عائشة سلطان
عائشة سلطان
مؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان

لماذا يرفض الناس هذه المسلسلات!

الإثنين ١٥ أبريل ٢٠٢٤

المسلسلات التي تم ضخها عبر عشرات الشاشات ومنصات عرض الأفلام والمسلسلات وبرامج التسلية، والتي تابعها ملايين المشاهدين خلال أيام شهر رمضان، شهدت تحولاً كمياً ونوعياً في اتجاه كسر المألوف الذي اعتدنا عليه، وتكريس القصص والأفكار والمشاهد التي تتصادم مع الثوابت الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع، بدعوى أننا وصلنا إلى درجة يرثى لها من الهشاشة الأخلاقية وذوبان الهوية واهتزاز منظومة القيم، لذلك فإن علينا، حسب هذه الدعاوى، أن نرحب بهذه المسلسلات لأنها اعتراف شجاع بواقعنا ومشاكلنا، كي لا ندفن رؤوسنا في الرمال! والحقيقة فإن هذا الكلام بحاجة لوقفة، فبالرغم من أننا كعرب لدينا كغيرنا من مجتمعات العالم كل الظواهر التي تعالجها هذه المسلسلات: كالجريمة، والفساد، وانتشار المخدرات، وانحراف الأحداث والمراهقين، والتطرف الديني، والتخلف التقني، وأحزمة الفقر و.... إلخ، إلا أن هذا لا يعني أن هذا هو الواقع العام لمجتمعاتنا، وأن كل الشباب منحرفون وكل الموظفين فاسدون، وأن الكل فاسد وقاتل ومنحرف و... إلخ، إن تصدير فكرة المجتمع الفاسد فكرة خبيثة جداً، وخطيرة جداً، تحاول تسويق الفساد والجريمة والتطرف والتعصب والشذوذ، والنظر إليه بدون أي نوع من الحساسية أو الرفض، وصولاً لقبوله في نهاية الأمر!! إن عدد المشاهد التي يبدو فيها أبطال المسلسلات وهم يقتلون ويتعاطون المخدرات ويدبرون الجرائم والمؤامرات، ويفجرون الأحياء، ويحرقون الناس والبيوت بدم بارد، ويختطفون الأطفال، ويغتصبون النساء... أمام أعين الناس…

هكذا عرفنا السينما

السبت ٢٣ مارس ٢٠٢٤

عرفنا السينما في وقت مبكر جداً، ذكرت أمي أنهم أيام سكنهم في منطقة (الراس) في ديرة، كانت عائلة من تجار دبي تسكن بالقرب منهم، وكان رب هذه العائلة يعرض أفلاماً هندية وأجنبية في فناء بيته على قطعة قماش تنعكس عليها صور الممثلين وأحداث الفيلم، وهو من أخبرهم أن هذا يسمى سينما، كان ذلك في سنوات الخمسينيات، وأمي في تلك السنوات طفلة صغيرة. بعد مرحلة السينما المنزلية التي عرفها سكان دبي بواسطة بعض التجار والأسر الثرية، ظهرت السينما التجارية، وأول ظهور لها كان سنة 1953، حيث أنشأ رجل الأعمال الكويتي مرشد العصيمي، أول دار عرض سينمائي في دبي، وأطلق عليها سينما الوطن، والتي كانت تقع في المكان المعروف حالياً بميدان بني ياس المعروف قديماً بميدان جمال عبدالناصر، وكان افتتاحها في تلك السنوات يعد شيئاً متطوراً جداً، حيث لم يسبق أن شهدت المنطقة مثيلاً له، ما عدا سينما تحمل اسم «المحطة» في إمارة الشارقة، تأسست سنة 1945، للجنود الإنجليز فقط. بعدها دخل التلفزيون إلى بيوتنا، فنظر له البعض أنه سينما مصغرة، وأذكر أننا في أواخر المرحلة الابتدائية كنا نتحدث عن فيلم السهرة العربي الذي كان يعرض في التلفزيون نهاية الأسبوع، كنا قد أصبحنا في منتصف سنوات السبعينيات تقريباً وصرنا أكثر معرفة وارتباطاً بنجوم السينما المصرية وأفلام الأبيض والأسود، وتلك الأفلام على بساطتها…

