عوض بن حاسوم الدرمكي
عوض بن حاسوم الدرمكي
كاتب وشاعر إماراتي

التكرار «ما يودّي دار»

الأحد ٠٩ سبتمبر ٢٠١٨

وقف مؤسس شركة Apple الراحل ستيف جوبز ملقياً كلمة في حفل تخرّج دُعي إليه، قبل أن يختم تلك الكلمة المؤثرة نظر لوجوه الطلاب وكأنه أراد أن يعوا جيداً ما سيقوله ثم أردف بصوتٍ هادئ: «خلال الثلاثة والثلاثين عاماً الماضية، كنتُ أنظر للمرآة صباح كل يوم ثم أسأل نفسي: (لو كان هذا آخر يومٍ لي في الحياة، فهل كنتُ سأقوم بما أقوم به حالياً؟) فإنْ وجدت الإجابة (لا) لعدة أيام متتالية حينها كنت أتيقّن أنّه لابد من تغيير بعض الأمور»! النفس البشرية ذات ارتباط شديد بالنمطية وتكرار السلوكيات، تبحث عما عرفته وأَلِفَته وليس شرطاً بأن تُحبه، تنساق طوعاً لما يفعله البقية حتى لا تبدو شاذّة عن المجموعة، ولست هنا في مقام انتقاد هذه النزعة البشرية لأنّه مما فُطِرَ عليه الناس أو نما وتراكم مع الأيام ولم يعد بالمقدور الخروج عنه خاصة إنْ كان نَسَقاً مجتمعياً، بل لا أُغالي إنْ قلتُ بأنّه مطلوب لضمان وجود تناغم وتفاعل إيجابي دائم بين أفراد المجتمعات البشرية، ولكن ذلك لا يعني أن تؤخَذ هذه النمطية وتُطبَّق على كل شيء، فبعض المنعطفات المفصلية تحتاج خروجاً على ما ألِفَته النفس أو أطّرت به المجموعة نفسها! عندما أراد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، أن يُعزّز أبجديات التحضّر في مجتمع ما زالت نسبة كبيرة منه…

عُود الشِّكِل!

الأحد ٢٦ أغسطس ٢٠١٨

عندما تحركت الحكومة الأميركية لإنقاذ ودفع كفالة مالية باهظة لإخراج عملاق السيارات جنرال موتورز من الإفلاس، كان الهدف الرئيسي هو إعادة «أيقونة» صناعة السيارات العالمية لواجهة المشهد لما تُمثّله من وجهٍ مهم من أوجه الهيمنة الأميركية، فضلاً عن تأثر مئات الآلاف من العوائل نتيجة تسريح عائليها من موظفي الشركة التي أُدرجت تحت قانون الإفلاس، كان الإنقاذ من حكومة أوباما عام 2009 مشروطاً بأمر واحد: إقالة الرئيس التنفيذي ريك واغونر! لماذا هذا الشرط الغريب؟ لماذا يُقال رجل عالي التأهيل وطويل الخبرة و«ذَلِق» اللسان، السبب ببساطة أنّ الغرب لا يتعاملون بالعواطف، ومبدأ «أفا عليك عطه فرصة ثانية وبيبيّض ويهه»، واغونر هذا أدار الشركة التي كانت يوماً ما أكبر شركة سيارات في العالم لمدة ثماني سنوات رئيساً تنفيذياً، عندما كانت نزعة العملاء تتجه بوصلتها لاقتناء السيارات الصغيرة ذات الاستهلاك المنخفض للوقود كان هو لا زال مراهناً على السيارات الكبيرة لأنها «كانت من قبل» ذات هامش ربحي عالٍ، فكان فشله نتيجة طبيعية لأنه سار عكس كل المؤشرات، وبسبب سياساته «الطرزانية» فقدت جنرال موتورز 90% من قيمتها السوقية وتكبّدت خسائر مرعبة تجاوزت 82 مليار دولار في سنواته الأربع الأخيرة لوحدها! مثل ريك واغونر الكثير، ولآرائهم المرجوحة العديد من المطبّلين، ولقراراتهم الارتجالية متملقون يدافعون عنها حتى لو بان مع الأيام عوارها، وكما يعرف المختصون بعالم الإدارة…

