مجاهد عبدالمتعالي

يا ديوجين اترك مصباحك وجدت عائشة

الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٠

قرابة ربع القرن من الكتابة لا أظن أني أفردت مقالا لأجل إنسان، باستثناء القيادة السياسية التي أكتب عنها بحدين لا أزيد عنهما أو أنقص، أستعيد فيه ما كتبته عن خالد الفيصل عام 2009 كأحد رموز السلطة السياسية الكبار، وكيف أنه (قريب منا حد تلمس مشاكلنا، وبعيد عنا حد حفظ أنفتنا أن يكسرها بسطوة الحكم والإمارة)، فبين هذه وتلك كتبت، وما زلت أكتب، لم يردني فيها اتصال واحد يقول لي: أكتب عن كذا أو نمنعك عن كذا، قد أخرج من الملعب إلى دكة الاحتياط لبعض الوقت (شاكراً من وصفني بأني يوسف الثنيان في الفكر والثقافة، عاجزاً أن أكون سامي الجابر، وما زلت على عجزي يا صاحبي)، أعود دائماً إلى صفحة الرأي، ككاتب مجتهد. هذه المقدمة الموجزة لأسلط الضوء على مثقفة عسيرية، نشر لها نادي أبها برئاسة الأب الكبير محمد بن عبدالله الحميد -رحمه الله- ما (ربما) يعجز النادي الآن أن ينشر مثله ضد التزمت الديني، وهو كتاب (خلف أسوار الحرملك)، فالنوادي الأدبية كما سبق وأوضح أحد رؤسائها السابقين، محمد زايد الألمعي (لم تعد أندية، فقد أصبحت قطاعا في الوزارة، وليست مؤسسات مستقلة، ولم تعد أدبية فقد دشنها الأكاديميون مستراحاً ومنفذاً للفائض من درسهم الجامعي، وبدلاً من أن يدعوهم الأدباء لإثراء الأندية، أصبحوا هم يدعون الأدباء لتزيين منابرهم ببعض الإبداع، وشخصيا لم…

ملابس الصحوة للمدرسين

الأحد ٠٤ أغسطس ٢٠١٩

في (سوسيولوجيا المثقفين) يصف جيرار ليكلرك المثقف بأنه (هو الذي يتعامل مع الأفكار إنتاجا واستهلاكا وإعادة إنتاج وتوزيع سواء كانت أفكارا أدبية أو علمية فكرية أو أيديولوجية)، وبالمقابل نجد ماكس فيبر في كتابه (رجل العلم ورجل السياسة) يصف الأكاديميين بصفات مشغولة بمواضعات بيروقراطية وتقاليد تعري الأكاديمية فتجعلها سلطة أكثر منها معرفة، إذ يقول وأنقل هنا بتصرف لغرض الاختصار (إن أستاذ الجامعة الذي يظن في نفسه أنه الزعيم أو الملهم، لا يحق له ممارسة هذا الدور في المحاضرة، فأقصى حدوده الموضوعية في طرح الأفكار والمعلومات، وما عدا ذلك فعليه أن يجربه خارج قاعة الدرس، في الصحافة أو في الحزب أو أي تجمع بشري غير قاعة الدرس)، حيث يشير من طرف خفي إلى أن لا امتياز لأي زعامة مفترضة بين أستاذ وتلميذ لا يستطيع معارضته أو التذمر من آرائه الخاصة، ولهذا نجد أخلاقيات الطلاب البراجماتيين تراعي نفسية الدكتور ومزاجه أكثر من مراعاتها لمادته العلمية. لماذا كل هذه المقدمة؟ ببساطة لأن الأكاديمية عندنا في دول الخليج خصوصا عليها عبء ملء الفراغ الحاصل في إنتاج المعرفة الإنسانية المحسوبة كإنتاج أكاديمي رزين يحسب لأكاديميي (المشرق العربي)، والذي كان يملؤه أكاديميو العراق وبلاد الشام عموما ومصر، ومن خلال متابعتي المتواضعة لا أجد ما يكافئ الهمّ المعرفي الأكاديمي ومعاييره الصارمة التي يجدها المتابع والمهتم في دراسات وإنتاج…

