عائشة سلطان
عائشة سلطان
مؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان

في عام زايد..الإمارات كما أرادها

الجمعة ١٩ يناير ٢٠١٨

مضى على تاريخ الثاني من ديسمبر 1971، ست وأربعون عاماً، منذ اليوم الذي رفع فيه الآباء المؤسسون لدولة الاتحاد علم دولة الإمارات من مبنى الاتحاد الكائن في نهاية شارع الضيافة في إمارة دبي. ست وأربعون عاماً مضت على تلك اللحظة التاريخية الخالدة والفاصلة التي وقف فيها معالي أحمد السويدي مستشار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأول وزير خارجية في تاريخ الدولة، ليقرأ البيان الرسمي لإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة كدولة عربية مستقلة ذات سيادة. ومنذ ذلك اليوم وحتى هذه اللحظة الراهنة، وهذه الدولة تواصل التزامها بنهجها العروبي الثابت وبالتزامها تجاه الجميع، بيتاً للجميع، ويداً لكل الإخوة، وقلباً باتساع العالم، وإرادة سياسية حقيقية لتجسير الفجوة والانتصار على كل العراقيل والصعوبات، عبر مشاريع تنمية ونمو مستدام ومتصل ومدروس، وعبر إصرار على الانفتاح على العالم بكل أعراقه وثقافاته. واليوم فإن النتائج ليست مطمئنة فقط وليست مرضية فقط، ولكنها تكاد تلامس الإعجاز واللامعقول. نحن نحتفل هذه السنة 2018 بعام زايد، وزايد رمز يعيش فينا كل يوم، في أبنائه من بعده، وفي منجزنا الإنساني المشهود، في مدننا وإماراتنا، في أسماء أبنائنا، في كتبنا، في كل مكان هنا وهناك وعلى امتداد الإمارات. ولن نكون مبالغين إذا قلنا بأنه ينام قرير العين مطمئناً إلى ما حققه الإماراتيون على امتداد العالم. لقد وصل أبناء…

المشكلة ليست في التقاعد

الأربعاء ١٧ يناير ٢٠١٨

أنت متقاعد من وظيفتك، مضى عليك حتى الآن عدة سنوات، تلك ليست كارثة أو أزمة مطلقاً، كما أنك لا تعاني من مشكلة أو مرض ما، هذا واقع مر ويمر وسيمر به ملايين البشر في كل مكان، فالجميع في كل مكان يعملون حتى سن معينة، يشتغلون بأقصى طاقتهم الجسدية والذهنية، إلى أن تأتي تلك اللحظة التي يقول لهم فيها القانون أو يقولون هم لأنفسهم: لقد حان وقت التوقف، وجاء وقت الراحة والاستمتاع بما تبقى لي من العمر. هناك من يتقاعد باكراً جداً، لأنه وجد فرصاً أفضل وأكثر فائدة وملاءمة له، وهناك من يؤجل هذه الخطوة حتى آخر دقيقة، يعتمد ذلك على الخطط البديلة التي يمتلكها كل إنسان لمرحلة ما بعد التقاعد، والأنشطة المتوافرة في مجتمعه أو في الحي الذي يعيش فيه والتي ستملأ وقت الوظيفة السابقة، بحيث لن يشعر أبداً أنه انتقل من كونه موظفاً إلى شخص يعيش الوقت تحت ضغط الفراغ القاتل. إن وجود خطط وأنشطة بديلة ستحول سنوات التقاعد إلى سنوات منتجة أيضاً! وبهذا فقط يتحول التقاعد إلى مرحلة جديدة في حياة الإنسان لا إلى مشكلة حقيقية وضاغطة جداً قد تقود صاحبها إلى الاكتئاب أو الصمت والانسحاب والشعور باللاجدوى من أي شيء في الحياة. نقترح على الجهات المختصة بالمعاشات والمتقاعدين أو بالشؤون الاجتماعية أن تنشئ مكاتب استشارية تقدم نصائح…

