محمد النغيمش
محمد النغيمش
كاتب متخصص في الإدارة

عقدة الهروب من المشكلة

الجمعة ١٥ أغسطس ٢٠١٤

هناك نوع من الناس يتفادى مواجهة المشكلة، إما عمدا أو من دون أن يشعر. وسبب ذلك يعود إلى مشكلات عائلية أو تجارب سابقة، بحسب خبيرة إدارة الخلافات د.سوزان رينز في كتابها «إدارة الخلافات». فهذه الفئة من الناس التي تتفادى أو بالأحرى تهرب من مواجهة المشكلة هي أحد أنواع متعددة من السلوكيات التي تدرس في علم إدارة الخلافات، والتي منها المواجهة والتوافق والتعاون والتضحية وغيرها. ما يهمنا هنا أولئك الذين يهربون من المشكلات التي تعترضهم لاعتقادهم أن الوقت كفيل بحلها. وهذه النظرة قاصرة، لأن الهروب من مواجهة المشكلة ليس بالضرورة حلا لها، فبعض المشكلات مثل كرة الثلج إن لم نتصد لها كبرت وصارت تداعيات تجاهلها أكبر. غير أن بعض المشكلات تبدو صغيرة، ومن المرجح أنها سرعان ما ستزول، حينها يصبح أمر تجنب مواجهتها خيارا بديهيا، إلا إذا كان المسؤول يريد اقتناص فرصة توبيخ المتسببين بها حتى لا يتكرر الخطأ. وفي بعض الأحيان يتعمد بعض المسؤولين عدم تجاهل المشكلة إذا كانت مثلا من الأخطاء التي إن اعتاد عليها الموظفون أوجدت حولهم بيئة من الفوضى كسوء تعاملهم مع الزملاء أو فظاظة التعامل مع المراجعين والعملاء. فهذا النوع من المشكلات إذا تم غض الطرف عنه فإنه قد تتفشى بسببه في المنظومة حالة من التسيب. أما مشكلة الذي يتجنبون المواجهة فتكمن في أنهم يتخيلون أنه…

لغتنا الملغومة!

الخميس ٣١ يوليو ٢٠١٤

هناك مصطلح شائع في أدبيات الحوار الإنجليزية، نمارسه في عالمنا العربي من دون أن نشعر، ونهدم به كثيرا من نقاشاتنا البناءة فضلا عن علاقتنا. هذا المصطلح هو Loaded Language، وأقرب تسمية له «اللغة الملغومة»! بمعنى أن نبطن حواراتنا بكلمات تجرح أو تحط من كرامة الآخرين. ومن هذه الطرق «السؤال الملغوم» الذي يبدو ظاهره بريئا وعفويا، غير أنه محاولة للتعريض بالآخرين أو إهانتهم أو الانتقام منهم، أو محاولة لفت أنظار السامعين إلى سلوك نراه شائنا في من نحاول الإساءة إليه. كأن يقول سياسي لخصمه مثلا: هل ما زلتم تضحكون على ناخبيكم بهذا الكلام المعسول؟ أو يقول مدير لمرؤوسه: إذن أنت وراء كل هذه المشكلة؟! أو يسأل شخص ما آخر يثير حنقه فيقول: هل ما زلت تضرب أطفالك؟ وهذه اللغة الملغومة قد تأتي على صيغة سؤال فيه نبرة افتراضية مزعومة تثير حفيظة المتلقي، خصوصا إذا لم تكن مبنية على أساس صحيح. وقد تأتي عبارات قاسية أو كلمات محددة تؤذي المتلقي. واستخدام اللغة الملغومة قد يعتبره البعض نوعا من التكتيك لإثارة المتلقي و«نرفزته»، لكنه في حقيقته سلاح ذو حدين، لأنه في بعض الأحيان يكون وسيلة العاجز عن مقارعة الحجة بالحجة، أو محاولة تدفع بالمتضرر للرد العنيف، ثم تنقلب طاولة الحوار البناء، ويفقد كل متابع رغبته في الاستماع، لأن كلا الطرفين انزلق إلى هاوية…

«ذاكرة اليد»!

