عائشة سلطان
عائشة سلطان
مؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان

حكاية الكُتّاب الهاربين من الحياة!

السبت ١٢ يونيو ٢٠٢١

تبدو فكرة عظيمة جداً، تلك التي جاءت في الكتاب الذي نال جائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الآداب هذا العام 2021، وهو «في أثر عنايات الزيات» للكاتبة والشاعرة والمترجمة المصرية د. إيمان مرسال، الأستاذة بجامعة ألبرتا في كندا، إنها فكرة تفرغ أديب أو شاعر لتتبع أثر كاتب آخر وُجد في زمن آخر، كان يعتقد بأنه الزمن الخطأ! وبقدر ما نظر البعض للكتاب على أنه كتاب يناقش حالة مصرية بذاتها وملابساتها، فإن كثيرين اتسعت رؤيتهم ليجدوا في الكتاب حالة إنسانية عامة، يمكن أن نجدها أو نسمع عنها في كل مكان، إنها حالة تشبه وقوع المرء في الحب، أو اليأس، أو الإصابة بالاكتئاب أو معاناته من الاغتراب أو بحثه الدؤوب عن المعنى، وفي كل ذلك لا خصوصية في الأمر، فكل هذه الحالات تقع لكل الناس في كل مكان. لقد تتبعت إيمان بدأب، وشجاعة، وشعور بالمسؤولية، حكاية روائية مصرية شابة أقدمت على الانتحار في ستينيات القرن المنصرم وفي تاريخها ليس سوى رواية واحدة فقط هي «الحب والصمت»، إنها عنايات عباس الزيات، ابنة العائلة الأرستقراطية التي امتلكت موهبة أدبية رفيعة ووعياً متقدماً وتمرداً على كل القوالب وحساسية نفسية شديدة، لنتفق على تسميتها الهشاشة النفسية؛ لأنها لم تحصنها في وجه رغبتها في الانتحار! لماذا انتحرت عنايات؟ لأنها لم تجد ما كانت تبحث عنه، لم تتمكن بفعل…

الثبات في منتصف المسافة

السبت ٢٩ مايو ٢٠٢١

الوقوف على حافة الجبل دون أن تسقط، ودون أن تصاب بالدوار، دون أن يختل توازن جسدك وتهوي، دون أن ترتجف رجلاك لأن الخوف قد أغرق دمك ودماغك، تلك ليست مجرد مهارة أو موهبة، تلك واحدة من الأسرار التي يمتلكها البعض، أو تختصهم الطبيعة بها لأسباب مجهولة، وقد اكتشفوها هم في أنفسهم فقاموا بتطويرها وصقلها حتى غدت مهارتهم وصفتهم الأولى. تأملوا لاعبي السيرك، والذين يسيرون على حبل مشدود بين بناءين، والذين يتسلقون ناطحات السحاب الزجاجية، كل هؤلاء يتراوحون في المسافة بين المغامرة والجنون، بين المقامرة والمجازفة محسوبة العواقب، إلا أن الذين يتمكنون من البقاء في منتصف الطريق دون أن يعودوا للخلف أو يفقدوا بوصلة الوصول ليسوا أناساً عاديين أو من الممكن الاستهانة بهم أو بذكائهم! في دبي لا يمكنك أن تفتقد شيئاً، لا يمكنك أن تدعي أن هناك ما هو أفضل مما تمتلكه هذه المدينة، لا يمكن لأجنبي أو عربي أو غريب أو قريب أن يقول إنها تصادر حريته أو يضطر فيها ليكون غير ما تعود، فهل هي مدينة الأحلام فعلاً؟ نعم هي كذلك، ولو أن مركز أبحاث ودراسات تتبع أعداد الحالمين الذين حققوا ما حلموا به على أرض دبي لما أمكنه حصر أعدادهم، تلك حقيقة تتباهى بها دبي! ودبي تجعلك حراً كأقصى ما تكون الحرية، ثم تقول لك أنت مسؤول…

الحياة في ظل الكذب!

