جمال الشحي
جمال الشحي
كاتب و ناشر من دولة الإمارات

لا تشاهد فيلم ليون

الخميس ٣١ أغسطس ٢٠١٧

لا أعرف إن كان من قبيل المصادفة في طريق العودة من الصين ونحن نعبر الأجواء الهندية أن أختار مشاهدة فيلم درامي يغير الصورة النمطية لأفلام هوليود، ويجعلني أفكر مليًا في كثير من العبث الذي نعيشه بصورة يومية والتي تفرضها علينا حياة قد تكون قاسية وصعبة. يتشابه الأشخاص والمواقف والظروف، وتختلف الأماكن، المعاناة ليس لها عنوان معروف. الفيلم يتحدث عن (سارو) طفل في الخامسة من عمره ينتظر أخاه الأكبر في محطة القطار، وينام مكانه وعندما يصحى من نومه من شدة القلق والخوف يذهب ليبحث عنه في القطار الذي يتحرك حينها، ويأخذ معه الطفل الذي نام من التعب بعيدًا عن قريته بآلاف الكيلومترات، ويخرج من القطار في مدينة "كالكتا" الهندية المزدحمة التي لا يتحدث لغتها، وهو أصلًا لا يتحدث بشكل واضح نظرًا لصغر سنه، لك عزيزي القارئ أن تتخيل ما حدث بعدها، الطفل ذو الخمس سنوات الذي يشبه كل أطفال العالم يضيع في مدينة حسب قصة الفيلم لمدة شهرين، وينام في العراء ويتعرض لكل المواقف الخطرة والمرعبة التي لا يستطيع تحملها رجل راشد، كيف استطاع النجاة ؟ لا أعلم! كثير من المفاجآت في هذا الفيلم وأولها أن القصة حقيقية وأن الكاتب هو بطل فيلم الطفل (سارو) الذي في غفلة من الزمان انتشله شاب بالصدفة من الشارع، وتم وضعه في ملجأ للأيتام وتلعب…

كلاي والذاكرة الجمعية

الأحد ٠٥ يونيو ٢٠١٦

يقول شقيق الراحل، محمد علي كلاي، إنه أوصى أن تُكتب على قبره مقولة للقس الراحل، مارتن لوثر كينغ، يقول فيها: «حاولت أن أحب أحداً.. أن أحب الإنسانية وأخدمها.. حاولت فعلاً أن أطعم الجياع وأكسو العراة». حتى تصل لفهم أفضل للحياة وللمتغيرات من حولك؛ تحتاج أحياناً إلى تجربة عميقة، تجربة تهزك من الأعماق، وتنسف كل ما أنت عليه من مفاهيم أو ما كنت تحسبها قيماً إنسانية نبيلة، فتجعل كلمات، مثل العذاب والفقد أو الموت والغياب الأبدي؛ تعني لك شيئاً مختلفاً، شيئاً مغايراً لِما اعتدت أو اعتادت الجماعة عليه. تقترب منك الحياة وتدنو منها، ترمي لك بطعم، فما إنْ تحاول الإمساك به حتى يبتعد. والقاعدة تقول: حتى تفهم أكثر، لابدَّ أن تحاول ثانية وثالثة حتى تتمكن من الإمساك بالمعنى الحقيقي لذاك الطعم. مات، أول من أمس، أسطورة الملاكمة، محمد علي كلاي، بعد خمسة وثلاثين عاماً من اعتزاله، قضى معظمها يصارع مرض الشلل الرعاش، الذي لا علاج معروفاً له حتى الآن. ويقال إنه عاش بصراع قاسٍ ومرير مع الموت، لكن الواضح أنه كان في صراع مع الحياة. كان يريد أن يفهم بعمق بعض أسرارها ومعطياتها، وكعادتها مع الجميع؛ أعطته فسحة من العمر، كما أعطته الشهرة والأضواء والكثير من المال، وأعطته أيضاً المرض الذي لا علاج له! أن تعتزل وأنت بطل، هذه قصة تستحق…

