حمود أبو طالب
حمود أبو طالب
كاتب سعودي

لا عزاء للإنسانية

السبت ٢٩ أغسطس ٢٠١٥

يصعب جدا أن تستوعب الإنسانية ادعاءاتنا بأننا تحضرنا وتقدمنا وتطورنا إلى الدرجة التي أصبح فيها الإنسان، بغض النظر عن أي اعتبارات فئوية أو طبقية أو جندرية أو عمرية، إنسانا له ما يستحقه من الاحترام، وله حقوقه التي يجب أن ينهض المجتمع مدافعا عنها كشكل من أشكال إثبات حياة الضمير وتحمل المسؤولية الإنسانية، من واقع الادعاء أو الزعم بأننا أصبحنا كذلك. أقسم بالله أنني لم أشعر باكتئاب خلال السنوات الماضية القريبة مثلما شعرت به اليوم. وكما يقال بأن ضربتين في الرأس توجع، فإن صدمتين لضمير الإنسان أكثر وجعا وإيلاما. المشكلة أن الضحية في الضربتين هي الطفولة وهي جناية أن يكون المخلوق أنثى في مجتمع جند كل ذكوريته المشوهة للخسف بهذه الأنثى بغض النظر عن كونها في الأساس ضحية غيرها، الأب الأسرة، المجتمع الظالم، القوانين الغائبة، العدالة العوراء، الظلم الفاحش المبين الذي يسهل أحيانا إزهاق الأرواح ونحن نتناقل أخبارها ببساطة، بل ببلادة متناهية. في هذا اليوم الكئيب قرأت خبرين: فتاة تموت بسبب الإفراط في الإهمال، وطفلة تموت بسبب الإفراط في «التأديب». يا الله، كم نحن مبدعون في إيجاد التخريجات لانتفاء الإنسانية عنا أحيانا. كم نحن استثنائيون أحيانا في عدم الخجل من الله وخلقه والإنسانية جمعاء. فتاة كانت ضحية لأسرة قاسية وأب تجرد من أدنى موجبات الإنسانية، حبست انفراديا دون اعتبار لحالتها النفسية…

سيدات المجالس البلدية

الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠١٥

لا أدري لماذا ذهب بي خيالي إلى بعض من التفاصيل المحتملة لليوم الأول الذي ستبدأ فيه المجالس البلدية مزاولة عملها بعد النقلة الهامة بدخول المرأة فيها ناخبة ومرشحة رغم أن الأخبار الآن غير مشجعة بوجود حماس أنثوي للمشاركة، لعله يعود إلى إحباط متراكم أو ربما بسبب عدم القناعة بأنها ستضيف شيئا مهما لمجالس كانت شكلية في الدورتين السابقتين، علما بأني أحمل إعجابا وتقديرا كبيرا لمشاركة المرأة في مجلس الشورى وأحلم بتجربة مشابهة في المجالس البلدية، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.   يبدو والله أعلم أن المجالس ستبدأ عملها بعد جدل كبير عبر كثير من دوائر المجتمع حول كيفية وجود المرأة والرجل في مجلس واحد، وغالبا سينتهي الجدل إلى فرض عزل النساء في موقع منفصل عن الرجال، وهنا سندخل في تفاصيل تقنية قد تستنزف كثيرا من ميزانيات المجالس قبل أن يرى الناس منها شيئا. وبعد أول اجتماع ستمتلئ مواقع التواصل وخاصة الساحة التويترية بأخبار وقصص مفبركة ومتخيلة، قد تصل إلى تفاصيل لا يصح الخوض فيها، وقد ثبت أننا شعب لا يتورع كثير منا عن اقتراف مثل هذه الممارسات المشينة.   وربما يدور الجدل في أول اجتماع للمجالس عن كيفية ترتيب الجولات الميدانية للعضوات وكيفية حل المشكلة الكونية بوجود ذكور وإناث في لجنة واحدة. وقد يستغرق حل هذه المشكلة وقتا…