الشاكون والشكّاكون

الأحد ٠١ يوليو ٢٠١٨

يتذكّر أكثرنا إنْ لم يكن جميعنا ذاك الفيديو للمؤسس زايد الخير، رحمه الله، وهو يقول: «والله العظيم أني ما كنت أعرف أن عندنا مواطنين ساكنين بالإيجار!»، ثم يوجّه بعض المعنيين حوله بضرورة أن تنقل له جميع احتياجات الناس من الفئات المتعففة، والذين لا يجدون وسيلة لإيصال طلباتهم أو تتلكأ الجهات الخدمية عن أخذ متطلباتهم بصورة جادة! منذ ذلك الموقف وتحسباً لوجود خطوط مسدودة أو قنوات لا تعمل بطريقة ملائمة قامت الحكومة الرشيدة بشقّيها الاتحادي والمحلي بالاهتمام بمراكز خدمة العملاء في مختلف مؤسساتها الخدمية لتحسين جودة خدماتها وتنويعها لتلبي حاجة جمهورها المستهدف، واستحدثت مبادرات «العميل السري» للتأكد من كفاءة القائمين على مراكز الخدمة وقياس مدى رضا العملاء الفعليين عنها، وشجّعت برامج الخط المباشر على التلفاز والإذاعة ليقف كبار المسؤولين على شكاوى وملاحظات وطلبات المجتمع المحلي، والتي لا تصل إلى متخذي القرار، وكم لاحظنا تفاعل أصحاب السمو الشيوخ حكام الإمارات مع حالات عديدة منها، وتدخلهم المباشر لحلّها أو الأمر باتخاذ اللازم حيالها بما أثلج نفوس كافة الناس. إنّ هذا التفاعل السامي والمستمر من أصحاب السمو لهو دلالة كبرى على إيمان القيادة بأهمية تواجد مثل هذه القنوات وتقبّلها للاستماع لما قد يُثْقِل كاهل البعض من أبناء هذا المجتمع، هذا التفاعل الإيجابي هو ما يجعل الإنسان يتعلّق بقيادته أكثر لأنه يرى العلاقة ليست علاقة…

عام زايد الذي نريد

الأحد ١٣ مايو ٢٠١٨

القدوات وُجِدَت لا لكي تزيّن أسماؤها صفحات الكتب، ولكن ليقتفي البقية آثارها، والرموز حظوا بالتقدير ليس لذات التقدير، ولكن لأنّهم مشاعل نور يستنير بضوئها من يأتي خلفهم، والقامات لا تنتظر مديحاً، ولكنها تنشد أن ترتفع لها وبها أعناق القادمين، فلا يرضوا بسفاسف الأمور ولا ينقادوا مع الغوغاء الذين لا يضيفون لهذه الدنيا شيئاً سوى ثُقلهم عليها قبل أن يغادروها غير مأسوفٍ عليهم! ها قد وصلنا إلى قرابة منتصف العام الذي تشرّف بأن يُسمّى عام زايد، تمر بالمباني الحكومية والمؤسسات والمتاجر الكبيرة فلا تُخطئ عيناك صور الراحل الكبير، عليه مغفرة الله ورحمته، تغطي مساحات كبيرة من جدرانها الخارجية، وتمر في المكاتب وببعض المجالس، فتجد صوره بدبابيس معدنية تُزيّن صدور «الكنادير»، يرنّ هاتفك الذكي كثيراً بوصول سيلٍ لا يتوقف من ملفات الفيديو التي تحمل مقاطع من كلماتٍ مسجلة له، رحمه الله، بذلك الصوت الملائكي، الذي يأخذ بالذاكرة والأنفاس والأزمنة معها، ولكن رغم تلك الحفاوة وهذا الجهد إلا أنّ هناك شيئاً ناقصاً، شيئاً كبيراً للغاية، إنّه زايد نفسه! زايد ليس صورة جدارية تُعلَّق، وزايد ليس دبوساً فضياً أو ذهبياً يُزيَّن به الصدر، وهو ليس فيديو يتم تناقله ثم وضعه في تويتر ليحصد «ريتويتات» كثيرة يتباهى بها صاحبها وهو ينتظر زيادة المتابعين، وهو ليس «هاشتاغ» يفرح به البعض أنّه وصل للـ«ترند»، زايد ليس جسراً…