الحرية ضد الكوليسترول

الإثنين ١٦ يناير ٢٠١٧

(الناس يولدون أحراراً)، عند التأمل في هذه العبارة نكتشف أنها عبارة ديماغوجية تصلح للجماهير، ولكنها ليست عبارة دقيقة تستطيع تفسير التناقضات الاجتماعية في معنى الحرية، فالناس يولدون بغرائز للحياة كأي نوع من الثديات، فيلتقم الطفل الثدي كمصدر للغذاء دون تعليم، ولا يدرك نفسه كذات إلا في مراحل متقدمة من طفولته مع أولى تأملاته في المرآة، بخلاف كثير من الثديات التي تنظر لنفسها في المرآة كأن صورتها شخص آخر. الحرية تمرين وليست حالة، فبتعقيدات الحضارة الإنسانية يجب أن نتجاوز المفاهيم القديمة لمعنى الحرية الذي يرتكز على معنى طبقي لم يعد موجودا في حضارتنا الإنسانية، فالحر حسب المعنى القديم هو عكس العبد، وهذا في معيار الحضارة الإنسانية الحديثة معنى بدائي بائد، بشكله الظاهر، ولكنه موجود بمعناه، لتصبح الحرية مفهوما يحتاج للتدريب والتمرين الذهني، كي لا يصبح الإنسان عبداً بشكل ما وهو لا يشعر، ولهذا كانت عبارة (العالم الحر) - وإن كانت من بقايا الحرب الباردة - التي يوصف بها العالم الأول عبارة موجعة وصادمة لنا كوصف تصنيفي جعلنا ضمن (العالم الثالث). الحرية تمرين وليست حالة ثابتة، فالشعوب التي تتهاون في رفع مستوى لياقتها للحرية تصاب بتصلب الشرايين والسكتة الدماغية، وقد تضطر لحرب أهلية تساعدها للوصول إلى المعنى الحديث لرفع مستوى لياقتها لتكون مؤهلة لمعنى الحرية، ورغم ذلك قد تنجح ولا تنجح. الحرية…

المثقف بين التكنوقراط والوعاظ

الإثنين ٢٦ سبتمبر ٢٠١٦

التكنوقراط ليس مثقفا بالضرورة، ولكنه يتقن قاموس المثقفين ليختبئ بينهم، وما أكثر المختبئين، وهنا إشكال يواجه المثقف في التعامل مع هؤلاء التكنوقراط من المثابرين الذين يتأبطون سيرة ذاتية مذهلة منذ دراستهم التمهيدية حتى حصولهم على أعلى الشهادات الأكاديمية، وما زالوا يمارسون عملهم الحكومي ونشاطهم الاجتماعي بنفس المثابرة والذكاء المدرسي، مختبئين في عباءة المثقف التكنوقراط، لكنهم عاجزون عن صناعة الفرق، ولهذا لا نستغرب غازي القصيبي، إذ كان استثناء بين الوزراء التكنوقراط، لأنه كان مثقفاً أولاً ثم تكنوقراط ثانياً، وفي تتبع سيرة حياته نجده يعيش حالة المثقف ليصبح دكتوقراط في وجه التكنوقراط، فيصفهم بالجمود والبيروقراطية، كان يحلل الظواهر السياسية والاجتماعية بصفته مثقفاً أولاً، لكنه يضع الحلول بصفته مزيجاً من كليهما، وهنا تتجلى التركيبة الخاصة لظاهرة غازي القصيبي. لماذا نصر على ضرورة الحد الأدنى من الحس الثقافي في صفوف التكنوقراط؟ لأن التكنوقراط يختبئ وسط المثقفين كأنه منهم، دون أن يمتلك حسهم، إذ تكمن أهمية المثقف في وجود الحس الإنساني والذكاء الاجتماعي الذي يحول بينه وبين الضحك ساخراً ممن يطلب مستشفى في مدينته البعيدة بنفس مواصفات مستشفى العاصمة، التكنوقراط يقهقه لأن مفاهيمه تستجلي الفجوة الإدارية والفنية بين الكلام والواقع فتحدث عنده مفارقة الضحك، بينما المثقف يشعر بالأسى والرغبة في المواساة، لأن مفاهيمه تستجلي الأمل الإنساني في ردم الهوة ما بين (يا ليت) والواقع. التكنوقراط…