فوبيا القانون

الإثنين ٢٧ يوليو ٢٠١٥

تقول نتيجة استطلاع حديث لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني إن حوالي 67 في المئة من أفراد العينة يرون أن عدم وجود الأنظمة التي تحد من التحرش يؤدي إلى ازدياد الحالات، وتشير آراء بعض المختصين إلى وجود عدة أسباب شخصية وراء تفاقم التحرش الجنسي، لكن الأهم منها جميعا عدم وجود قوانين رادعة. مصطلح القانون لدينا تكتنفه شبهة مزمنة أدت إلى إصابة الكثير بحساسية منه، شبهة ابتدعها الذين يريدون تسيير مصالح المجتمع وشؤون حياته وفق اجتهاداتهم الشخصية التي يوهمون الناس بأنها نص وروح الشريعة الإسلامية، وعندما يأتي ذكر القانون يصرخون بأن القرآن والسنة هما القانون في ديننا الإسلامي، وهو حق أريد به باطل، وحين يقال لهم بأن من مصلحة المجتمع أن تقنن الأحكام المستمدة من القرآن والسنة تظهر مقاومتهم ويبدأ الهجوم لتسفيه هذا القول واتهام أصحابه بمنظومة الاتهامات المعروفة. هؤلاء يقاومون من أجل مصلحة متوهمة ــ إذا أحسنا بهم الظن ــ في تسيير المجتمع وتشكيله وبقائه على حاله. التقنين يحد من الفوضى ويضبطها ويجعل الفرد على بينة مما هو له وما هو عليه، وهذا ما يناضل أولئك القوم من أجل ألا يحدث. وللأسف، فقد تم حقن كثير من المؤسسات الهامة بهذا التوجه، فنجد مثلا أن مجلس الشورى يتحسس كثيرا من مصطلح القانون، وحتى عندما تتم مطالبته بنظام أو تشريع ما تحت أي…

خبر متحرّش

السبت ٢٥ يوليو ٢٠١٥

لا تزال «قضية العيد»، أي قضية التحرش في مكان عام بجدة، تتفاعل وتحظى بتغطية مستمرة من وسائل الإعلام، ومن آخر أخبارها ما نشرته «عكاظ» يوم الخميس من أن دائرة العرض في هيئة التحقيق قررت تمديد إيقاف المتهمين 15 يوما، كون ما ارتكبوه «من الجرائم التي أثارت الرأي العام وباتت موجبة للتوقيف»، وأنه سيتم استدعاء الفتيات إذا أثبتت التحقيقات تورطهن في القضية. ويضيف الخبر بأن المحكمة الجزئية في جدة درجت خلال الفترة الماضية على رفض أي قضية أخلاقية يتم فيها الستر على الفتيات دون الشباب، ويصر القضاة على الستر عليهما معا أو محاكمة الجميع. هذا الخبر يستحق ثلاث وقفات على الأقل.   أولا: من الطريف جدا تبرير الإيقاف والشروع في التحقيق والمحاكمة بكون تلك الفعلة الخسيسة جريمة أثارت الرأي العام، وليست جريمة اعتداء وانتهاك وسطو على الأخلاق واستهتار بالأعراض والسلم المجتمعي توجب محاسبة مرتكبيها، سواء أثارت القضية الرأي العام أو لم تثره. فماذا لو لم توثق تلك الجريمة ولم يتحدث عنها الرأي العام، وأبلغت الضحايا عنها دون ضجيج، هل ستتساهل هيئة التحقيق فيها وتطلق سراح المتهمين؟   ثانيا: كيف يمكننا فهم استدعاء الفتيات «إذا ثبت تورطهن في القضية»؟. نريد من الهيئة أن توضح ماهية التورط لفتيات تم الاعتداء عليهن في مكان عام ليس ممنوعا عليهن ارتياده ولا هو مكان شبهة وريبة.…