كيف نظهر في الصور؟

الأربعاء ٢٠ مارس ٢٠٢٤

هل تصدق هذه العبارة فعلاً؟ هل ما نراه في الصور تعبير عما يعتمل في الحياة؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فهذا معناه أن الصور تكثيف تقني للعلاقات والمشاعر التي يعيشها الناس فعلاً، لكن الحقيقة غير ذلك إن لم تكن عكس ذلك! جربوا أن تتأملوا وبتجرد إن أمكنكم ذلك، أكثر الصور خصوصية والتي تمتلكونها كذخائر شخصية، والصور الأكثر شهرة عبر التاريخ وكذلك تلك الصور المتداولة بين أيديكم والتي تطالعكم بها الصحف والمجلات، والتي تلتقط عادة في المناسبات والأحداث واللقاءات والافتتاحات والمؤتمرات، انظروا إلى كل هؤلاء الناس في معظم الصور، كلهم مبتسمون وفرحون، ممتلئون بالحبور والحيوية، مرتبون وأنيقون، ينظرون لبعضهم البعض بكثير من الود والرهافة الإنسانية! ليس لدي شك بأن البعض ممن نراهم في الصور هم كذلك فعلاً، سعداء ومهذبون وابتساماتهم تعبير عن حقيقتهم، لكننا أيضاً نعلم أن كثيرين منا يتصنعون تلك الرهافة التي تتطلبها الصورة لا أكثر، كالابتسامة التي اخترعنا لها كلمات معينة نقولها ونحن نلتقط الصور لتظهر أسناننا فتثبت بذلك أننا سعداء بما يليق بالحدث وبالصور بينما الحقيقة ليست كذلك! أتذكر صورة ياسر عرفات وهو يصافح إسحاق رابين، كيف بدا الأول مبتسماً متفائلاً ماداً يديه على اتساعهما للآخر الذي صافحه على مضض لا يحتاج لكثير ذكاء لاكتشافه، فهل كان عرفات مؤمناً ومتفائلاً وسعيداً بالفعل؟ ما يعني أن الصورة قد نقلت المشاعر…

أيها المشهور: هل أنت سعيد؟

الأحد ١٧ مارس ٢٠٢٤

أتذكر تماماً تلك الأيام البعيدة من عام 1997، عندما عرض الفيلم الأسطوري «تيتانيك». فقد شاهدت الفيلم في السينما ست مرات متتالية، كنت ضمن الملايين الذين وقعوا في غرام ذلك الفيلم وبطليه: كيت وينسلت وليوناردو دي كابريو، اللذين قدما أداءً أسطورياً في هذا الفيلم الذي يعد إحدى أساطير هوليوود بعدما وصلت إيراداته حول العالم أكثر من 2.15 مليار دولار، بينما تكلف إنتاجه 200 مليون دولار، وحاز 11 جائزة أوسكار. كل هذا نقل بطلي الفيلم إلى منطقة أخرى تماماً من الشهرة والثراء والانتشار، ولكن ليس من السعادة كما اتضح من تصريحات بطلته وينسلت، التي قالت في أحد اللقاءات: «كنت ممتنة بالطبع، وكنت صغيرة (كان عمرها 22 عاماً)، وتمكنت من الحصول على شقة، لكنني لم أرغب في أن يلاحقني أحد، لقد شعرت أنه يجب عليّ أن أبدو وأتصرف بطريقة معينة، ولأن تطفل وسائل الإعلام كان كبيراً جداً في ذلك الوقت، فقد كانت حياتي غير سعيدة إطلاقاً». اليوم وبعد 27 عاماً وهي في الخمسين من عمرها تقول كيت وينسلت: «إن كلمة الشهرة أصبحت «سخيفة»، ولم أعد اعتبرها «عبئاً» بعد الآن». لقد أنضجتها السنوات والكثير من الأفلام والشهرة، وغادرت تلك الشابة ذات الـ22 ربيعاً. إن الشهرة اختبار لا يمكن أن يحتمله هذا العمر الغض، وتحديداً في دوائر هوليوود الشرسة. تحتاج الشهرة للكثير من الوعي والنضج…