المنشغلون بأنفسهم.. والمشغولون بغيرهم

الأحد ١٥ مايو ٢٠١٦

في خضم جدولك اليومي المزدحم، هل يمكن أن تأخذ موعداً مع نفسك؟ يُنسب إلى أفلاطون أن سقراط الحكيم هو أول من استعمل اقتباس «الانشغال بالذات»، حينما كان أهالي مدينة أثينا القديمة منشغلين بالأمور السياسية والاقتصادية، ولم يكن لهم عين الاهتمام بذواتهم وشؤون معيشتهم، فدعاهم للعودة إلى أنفسهم. ما أراده الفيلسوف الأكبر هو مسألة ترتيب الأولويات في حياتنا، ذلك لأن الكثير من انشغالاتنا في هموم وأمور الحياة المختلفة تحدد تكوين الشخصية، وترسم الاتجاهات المستقبلية والفكرية للفرد، هذا بالإضافة إلى أنها تأخذ حيزاً كبيراً من تفكيرنا، ومن الطبيعي أن تنهك أرواحنا، إذ عندما نحمل الآخر فوق أكتافنا حينها تتباطأ حركتنا، وتتركز طاقتنا على الانشغال بالأثقال الجاثمة على كواهلنا، فننسى في تلك الزحمة أنفسنا. هناك فرق بين مشاغل الحياة الضرورية، وبين الانشغال بأشياء هامشية، نعطيها أكبر من حجمها وتأخذ الكثير من وقتنا. وكما يقول أهل الفلسفة: «هناك فرق بين الأنا والآخر». لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نستطيع أن نكون بمعزل عن قضايا الناس وهموم الآخرين؟ وهل تستحق أنفسنا كل اهتمامنا؟ أعجبتني مقولة غاندي: «كن أنت التغيير الذي تريده في العالم»، لكن كيف نستطيع أن نغير أنفسنا إذا لم نهتم بها ونوليها حقها من العناية والرعاية؟ في عالم الثقافة المحلية نجد أن الكثير من المثقفين أو من يطلقون على أنفسهم هذا اللقب، منشغلين…

أعراس الثقافة

الأحد ٢٤ أبريل ٢٠١٦

بعد أيام قليلة تحتضن عاصمتنا الحبيبة معرض أبوظبي للكتاب، الذي يشارك في فعالياته أكثر من 1200 ناشر وعارض من مختلف دول العالم، وستشهد أيامه السبعة أحداثاً ثقافية كبرى، توزع خلالها جوائز عدة، بعضها صار على أهمية بالغة، بحيث باتت محط أنظار الجميع، ويترقب نتائجها الكثير من المتابعين والمشاركين على مستوى العالم، وتصبح حديث الإعلام على مدى أيام المعرض، وربما يتواصل صداها بضعة أسابيع أو أشهراً أخرى، لكن الدورة الحالية من فعاليات معرض أبوظبي للكتاب هذا العام تكتسب أهمية استثنائية، كونها تأتي بالتزامن مع إعلان دولة الإمارات عام 2016 عاماً للقراءة، وهي خطوة غير مسبوقة في التنوير أو التثوير المعرفي على المستوى العربي، على أقل تقدير. لا ريب في قيمة ومكانة جائزة الشيخ زايد العالمية للكتاب، وجائزة الرواية العربية (البوكر)، وإلى جانبهما جائزة الإمارات للرواية، وجائزة شخصية العام الثقافية، ومن محاسن الصدف أن شخصية هذه الدورة من جائزة الشيخ زايد للكتاب في عام القراءة هي الروائي العربي العالمي أمين معلوف، وهو تكريم مستحق بامتياز، لِما يتميز به أدب معلوف من إضافة جديدة للفن الروائي، وبعد إنساني شفيف، يجعله نموذجاً فذاً لثقافة التسامح والانفتاح على الآخر. هذا إلى جانب حضور هذه الكوكبة الجميلة من الكُتَّاب والناشرين العرب والعالميين المشاركين في المعرض، إضافة إلى اليانعات الباذخات من أمهات الكتب في الأدب والفن والفلسفة…