أعيدونا إلى الحياة

الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠١٥

تجربة فريدة حصلت في مدينة جدة خلال شهر رمضان لها دلالات كثيرة تؤكد كم هي بسيطة رغبات الناس وتطلعاتهم، وكم هو التضييق الذي وجدوا أنفسهم فيه ذات مرحلة سابقة أطبقت على مصادر الفرح ومنابع البهجة ولا تريد أن ترخي قبضتها عنها لكي يعود الناس كما كانوا، أسوياء طبيعيين بلا عقد وأزمات وشكوك وأوبئة اجتماعية تنخر نفوسهم.   مهرجان «رمضاننا كدا» الذي احتضنته ساحات وشوارع جدة القديمة أسقط بالضربة القاضية كل التهم الباطلة التي تم إلحاقها بمجتمعنا ظلما وزورا وبهتانا، بأنه مجتمع عدواني شهواني بربري الغرائز متفلت الأخلاق عنيف النزعات، لا يمكن أن يكون في حالة انضباط أخلاقي إلا بوجود رقابة شديدة لصيقة تمنع الانهيارات الأخلاقية المؤكد حدوثها عندما يجمع مكان رجالا ونساء مهما كانت الغايات نبيلة ومهما كان وعيهم وكانت ثقافتهم وتربيتهم. هذه الوصمة الجناية التي تمصلح بها واسترزق من ورائها الكثير سقطت تماما وبصورة صارخة في مهرجان جدة الذي شهد حضور الآلاف من العوائل كل ليلة في مشهد حضاري نبيل، فقد استمتع الناس بالفنون والثقافة والعروض الفلكلورية والألوان التراثية دون حدوث تجاوزات أو مخالفات أو مشاهد صادمة للذوق العام والأخلاق المرعية التي يعرفها المجتمع. كان الإقبال الكبير للناس دليلا صارخا على توقهم للحياة الطبيعية التي افتقدوها، تخيلوا مجتمعا كمجتمع جدة بكل إرثه الحضاري وتسامحه ورقيه يتم اختطاف البسمة منه،…

جنون عابر للقارات

الأحد ٢٨ يونيو ٢٠١٥

لا يمكن أن نتصور جنونا أكثر من هذا ولا وحشية وتجردا من كل المشاعر الإنسانية كما نرى الآن، ويصعب أن نجد حالة في العصر الحديث تشبه ما وصلنا إليه في هذا الوقت من إبداع في تدمير الحياة والأحياء من كل جنس وعرق وطائفة ومذهب، وإصرار على العودة بالإنسان إلى عصوره المظلمة بعد تدمير كل منجزاته المتراكمة عبر الزمن. هستيريا انتزاع الأرواح بأشرس الوسائل وصلت ذروتها فيما نشاهده الآن، خصوصا في ساحتنا الإسلامية العربية، وفي محيطنا القريب الذي تحول فيه الدين اعتسافا وظلما إلى مبرر لارتكاب أفظع المجازر والتصفيات في مشاهد حية يراها العالم كله. في يوم واحد تبنى تنظيم داعش الذي يسمي نفسه الدولة الإسلامية ويرفع علم النبوة تنفيذ فقرة جديدة في مسلسل الدم الذي دشنه قبل عام. ثلاث قارات اهتزت لثلاث جرائم في يوم واحد، ضحيتها الإنسان المسالم، من فرنسا إلى الكويت إلى تونس. جثة رأسها مفصول ومعلق على سور في ليون، وسواح قدموا إلى سوسة لاقتناص لحظة استرخاء فاقتنصهم الرصاص، ومصلون في أحد مساجد الكويت قرر انتحاري أن يرسل أرواحهم إلى خالقها قبل أن تنتهي صلاتهم. مكان أشهرت فيه السكين، ومكان دوى فيه الرصاص، ومكان حولته العبوة الناسفة إلى دمار. كل الأديان تم الاعتداء عليها في هذا اليوم، هكذا وبكل بساطة وسادية وشهوة عارمة للقتل. وقتل الإنسان جريمة…