لماذا ألغيت الفلسفة من مدارسنا؟

الأحد ١٠ مارس ٢٠٢٤

في مطلع سنوات الثمانينيات كانت الفلسفة وعلم النفس والمنطق والموسيقى من الدراسات التي لها وجود ثابت وقائم في مناهجنا الدراسية ما قبل الجامعة، وأظن أننا كنا آخر من درس تلك العلوم ذات القيمة العقلانية والجمالية العالية جداً، فيما بعد تم إلغاؤها من المناهج بقرار وقف وراءه اتجاه فكري معين في وزارة التربية والتعليم نظر لهذه المواد الدراسية بمنظار الريبة والشك باعتبارها مداخل تشكيك شيطانية أو أنها تتعارض وتعاليم الإسلام، حسب اجتهاداتهم، لكن تلك الاجتهادات سادت فترة من الزمن كانت كفيلة بحرمان مجتمع وأجيال من فوائد وتأثيرات عميقة على مستوى مناهج التفكير والنقد التي تم القضاء عليها، وقادت فيما بعد إلى حالة تدهور وضعف في مخرجات التعليم بشكل عام!. لماذا علينا أن نطالب بإعادة الاعتبار لهذه العلوم والمعارف الإنسانية العريقة والهامة جداً مثل الفلسفة السياسية والاجتماعية ونظريات الأدب والمنطق، والدراسات الثقافية، ودراسات الهوية وغيرها؟، بسبب تأثيراتها وانعكاساتها الكبيرة والإيجابية على شخصية وذهنية المتعلم وطريقة تفكيره وقدرته على نقد وتحليل ما حوله، واتخاذ مواقف بناء على ذلك، إضافة للاهتمام بما هو حقيقي وإنساني بعيداً عن مبدأ اللذة الخاصة والأنانية المطلقة والفردية المقيتة!. إن الطالب في عمر المراهقة والتكوين الذهني والفكري والجسدي يكون في أمس الحاجة لطرح أسئلته الخاصة حول العالم والكون والثقافة والانتماء والهوية الجنسية والعرقية وحول الدين والعلاقة بالآخر.. وبحاجة أكثر…

الجمال المحاصر بالقبح

الأحد ٠٣ مارس ٢٠٢٤

إننا كبشر نسعى لإنسانيتنا بشكل مستمر عبر التمسك بالقيم والدعوة لها، والبحث عن مكامن الجمال فينا وحولنا، ومحاولة إبرازها وإعلائها، نبحث عن الجمال فيما نهتم ونحب ونلبس ونسكن ونأكل ونقرأ، في أجسادنا وعلاقاتنا، في اهتماماتنا وأسماء أبنائنا، في أسفارنا وفي حلنا وترحالنا، لقد تحول الجمال من مجرد فلسفة خالصة إلى ممارسة يومية، ومن موضوع علمي إلى سعي إنساني دائم، ومحل احتفاء وتقدير على جميع المستويات. السعي للجمال انتقل من كونه اهتماماً فلسفياً خاصاً بالفلاسفة وعلماء الأخلاق ونقاد الفن والأدب إلى حياة كاملة نتنفسها، عنوانها: الجري خلف الجمال عبر أكبر صناعة عرفها تاريخ الإنسان، وهي صناعة الجمال، التي ترتفع على أضخم وأهم دور الأزياء والعطور وأدوات التجميل ومراكز الرياضة ومستشفيات وعيادات وأطباء وعلاجات التجميل، إضافة لمسابقات كمال الأجسام وملكات الجمال، وسياسات بناء أجمل الحدائق والشوارع والمباني، وإنفاق المليارات على أجمل المدن والمكتبات والمطارات وأعظم المراكز الثقافية و... كل هذا الجهد البشري ليس سوى سعي وتنافس لا يتوقف للوصول إلى الجمال، والقبض على الأجمل، بالرغم من أن سطوة الشر هي الأقوى صوتاً في العالم، ومنطق القوة والحروب الظالمة هي من يقرر المصير والسياسات، بينما تسير آلات الموت التي تحصد أرواح الأبرياء جنباً إلى جنب، وبلا خوف من أي قانون، وبلا تردد مع كل تلك الجهود والسعي العظيم نحو الجمال والرقي، فكيف يأتلف…