الخميس ٢٤ يوليو ٢٠١٤

وأنا أقرأ دراسة حديثة عن الذاكرة والكتابة بالقلم، تذكرت ما قاله لي مبتكر الخريطة الذهنية الشهيرة توني بوزان في لقائي المطول معه بالكويت، حيث قال: «لليد ذاكرة». وكان يقصد أن استخدام القلم للتدوين أو للرسم يخزن في ذاكرتنا معلومات أكثر من استخدامنا للحاسوب أو للهواتف الذكية، ولديه دراسة علمية تؤكد ذلك. وهذا ما جعله يحث الناس دوما على رسم خرائطهم الذهنية يدويا قبل استخدام تطبيقه الإلكتروني. والأمر نفسه يتماشى مع الدراسة المهمة التي نشرتها «العربية.نت» عن صحيفة الـ«إندبندنت» البريطانية وأجراها أستاذ في علم النفس بجامعة كاليفورنيا، حيث أظهرت أن الطلبة الذين استخدموا القلم في تدوين «رؤوس أقلامهم» أو ملاحظاتهم، كانت مقدرتهم على تذكر المكتوب أكثر من أولئك الذين استخدموا وسائل الطباعة. ولم أستغرب هذا الأمر لأنني شخصيا كثيرا ما أستخدم القلم رغم ولعي بالطباعة منذ أن كانت لدي آلة طابعة أكتب بها موضوعاتي! وذلك لسبب بسيط، وهو أنني أجد في القلم تفاعلا أكبر للحواس، لا سيما في لحظات التخطيط أو وضع الأهداف اليومية، والاستمتاع بشطب المهام المنجزة واحدة تلو الأخرى على قصاصة صغيرة. كما أن الإنسان يحتاج أن يتذكر يوميا أهدافه الكبرى (الحياتية) بكتابتها مع مهام اليوم الصغرى حتى يستطيع تذكرها وتذكر أهدافه الشهرية والأسبوعية. وقد تبين في دراسة جامعة كاليفورنيا أن كتابة الطلبة بالقلم أسهمت في حفظ المعلومات في…

لماذا نكتب؟

الجمعة ١٨ يوليو ٢٠١٤

رغم الكم الهائل من النصوص العربية على الإنترنت فإن ذلك لا يشكل سوى 3 في المائة من المحتوى العالمي المدون فيه. والمفارقة أن العرب رغم أنهم يمثلون 5 في المائة من سكان المعمورة بعدد 360 مليون نسمة تقريبا (22 دولة)، إلا لغات أخرى لا ينطق بها سوى شعب واحد مثل اليابانية والألمانية قد تفوقتا على ما كتب بالنص العربي، مع أننا أكثر عددا منهم! ومما أثار استغرابي أنه حتى النص العربي بمجمله الذي نحاول أن ندعمه بكتاباتنا يمثل 75 في المائة منه مساهمة دولة واحدة وهي الأردن! فيما يتوزع الباقي على الدول العربية بحسب، تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات [1]. والسبب يعود إلى مساهمة الجامعات وغيرها من المؤسسات بطريقة ممنهجة أسهمت في نشر المعرفة على الإنترنت. ومن هذا المنطلق أطلق العاهل السعودي الملك عبد الله مبادرة رائدة لإثراء المحتوى العربي على الإنترنت من خلال التعاون مع الجهات العلمية المعنية، حيث ترجم نحو ألفي مقال مميز من الإنجليزية للعربية في مجالات عدة ليتم نشرها في موسوعة ويكيبيديا التي يقرأها ملايين الزوار. كما أطلقت المبادرة أيضا مشروعا آخر لترجمة مقالات مهمة إلى العربية وذلك من 12 لغة أجنبية. وأطلقت أيضا معجم الحاسوب التفاعلي. وتعد جميع هذه الإسهامات خطوات قيمة في هذا المجال. وما محاولات كاتب هذه السطور المتواضعة ولا آلاف الكتاب غيره إلا…