الوقت ليس بجانبي

الأحد ٢٠ مارس ٢٠١٦

فرقة «رولنغ ستون»، التي تأسست بداية الستينات الماضية، قدمت أغنيتها المشهورة آنذاك، بعنوان «الوقت مازال بجانبي». والقصد أنه يوجد متسع من الوقت، للقيام بكل ما يتمنى أو يشتهي المرء القيام به. مع احترامي وتقديري لكاتب الكلمات والمغني الرئيس مايك جاغر، ومعه فرقته العالمية «رولنغ ستون»، فالوقت ليس بجانبنا أبداً، ولم يكن معنا أصلاً، حتى نعتقد ضمناً أنه بجانبنا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل فعلاً يوجد متسع من الوقت للقيام بالأشياء الجميلة، التي كنا نحلم بها في حياتنا؟ المؤكد أن الوقت ليس طوع بناننا، ولا هو بمتناول رغباتنا؛ ذلك لأن للحياة تصاريفها، التي تفاجئنا بأسرارها وخفاياها، التي لم تكن يوماً بحسباننا، بمعنى أن للأقدار مشيئتها، حيث تدفع بنا إلى مسارات ودروب لم نتصور يوماً أننا سنختارها، وأننا سنضيع قسطاً من عمرنا في متاهاتها ودواماتها، التي لا يمكن وصفها إلا بالضياع هباءً منثوراً ومنشوراً على السطوح «كمان وكمان»، هذا إذا ما حسبناها بحسبة أحلام النفس وطموحاتها، أو ما كنا نتمنى ونشتهي، إلا أنها بحسبة الواقع أو العقل والمنطق، تبقى محطات ثمينة وغنية بدلالاتها، والمؤكد أنها تركت بصماتها على الروح قبل العقل، وهي التي أسهمت أو لعبت دوراً مميزاً في كل ما صرنا إليه. وهذا هو ديدن الإنسان في كل زمان أو مكان، حيث لا يقنع المرء ولا يرضى بكل ما بين…

هل نستحق السعادة؟

الإثنين ١٤ مارس ٢٠١٦

بحفل افتتاح «عالم ديزني» في مدينة «أورلاندو» بولاية فلوريدا عام 1971، وقف شقيق والت ديزني أمام قصر «سندريلا» في مملكة السّحر، وأعرب عن أمله للجموع المحتشدة، أن «يجلب عالم ديزني الفرح والإلهام لكلّ من يقصد هذا المكان السّعيد». لم يكن ديزني المؤسس وصاحب الفكرة الأولى موجوداً يومها، كان قد رحل قبل ذلك بسنوات. مضى ولم يترك للبشرية قنبلة أو سلاحاً مدمّراً أو حتى جائزة مزيّفة تخلّده، وإنما ترك لنا صناعة مدهشة، عنوانها «الفرح والمسرّة». انتقدني أحد الأصدقاء عندما زرت «ديزني لاند» ذات يوم، ولم أكن أدري حينها، لماذا تُستكثر عليَّ نعمة السّعادة، التي دفعت ثمن تذكرتها عند باب الدخول؟! وضميري العاقّ، الذي يفترض أن يكون في صفّي بدأ يؤنّبني، ويكرّر عليّ ما يشبه معزوفة ذاك الصديق: «ألا تفكّر بالفقراء والمحرومين وضحايا الحروب؟ أنت ترقص وتغنّي وتلعب، وغيرك يتشرّد ويجوع ويتعب!». فوجدت نفسي أقول مدافعاً: «نعم لعبت وغنّيت، ولكنّني لم أرقص»!. إلا أنّ دفاعي لم يكن مجدياً حينها، إذ حالاً بدأ هرمون السّعادة يقلّ، وراحت فرحتي تتلاشى، وأخذت بسمتي تزوي على صفحة وجهي. لماذا يلعب معي ضميري الحيّ، ويختار أجمل الأوقات؛ ليبثّ رسائله المقيتة؟! ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ وهل ما أفعله غير أخلاقي؟ أقصد هل محاولتي أن أفرح بلا حدود غير لائقة، أو ليست شرعيّة أو غير قانونيّة؟ وأنا غارق…