السبت ٢٢ مايو ٢٠٢١

ماذا لو لم تكن هناك أسوار وأستار نحيط بها أنفسنا فتعزلنا عمن حولنا، لندفن خلفها صدماتنا وأسرارنا وربما عيوبنا وضعفنا عن الآخرين؟ ماذا لو عاش الناس منفتحين على بعضهم البعض ومكشوفين تماماً بلا أسرار وبلا خفايا؟ وكما في العزلة، فإن السؤال نفسه طرحه صنّاع الفيلم البريطاني «اختراع الكذب» كيف يمكن أن تكون الحياة في ظل الصدق؟ من هنا يبدأ الفيلم، تلك البداية الغرائبية حول مدينة عادية تشبه غيرها من مدن العالم وتعج ببشر يشبهون كل البشر على كوكب الأرض سوى أنهم لا يعرفون معنى الكذب، تخيلوا بشراً لم يكذب أي منهم في حياته كذبة واحدة، الجميع يقول الحقيقة دفعة واحدة كما هي، مجردة وصادمة و.. بمنتهى الوقاحة غالباً! في إطار فانتازي (بدا ساذجاً أحياناً) يطرح صنّاع الفيلم إشكالية الحياة في ظل الصدق المجرد وحياتهم بعد أن يعرفوا كيف يكذبون، أو بعد أن اخترع بطل الفيلم شيئاً بدا له أنه يحدث للمرة الأولى: أن يكذب، بدأ بالكذب على أمه حين صور لها كيف ستكون حياتها بعد الموت، ثم توالت كذباته على مدير دار النشر وعلى بقية من حوله. لقد عاش فاشلاً، تتجنّبه النساء ويمقته الرجال، كما فُصل من عمله حين كان يقول الصدق ولا يكذب أبداً، لكنه أصبح محبوباً وغنياً حين بدأ يكذب، تغيّرت حياته وحظي بكل شيء، فهل هذا صحيح؟…

كلنا أسرى العزلة!

الأربعاء ١٩ مايو ٢٠٢١

آنا فوكس امرأة عادية، مثل ملايين النساء حول العالم، أخصائية نفسية للأطفال، لكنها تعاني الخوف من الأماكن المفتوحة، ولذلك فهي لا تجازف بالخروج من منزلها بسهولة، لا تخرج إلا للضرورة، تجد آنا نفسها حبيسة شقة واسعة في أحد أحياء نيويورك، لا يشاركها السكنى فيها أحد، وحين تُسأل تجيب سائليها بأنها انفصلت عن زوجها، وأن ابنتها تعيش مع والدها في مدينة أخرى، ولكن الحقيقة خلاف ذلك تماماً. من عزلتها في تلك الشقة، تطل المرأة على بيوت جيرانها عبر نوافذ كبيرة، لتراقب ما يحدث في تلك البيوت، يفصل بينها وبينهم الشارع الذي يقطع الحي بشكل طولي، وهي لا تكتفي بالمراقبة، ولكنها تتجاوز ذلك إلى تصوير المواقف المثيرة للانتباه، وحين انتقلت العائلة الثرية المكونة من أم وزوجها الثري وولدهما المراهق للشقة المقابلة لها باتت حياة تلك العائلة تحت المراقبة طوال الوقت إلى أن حدثت جريمة القتل البشعة! تقلب هذه الجريمة حياتها رأساً على عقب عندما تبلغ الشرطة، ولكن تعقيدات أخرى في حياة الطبيبة تطفو على السطح لتضعها في محل شك، فلا تصدقها الشرطة، ولكن المرأة تستطيع بالبحث أن تثبت وقوع جريمة قتل حقيقية وليست متخيلة كما حاول القتلة إيهامها. بقليل من الربط والتحليل تقودنا الحكاية إلى الوضع الحالي الذي وجد الناس أنفسهم فيه، معزولين ويرقبون العالم من خلال التلفزيونات والنوافذ والهواتف، بقلوب خائفة…