جماليات الشر في الأدب

السبت ٠٢ مارس ٢٠٢٤

طلب مني الزملاء في مكتبة «كلمات» أن أدير جلسة أدبية تضم كاتبين عزيزين على قلبي د.بدرية البشر من السعودية، والروائي الشاعر عبدالله البصيص من الكويت. كان اللقاء في دبي، وقد حضر الاثنان بحمولة معرفية وتاريخ لا يستهان به من الإنجاز الأدبي متمثلاً في الكثير من الأعمال الناجحة، وأنا أذكر هذا للإشارة إلى حجم وجماليات الثروة الإبداعية التي تملكها دول الخليج متمثلة في أبنائها المثقفين والمبدعين. حملت الجلسة عنوان (قوة الشر، وجمالياته في السرد) وهو عنوان بدا لي منذ البداية مثيراً وجميلاً ومربكاً أيضاً، استفزّ ذاكرة القراءة وتاريخاً من الكتب، ودفعني لاستحضار العشرات من الأعمال الروائية والسينمائية التي قرأتها وشاهدتها خلال سنوات طويلة، لأتمكن من استخلاص خيط الشر وشخصية الشرير في العديد منها، فوجدت أمراً غريباً، هو أننا برغم نفورنا من الشرير وإدانتنا لأعماله، إلا أننا ننظر لمعظم هذه الشخصيات بانبهار وأحياناً بتعاطف قد يصل إلى حد شهقة الإعجاب أو التصفيق!. وربما تساءلنا: كيف تمكن هؤلاء الكتاب العظام (حتماً سيكون كاتباً عظيماً ذلك الذي يخترع شخصية شرير ستخلد مدى الدهر)، وهل هناك أعظم من شكسبير في عالم الكتابة المسرحية؟، ونظل نتساءل حول قدرة الروائي على الذهاب إلى هذا الحد وإلى ذاك العمق في تغلغله في دهاليز النفس واستخراج أكثر مناطقها ظلامية وبشاعة؟. إننا في تعاملنا مع الشر الأدبي أو السينمائي نميز…

هل هي علاقات حقيقية؟!

الأربعاء ٣١ يناير ٢٠٢٤

كتب أحد الأصدقاء واصفاً علاقات الصداقة التي تتكون من خلال مواقع التواصل، بأنها ليست سوى محاولة خاوية يؤسّسها الناس عبر الفضاء الإلكتروني لأنهم يعانون من فقر حقيقي في صلاتهم وعلاقاتهم الواقعية، لذلك يستعيضون عن (الملموس بالمحسوس، ويتشبثون بالبديل البعيد) مثل إنسان يؤسس ثروة بالاقتراض لا أكثر! هناك أسئلة كثيرة يمكن طرحها على هذه الظاهرة، فهذه العلاقات الناشئة من التواصل بين ملايين البشر عبر المواقع والتطبيقات قد ترتقي فعلاً لمرتبة الصداقة، والحب، وقد ينتج عنها صداقات وعلاقات وزيجات كذلك، لكن نجاح هذه العلاقات أو فشلها أمر آخر، لا يصح واقعياً وعلمياً تعميم نتيجة واحدة عليها جميعها، فهناك صداقات وعلاقات حقيقية وناضجة كذلك قد تنشأ فعلاً من الممارسات التفاعلية التي تتيحها مواقع التواصل لأعضائها ومتابعيها، كوضع علامات الإعجاب أو كتابة التعليقات والمشاركة بالرأي... إلخ! فعلى حساباتنا جميعاً هناك مترددون ثابتون، نجدهم أول من يبادر بالتفاعل والتعليق، وإذا تغيب يوماً سألوا عنك وتفقدوا سبب غيبتك، فإذا حلت ذكرى يوم ميلادك غمروا صفحتك بالورود والتهاني وأحياناً يفاجئك بعضهم برسائل وبطاقات وورود تجدها على باب منزلك، فلا تستغرب، إن القلوب إذا أحبت تفانت، والإنسان كائن باحث عن الألفة والمحبة، أنّى وجدهما سعى إليهما، قد لا يحبك كل الآلاف التي تتابعك، وبالتأكيد لن يكونوا جميعهم أصدقاءك، أنت لا تبحث عن ذلك حتماً ولا تتوقعه، لكنك لا…

أتغير!