ليس كل ما يعرف يقال

الأحد ١٤ يناير ٢٠١٨

من جميل ما يُروى عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قوله: «ليس كل ما يُعْرَف يُقال، وليس كل ما يُقال حَضَرَ أهلُه، وليس كل ما حَضَرَ أهلُهُ حان وقته، وليس كل ما حان وقته صَحَّ قوله». بدايةً، وقبل أن أتوسّع في الحديث في ضوء هذه المقولة الرائعة، يهمني التأكيد على حقيقة لا بد من بيانها، والاتفاق عليها، حتى لا يُساء فَهْمٌ أو يُشوَّه معنى فكرة، فحب الوطن متأصلٌ في نفوس أبنائه، وخلال السنوات القليلة المنصرمة، والتي حفلت بالكثير من الأحداث والتحديات. رأينا جميعاً مقدار حب أهل الإمارات لبلادهم، وحرصهم على أمنها، ووقوفهم غير المشروط خلف ولاة أمرهم، هذا الأمر هو أهم بكثير من كل المنجزات المادية، فالإنسان هو عماد أي وطن، وأساس كل مدنية، فإنْ صَلُحَ اشتد عود الوطن، وأينعت أوراقه، وإنْ خَبُثَ تردى وطنه إلى عالم الفشل! أبناء الإمارات أوفياء لبلادهم ،كما ورثوا ذاك من آبائهم وأجدادهم، وكما سيورّثون هذا لأبنائهم وأحفادهم بإذنه تعالى، وهذا الحب والوفاء والحرص، ليس محل نقاش، ولا مدار مساومة أو موضع تشكيك، فتماسك اللُّحْمة الوطنية وتناغم النسيج المجتمعي للدولة، أمرٌ يُثلِج الصدور، ونحمد الله عليه، ونغبط أنفسنا به. وما دامت القلوب متفقة، فإنّ البناء متماسك، وما دام في نفوسنا مساحات لتقبّل اختلاف وجهات النظر التي لا تؤثر في سلامة الوطن وأمنه،…

لا يعرف الفضل لأهله إلا ذووه

الأربعاء ٠٣ يناير ٢٠١٨

في معمعة ألفية ثالثة مُرْبِكة التداعيات، ووسط محيط جغرافي يعج بالاضطرابات والدول الفاشلة، وخلال مرحلة مفصلية تكتوي بنيران الإرهاب والمؤامرات الدولية والحروب الأهلية، تسير سفينة الإمارات في ثبات على ثقةٍ من صواب مسارها وإيمانٍ بقُدرة وكفاءة مُسيّر دَفّتها. دولةٌ بناها الكبار وحمل رايتها منهم كبارٌ نهلوا من ذات المعين وصدروا عن ذات المشرب، كبارٌ لا يتلونون عندما تتلوّن أوجه الدنيا من حولهم، ولا يُحْجِمون عن نُصرة الحق عندما يدبّ الخوف في أوصال المتشدقين، ولا تنام أعينهم قبل أن يتأكدوا أنّ كل عينٍ في بلدهم نامت آمنةً مطمئنةً على ليلتها وغَدِها، تتسع قلوبهم لاحتضان الجميع وأيديهم لمساعدة من ألمّ به الدهر وخذله الأقربون في مشارق الدنيا ومغاربها. قام الكبير وشَكَر الكبير فتوقّف الزمن ليخطّ لأجياله القادمة عن مأثرةٍ من مآثره، فلا يعرف الفضل لأهله إلا ذوو الفضل، ولا يُقدّر قيمة الإنجاز إلا رجل الإنجاز ولا التعب إلا من أتعب الليالي لأجل أن يخلق لشعبه فلكاً ومداراً لا يُشاركها فيه أحد، وقف «حارث البحر» صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ليشكر نيابة عن قلوبنا قبل أسمائنا أخاه «زايد المرحلة» صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. نعلم أنّ أبا خالد لا ينتظر مِنّا شكراً، فالأب لا ينتظر على حنوّه وحبه ورعايته لأبنائه مفردات شكر، لكنّ هذا أقلّ ما نستطيعه…