لبنان.. الجريمة والعقاب

السبت ٠٦ فبراير ٢٠٢١

أطلقت الصديقة الناشرة اللبنانية صاحبة دار الجديد ( رشا الأمير ) تدوينة عبر حسابها على الفيسبوك تبحث من خلالها عن اجابة ،تقودها الى معرفة مصير شقيقها لقمان سليم ، وتفك أمامها لغز اختفائه المباغت بعد أن ذهب مع صديقه في زيارة إلى جنوب البلاد فانقطعت أخباره في إثرها تماما ، بعدها بساعات صمت حساب ( رشا) وتحول إعلام لبنان الى عنوان كبير : من قتل لقمان ؟ انطلقت تغريدات "رشا " التي حدست بقلب الأخت التي لطالما سمّت لقمان شريك أحلامها ، أن شقيقها ليس على ما يرام ، وأن شرا ما قد أحاق به ، خاصة وأن أحدا لم يرد عليها ، فظلت ساهرة ترقب الوقت وشاشة الهاتف حتى انبلج الفجر عن فاجعة . ففي الجهة الاخرى من مقر إقامة رشا ووالدتها ، في حقول الجنوب تحديدا ، كان لقمان في تلك الساعات المفخخة بالرعب ، وفي ليل بهيم لا يريد مغادرة لبنان ، بين يدي قاتل مأجور يضع مسدسا كاتما للصوت على مؤخرة رأسه ويضغط على الزناد ، وبينما تطلق رشا تغريدات استغاثة للأحباب والأصحاب كان القاتل يطلق رصاصاته الغادرة من كاتمه السريع الطلقات ليكتم صوت مثقف حر بمقدار ما كان معتدا برأيه المعارض لسياسات "حزب الله " بقدر ما كان نبيلا في خصومته لهم ، فلم يرفع…

هكذا هي الإمارات

الخميس ٠٤ فبراير ٢٠٢١

لدي ثقة كاملة، لا تخالطها أي درجة من الشك في أن مستوى الخدمات الصحية التي تقدم للجمهور في كل مدن ومناطق دولة الإمارات، تتفوق كثيراً على مثيلتها من الخدمات التي تقدم في دول نسميها بالعظمى والمتقدمة والمتحضرة و... إلخ. وسواء كنت في قلب المدن أم في أطرافها، في الأحياء العامرة أم في القرى والأرياف ونواحي الصحراء، فإن الخدمات هي نفسها، بذات التدفق والكفاءة والوفرة والرقي، وهذا معيار جودة إنسانية ورشد حقيقي في القيادة والإدارة الإماراتية قبل أن يكون معيار تميز وإطراء تعترف به المؤسسات الخارجية. وفي هذه الأيام الصعبة التي تقاس فيها جهوزية المجتمعات والدول بكيفية إدارتها لجائحة «كورونا» ووفرة إمكانياتها في توفير اللقاحات لمواطنيها، يجد الإنسان نفسه في الإمارات: مواطناً كان أم مقيماً، عربياً أم أجنبياً، أو حتى زائراً في أمان كامل وضمان حقيقي يكفل له الحصول على اللقاح بجرعتيه وفي أفضل الظروف وأكثرها يُسراً وإنسانية. لقد استغرقت عملية التطعيم التي أجريتها للمرة الأولى زمناً لم يتجاوز الـ15 دقيقة، تسلمت فيها ورقة الإرشادات والتوقيع عليها بالعلم والإحاطة ومن ثم الجلوس إلى الطبيبة أو الممرضة وقياس الضغط وطرح الأسئلة الإجرائية وصولاً إلى التطعيم وتسلم البطاقة الخاصة بذلك، طبعاً ناهيك عن مستوى المراكز التي تجري فيها عمليات التطعيم. في حين تنقل لنا وسائل الإعلام مناظر مؤذية لطوابير من الناس (في الدول…