وفاء للذاكرة والمعالم القديمة

السبت ١٣ يناير ٢٠١٨

تابعت حواراً بين عدد من الشباب حول إزالة بعض المعالم القديمة التي مضى عليها سنوات طويلة في بعض مدن الدولة لأغراض التجديد والتطوير، كبعض المنازل القديمة، أو المعالم الرمزية في بعض الطرقات أو الأماكن العامة أو «دوارات» الشوارع الكبيرة، أو مداخل بعض الإمارات، فقد تحتاج بعض المناطق إلى إجراء تغييرات ضرورية فيما يتعلق بتجميل أو تطوير المدينة، أو توسعة بنية الطرق وتغيير اتجاهاتها، أو تحويل الدوارات إلى تقاطعات وهكذا، حيث هناك حاجة ماسة للتغيير في مدننا التي تتغير بشكل دائم، بفعل احتياجات النمو والتنمية والتطوير. ترى الجهات المختصة بأمور التطوير أن إزالة القديم وإحلال الجديد أمر لا بد منه، لكن أهالي المدينة لديهم رأي مختلف فيما يخص إزالة أي جزء من مدينتهم التي اعتادوا على كل تفاصيلها. حيث يصابون بردة فعل أشبه بالحزن أو الحنين لتلك المعالم، مع العلم أن بقاء تفاصيل أي مدينة أو منطقة كما هي، أو كما رأيناها مذ كنا أطفالاً أمر يبدو مستحيلاً حتى في تلك المدن العريقة التي استكملت تطورها واستقرت منذ زمن، ذلك أن التغيير هو القانون الثابت الذي لا يمكن مقاومته أو الوقوف في وجهه، فحيثما كان البشر وحيثما وجدت حركتهم وتكاثرهم ورغبتهم في التطور فإن التغيير يظل صاحب الكلمة الأقوى! إن كل بناء، أو معلم أثري أو سياحي أو حتى تجميلي، وكل…

نحن والبحر..جيران!

الأربعاء ١٠ يناير ٢٠١٨

في طفولتنا وسنيّ مراهقتنا الغضّة نتذكّر جميعاً أن خيارات اللهو ومتع قضاء الوقت كانت محدودة حين نصنفها بحسب معايير واقعنا الحالي، فبحسب هذه الأيام يمكنك أن تمضي وقتاً ممتعاً حتى وأنت في سريرك منذ أن تصحو من نومك صباحاً، وحتى تعود لسريرك في أي ساعة من ساعات الليل، أما إذا خرجت من بيتك فالخيارات أكثر من أن تعد. في المقابل كان علينا كأطفال وحتى بعد أن تجاوزنا الطفولة أن نصحو باكراً، لأن طلوع الشمس وأنت نائم كارثة بالنسبة لوالدتك التي أفاقت باكراً على صوت أذان الفجر، وعليك أن تصحو وإلا..!! لا تظن أن هناك ما ينتظرك إذا صحوت، فلا شيء في انتظارك فعلاً، إنها هي ذاتها تفاصيل الأمس التي غفوت وأنت تعدها متبرماً، الأزقة، الرفاق الغارقون في عشق اللعب والتسكع، البحر بنوارسه وقواقعه، وأصوات النساء، وروائح الطعام الذي بعد الغداء، ومدرسة القرآن التي ستذهب إليها عصراً، لا شيء آخر، لكنك أنت من عليه أن يجد شيئاً ما بين تفاصيل هذا المشهد اليومي المتكرر والرتيب، شيئاً من اللهو والعبث لتمضية نهار طويل بلا مدرسة، إذا كنت لم تُسجل في المدرسة بعد! كنا نصحو من النوم، نفتح الأبواب الخشبية لأفنية البيوت الصغيرة المتراصة، وننطلق إلى البحر، كسهام غادرت على عجل قوس محارب نزق، كان البحر ملهاتنا، والمتواطئ أبداً مع طفولتنا، يوفر لنا…