درسٌ للتاريخ

الأحد ١٠ سبتمبر ٢٠١٧

في الدير الملكي بمدينة برغس الإسبانية Burgos يتسرّب صوت التاريخ المكتوم من أحد جوانب الدير حيث يتراءى عَلَمٌ من الحرير المطرّز بالذهب والفضة، طوله ثلاثة أمتار وثلاثون سنتمتراً وعرضه متران وعشرون سنتميتراً وعلى حواشيه آيات قرآنية ودعاء بخط عربيٍّ بديع. لم يكن ذلك إلا عَلَم المسلمين في معركة غريبة الأطوار والملابسات والأحداث وفاجعة النتائج، معركةٌ خلّدها الرسام فرانشيسكودي باولا فان هيلدن ولا تزال محفوظة في مجلس الشيوخ الإسباني، تُظْهِر تفاصيلها ألفونسو الثامن ملك قشتالة وجيوشه تُثخن سيوفهم وحرابهم ونبالهم في جيش المسلمين بقيادة الناصر الموحدي. كانت قد مرّت قرابة التسعة عشر عاماً على مرارة هزيمة القشتاليين وحلفائهم في معركة الأرك Batalla de Alarcos أمام المنصور أمير الموحدين وهي المعركة التي أوقفت انهيار الوجود العربي الإسلامي في الأندلس. ولكن أسوأ الانتصارات هي تلك التي تحمل في داخلها بذور الهزيمة، وأردأ الأخطاء هي تلك التي يكررها الإنسان دون استفادة لأسبابها الأُوَل، لذلك كانت الكارثة التي حدثت في معركة العقاب أو كما يسميها الإسبان Batalla de Las Navas de Tolosa أكبر مِن أن تُحتَمَل، ولئن اعتبرها الأوروبيون أعظم معارك حروب الاسترداد Reconquista فإنها كانت الإسفين الذي دُقَّ في نعش الأندلس المسلمة ولم تَقُم لها بعدها قائمة! هو درسٌ للتاريخ، لكننا لا نقرأ من التاريخ إلا ما يرضينا ويُشعرنا بالرضا، نقرأ باستفاضة عن الانتصارات…

مملكة القلوب

الأحد ٠٣ سبتمبر ٢٠١٧

البيوت السعيدة -كما يُؤْثَر في الأمثال- لا صوت لها، وكذلك الأمم العظيمة لا تحتاج إلى الصراخ والاستعراض الأجوف لكي تُثبت مكانتها، فإنجازاتها تتحدث عنها بأبلغ طريقة وإنما يعلو صوت ضُعفاء الحيلة وصغار القوم، وحدهم العظماء من تصح بهم مقولة قبائل الأباتشي: «من الأفضل أن يكون لديك قليل من الرعد في فمك والكثير من البرق في يديك». منذ سنين طويلة للغاية والمملكة العربية السعودية تستقبل كل سنة حجاجاً من كل بقاع الدنيا وبأعداد تفوق سكان دول كاملة، وعندما كانت عدوة العرب الكبرى طيلة تاريخها «إيران» تسعى في كل موسم حج إلى إثارة القلاقل وإحداث الفوضى، والتي وصلت إلى حد التفجيرات الآثمة من أجل سعيها إلى تدويل الحرمين كانت المملكة تعمل المستحيل لحماية ضيوف الرحمن وتسهيل أدائهم للمشاعر المقدسة. وهو الأمر الذي أجادت فيه بشكل لا يمكن تجاهله فضلاً عن التفوق عليه، وكم كان مضحكاً أن تقوم دولة لا تستطيع تنظيم مباراة كرة قدم دون حوادث على أرضها لتحاول التشغيب على دولة تنظم أكبر تظاهرة في تاريخ البشرية كل عام بكل سلاسة وأمان. هذا العام بلغ عدد الحجاج مليوني حاج، من أوروبا وحدها 200 ألف من 28 دولة، ولأجل خدمة الحجيج وظّفت مملكة الخير 21 ألف شخص لتصعيدهم، وأكثر من 300 ألف عسكري ومدني ومتطوع للاهتمام بهم ومساعدتهم والحفاظ على سلامتهم وراحتهم.…