مدن المستقبل

السبت ٢٣ يناير ٢٠٢١

أغمض عيني أحياناً، في محاولة لتخيل مدن المستقبل في ظل ما نعيشه اليوم من حيث علاقاتنا الاجتماعية، وسلوكياتنا العامة: العمل، التعلم، التسوق، الزيارات، الأنشطة العامة، ممارسة الرياضة... كيف سنمارس كل هذا وغير هذا في المستقبل؟ كيف ستبدو مدننا؟ وكيف سيتحرك ويعيش ويتفاعل إنسان المستقبل في هذه المدن؟ لا تبدو هذه الأسئلة غريبة أبداً، ولا تبدو ممنوعة أو مثيرة للخوف، أو كما قد يصفها البعض بأنها (أسئلة بلا ضرورة)، فهي ضرورية، إن لجهة استشراف شكل وطبيعة المستقبل الذي ينتظرنا، أو لجهة الاستعداد الذي يجعلنا لا نتفاجأ ولا نصاب بالارتباك حين نرى تجليات ما سيحدث، والذي لن يكون كما نتوقع بطبيعة الحال. مهندسو وعلماء مدن المستقبل، سيعودون ليستعيروا من الدكتور مارشال ماكلوهان نظرية «الحتمية التكنولوجية للمجتمعات»، والتي أفرزت بالضرورة مقولة تحول العالم لقرية صغيرة، لن يحتاج الناس فيها للخروج من منازلهم، فلقد تدربوا بشكل عملي على فعل كل شيء خلف أبواب بيوتهم المغلقة، تدربوا على الذهاب للعمل وإنجاز الأشغال، وشراء بقالة البيت، وثياب الأولاد وكل أفراد الأسرة، وإنجاز المعاملات المصرفية، والتخابر مع الطبيب واستشارته، و..و.. كل ذلك وأكثر فعلوه دون الحاجة لمغادرة المنزل، بعد أن رفع العالم شعار الحياة عن بُعد. مدن المستقبل التي تدربنا عليها «كورونا» ستكون مدناً خالية من البشر، ستغدو الحامية التكنولوجية أشد وطأة، وسيفتقد الإنسان تلك الرومانسيات التي…

الفقد الذي نعانيه يومياً

السبت ٢١ نوفمبر ٢٠٢٠

خلال عام كامل، بساعاته القلقة وأيامه التي بلا ملامح وشهوره المعجونة بالترقب، لم نقرأ يومياً ولم نسمع أخباراً أكثر من أخبار (الإصابات والوفيات) جراء انتشار المرض اللعين، أما صور التوابيت والمقابر والجنازات فهي هناك مسمرة في الذاكرة كلوحة تعريفية لطريق أو حي قديم، تشير إلى الآلاف الذين رحلوا سريعاً حين عاجلهم المرض من حيث لا يتوقعون. الخسارات التي نُمنىٰ بها في الحياة كثيرة جداً، وكأننا خلقنا لنفقد أو لنكون شخصاً مفقوداً بالنسبة لآخرين، مع ذلك فإن الفقد موضوع صعب حين نتحدث فيه أو نكتب عنه هكذا ببساطة عموداً في صحيفة يومية يطالعها كل الناس وكأنه أمر مشوق! لكن مهلاً، ألا يتعرض كل هؤلاء الناس الذين يطالعون هذه الصحيفة ما أن يفتحوا أعينهم كل صباح للفقد دائماً، وعلى مدار خط الحياة؟ ونحن مثلهم، ألا نفقد أحبتنا دائماً، ألا تطحن الأيام أعمارنا قاضمة أسماءهم ووجودهم في حياتنا؟ أين ذهب أصدقاء طفولتنا، آباؤنا، جيراننا، جداتنا الحانيات، وظائفنا التي حفرنا تألقنا على عتبات مكاتبها؟ فليس بالموت وحده نفقد ما نحب! ‏عذرا، لم يتمكّن مشغّل الفيديو من تحميل الملف.(‏رمز الخطأ: 101102) لقد تحولنا إلى كائنات تتدرب على مواجهة الفقد بذخيرة الحكمة، كما نتدرب على فهم الواقع، لنتعلم معنى الحياة، وعظمة النِعم التي تُمنح لنا، نحن نفقد بمضي الوقت، ونكبر بتوالي الخسارات وعبور البشر، ثم نصبح…

الندوب التي لا تنسى!

الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠

يقال إن كل شخص يضمر في داخله شعوراً بالإهانة أو التحقير أو النبذ وفقدان الأهمية نتيجة التعرض المستمر للتعدي المتعمد عليه، جسدياً ولفظياً، والذي غالباً ما حصل في طفولته المبكرة، هذا الشخص لا يمكن أن نتوقع منه سلوكاً سوياً إذا ما تقدم به العمر، كما أن سعيه للمكانة الاجتماعية لا بد أن يمر عبر طريقين: الخلاص من ذلك الإرث المضمر في داخله، إثبات التفوق بالتنمّر على الآخرين. هذا الشخص الذي نتحدث عنه كمثال يقوم بدورين: المتنمّر عليه، والذي سيصبح لاحقاً شخصاً متنمّراً على غيره رغبة في الخلاص من عقد التنمّر، ومن هنا نعلم أن هؤلاء الطلاب الذين يجدون ضالتهم في طالب خجول أو لديه إعاقة ما، فيترصدونه بالتحرش aوالإهانات، هؤلاء في الحقيقة إن لم يكونوا يتباهون بتفوقهم على هذا الطالب المسكين، فهم ممن تم التنمّر عليهم في فترات سابقة. جميعنا كنا طلاباً في المدارس وقد عايشنا هذه الظاهرة، وإن لم تكن معروفة بهذا الاسم، إلا أننا في معظمنا قد تنمّرنا على زملاء لنا أو تم التنمّر علينا، فأضمرنا ذلك في دواخلنا كأشياء أخرى كثيرة لم نبح بها لأمهاتنا أو آبائنا، خجلاً أو خوفاً، أو لسبب لا نعلمه، لذلك آثرنا الصمت في تلك الأيام البعيدة طلباً للسلامة! إن ظاهرة التنمّر في الحقيقة تفتح نقاشاً واسعاً حول العلاقات الأسرية (الأبوية تحديداً)، والانتباه…

الرجولة.. قرار

الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٠

يقولون إن الأنوثة قدر المرأة، والذكاء فطرتها الأولى التي تولد بها، فكل امرأة أنثى بقدر ما تستطيع أن تكون، كما أنها ذكية بطريقتها الخاصة مهما كان الظرف المحيط بها ودرجة تعليمها وطريقة تربيتها، نتحدث عن الفطرة التي فطرها الله عليها، فكل مخلوق يخلق مزوداً بإمكانات وقدرات تمكنه من أن يستمر ويواجه ظروف وتقلبات الحياة. وبينما الرجولة اختيار وقرار، فإن الذكورة قدر بيولوجي لا أكثر، فالذكر يولد ذكراً دون أن يكون له يد في الأمر، هكذا يتكون ويخرج للدنيا. فيما بعد، أي بعد ولادته يتحصل هذا الذكر على تربية وتنشئة قِيمية خاصة تناسب تكوينه كذكر، وتعده لتحمل أعباء ذلك، لهذا يقال: ليس سهلاً أن تكون رجلاً! تعمل تلك التنشئة التي تلقاها على تعزيز وعيه بذاته وكينونته، هذا الوعي الذي يجعله يقرر أن يكون رجلاً لا مجرد ذكر، بما تعنيه الرجولة من أخلاق وقيم والتزامات. من هنا، عندما وقفت زوجة أحد مشاهير السينما لتقول كلمة في حقه يوم تسلّمه جائزة الأوسكار، قالت: «إن دنزل واشنطن قد اختار أن يكون رجلاً بكل معنى الكلمة، وهو منذ عرفته لم يتخلَ لحظة عن رجولته في كل المواقف التي كانت تستدعي أن يكون فيها رجلاً لا مجرد ذكر!». إن هؤلاء الذين تلدهم نساء عظيمات، يسهرن على تربيتهم، وتنشئتهم وتعليمهم، فإذا ما صار الواحد منهم بطول والده،…