العالم بين زرّين

السبت ٠٦ يناير ٢٠١٨

يقول الروائي الإيطالي أنطونيو تابوكي «من الصعب أن يعثر المرء على إجابة مقنعة عندما تتعلق المسألة بمنطق القلب»، والعبارة جاءت على لسان بطل روايته، عندما كان يحاول أن يقنع صحافياً شاباً بضرورة أن يلتزم النزاهة إذا أراد أن يمتهن الكتابة بشكل جدي، ومنطق العقل هو الطريقة الوحيدة للكتابة بنزاهة ومهنية وإلا فإن عليه أن يترك الكتابة، قال ذلك وبلاده تخضع لحكم ديكتاتوري لا يعترف بأي حرية ولا يتصرف بأي منطق! إن التحكم في سلطة الإعلام وسلطة القرار لا يبرر الكذب على الجماهير ولا يجعل هذا الكذب مستساغاً، فإن كان ذلك ممكناً فيما مضى فقد أصبح من المستحيل قبوله أو تمريره في زمننا هذا، ونحن نعيش ثورة التكنولوجيا ووسائل الاتصال وانفجار المعرفة! لقد كان بإمكان الأنظمة القمعية في ثلاثينيات القرن الماضي أن تقلب الحقائق لصالحها، وتذبح الناس، وتلفق الأكاذيب، وتملأ الصحف بالمخبرين، وتراقب حتى دبيب النمل، كما في رواية «بيريرا يدّعي» التي كتبها «تابوكي»، منتقداً النظام الديكتاتوري في البرتغال في فترة ما بين الحربين العالميتين، عندما «وصل الى الحكم في كثير من دول أوروبا متطرفون ينوون وضع العالم بأسره على الحديد والنار»، لكن أوروبا تخلصت من ذلك كله بعد مخاضات عسيرة! إن كثيراً من بلدان الشرق تعيش تلك الديكتاتوريات التي تخلصت منها أوروبا، فالمتطرفون يملؤون الدنيا، في السياسة وأنظمة الحكم، حيث…

كيف تفكر الجماهير؟

الأحد ٣١ ديسمبر ٢٠١٧

في عام 1895، أصدر الكاتب الفرنسي غوستاف لوبون كتابه الشهير «سيكولوجية الجماهير»، وبعد أكثر من مئة عام قامت دار الساقي بترجمته للمرة الأولى، وذلك عام 1991، فحقق نجاحاً باهراً، قاد إلى طبعات عديدة لاحقاً، وهنا فليس صحيحاً أن ظهور الكتاب ارتبط عربياً بأحداث ما يسمى «الربيع العربي»، حيث ظهر الكتاب قبل اندلاعها بسنوات طويلة، إلا أن الكتاب في موضوعه كتاب في غاية الأهمية، من حيث المجال الذي يهتم بمناقشته وتفكيكه، خاصة الفكرة التي ارتكز عليها، والتي يمكن تلخيصها بأن الجماهير لا تناقش الأفكار التي تعرض أو تقدم لها بالعقلانية التي نتصورها أو نطالبها بها، إنها تقبلها كما هي أو ترفضها كما هي اعتماداً على قوة وتأثير من يقدم لها الأفكار! يسمي علماء السياسة تبني الجماهير للأفكار دون تمحيص ونقاش ومن ثم تحويلها إلى قناعات وبرامج عمل وحياة وحركة بالاتجاه الغوغائي، بينما منذ ما بعد الثورة الفرنسية وجد غوستاف لوبون أن هذه سيكولوجية متأصلة في الجمهور، حيث يرى أن قادة الرأي والزعماء السياسيين أو الدينيين هم في الحقيقة جديرون بالثقة، وأن اتباعهم واجب دون نقاش، لأنهم يعلمون أو يعرفون أكثر من الجماهير غير المؤهلة إلا للاتباع وتريد ما يقدم لها أو أحياناً رفضه! من هنا اشتهر الهتاف الغوغائي عند كثير من الشعوب «بالروح بالدم نفديك يا زعيم»، ذلك أن الأمر ينتقل…

تحية لرواية شديدة الجاذبية!