في الإسكان العجلة من الشيطان

الخميس ٢٥ يونيو ٢٠١٥

عندما تحفظت على «مبادرات» صندوق التنمية العقاري ووزارة الإسكان بعد إطلاق المبادرة الأخيرة «القرض المعجل» لم أكن متسرعا ولا متشائما في نصيحتي للإخوة المواطنين الذين يعولون على هذه المبادرات، ومنها المبادرة الأخيرة أن يفكروا خارج الصندوق ليتمكنوا من السكن خارج الصندوق. حينذاك صرحت إدارة الصندوق عن عقد اجتماع مع البنوك لتحديد آلية تنفيذ القرض المعجل (الخميس الماضي) للبدء في تنفيذه بعد الاتفاق على الآلية المناسبة، ولكن ربما لأن اسم القرض مشتق من العجلة، والعجلة من الشيطان فقد انتبه الصندوق لهذا الخطأ وقرر تلافيه بالعودة إلى التمهل والتأني، وليثبت بذلك توقعاتنا بأن المبادرة الجديدة ستنضم إلى المبادرات السابقة في ملف التعثر والتأجيل.   في هذه الصحيفة صرح يوم أمس أمين عام لجنة التوعية المصرفية بالبنوك السعودية طلعت حافظ أن مبادرة القرض المعجل ستؤجل لعدم توصل البنوك والصندوق إلى اتفاق على آليات واضحة أو اتفاق نهائي أو حتى مبدئي في ما يتعلق بإجراءات وخطوات العمل بهذا القرض، وأن ذلك لن يتم قريبا، وفي حالة التوصل إلى اتفاق فإن القرار الأول والأخير للبنك وحده، وبالتالي تكون هذه المبادرة هي الأسرع من بقية أخواتها لإعلان تعثرها أو إثباتها بأنها مجرد فانتازيا وصرف كلام على الناس.   ويوم أمس أيضا نشرت صحيفة الحياة خبرا يفيد أن وزارة الإسكان أجلت عملية الفرز وتحديد الاستحقاق للمتقدمين ضمن…

المواجهة في عاصفة أخرى

الإثنين ٠٦ أبريل ٢٠١٥

مع عاصفة الحزم بدأنا نواجه عاصفة تشكلها جبهتين، الأولى إعلامية، والثانية سياسية، يجب أن نتعامل معهما بذكاء وحصافة ومعرفة جيدة بطبيعة الأدوات والأساليب المناسبة لكل منهما. الجبهة الأولى يتخندق فيها صنف من الكتاب والإعلاميين الذين يسوقون أنفسهم بأنهم دعاة الحرية والقومية والنضال ودعم الشعوب المضطهدة، بينما الحقيقة التي يعرفها الجميع أنهم جاهزون دوما للقفز على كل هذه القيم التي يتشدقون بها ومستعدون للعمالة لصالح أي طرف يتبنى مشاريع الهدم والخراب في الدول العربية. هؤلاء طالما أساؤوا كثيرا للمملكة ووصفوها بما يحتشد به قاموسهم الملوث. لقد صدموا بأن المملكة بادرت فعلا لحماية الأمن العربي من الخطر الذي يهدده، وتصرفت بما يحقق المبادئ التي يتحدثون عنها وهم أبعد الناس منها، المفاجأة جعلتهم يفقدون التوازن فعلت أصواتهم بالهجوم عليها. إنهم معروفون جيدا لصالح من هم مسخرون ومن يخدمون، ومع تفاهة طرحهم وتنظيرهم، إلا أنهم محترفون في التزييف الذي ينطلي على البعض. وإزاء ذلك لا بد من استراتيجية إعلامية ذكية، ليس لمواجهتهم والرد عليهم بشكل مباشر، وإنما لنقض ودحض محتوى حملتهم بأسلوب أكثر تأثيرا في الرأي العام وأبلغ إقناعا للمتلقي.   أما الجبهة السياسية، فقد بدأها المحور الروسي الإيراني. روسيا ذات السجل المشبوه في كل أزمات المنطقة منذ وقبل 2011، والتي تدعم النظام السوري في مجازره وتمده بالسلاح، وتقف ضد المبادرات الساعية لإيجاد الحلول،…