نحن من نضفي قيمة للأشياء

الأحد ٠٦ مارس ٢٠١٦

بقايا القهوة في الفنجان شكلت خطوطاً غريبة، بدت لي كأنها صورة لحيوان مفترس. قلت لصاحبي: هل ترى صورة الحيوان المفترس في قعر الفنجان؟ قال لي: لا أرى شيئاً! ما الذي حدث؟ الخطوط العشوائية كانت بلا معنى، وأنا أسقطت عليها انطباعاتي وصوراً ذهنية سابقة لحيوان مفترس من الذاكرة، كنت أراه واضحاً بين الخطوط العشوائية. وكان صاحبي يبحث عنه. والسؤال الآن لماذا لم نرَ كلانا نفس الصورة والتعابير في قعر الفنجان؟ • الحياة لا تنتظر أحداً، ولا تعبأ بأحد أيضاً، كانت قبلنا وسوف تستمر بعدنا، كم حاولنا أن نبطئ من سرعتها بإضفاء معان وقيمة للأشياء من حولنا، ليتها ولعلها تلتفت لنا، كم حاولنا أن نثبت ملكيتنا للأشياء، ولكن الحياة بعد أن نفنى، في النهاية هي التي ترثنا وترث أشياءنا. وعندما حاولت أن أشرح له بتتبع الخطوط، بدأ يتفاعل وينقل انطباعاته وإحساسه، ويُكَوِّنُ صورة ذهنية قريبة. لقد اختلفنا في الرؤية، رغم أننا نشاهد الصورة عينها. لا يوجد تشابه في رؤية المشهد، فكلانا يرى الأشياء من منطلق مختلف، ويحكم عليها أيضاً من منظور آخر. الزمان والمكان مؤثران في رؤيتنا، وكذلك انطباعاتنا وأحاسيسنا وتراكم المشاهد في حياتنا. ما أراه وأفسّره ليس بالضرورة ما تراه أنت؛ رغم أننا ننظر ونرى المشهد عينه. وعلى هذا النسق هناك أشياء كثيرة في حياتنا، نحن من نضيف إليها ألواناً ورائحة،…

دمية روسية

الأحد ٢٨ فبراير ٢٠١٦

«ماتريوشكا»، هو الاسم المحلي للدمية الروسية المعروفة بشكلها اللافت وألوانها المختلفة. هي حارسة التراث الروسي بالنسبة لمواطنيها، كما يُقال. تأخذ هذه الدمية شكلاً بيضاوياً أنيقاً مع قعر مسطح وقسم علوي وآخر سفلي، حالما ينفصلان تجد بجوفها دمية شبيهة بالأصل، لكنها أصغر حجماً. ولا يسعك التوقف، إذ عليك أن تكمل ما بدأته؛ لأن بداخلها دمى أصغر فأصغر، وكلما فتحت دمية أطلت من الداخل أختها. ويُعتقد أن أضخم دمية بلغ ما بجوفها سقف الثمانين، وأصغرها تبدأ من ثلاث دمى. «ماتريوشكا» تقدم المرأة بلباسها التقليدي على رسومات جميع الدمى، حيث تظهر المرأة على كل رسمة بزي تراثي مختلف، فتجمع ثقافات نسوية مختلفة، تعود لإثنيات عرقية متعددة، تمتد من حدود الصين مروراً بوسط آسيا، وصولاً إلى وسط وشرق أوروبا، وهي الحدود السوفييتية سابقاً. ما يعني أن «ماتريوشكا»، أو هذه الأيقونة الثقافية التي باتت رمزاً للثقافة السوفييتية الماضية والروسية الحاضرة، تقدم المرأة بكل هُوياتها الثقافية في هذا الكيان العملاق. وهي تقول بمعنى آخر، إن المرأة هي الملهمة الأولى في فلسفة الاتحاد السوفييتي السابق، وهو تمجيد لعظمة المرأة، ولكنه ينطوي على تمجيد ضمني للاتحاد السوفييتي عينه، كون تعظيم المرأة هي فكرة إنسانية راقية، وكانت في زمن ولادة «ماتريوشكا» سابقة لعصرها. طبعاً هناك نظرية تقول إن فكرة الدمية مستوردة من اليابان، حيث إن صناعة الدمى في تلك…