نوم الصائم وإنتاجيته

الخميس ٠٣ يوليو ٢٠١٤

أطلعني فريق بحثي على نتائج دراسة جديدة ستصدر بعد أيام عن إنتاجية الصائم في رمضان، وكانت المفارقة عكس الاعتقاد الشائع، وهو أن الموظف الصائم خامل وغير منتج ولا يؤدي عادة عمله على أكمل وجه. فقد توصلت الدراسة التي أجرتها شركة «موارد» في الكويت عبر فريقها البحثي إلى أن 40 في المائة من العرب المشاركين فيها قالوا إن إنتاجيتهم في رمضان لا تعتبر منخفضة مقارنة مع باقي الشهور. لكن خمس المشاركين (20 في المائة) يرون أن رمضان بالنسبة لهم شهر ذو إنتاجية أقل، ولم يتوصل الباقي إلى إجابة محددة. وقال 40 في المائة إنهم يستطيعون إتمام الأعمال الموكلة إليهم بالجودة المطلوبة أثناء الصيام، ولم يتفق معهم سوى 23.7 في المائة. أرى أن المشكلة ليست في الإنتاجية بقدر ما هي في الاستعداد لنهار رمضان، لا سيما أخذ قسط كاف من النوم وتناول الغذاء الصحي والسوائل المطلوبة. فالإنسان حتى يؤدي وظائفه الذهنية والبدنية بشكل جيد لا بد أن يأخذ قسطا كافيا من «مرحلة النوم العميق»، وهي التي تحدد مدى جودة النوم. وهذه المرحلة تبدأ بعد نحو 90 دقيقة من النوم والتي تتحرك فيها العينان بطريقة سريعة (REM). ويرتبط مدى قوة نوم الإنسان بمدى جودة «نومه العميق» والمريح بعيدا عن الضوضاء. ولا يختلف اثنان على أن الحد الأدنى من عدد ساعات النوم إذا كان…

ارتكاب الخطأ الفادح

الخميس ٢٦ يونيو ٢٠١٤

رغم أن القنبلة الذرية التي ألقاها طيار أميركي على هيروشيما اليابانية قد أوقفت الحرب العالمية الثانية، وأجبرت اليابان على الاستسلام، فإن الطيار نفسه يعترف بأن ذلك المشهد كان مروعا بحق. كيف لا وهو قد حصد بقنبلته وقنبلة ناغازاكي أرواح ما لا يقل عن 150 ألف شخص بريء، فضلا عن الأمراض التي ما زال يعاني منها اليابانيون إلى يومنا هذا. هذا القرار، أو ما أسميه بـ«الخطأ الفادح»، الذي أذهل العالم ما زال يثير مخاوفنا. وهذا الأمر هو الذي دفعني لعدم التردد في قبول دعوة لحضور ورشة عمل خاصة نظمتها منظمة «VCDNP» أمس في فيينا مع منظمة «أتوميك ريبورترز»، حيث تحاولان تنوير نحو 20 كاتبا ومراسلا صحافيا من الشرق الأوسط بخطورة إعادة كارثة هيروشيما وهي ليست ببعيدة عنا. فلو ألقيت، مثلا، قنبلة ذرية بحجم كرة قدم على دولة صغيرة كبلدي الكويت، لا سمح الله، فهي كفيلة بأن تبيد الشعب بأكمله في غضون دقائق. والأخطاء الفادحة ليست مرتبطة بالجرائم النووية فحسب، فهناك من يبيد شعبا بأكمله أو قرى عن بكرة أبيها في لحظة غضب ولا يجد رادعا، كما فعل صدام بالكيماوي الذي سحق به سكان حلبجة وخطيئة غزوه للكويت الذي قلب به موازين المنطقة ثم اتضح أنه كان قرارا فرديا أيده ثلة ممن حوله. وأباد هتلر وجنكيز خان شعوبا أخرى بالطريقة نفسها. ونظرا…