الأمة الإسلامية بلغة القرون الوسطى

الإثنين ٠٥ سبتمبر ٢٠١٦

لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ أكثر من مئة عام وهذا السؤال يتكرر بصيغة (الغرب والمسلمون)، لأن السائل لم يدرك أن العالم لم يعد الغرب المسيحي في صراعه مع الشرق المسلم، فتلك القرون الوسطى انتهت، وبدأت لغة جديدة سقطت فيها الإمبراطوريات والملكيات التابعة للكنيسة بشكلها الكلاسيكي، فكل هذا حدث في الغرب وانتهى عصر الحروب الصليبية، لتبدأ معالم النهضة الأوروبية، والشرق العربي ما زال في وعيه القديم الذي لم يصح منه حتى سقطت (الخلافة العثمانية) ليفيق الشرق العربي على هذه الفجيعة كما رآها كثير من الناس آنذاك، وبدلاً من تلمس ميلادهم الخاص في أساليب حكم تتجاوز بتر الأعضاء وقطع الرؤوس فإذا بهم يستعيدون حمولتهم القديمة في الاستبداد ليستنبتوها عبر الأحكام السلطانية، وسايكس بيكو ليست شرا كلها، فكما كان دعم العثمانيين أيام عزهم لمارتن لوثر في ثورته ضد عنت الكنيسة، الذي تحول مع الوقت إلى مكسب فكري لكل أوروبا، فإن سايكس بيكو جعلتنا نعيش السؤال الوجودي في واقعنا العربي بشكل أكثر صرامة، فحربان عالميتان خاضتهما أوروبا لتنضج أكثر، ويبقى السؤال المفتوح: هو لماذا يظن البعض أن الديمقراطية بشرطها العلماني في الغرب أخرجت هتلر وموسوليني، ولم يتساءل صاحب هذه الظنون كيف تشافت ألمانيا وإيطاليا من هزائمهما بسرعة تفوق ما عجز العرب منذ أيام محمد علي حتى هذه اللحظة أن يحققوه، بل إن رزية اليابان…

اليمن بين فعل الثورة وافتعال الطائفية

الإثنين ٢٢ أغسطس ٢٠١٦

انطلقت الثورة اليمنية ضد الرئيس علي صالح مع ما سمي بالربيع العربي في 11 /2 /2011 علماً بأن الرئيس اليمني آنذاك ألقى كلمة أمام البرلمان قبيل ما سمي بتظاهرة يوم الغضب قال فيها: (لا للتمديد، لا للتوريث، ولا لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء)، واستعد وتنازل في حفل رسمي، ثم بدأت أكثر من لكن وجدها (المخلوع) في ثنايا الاتفاقيات التي طرحت كمخرج للواقع اليمني آنذاك. جاءت الفرصة المناسبة والمعقولة لزيارة اليمن بعد سنتين من هذه الكلمة، فوصلت مطار صنعاء في 22 /5 /2013، وعدت من صنعاء في 31 /5 /2013، كانت المفاجئة بالنسبة لي تكمن في المشاهدات واللقاءات، نقاط تفتيش في كل مكان، وكل من أتشرف بمعرفتهم من النخبة السياسية والثقافية ــــ التي يعرفها محمد زايد الألمعي أكثر مني ــــ تجنبت لقاءهم، كنت تقريباً مع انتجلنسيا خريجي جامعة صنعاء وشبيبة بعض الأحزاب المعارضة، أسمع لهذا عن دوره في تحذير الشباب وكشف مواقع قناصة المتظاهرين قبل سنتين، وأقرأ ما وزعه ذاك كمنشور ثوري أثناء المظاهرات، كان كل الشبيبة فخورين وسعداء كأنما الثورة بالأمس وليس قبل سنتين، رغم أن جولة صغيرة في شوارع صنعاء تكشف لك حجم المعاناة اليومية، لتجد الدكاكين ليلاً في وسط العاصمة تضاء بواسطة مولدات كهربائية صينية صغيرة، لكل دكان مولده الخاص للإضاءة، ويستمر البيع والشراء، وكل شيء عموماً معقول…