لماذا قررت جماعة الإخوان إعلان الحرب؟

الثلاثاء ٠٣ فبراير ٢٠١٥

فاجأتنا جماعة الإخوان المسلمين بالخروج عن قاعدة أساسية في أدبياتها تتمثل في الإصرار على الادعاء أنها حركة لا تنتهج العنف وتؤمن بالعمل السياسي السلمي، لكن يبدو أنها عندما استهلكت كل أقنعة التمثيل دون الوصول إلى مبتغاها فقدت اتزانها وأظهرت حقيقتها وقررت اللعب على المكشوف بتهور وغباء سياسي غير مسبوق. بعد العملية الإرهابية الأخيرة في سيناء وقبل تحديد الجهة المسؤولة عنها بشكل رسمي أطلقت جماعة الإخوان عبر قناتهم التي تحتضنها تركيا بيانا صارخا في صيغته هددت فيه السياح العرب والأجانب والسفارات والمستثمرين في مصر باستهدافهم إذا لم يغادروها قبل توقيت محدد، إضافة إلى تهديد الدول المؤيدة والداعمة للنظام المصري باستهداف مصالحها في جميع دول الشرق الأوسط. وفي اليوم التالي لذلك البيان أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الإخواني الذي يرأسه يوسف القرضاوي، بيانا يدين بشدة الجرائم التي ترتكب في حق الشعب المصري، سواء نحو المتظاهرين الثوار ــ بحسب وصفه ــ أو نحو أبناء سيناء، ويطالب القوات المسلحة بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 3 يوليو 2013، أي قبل عزل محمد مرسي، ويدعو قادة ومفكري وعلماء الأمة الإسلامية بالتدخل قبل أن تخرج الأوضاع عن السيطرة ويحدث ما لا تحمد عقباه. بهذا تتضح الصورة التي لا تحتمل أي تأويل آخر غير أن جماعة الإخوان أفصحت عن علاقة ما بالحادثة الإرهابية في سيناء، وأنها…

ما الذي تفعله وزارة الإسكان؟

الإثنين ١٧ نوفمبر ٢٠١٤

ما زال الناس في حيرة من أمرهم مع وزارة الإسكان وارتباك قراراتها المتوالية التي لم يكن أي منها مقنعا أو قادرا على التعامل مع أساس المشكلة. كانت المشكلة الأولى التي تذرعت بها الوزارة عدم توفر الأراضي، وصدقنا هذه المقولة رغم أنها لو أرادت الاستعانة منذ البداية بصاحب القرار لتوفرت لها أراضٍ كافية، وعلى أي حال ها هي ملايين الأمتار في كل مدينة استرجعتها الدولة وسلمت كثيرا منها للوزارة، ولا ندري ماذا ستفعل بها، والخشية أن تكون انتقلت من حوزة المعتدين عليها لتصبح مجمدة في حوزة وزارة الإسكان.   الاختراعات التي ابتكرتها الوزارة كثيرة، حتى ليخيل للمرء أن سيحتار في الأفضل منها، وقد أسمتها الوزارة منتجات، وكأننا أمام شركة تفاضل بين منتج وآخر ضمن عدد كبير من المنتجات، القرض الذي كان أساس المنتجات أصبح شيئا من الماضي بعد أن تم تذويبه في الاختراعات اللاحقة، والأرض تم وضع الشروط عليها وربطها ببعض المستحيلات ليصبح الحصول عليها غير وارد. التمويل العقاري الذي استبشر به الناس تأخر كثيرا وأضيفت له زوائد ونتوءات ليصبح تحت سيطرة البنوك، وكأن وزارة الإسكان مجرد وسيط لا يستطيع التدخل بوضع شروط عادلة تحفظ للمقترضين حقوقهم، وبالتالي لم يعد هناك فرق كبير بين أن يأخذ الشخص تمويلا ذاتيا من البنك تحت إشراف الوزارة أو بدونها. بمعنى أن كل الأفكار العظيمة…