اليابان بعيون مترجم عربي

الخميس ١٩ يونيو ٢٠١٤

استمتعت وأنا أصغي إلى مترجم اللغة اليابانية، الشاب الكويتي بدر الفيلكاوي الذي كان يتحدث عبر التلفاز عن تجاربه في اليابان التي أقام فيها وحصل على الماجستير في لغتها وهو يحضر حاليا للدكتوراه. اتصلت به لأجري معه حوارا عفويا أنقله إلى القراء كشاهد عاش التجربة بعيدا عن الكتب ومصادر المعلومات التقليدية. يقول المترجم بدر إن من أكثر ما أثار إعجابه، فضيلة الاعتذار المقدسة عند هذا الشعب، فضلا عن روح الانضباط والعزيمة والإصرار على تحقيق الأهداف مهما كانت مشقتها. إذ تحدث عن غابة يابانية شهيرة «تعتبر قبلة المنتحرين وتقوم الشرطة اليابانية عادة بإرسال دوريات للبحث عن المنتحرين فيها». ذلك أن كثيرا من اليابانيين قد يقتلون أنفسهم ليعلنوا على الملأ اعتذارهم عما بدر منهم. وبالفعل أذكر أنني قرأت أكثر من خبر يشير إلى انتحار القياديين بطرق شنيعة اعترافا منهم بتحمل المسؤولية. ولو طبقنا مبدأ الانتحار الياباني كاعتذار في بلداننا العربية لربما زهقت أرواح ملايين الناس! ويصل الأمر في المواطنة اليابانية وحتى الياباني إلى حلق شعرها كاملا كنوع من تسجيل الاعتذار والندم. وتحدث الفيلكاوي عن روح الانضباط لدي اليابانيين، الذين جرى العرف عند كثير منهم إلى أن «يأتوا إلى مقر العمل قبل 30 دقيقة من ساعة بدء الدوام» الرسمي. ويعتبر الموظف الذي يأتي مع وقت بداية العمل بمثابة «موظف غير منتظم» على حد وصفه.…

طريقة «فيفا» في اتخاذ القرار

الخميس ١٢ يونيو ٢٠١٤

لأول مرة في تاريخ مونديال كأس العالم، سيكون في مقدور حكام البطولة، التي تنطلق اليوم، معرفة ما إذا كانت كرة القدم قد دخلت المرمى من عدمه بالاستعانة بست كاميرا وعشرة هوائيات مخفاة زرعت عند خط المرمي، بحيث تنقل للحكم في غضون نصف ثانية إشارة، عبر سماعته، تؤكد له دخول الكرة خط المرمى من عدمه، وذلك بالاستعانة باللفافات النحاسية التي وضعت في كرة القدم الجديدة ليقرأها المجال المغناطيسي المحيط بالمرمى. ولجأ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلى هذا القرار بعد الخطأ الشهير؛ حينما لم يحتسب حكم المباراة هدفا صحيحا لإنجلترا على ألمانيا في مونديال 2010، وهي القضية التي تثير إحباطات ملايين المتابعين لكرة القدم حول العالم. وهذا القرار الذي لجأت إليه «الفيفا» جاء، فيما يبدو، بعد دراسة وتأن، حيث إنها «تدرجت» في تطبيقه في بطولات سابقة أقل مستوى لتدرس سلبياته، وها هي تطلقه اليوم رسميا ومطورا في أشهر بطولة بالعالم. وسمحت «فيفا» أيضا باستخدام الحكام «الرذاذ المتلاشي» الذي يرشه الحكم على أرضية المعلب ويختفي بعد دقيقة، لأن الهدف منه هو مكان وقوف اللاعبين أثناء الضربات الحرة. وكلنا يذكر أيضا قرارات «الفيفا» لتخفيف وزن كرة القدم ومحيطها، التي كانت في السابق ثقيلة مقارنة بالحالية، وذلك لسلامة رأس اللاعبين ولتمتعهم بنقلات وضربات أسرع وأجمل وأفضل. ودرست «الفيفا» أيضا تكبير حجم المرمى قليلا ليتمتع…