وجه أمي وزوجتي وابنتي هو وجهي.. فأين العورة؟

الأربعاء ١٧ ديسمبر ٢٠١٤

أين المرأة؟ لا أراها.. إنها نائبة وزارة وفي مجلس الشورى.. لكنها تخرج منهما باحثة عن محرم لها أو سائق أجنبي يوصلها للمنزل كأي قاصر صغير. إن ذكرتهم بزمن الصحابة والصحابيات، قالوا لك: لسنا في زمن الصحابة نحن في زمن الفتن، فتنظر حولك فلا ترى أكبر على الأمة الإسلامية من فتنة "داعش" والقاعدة وأشباههما، فتسألهم: هل تقصدون هؤلاء؟ فيقولون: نحن لا نقصد "المجاهدين" بل نقصد كشف المرأة لوجهها وقيادتها للسيارة، فتدرك أن الشق في عقولهم أكبر من أي حجة دامغة يأتي بها الحكماء وذوو الرأي والحلم على المستوى السياسي والفكري والاجتماعي، فما الحل؟ الحل هو تكرار ما فعله السعوديون قيادة وشعباً مع هؤلاء منذ تحريمهم لتعليم المرأة وصولا لتحريم اللاقط الفضائي وبينهما "جوال الباندا"، قليل من المجاملة والأخذ بالخاطر، مع ترك القافلة تسير نحو المستقبل، ولا بأس من ترضيتهم بالطريقة القديمة نفسها فيتم أخذ رأيهم المعروف سلفاً، وتذكيرهم أن رأيهم ليس وحياً من رب العالمين، وليسوا أنبياء من أولي العزم ليعزموا علينا بالتهديد والوعيد، بل هم مثلنا تماماً يجب عليهم من الاستغفار مثل ما يجب على أي مسلم فينا، وتبقى تجاعيد الزمن تحفر تاريخها الأكيد على ديدنهم في تكرار أخطائهم، ليكونوا نتاجاً لتاريخ طويل من عدم التواضع الديني، فالعاصي قد يعود إلى ربه، ولكن المتزمت في دينه كيف تريده أن يرى…

هوامش على متن اليمن والعروبة

الأربعاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٤

هناك مسلمات وبدهيات عقلية نستطيع من خلالها الحديث حول مكان النقط على الحروف كي نتمكن من قراءة واقعنا أولاً ثم الواقع اليمني بالشكل الصحيح، وعبر هذه النقاط نستمد الرؤية بشكل أوسع لما هو أبعد من اليمن في واقعنا العربي، الذي نريد التأثير فيه وفق معطيات عروبتنا وديننا. المسلمة الأولى: أننا دولة ذات عمق عروبي يتجاوز تاريخ الفتوحات الإسلامية، وعبر هذه البدهية نلاحظ أن موقعنا هذا في جزيرة العرب منذ إرم ذات العماد، هو الذي أهلنا لكثير من الفاعلية في الأوساط العربية، مسيحية ومسلمة. المسلمة الثانية: أننا دولة ذات عمق ديني يتجاوز دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - والسبب عائد لخدمة الحرمين الشريفين، فالكعبة كانت مطافا للإبراهيميين من الساميين، ثم كانت علاقتهم بها أوثق بعد أن أنار الله طريقتهم بإمام الهدى محمد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم -، فكان للعرب شرف اللغة بكتاب الله، وشرف الرسالة بالنبي العدناني. المسلمة الثالثة: أن الحوثيين شيعة قبل أن يولد الخميني وقبل أن تتجمهر إيران بالإسلام، وأن النسيج الاجتماعي اليمني متداخل بشكل يتجاوز التجاذبات الثنائية البسيطة - والساذجة أحيانا - التي تريد فرضها بعض القوى خارج اليمن أو داخله، إلى درجة تنسينا أن آباء الحوثيين هم حلفاء المملكة في ستينات القرن الماضي عندما دعمت الإمامية فهل من مدكر؟! المسلمة الرابعة:…