غراب أبيض

الأحد ٢١ فبراير ٢٠١٦

ما الذي سيحدث إذا شاهدت غراباً أبيض؟! «البجعة السوداء» عنوان كتاب مهم للكاتب الدكتور نسيم طالب، الذي يكنى بـ«فيلسوف الصدفة»، تحدث فيه عن نظرية البجعة السوداء. اعتقد العالم في السابق أن البجع لونه أبيض فقط، وكانت المفاجأة عندما اكتشفوا أن هناك فصيلة أخرى من البجع، ألوانها سوداء. السؤال المطروح الآن: أين كانت المشكلة؟ هل في وجود بجع يخالف لونه البجع المألوف أو المعروف، أم في نمط التفكير السائد، أم عقلية أصحاب القناعات وتحركهم في نطاق المعلومة المتوافرة؟ في محيطنا لا ينتشر البجع الأبيض ولا حتى الأسود، لكن تنتشر عندنا الغربان بلونها الأسود الغالب، وتراثها الموروث في الذاكرة وبعض القصص الشعبية معروف للجميع، حيث يلتصق بهذا الطير من الحكايات والصفات ما يجعله بطل القصص بين الطيور دون منازع. ما الذي سيحدث لقناعاتنا؛ لو شاهدنا غرباناً بيضاء، تمارس حياتها ودورها في الطبيعة، إلى جانب شقيقاتها السوداء؟ دعني أحدثكم قليلاً عن وهم المعرفة.. أن تعيش حياتك أسير معلومات بسيطة، مغلوطة أو ناقصة، وكنت تعتقد أنها صحيحة وباقية ما بقي الزمان، في حين أن الجميع في مكان آخر يعرفون حقيقة هذه المعلومات، ويعرفون أنها جزء بسيط أو يسير من الحقيقة المعروفة، هذا على أحسن الأحوال. ولكن دارت الدوائر، وعرفت بالصدفة حقيقة وهمك أو قصورك، فغيرت ما كان لديك بمثابة قناعات نهائية، فالمشكلة ليست في…

عيد المرموط

الأحد ١٤ فبراير ٢٠١٦

هل سمعت من قبل عن حيوان المرموط؟ إذا لم تسمع بهذا الحيوان فأهلاً بك معنا في «نادي المعلومات»! للعلم فقط، هناك حيوان بهذا الاسم، وله يوم وطني معتمد واحتفالية خاصة، تُقام كل سنة أيضاً، تنظمها بعض المدن في الولايات المتحدة وكندا في الثاني من فبراير. صديقنا المرموط هذا، هو حيوان من فصيلة السناجب، يدخل إلى جحره عندما يحل الشتاء، ويبدأ ما يشبه البيات الشتوي، لكن أهالي هذه المدن لهم رأي آخر، فهم يستعينون كل سنة بهذا الحيوان الغارق في سباته الطبيعي للتنبؤ بالأحوال الجوية. حيث يرتدي المسؤول عن نادي حيوان المرموط بدلة سوداء بجاكيتة طويلة، ويعتمر معها قبعة طويلة! وفي اليوم المنشود بعد شروق الشمس بقليل، يبدأ ومعه جمهور سعيد وفرح بإخراج هذا الحيوان المسكين من جحره، وإيقاظه من عز النوم. وإذا ما خرج صديقنا المرموط، ورأى ظله، وعاد بعدها إلى جحره، فهذا يعني أن الشتاء لم ينتهِ، وأنه سيستمر لمدة أطول من المعتاد. أما إذا خرج المرموط ولم يرَ ظله حتى ولو بسبب الغيوم، التي غالباً ما تغطي السماء، فهذا يعني أن الربيع على الأبواب، ويجب على الجميع أن يفرحوا به ويستعدوا له. هناك شيء من السخف في هذا الاحتفال يكفي البلدة بكاملها، فصاحب القبعة الطويلة السوداء هذا بابتسامته المرسومة، يجبر حيواناً صغيراً يقضي بياته الشتوي بكل طمأنينة، يلبي…