السبت ٣٠ ديسمبر ٢٠١٧

«في حياة كل منا كتاب سحري.. يلتصق بحياتك ويؤثر فيها، وتقرأ عن نفسك فيه، فكن حريصاً في اختيار قدرك» وردت هذه العبارة على لسان حارس مقبرة الكتب المنسية في مدينة برشلونة حسب أحداث رواية «ظل الريح» للإسباني كارلوس زافون، والتي ترجمها باقتدار وحرفية معاوية عبدالمجيد العام 2015، وأعادت دار الجمل طباعتها للمرة الثالثة منذ عدة أيام. لا داعي هنا للتأكيد أنه لا مقبرة منسية للكتب تحت طبقات مدينة برشلونة كما ورد في الرواية، لكنها مقتضيات العمل الذي اختار له مؤلفه جواً مليئاً بالغموض على طريقة روايات الجريمة، والتشويق كما في روايات الواقعية السحرية اللاتينية فنجح في أن يقود القارئ بتبصر شديد في طرقات وأحياء برشلونة الضيقة، وعبر فترة زمنية حافلة بالتردي السياسي في بدايات القرن العشرين، ومن خلال حكاية بائع الكتب سامبيزي وابنه الصغير ومساعدهم ذي الشخصية الكارزمية التي لا يمكن نسيانها برغم بؤسه ومفارقاته، هذه الخطوط الرئيسية «الزمن والمكان والشخوص» مضافاً إليها البناء الروائي المحكم وشديد التعقيد والتداخل، يجعل من الصعب وضع هذه الرواية جانباً، أو إهمالها لبعض الوقت، لأنها تمسك بك وتغرقك فيها بشكل غريب جداً! كارلوس زافون كاتب إسباني متخصص في الكتابة للأطفال، وتعد هذه الرواية عمله السردي الأول للكبار، وقد حقق نجاحاً ساحقاً على مستوى النقاد والجماهير وعلى مستوى الترجمة للغات الأخرى «مقبرة الكتب رواية مكونة…

إنسان الحداثة.. إلى أين؟؟

السبت ٠٩ ديسمبر ٢٠١٧

«إن مجتمع الحداثة الفائقة مجتمع يتميز بالحركة والتدفق والمرونة والاستهلاك بلا حدود: الاستهلاك لأجل المتعة. فضلاً عن أنه يبتعد عن المبادئ العظيمة التي هيكلت الحداثة أكثر من أي وقت مضى. وفي حين أن الفرد الفائق الحداثة يجري توجيهه نحو اللذة الدنيوية والمتعة، إلا أنه أيضاً يمتلئ بنوع من الخوف والقلق الذي يتأتى من العيش في عالم ينزلق بعيداً عن التقاليد ويواجه مستقبلاً غامضاً» هذا ما يؤكده عالم الاجتماع الفرنسي جيل ليبوفيتسكي. ينخر القلق في عظام أفراد الحداثة الفائقة، ويفرض الخوف نفسه على متعهم، كما ويفسد حرياتهم، كل شيء يدق ناقوس الخطر فوق رؤوسهم فيزدادون رعباً كل يوم، فتتصاعد صناعة أنظمة الحماية وكاميرات المراقبة، كما تزداد أفلام الرعب والجريمة، والحركات الشوفينية المتطرفة، وحالات العزلة والشك وأمراض الاكتئاب والوحدة، وتكثر جرائم الانتحار في بلدان لم تدخر وسعاً لتوفير أقصى سبل الراحة لمواطنيها! عندما دعا نيتشه إلى التحرر من الدين، دافع الكثيرون عنه واعتبروه مفكراً يبحث عن خلاص الإنسان من القيم العدمية التي تقيّده وتمنعه من الانطلاق والحركة الخلاقة، لقد ارتبط هذا الانعتاق من قيود القيم بإلغاء فكرة التدين وتعاليم الكنيسة في أوروبا، وإعلاء فكرة الإنسان المتفوق الذي لا توجهه قوة، ولا تحدّه حدود! فهل تحرر الإنسان هناك فعلاً من عدميته وأصبح أكثر فاعلية؟ أم أن أوروبا دخلت دوامة عدمية أخرى باختراع الإنسان…