وما بدّلوا تبديلاً

الأحد ٢٠ أغسطس ٢٠١٧

الدول العظيمة لا تبنيها أحلام اليقظة ولا تؤسسها النوايا المبيّتة على الشر ولا تُعمّرها «التربيطات» والتحالفات التي تستهدف تفريق الشمل وتحريف المعتقد والتي لن يُنقّيها بعدها ماء السماء لشدّة ما اقترفت من آثام في حق الآخرين فضلاً عن أن يرفع عنها اللوم ادّعاء فعل الخير، قال تعالى في وصف أمثالهم: «والذين اتخذوا مسجداً ضِراراً وكُفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لِمَن حارب اللهَ ورسولَهُ مِن قبل ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أردنا إلا الحُسنى واللهُ يشهدُ إنهم لكاذبون» والدول العظيمة لا يرفع رايتها إعلامي مرتزق يوالي من يدفع أكثر حتى وإنْ كان الشيطان نفسه، ولا يُعلي قدرها المجنّسون من غرب الدنيا وشرقها للحصول على القشور وتزييف الواقع بمظهر خلّاب كاذب، ولن يوطّد أركانها حزبيون يرون مَن عداهم مخطئاً وقاصراً عن الفهم وواجب الإقصاء، وإنما يرفع رايتها أبناء الوطن المخلصون ويعلي قدرها من يستلذ الموت وينشده لكي يبقى ترابه عزيزاً مكرّماً، ويشد أوتاده كما تشدها الجبال الرواسي، من يُري الطامعين والمتربصين في الظلام بأنّ نجوم السماء أقرب مِن أن يمسّوا حبة رملٍ واحدة له. الأوطان غالية وذاك ما لن يفهمه المرتزقة أبداً لأنّه لا أوطان تتشرّف بهم ولا أراضي ترضى بأن يُنسَبوا إليها، بل يفهم قيمة الوطن أمثال ذلك البطل الذي فقد ذراعه في معارك إعادة الأمل لليمن الشقيق، ولـمّا أتاه صاحب السمو الشيخ محمد…

محمد بن زايد غُصّة الخونة

الأحد ١٣ أغسطس ٢٠١٧

«حشد العقلاء أمرٌ معقّد للغاية أما حشد القطيع فلا يحتاج سوى راعٍ وكلب» هذا ما قاله ويليام شيكسبير وهوما تعيه حكومة قطر جيداً وتنفّذه بما عُهِد عنها من البراعة في التآمر والاحترافية في التلاعب بالمصطلحات والميكافيلية الفجّة في تبنّي أي فكرة ونقيضتها والمسار وضدّه، فهم يعلمون أنّ العقلاء لن تنطلي عليهم أكاذيبهم التي كشفتها الحقائق الدامغة، لذلك يراهنون على الغوغاء، ولأنّهم لا يملكون قدرة على التخويف فإنهم يستبدلونها بالريالات التي تتناثر شرقاً وغرباً على كل صعاليك الدنيا ومرتزقة الإعلام. هذه الأيام يبدو أن ميزانية الحكومة الكرتونية بالكامل تم توجيهها لمحاولة النيل من ذاك «الرجل» الذي هزّ مشروعهم العابر للحدود من أساسه ونسف أحلام تنظيم حزبي استمر لقرابة الثمانين عاماً وهو «يُطبَخ» على نار مكرٍ هادئة حتى زلزلهم وأتاهم من حيث لم يحتسبوا فجُنَّ جنونهم هم وداعموهم من حكومة قطر وأبانوا عن رداءة منبتهم وانعدام قيمهم، وهم لم يتركوا أكذوبة إلا وحاولوا تلفيقها لهذا الرجل الذي لم يرضَ أن يرى بلاد العرب ومصائر شعوبها تُصبح ألعوبة في أيدي من لا يعرف من الدين إلا ما يؤثر به على مشاعر البسطاء ولا من مثاليات الحرّية إلا ما يدفع به أمامه جماعات الحمقى من أنصاف المثقفين والـ«ماكلين مقلب في حالهم»! يكرهون ذلك الرجل.. يكرهون محمد بن زايد لأنه رفض أن تُغتال أحلام شعوب…

