتحاد العام للكتاب العرب بين ربوع المحبة والاهتمام، وهذا يكفينا شرفاً أن نكون الحصن الحصين للثقافة العربية، وقد يقول قائل، هذا لا يكفي، وهذا صحيح ولكن الذي…

شارع علي المسماري

الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨

منتمون إلى الشهيد، ذاهبون إلى اسمه، لنلوّن بدمه وجداننا، ونجعل الطريق إلى المجد يبدأ من ذكراه التي تسكن الشوارع، وقارعات ونواصي أحلامنا وأيامنا. علي خليفة المسماري، وكوكبة من شهدائنا الذين أضاؤوا منازلنا بالكرامة، وشرف الانتماء إلى وطن الفخر، والرجال الأماجد، هؤلاء مناراتنا وجبالنا الشم، ننظر إلى المرآة فنراهم، ثم نرى أنفسنا، ثم نرى وطناً يعرج إلى العلا، مجلجلاً بخلاخيل الفرح، وهو يزف عرسان الجنة إلى مثوى الخلود، ويمضي بكبرياء، زاهياً بين الأمم، تضيء سماؤه أسماء رصعت على جبين الوطن لآلئ النصر على كل باغ وطاغ، ومعتد أثيم، ومدت قلوبنا بدماء البهجة، والأمن وقوة الإرادة، لأن وطناً تحرسه أرواح أطهر من ماء النهر، لا تشيخ جذوره، ولا تنثني أغصانه، ولا تعجف أوراقه، ولا تغادر طيوره أعشاش الدفء، والحب والحنان. وطن تطوق تضاريسه سواعد رجال أوفياء، أتقياء، أنقياء، لا يتعكر ماؤه، ولا تتخثر دماؤه، أنه وطن كالنهر يذهب إلى الحياة صافياً، أزهى من نور البدر، وأنصع من قرص الشمس، وأوسع من حلم الموجة على شطآن الخير. شارع علي المسماري في جزيرة الريم، هو صفحة من صفحات هذا البلد، تفتح في كل صباح ليقرأ الجيل عن رجال ضحوا من أجل حرية الإنسان، وقيادة تغرس في الوجود، ثوابت الوفاء، والتفاني من أجل وطن ينجب النبل بصورة رجال يتفانون من أجل أن يكون الوطن هو…

أيام الشارقة الثقافية

الجمعة ٢٠ أبريل ٢٠١٨

في الشارقة أيام تمضي باتجاه النهر، وفي أحشاء قاربها يكمن السر، وشراعها يرفرف ببياض التاريخ، وزخمه التراثي. في هذا الاحتفاء البهيج رجال دأبوا على إرواء الحياة بماء الذاكرة الحية، ويرسمون على الأرض صورة الإنسان الذي نحت بأصابعه لوحة الفن الأصيل، وأشاع في الوجود معنى التضحية من أجل أن يكون هو والآخر في سفينة واحدة يعبران المحيط، ويروضان الموجة، كي لا تخفق بالهلع. في أيام الشارقة التراثية، الماضي يسري مثل الماء في الذاكرة، ويمد يداً ناصعة من غير سوء باتجاه الحاضر، ويغدق المستقبل بأحلام أزهى من زهرة اللوز، وأماني مزخرفة بالثقة والأمان، وكم هي رائعة هذه المرأة كبيرة السن، وهي تخفق الدقيق بالماء كي تصنع رغيف الحاضر، مغموساً بملح الأمس، وكم هي شائقة هذه الرقاقة الشفيفة، وهي تشف برائحة الأمس مغسولة بجمرة الأيادي المعروقة، وأحلام الشجرة السامقة في فناء البيت القديم. أيام الشارقة التراثية، عود أبدي لفلسفة المكان، وبوح الزمان الإماراتي الجميل، هنا في هذه الأيام المشرقة بوجوه الساعين صدقاً لتكريس واقع ما كان له أن يصمد في وجه الموجة العارمة، لولا جهود المخلصين الكادحين في وضح النهار، وعند إغماضة الليل لأجل أن يبقى الماضي حاضراً، وأن تستمر الذاكرة في اليقظة، ويهنأ الإنسان بغذائه الروحي من دون منغصات، أو نسيان، ومن دون ترهل أو تساهل، أو تجاهل، لأننا في حضرة الذاكرة…