رواية المدينة

السبت ٠٢ ديسمبر ٢٠١٧

كجيل عايش تلك الأيام البعيدة من سنوات نهاية الستينيات، فإن علينا أن نكتب تفاصيل تلك الأيام بجدية أكثر وبحرص أكبر، نكتبها سرداً وقصصاً وموسيقى، نكتبها أبحاثاً وأساطير، نكتبها لأنها ذاكرتنا، وذاكرة مجتمع بأكمله، خاصة وأن التفاصيل فيه غنية جداً ومليئة بالتناقضات والمشاهد والصور، بالأسماء والظواهر والأحياء، مليئة بالحرف والمهن والطبقات، هذه التنويعة الثرية لمجتمع كان بكل المقاييس صغيراً ومحدوداً لولا انفتاحه على البحر والأسفار والمهاجرين، تمنح الأدباء والكتّاب فرصة كبيرة لكتابة روائع الروايات والقصص والمسرحيات، إن أحسنّا البحث والتنقيب في عروق الذاكرة الشفاهية للكبار من جيل الأجداد والجدات والأمهات. هذا الوطن الجميل جداً، الذي نتباهى به كواحد من أكثر بلدان العالم تقدماً وثراء واستقطاباً للأحلام، والذي يتحدث عنه العالم باعتباره المكان الحلم للحياة والتنقل والعيش الكريم، لا يقف في الفراغ، ولا يضع أقدامه في رمال متحركة، حتى وإن كان رأسه يطاول السحاب، فالإنسان يعيش على الأرض دائماً، والأرض تستمد شرعيتها وثباتها من تاريخها، ومما تتالى عليها من أحداث وحضارات. فلو تتبع أحدنا خيط المدينة منذ أول حي من أحيائها، منذ بدايات تركز وإقامة التجمعات والأسر المعروفة، ثم أول المدارس، وأول الأسواق فيها، أول الحوانيت، وأول القادمين من خلف البحر الكبير، أول المشافي، وأول المعلمين، وأول دكان باع للتلاميذ الدفاتر والأقلام والفلافل والكيك، وأول «مطاوعة» تدريس القرآن، أحياء الصيادين، وورش النجارين،…

الأوطان حين تكون «غير» صالحة!

الجمعة ٠١ ديسمبر ٢٠١٧

قرأت، كما قرأ العالم كله وتابع، خبر انتحار مجرم الحرب الكرواتي أمام المحكمة بتجرعه السم حين ثبّتت المحكمة ضده حكماً بالسجن عشرين عاماً، وكأنه كان ينتظر وساماً أو حكماً بالبراءة مثلاً، ثم شاهدت لقاءً مصوراً أجري مع مجرم حرب لبناني سابق، ممن تورطوا في جرائم الحرب الأهلية اللبنانية، كما اعترف بنفسه، وكما صوّر ذلك الاعتراف وتمت إذاعته على وسائل التواصل: «لقد قمت بأعمال قتل وقنص وتفخيخ سيارات وتسميم أشخاص، وكل ما يمكن تصوره وما يمكن ارتكابه في الحرب»، هكذا اعترف، والغريب أن يجد هذا السفاح من يدافع عنه ويمنحه مظلة أخلاقية ضد الهجوم، لأنه «تاب واعترف بذنوبه، وهذا بحد ذاته عمل عظيم، قليلون من يقدرون عليه»! ما الفائدة من إجراء لقاءات كهذه، لمنح السفاح فرصة ممارسة فعل التطهر أمام الملأ بضمير مرتاح، لمن يقدم بعض الإعلاميين هذه الخدمة بالضبط؟ السؤال الأهم: ماذا عن الضحايا الذين ذهبوا دون أن يعرف لهم أحد مكاناً، دون أن يجدوا قبراً يقرأ عليهم ذووهم آيات الترحم وطلب الغفران، دون أن تجد جثامينهم ما تستحقه من التكريم؟ ماذا عن كل من قتلهم هؤلاء السفاحون وفخخوهم وسمموهم وقنصوهم كطيور البرية، وضحكوا كثيراً وهم يعدون جثثهم ويركلونها بأحذيتهم الثقيلة الملطخة بوحل الطرقات؟ يتحدث القاتل (الذي تاب) عن ضحاياه، وكأنه يقول: لقد شربت ولعبت ورقصت، هكذا وهو يبتسم، في…