الكلام غير المباح

السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٠

منذ ولادتها تحاط المرأة في مجتمعات الشرق أو تلك المجتمعات الملغمة بالأساطير بكمٍّ لا حصر له من المحظورات، بدءاً بجسدها وصوتها وطريقة حديثها، وصولاً لثيابها وحركتها وأحوالها العائلية والعاطفية وعلاقتها بالرجل، وفيما يطرأ عليها من تحولات وتغيرات، أو أطوار تدرجها في الوعي واستيعاب كل ما تواجهه. وما تواجهه المرأة كثير وشديد التعقيد، لكنه في مجتمعات إنتاج التابوهات يتحول كل هذا إلى أسرار على النساء أن يتدربن على معالجته بالسكوت والصبر، وأن يتحملن وحدهن كل ما تؤول إليه الأمور، حتى لو لم يكن لهن يد في الفشل أو تردي الأمور، فلا نعرف مثلاً لماذا على المرأة في مجتمعاتنا أن تتحمل نتيجة عدم الإنجاب حين يكون الرجل هو السبب؟ ولماذا عليها وحدها أن تتحمل فشل العلاقة الزوجية؟ ولماذا عليها أن تتحمل تلك النظرات المرتابة أو المتشككة في كل حركاتها لمجرد أنها مطلقة؟ وهناك كثير غير ذلك مما لا يسمح لمعظم هؤلاء النساء في مجتمعات الشرق البوح به أو التعبير عنه بصوت عالٍ، فتظل لسنوات طويلة تسمع بأن عليها أن تسكت، لأن الحديث يجعلها منبوذة وغير مقبولة اجتماعياً، لذلك تفضل النساء أن يقمعن أنفسهن ويبتلعن قهرهن خوفاً من مآلات الشكوى والكلام! لقد عبر الكثير من الأدباء والروائيين عما تعانيه المرأة في مجتمعاتهم الرازحة تحت ركام القهر الإنساني، فكتبت البريطانية ڤرجينيا وولف تطالب بغرفة…

رحلة التغيير

السبت ٠٣ أكتوبر ٢٠٢٠

«إن الطريق إلى الحقيقة يمر من القلب، لا من الرأس، فاجعل قلبك لا عقلك، دليلك الرئيس، واجه، تحدَّ، وتغلب في نهاية المطاف على «النفس» بقلبك؛ لأن معرفتك بنفسك ستقودك إلى معرفة الله». جاءت هذه العبارة في كتاب «قواعد العشق الأربعون» للروائية إليف شافاق التي رصدت فيه رحلة التحول الفارقة التي مر بها العالِم والفقيه والشاعر جلال الدين الرومي بعد لقائه بقطب التصوف الباحث عن الله والحقيقة والحب شمس التبريزي، لقد ترك هذا اللقاء في نفس الرومي تأثيراً مزلزلاً نقله من حياته الوادعة إلى حياة أخرى تماماً اكتشف فيها ذاته الأخرى التي ظلت غائبة عنه زمناً. كثيرون مروا بحالة التحول الجذري الذي شمل حياتهم كلها بدءاً بحالتهم الوجدانية وتوجهاتهم وأفكارهم وحتى مهنهم وعلاقاتهم الأسرية وتعاطيهم مع الحياة والدين والصداقة والحب والموت، ما يعني أننا نحتاج أحياناً لما يشبه الزلزال أو العاصفة التي إذا اجتاحت حياتنا لم تتركها كما كانت، لكنها تعيد ترتيبها ووضع نقاط على الحروف الصحيحة. في المقابل وبعيداً عن التحولات فنحن دائماً ما نحتاج لطاقة جبارة نكتشفها في داخلنا أحياناً، وقد نعثر عليها أو تأتينا من محيطنا، هذه الطاقة قد تكون معرفة أو توجيهاً أو إلهاماً يقدمه لنا أشخاص بعينهم، يمكننا من عبور النهر للضفة الأخرى بثقة، بعد أن تكون أقدامنا قد غاصت في مكانها طويلاً! إن ما يغير…