اللحظات الهاربة

السبت ٣٠ نوفمبر ٢٠١٣

«لدينا حياتان، الحياة الثانية تبدأ عندما ندرك بأننا لا نمتلك إلا حياة واحدة». كونفوشيوس تهدينا الحياة أفضل اللحظات وتأخذها منا في الوقت الذي تحدده، إنه الطعم الذي يجذبنا، وما إن نمسكه حتى يسحبنا إلى خط النهاية، وما بين الهدية وفقدانها مضمار طويل.. عمر يقطعنا قبل أن نقطعه. للحياة منطق مختلف وغير متوقع. تأتيك هداياها مغلفة تدهشك بالتفاصيل وجمال الترتيب. يذهلك التوقيت. تتقبلها بفرح وشغف. تضيع في تفاصيلها. تأخذك بعيداً معها. تتمنى ألا تعود وأن تبقى رهين هذه اللحظة، أسير الهدية، وتنسى أو تتناسى أن عليك الرجوع، وأن هذه اللحظة كغيرها هاربة، وستأتي غيرها... هكذا هي دورة الحياة دائماً تذهلنا بمنطقها اللامتوقع. علاقتنا مع الحياة هي العلاقة الأكثر تحدياً وعمقاً، معها نظل في حالة شد وجذب، لا نتوقع الأحداث، على الرغم من أننا أحياناً نصنعها، ولا نملك التوقيت على الرغم من أنه معلق على معاصمنا. للحياة أسرار، ونحن إحداها، وقد تكون الحياة بالنسبة للكثيرين لغزاً، وتبقى علاقتنا معها اللغز العصي على الحل. «اضبط أو وقِّت ساعتك بتوقيت الفراق!». تلك اللحظة الهاربة دعها ترحل!، قال لي صاحبي: لا تحاول أن تقتنصها، لأنك ستبقى أسيرها. ستأتي غيرها، وكل ما عليك فعله هو أن تعيش اللحظة. قلت له: ماذا نفعل في كم الذكريات، في الصور المعلقة على جدراننا وأسمائهم المطبوعة في قلوبنا؟! قال لي:…

نقاش ثقافي

السبت ٠٢ نوفمبر ٢٠١٣

أيام وينطلق معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الثانية والثلاثين، وتنطلق معه احتفالية ثقافية كبيرة لمدة عشرة أيام، تعبر عن الوهج الثقافي المميز الذي تعيشه دولة الإمارات في هذا المجال. هناك أكثر من ألف ناشر محلي وعربي وعالمي يجتمعون لتقديم إنتاجاتهم الفكرية والأدبية للقراء، ويبقى المتلقي “الجمهور” ترمومتر النجاح للكثير من الفعاليات الثقافية. تغير المشهد الثقافي المحلي في السنين القليلة الماضية، وأصبح أكثر قدرة على فهم المستقبل، وأدركت بعض المدن أن الثقافة جزء لا يتجزأ من التنمية وعامل مهم في التطور الذي تشهده الدولة في كل المجالات، ولا يقل أهمية عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية الأخرى التي تؤثر في عملية تقدم المجتمعات. بناء الإنسان لا بد أن يسير بطريقة متوازية ومتوازنة مع العمران، الإنسان هو من يبني ويشيد المكان، وخلق مجتمع المعرفة ضرورة ملحة للتميز وفهم المستقبل بطريقة صحيحة. أهمية وجود المسارح، المتاحف والمعارض الثقافية تأتي مع وجود استراتيجية ثقافية، تخدم الأجيال، وتساهم في تعزيز الهوية الوطنية، وتعكس التطور الملحوظ الذي تميزت به دولتنا خلال هذه الفترة القصيرة. البناء الثقافي للشخصية المحلية لابد له من عملية تراكمية ومنهج صحيح ووجود قيادات ثقافية من الصف الأول والثاني تخدم هذا الهدف، فالمنشآت الثقافية الضخمة الموجودة تحتاج إلى الإدارة والثقافة معاً والجمع بينهما يحتاج إلى مجهود وتدريب ودراسة، لا تكفي الدورات الخجولة القصيرة في…