هامات النخيل ..هامات الوطن

الإثنين ١٠ نوفمبر ٢٠١٤

فعلا، رب ضارة نافعة. فالدم الذي سفحته أيادي الجهل والغدر والخسة والوضاعة في تلك القرية الوادعة في أحسائنا الجميلة تحول إلى إكسير في عروق الوطن، استنهض فيه قيما نبيلة وأصيلة ظن البعض أنها لم تعد موجودة، أو أنها ستتحول إلى عكسها عندما اعتقدوا أنهم أشعلوا شرارة فتنة تحقق لهم أمانيهم المريضة بعدما أطلقوا الرصاص على صدور الأطفال والشباب الأبرياء. لقد ظنوا وخاب ظنهم، وحلموا وتبدد حلمهم، ومكروا لكن مكرهم ارتد عليهم وبالا، فأصبحوا ما بين معفر بالتراب أو في يد العدالة التي ستقتص منه وتطبق عليه عدل السماء. لولا أن الحادثة أزهقت أرواحا بريئة لقلنا إننا كنا بحاجة هذا الاختبار، ولولا أنها مؤلمة وبغيضة لقلنا إننا كنا بحاجة تمحيص كهذا لمعدن الوطن وحقيقته الكامنة تحت القشور والمظاهر التي صنعها ولونها واستغلها المزايدون عليه والعابثون به من الذين نصبوا أنفسهم وكلاء الله في الأرض وسدنة الإسلام الوحيدين وموزعي صكوك الإيمان والتقى على البشر. كنا في حاجة إلى «خضة» تنبه الغافل وتحذر المتساهل وتعيد الأبصار إلى محيطها لتتفحصه جيدا وتعرف ماذا يراد له من ضرر ويحاك له من سوء، ولكي نعرف مدى الخراب الذي ألحقه بنا من استمروا زمنا طويلا ينفخون في كير الفتنة دون خوف من الله أو حرص على الوطن. كان يوم الجمعة في قرية الدالوة يوما وطنيا بامتياز، أجمل…

الصيام في بلاد العم سام

السبت ٢٨ يونيو ٢٠١٤

قد يتحمل الإنسان إلى حد ما اضطراره لقضاء شهر رمضان خارج وطنه في دولة عربية أو إسلامية يجد فيها رائحة رمضان وبعض طقوسه التي اعتادها حتى وإن كانت روحانية وحميمية وطنه لن يجدها في أي مكان، لكن التعب النفسي والجسدي أن يأتي رمضان والإنسان في بلاد بعيدة غريبة نهارها يصل إلى 18 ساعة أحيانا، وأيام الشهر مثل غيرها من الأيام. صحيح أنه اختبار حقيقي للأعصاب والنية والقدرة على التحمل، لكنه صعب وأصعب ما فيه الحنين. أشياء كثيرة سأفتقدها في هذا السكون والنهارات الطويلة والليالي القصيرة جدا، وحتى إن كان الوطن بكل مافيه يمكن متابعته الآن بالصوت والصورة إلا أن الرائحة والطعم وخصوصيات ومفارقات رمضان لا يمكن الشعور بها إلا في ذات المكان. الناس والملامح والسحنات الرمضانية المتجهمة نهارا والضامرة عصرا والمبتهجة ليلا لن نراها هنا إلا بالصدفة المحضة النادرة. باديء ذي بدء افتقدت المتابعة اللصيقة للجدل الذي يحتدم قبل دخول رمضان حول تحديده علميا بواسطة المراصد الفلكية أو بالعين المجردة التي ربما أكلتها بقايا التراخوما أو غطتها سحابة الكتراكت. إنه موسم أستاذنا حمزة المزيني وقضيته الدائمة التي لم يفلح في كسبها رغم نضاله وبراهينه وحججه. سيستمر تحديد رمضان يا عمنا حمزة بنفس الطريقة المتبعة منذ قرون خلت ولكن قضيتك ستظل جزءا من طقوس ما قبل رمضان التي نحرص على متابعتها.…