رأيك بي يتحكم في قراراتك

الخميس ٠٥ يونيو ٢٠١٤

قدم لنا عالم نفس شهير خلاصة دراسته، حينما توصل إلى أن ما نؤمن به تجاه الأفراد يحدد طبيعة قراراتنا تجاههم. وهي النظرية التي سميت (X) و(Y)، وقد انتشرت في أدبيات الإدارة، ومفادها أننا ننظر إلى الناس من منظورين، بحسب د. دوغلاس ماقريغر خريج جامعة هارفارد والمحاضر في معهد (MIT). المنظور الأول أن الإنسان بطبيعته لا يحب العمل، لذا فسيحاول بذل ما في وسعه لتجنبه. وعليه، فإن أصحاب هذه النزعة يتطلب أن نواجههم بأسلوب إداري حازم حتى ينفذوا أهداف المنظمة في بيئة رقابية جادة. ومن هذا المنطق، فإن هذه الفئة تفضل أن يجري توجيهها نحو عمل محدد حتى تتجنب تحمل وزر المسؤولية. أما النوع الثاني من البشر، فتصنفه النظرية على أنهم فئة من الناس سوف تبذل ما في وسعها للسيطرة على أدائها وضبطه بقدر الإمكان لتحقيق أهداف المنظمة، من دون الحاجة لرقابة خارجية أو تهديد ووعيد بعقوبات. وهؤلاء يرون أن جهدهم المبذول في العمل هو في حد ذاته له مردود جيد حينما يكون مرهونا بإنجاز يشار إليه بالبنان، وأن الإنسان بطبعه يقبل تحمل المسؤوليات، بل بالأحرى يسعى إليها بنفسه أحيانا، وأن مساهمات الأفراد الخلاقة لا حدود لها إذا ما توافرت لهم البيئة المناسبة. ولحسن الحظ، فإن واقع الحال يؤكد أن الإنسان فيه خصال هاتين الفئتين بدرجة أو بأخرى. وهذا ما يتفق…

لماذا نكافئ المتأخرين؟!

الخميس ٢٩ مايو ٢٠١٤

كثيرا ما أتساءل: لماذا نكافئ المتأخرين عن المواعيد بانتظارهم، ألا نعاقب بذلك من حضر باكرا؟! هذه التدوينة التي كتبتها في «تويتر» ولاقت تفاعلا ملحوظا، ذكرتني بمؤتمر نفطي واستثماري شهير حضرته في لندن، حينما وقف أمامنا عريف الحفل الإنجليزي وقال بصوت جهور وواثق: «سوف يدخل عليكم من هذا الباب في تمام الساعة الحادية عشرة صباحا الأمير تشارلز» راعي الحفل. وشدد بصوته على كلمة «في تمام» (Sharply)، ثم قال: «وإذا دخل أرجو من حضراتكم الوقوف مشكورين». التفتُّ إلى صاحبي مستغربا من ثقة العريف الكبيرة بالدقيقة التي سيدخل فيها عريف القاعة. وبالفعل بعد عشرين دقيقة دخل الأمير حسب الموعد المعلن. وبينما نحن نقف حسب البرتوكول شعرت أنني لا أستجيب للبرتوكول فحسب، بل أقف احتراما لشخص احترم أوقاتنا، وهو ما يعكس الاعتقاد الشائع عن انضباط الإنجليز بمواعيدهم. ومن صور هذا الانضباط الجرس الإنجليزي الشهير الذي يدقه بيده عريف الحفل وهو يقف خارج القاعة إيذانا ببدء جلسة من جلسات منتدى أو مؤتمر. ومن المفارقة أن ذلك ذكرني أيضا براعي مؤتمر عالمي أقيم في بلد عربي، إذ تأخر لمدة ساعتين عن افتتاح المؤتمر الذي كان يحضره كبار رؤساء الشركات في العالم والوزراء وكبار الضيوف ووسائل الإعلام. ولما سألت المنظمين: أخشى أن راعي الحفل قد حدث له مكروه! فضحك وقال: لا هو سيصل بعد ساعة ونصف الساعة…