حكومة غير قابلة للنضج

الأحد ٣٠ يوليو ٢٠١٧

في كتابه الرائع «من حرّك قطعة الجبن»، والذي تضمن سرداً روائياً لتعامل الطبائع الإنسانية مع التغيير، يُسلّط سبنسر جونسون، الضوء على شخصية «هيم»، وهو يمثل ذاك الإنسان الذي لا يرى الواقع إلا كحدث ثابت لا يجوز إطلاقاً أن يتغيّر، وإنْ تغيّر فلا بد أنه سيعود لما كان عليه سابقاً. لذا، لم يُصدّق أن الظروف من حوله قد تبدّلت، وأن ما كان موجوداً بالأمس ويمثل حياة هنيئة له، لم يعد موجوداً حالياً، وبالتأكيد لن يكون حاضراً في الغد، وعبثاً حاول صديقه «هاو» إقناعه بضرورة الرحيل بحثاً عن مكان آخر يستطيعون العيش به، قبل أن يقتلهم الجوع، لكن دون جدوى حتى هَلَك. أمثال «هيم» كثيرون للغاية، وهم يشكلون خطراً على أنفسهم، لأنهم يسيرون دوماً خلاف المسار المفترض، ويشتد خطرهم ويتّسع أثره عندما يُمسك أحدهم بتلابيب إدارة مؤسسةٍ ما، ويكون كارثياً عندما يدير دولة بكاملها، تماماً كما يجري حالياً في دولة مجاورة، والتي لا يبدو أنها تريد أن تُصدّق أن مَن حولها قد قاطعها فعلياً، وكشف سجلاتها التآمرية. ولا تريد أن تُصدّق أنّها أصبحت عارية تماماً أمام الشعوب التي كانت تفترضها شقيقة لها، ولا تريد أن تصدق أن آلتها الإعلامية التي عبثت كمبضع جرّاح مجرم بأوصال أوطان عربية كثيرة، لتؤجج الفتن وتهيّج الشعوب المسحوقة، لتحرق بلادها من أجل أن تصبح أكثر اخضراراً، قد…

كُنّا معهم

الأحد ١٦ يوليو ٢٠١٧

كنت أمر على تلك الحكمة القديمة بأنّ «البعض يخلق السعادة حيثما يرحل والبعض يخلقها عندما يرحل»، وأحاول إسقاطها على واقع البشر فيتعذَّرُ عليّ ذلك، لم أكن أجد ترجماناً حقيقياً لها على كثرة أقنعة البشر وسرعة تغيّر أمزجتهم وتبدّل شخصياتهم وفقاً لتغيّر مصالحهم، لم أشعر بمعناها حقاً حتى حطّت بنا الرحال ليلة العيد في الحد الجنوبي. تحرّكنا بعد صلاة العيد باتّجاه «صانعي السعادة» وصائني المجد وحُماة الأوطان، كان العيد هذا العام مختلفاً بالنسبة لي ولرفاقي في تلك الزيارة السريعة، كان عيدنا فعلاً رؤية أبنائنا وإخواننا من أبطال قواتنا المسلحة المرابطة في الحد الجنوبي، كان العيد جميلاً كجميل فعالهم، نقياً كنقاء أرواحهم، بشوشاً كبشاشة وجوههم وهم يبادلوننا التهنئة بالعيد، غَبَطْتُهم. وأنا أمشي ورفاقي بـ«كنادير» العيد وهم يرتدون ثياب الرجال ويرفلون بألوان الأبطال ويزيّن أكتافهم علم الوطن الغالي، الوطن الذي من أجله وأجل حماية مَن به وما به تركوا ديارهم وأهلهم، فسطّروا المآثر وخلّدوا بيض الوقائع، فنصروا الشقيق الضعيف، وأنجدوا البائس المستغيث، وأركسوا الصائل الغادر، وكتموا أنفاس الشر قبل أن تحرق كامل جزيرة العرب. ما لاحظته ولاحظه رفاقي أنّ الابتسامة لا تفارق وجوههم، ابتسامة صدق لا تصنّع من أجل فلاشات كاميرات أو تجمّع مصطنع، كانت هناك روحٌ من نوعٍ مختلف يشعر بها كل من يدخل تلك المعسكرات، روح عزّةٍ وأنَفَةٍ تجعلك تريد أن…