الإرهاب.. الوحش في مواجهة الإنسان

الإثنين ٢٧ نوفمبر ٢٠١٧

إن الخير والشر، وكل ثنائيات الحياة المتناقضة، ستبقى هكذا تتصارع في الإنسان وعلى الإنسان، حتى ما لا نهاية، طالما الإنسان يطور أسلحة قتله وأدوات قمعه، وطالما يعمل بجدية منقطعة الغباء، لإعلاء الأنانية، ورفع صوت الوحش في داخله، تحت شعارات خالية من المضمون، ومثيرة للخوف أحياناً، والتشكك كثيراً، كحقوق الإنسان، والانفتاح، والفوضى الخلاقة، والثورات الإنسانية، والسوق الحرة، والشركات العابرة للقارات، الدفاع عن الدين، وسائر الهذيان المتبجح باسم الدين، والدين بعيد تماماً عن مهرجانات القتل التي تقام باسمه. لقد ارتكب باسم الدين، وعبر الزمن، ما لا يتصوره عقل، ليس الدين الإسلامي فقط، فالغباء والتوحش حين يستحكم بممثلي الأديان، أو من يدعون بأنهم مفوضي الله على الأرض، يصبحون جميعهم قتلة، متوضئين بمقولات الدين، ومجاهرين البشرية بالسكاكين والرصاص، ولنتذكر تحت أي شعارات تمت تصفية آلاف المسلمين زمن الفتنة الكبرى، وزمن حروب الحجاج، وزمن الحركات الفاشية، كالحشاشين والقرامطة؟. ولنتتبع سفن المستكشفين الممتلئين بالأطماع والأحلام، وهم يحثون سفنهم باتجاه العالم الجديد، ولنتذكر تلك الأعلام وما كان يرسم عليها، وسكان قارتي أميركا الشمالية والجنوبية، الذين أبيدوا تحت تلك الرايات زمن الاستعمارات والكشوفات الكبرى؟، ولنسأل تحت أي أعلام انطلقت الحملات الصليبية، تخوض في دماء المسلمين؟، وكيف أصبحت حروب الاسترداد والتطهير في إسبانيا مقبولة ومبررة، لأنها تمترست بالدين؟، لذلك فلا غرابة أن يتواصل الانحطاط نفسه اليوم، تحت الرايات السود…

مصر.. عاصمة القرار العربي

الجمعة ٢٤ نوفمبر ٢٠١٧

في الأحداث الأخيرة التي سادت المنطقة وخلقت أجواء متوترة بين أكثر من بلد، على خلفية الصراعات القائمة بين السلطة الفلسطينية وحماس، والتصعيد غير المسبوق وغير المقبول الذي قام به الحوثيون ضد المملكة بإطلاق صاروخ إيراني الصنع عليها، وأخيراً الحدث الأبرز الذي شغل العالم والناس على أثر استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة في لبنان، حيث كادت هذه الاستقالة أن تقود لبنان لأزمة فراغ سياسي وتوترات طاحنة بين القوى السياسية الفاعلة فيه، وهو لما يكاد يخرج من أزمة الفراغ الرئاسي الذي استمر قرابة السنتين! في كل أزماته يراوح العالم العربي في المنطقة نفسها التي يقف فيها منذ سنوات طويلة، وفي كل هذه الأزمات تقف دول الخليج بقيادة المملكة مع مصر دائماً لدفع الأمور إلى منطقة الحلحلة السياسية حفاظاً على الاستقرار في منطقة لا تنقصها التوترات المتلاحقة. ونظراً لما لمصر من مكانة كبرى في تاريخ العرب، كان لا بد لها من أن تستعيد دورها الذي فقدته لسنوات طويلة ولأسباب مختلفة، دورها كعاصمة للقرار العربي، وكحافظة للتوازنات في المنطقة بسبب عدم تورطها في أية خلافات سياسية أو مذهبية مع أي طرف. لذلك ظلت طوال التاريخ العربي المعاصر عاصمة قرار العرب، والنقطة التي يلتقي عندها كل الفرقاء قابلين بواسطة القاهرة، وبقراراتها وحلولها، هكذا كان دور مصر في الحياة السياسية العربية: المرجعية حين يختلف العرب،…