ما حقيقة لحظة السعادة؟

الخميس ٠١ مايو ٢٠١٤

إن مقولة الفيلسوف أرسطو «السعادة في العمل» هي فكرة وجيهة لأنها منطقية وقد أكدتها دراسة عالمية شهيرة. ذلك أنه يقصد أن الناس في نهاية مطاف أي عمل يؤدونه إنما يبتغون به الشعور بالسعادة. وهذا ما أكدته الدراسة الذائعة الصيت التي كثيرا ما يتطرق إليها في مناهج إدارة الأعمال وعلم النفس، حيث توصل فيها الباحث Mihaly Csikszentmihalyi إلى أنه «رغم أن السعادة أمر ينشده الناس في حد ذاته غير أن كل هدف آخر مثل الصحة والجمال والمال والسلطة هو في الأصل يتم تقييمه على أساس مقدار السعادة الذي يحققه لنا»[1]. ولذا فقد عكف الباحث على محاولة التوصل إلى لحظة الحالة النفسية التي يشعر بها المرء بالسعادة. فأجرى لقاءات مع نحو ألف شخص ليتوصل لاحقا إلى طبيعة تلك اللحظة الجميلة التي تشعرهم بالسعادة فأطلق عليها اسم «Flow»، أي لحظة تدفق أو انسيابية المشاعر السعيدة. وعندما سألهم عن أسباب سعادتهم وجد أن كل إجاباتهم كانت تقوم على خمسة قواسم مشتركة، وهي أن السعادة أو «flow» تحدث حينما ينغمس الفرد في عمل «محدد»، من «اختياره»، ويكون عملا يتطلب «تحديا» أو جهدا كبيرا أو عملا سهلا لا يتطلب جهدا يذكر، شريطة أن يكون العمل عموما واضح الهدف ويحقق صدى أو بالأحرى ردود أفعال فورية. وأرى أن هذه النتائج موضوعية ومنطقية، فهناك بالفعل بعض الأعمال التي…

الدماغ المسترخي يحل مشاكلك

الخميس ٢٧ مارس ٢٠١٤

اكتشف العلماء أن الحلول لمشكلاتنا المستعصية قد تهبط علينا فجأة ونحن ننعم في أوقات الراحة وليس بالضرورة في ذروة انهماكنا بالتفكير بحلول ناجعة. ذلك أن الدماغ البشري فيه مناطق تسمى (Default Mode Network DMN) وهذه المناطق اكتشف العلماء أنها «تكون ساكنة» حينما يحاول الفرد البحث عن حل لمشكلة تواجهه، ولكن ما إن نمنح أنفسنا فترة من الراحة أو الاستجمام فإنها تتحرك فتحرك معها الفكرة أو الحل من حيث لا ندري. وكم من فرد جاءته فكرة خلاقة وهو يستحم تحت رذاذ «الشاور» المريح أو وهو جالس يتأمل خلف مقود السيارة أو في أثناء ممارسته للرياضة أو النزهة. وهذا ما حدث مع مشاهير على مر التاريخ منهم والت ديزني صاحب أشهر مدينة ترفيهية بالعالم الذي جاءته فكرة الشخصية الكرتونية، ميكي ماوس، وهو جالس يتأمل في القطار، فرسم ملامحها بقلمه. وقرأت أن الأمير الملكي طلال بن عبد العزيز قد جاءته فكرة بناء الجامعة العربية المفتوحة وهو يقرأ تقريرا بصحيفة «الشرق الأوسط» عن أهمية التعليم الكمي والنوعي في الوطن العربي. وأذكر أنني سمعت شاعرا شهيرا يقول حينما «يأتيني إلهام الشعر أقف على قارعة الطريق فورا لأكتب أبياته». ولذا نجد أن في هواتفنا خدمة تسجيل الأفكار صوتيا لنستخدمها حينما نكون في موضع يصعب معه اقتناص الفكرة بكتابتها. كما قال ابن القيم: «العلم صيد والكتابة قيده».…