الأحد ٢٨ يناير ٢٠٢٤

تذكر النجمة النرويجية ليف أولمن في الصفحات الأولى من كتاب سيرتها الشخصية ما يلي: «أحاول طوال الوقت أن أتغير، لأني أعلم علم اليقين أن هناك أكثر بكثير من الأشياء التي كنت قريبة منها. أريد أن أتوجه إلى هذا الاتجاه. أن أجد السكينة، لأتمكن من الجلوس والإنصات إلى ما يجري داخلي دون أي مؤثر دخيل» لذلك اختارت لكتابها عنوان (أتغير). وهي تكتب (السيناريو) الذي عاشته حقيقة، التفاصيل والمشاهد والمواقف والبشر الذين عبروا حياة امرأة هي في الحياة تقتات حياتها من التمثيل وارتداء الأدوار والأقنعة، إلا أنها حاولت بجهد وصدق واضحين أن تقدم الصورة التي ترى أنها تقولها وتعبر عنها بصدق، كما ترى هي نفسها لا كما تقدمها السينما والصحف ومقابلات التلفزيون وصفحات المجلات، لذلك ونحن نقرأ هذه السيرة بكل هذه السلاسة والانتقالية المختارة بدقة والانتقائية المختارة بحرص، نلمس قلب ليف أولمن وضميرها وإنسانيتها، لا صورة ممثلة المسرح والسينما كما رسمتها أضواء الشهرة المتوحشة والكاذبة أحياناً. تقول أولمن الممثلة والمخرجة النرويجية التي اشتهرت بكونها إحدى أعظم الممثلات الأوروبيات، إنك حين تكتب سيرتك فكأنما تقف أمام مرآة واسعة وتبدأ في نزع ثيابك قطعة قطعة، وهنا فإنك تصبح ضحية سهلة لتلصص الأصدقاء والأعداء وجامعي الفضائح، لأنك تكشف أسرارك أمام الجميع مختاراً، وهي تعلم ذلك جيداً، وتعلم ما قد تعانيه من ألم وندم، إلا أن…

القاهرة.. مدينة الحكايات

الأربعاء ٢٤ يناير ٢٠٢٤

القاهرة مدينة لا تشبهها مدينة أخرى، ليست أفضل ولا أسوأ، لكنها مدينة مختلفة، قد تختلف مع أشياء فيها، قد لا تعجبك في بعض أوجهها، قد تتبرم وقد.. وقد.. لكنك إذا أتيتها محباً غادرتها عاشقاً، ولن يطول بك الوقت فتحن إليها وتعود، لتصير شرياناً من ملايين الشرايين التي تجري في قلب القاهرة قبل أن تذوب مع السائرين في شوارعها وطرقاتها وداخل مقاهيها ومتاحفها و... القاهرة مدينة قيل فيها ما لم يقله مالك في الخمر، وما لم تقله قصائد الحب ولم تغنه حناجر كبار المغنين والمغنيات، لقد كتب الشرقيون والغربيون والمستشرقون عن مصر، عن حضارتها وإرثها وتراثها وثقافتها وحكامها وخفة روح الإنسان في بر مصر، فكانوا لا يؤرخون ولا يمدحون بقدر ما يكتبون بحثاً وتفتيشاً عن سر القاهرة، سر مصر، ولقد شغلني سؤال حول مصر طويلاً وفكرت في كتاب يجيب على السؤال: من صنع الآخر؟ من أتى أولاً الإنسان المصري أم مصر؟ مصر هبة النيل أم أن النيل هبة مصر؟ للإنسان المصري طبيعة لا تخطئها العين ولا تلتبس حولها الأذن، تلتقط لهجته سريعاً وسط مئات اللهجات، وتتعرف عليه بسهوله قبل أن يتحدث، ولعل هذا المصري سليل الحضارات وليس الحضارة الواحدة فقط هو قبل أي أمر آخر من يربطك بالقاهرة، فالمدن بأهلها، ولذلك نقول «مصر منورة بأهلها» إذا صادقت أو أنست من جانب…

الهاتف الذي لم يعد موجوداً!

الإثنين ٢٢ يناير ٢٠٢٤

هل تتذكرون متى رن الهاتف الأرضي في منزلكم آخر مرة؟ بعضكم سيستغرب أن هناك هاتفاً أرضياً أصلاً موصولاً بسلك ومثبتاً بالحائط، وأنه في قديم الزمان كان له قرص مرقم من 1 إلى 9، وأن المتصلين كانوا يديرون القرص خمس دورات ليجيبهم الطرف الآخر، ثم تحول القرص الدوار إلى أزرار، قبل أن يتحول الهاتف إلى لاسلكي يتنقل مع سيدة المنزل على وجه الخصوص من المطبخ إلى غرفة المعيشة، وفي نهاية اليوم يختفي بين حشوات الأرائك دون أن ينتبه أحد لاختفائه! الهاتف الأرضي بالنسبة لجيلنا وللأجيال اللاحقة كان الضرورة الحتمية التي لا يستغنى عنه، وغالباً ما كانت المكالمات عبره تستغرق ساعات من الزمن، لقد كان بهجة القلوب، ومرسال المودة، وصلة الوصل بين الأهل والأصحاب والأحباب، وكم دارت حوله معارك وتسبب في مشاكل وشكاوى، حتى لجأ البعض إلى وضع قفل على الهاتف ليمنع الأبناء والخدم من استخدام الصفر لإجراء مكالمات دولية، تتحول في فاتورة آخر الشهر إلى كارثة مالية تظل محل جدل لأكثر من شهر داخل المنزل وكل منزل! لقد كان للهاتف الأرضي سلك طويل جداً يسمح بإدخاله إلى غرف النوم لأغراض السرية! وكان دخول الهاتف إلى غرفة النوم نذير مشكلة كبيرة إذا لمحه الأب، لأن في الأمر ما فيه من خطر عظيم، لذلك كان الهاتف مراقباً داخلياً، وهنا تحضرني حكاية ذات دلالة…

كيف تنتهي العلاقات؟

الخميس ١١ يناير ٢٠٢٤

يتكرر هذا القول كثيراً هذه الأيام: «أخلاق الإنسان تكشفها نهاية العلاقة أكثر مما تكشفها البدايات» لأن البدايات دائماً شهية وحلوة، إنها دهشة الاكتشاف، وتدفق العاطفة، وجنون القبض على الأمنيات، وتحقق أحلام ربما لم يتخيل بعضنا أن بإمكانه أن يحلم بها فما باله بتحقيقها، هكذا تبدو البدايات: في الصداقة كما في الحب والزواج، والشراكات على اختلاف وتعدد مستوياتها، حيث يجتهد الشركاء لتقديم أنفسهم دائماً في صورة المثال الجدير بهذه العلاقة، كي يصل كلٌ منهم لمبتغاه، وحين يصل يتكشف له وللطرف الآخر أحد احتمالين: إما أنه جدير بالوصول وبالتالي بالثقة، وإما أن يسقط القناع، ويظهر ما تحته!! حين نمضي قدماً في أية علاقة، وحين نستمر في الرحلة كثيراً أو طويلاً دون تردد أو حتى إن نلتفت إلى الوراء لنرى أما زلنا قريبين من محطة الانطلاق أم لا؟ فإن لذلك أسبابه الكامنة فينا أو في الطرف الآخر أو في طبيعة وشكل الرحلة التي تجمعنا أو فينا جميعاً دفعة واحدة، ما يعني أننا التقينا لأننا ائتلفنا واتفقنا وكنا جديرين لأن نبقى معاً، أي أننا كنا نستحق بعضنا البعض، هذا لا يعني أن الرحلة كانت طريقاً مفروشاً بالورد، لكنه يعني أننا كنا حريصين على أن نكمل الطريق بأقل قدر من الخسائر على حساب العلاقة! إن الحرص على العلاقة واستمرارها ليس بالأمر السهل، لكنه يكون أقل…