سلمان الدوسري
سلمان الدوسري
رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط

إصلاح في السعودية

الثلاثاء ٢٦ أبريل ٢٠١٦

لو لم تخرج السعودية من «رؤيتها 2030»، التي أعلنت أمس، إلا بالتخلص من حالة «الإدمان النفطية»، وهو التعبير الذي اختاره ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في حديثه لقناة «العربية» أمس، لكان ذلك كافيًا في أن يكون حدثًا تاريخيًا ليس للاقتصاد السعودي فحسب؛ بل للدولة بأكملها، فإذا أضفنا أن الرجل الثالث في السعودية فاجأ مواطنيه بأكثر من ذلك، وأعلن أن بلادهم تستطيع العيش في عام 2020 من دون نفط، وهي المفاجأة التي لم تكن متوقعة بتاتًا لدى السعوديين، فإننا أمام رؤية تطرح إصلاحًا حقيقيًا يغير من شكل السعودية مستقبلاً، وينوع من موارد اقتصادها، ويحرره ويصلحه، ويحدّ من الاعتماد على دخل النفط بشكل تدريجي. في النهاية سيكون الهدف بعد انطلاقة السعودية الجديدة، وفق ما قاله العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، أن تكون المملكة «أنموذجًا للعالم على جميع المستويات». من الواضح أن الإصلاح السعودي في شكله الجديد لن يبقى حبرًا على ورق، كما لن يكون بالإمكان الانتظار سنوات حتى يفاجأ السعوديون بما إذا كانت رؤيتهم ناجحة أم غير ذلك، فآلية التنفيذ والقياس تمر بإجراءات صارمة، ولن يُسمح للسلطة التنفيذية بالتقاعس في تنفيذها. فعلاً ستكون مهمة صعبة وبالغة التعقيد أمام كل مسؤول منوط به تنفيذ اختصاصاته، لكن ليس أمامه إلا قبول التحدي والمضي بما هو مطلوب منه، أما من…

العقيدة الخليجية مقابل «الأوبامية»

السبت ٢٣ أبريل ٢٠١٦

6 مبادرات أفرزتها قمة الرياض الخليجية الأميركية، أبرزها إنشاء نظم إنذار مبكر ضد تهديدات الصواريخ الباليستية (الإيرانية)، وتدريب قوات خاصة من دول مجلس التعاون، وكانت هذه المبادرات كافية لمعرفة أين يتجه التحالف التاريخي بين واشنطن والعواصم الخليجية. صحيح أن نتائج القمة كانت أعلى من سقف التوقعات، وصحيح أيضًا أن القمة لم تكن كسابقتها في كامب ديفيد بلا نتائج ملموسة، وصحيح للمرة الثالثة أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تنازلت عن بعض قناعاتها الخاطئة تجاه حلفائها، إلا أن الأهم من هذا كله، ونحن في الشهور الأخيرة من فترة السيد أوباما، أن الدول الخليجية بقيادة السعودية لم تعد تنظر للحليف التقليدي والتاريخي والاستراتيجي كما كان ينظر له سابقًا، فهناك فرق بين أن تكون «الحليف الوحيد» أو تكون «حليفًا مهمًا»، وهو ما توّجته قمة الرياض بتطوير هذا التحالف، بدلاً من الاعتماد فقط على الولايات المتحدة، إلى مستوى جديد من الشراكة، وهو ما عبّر عنه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في ختام أعمال القمة، عندما شدد على التزام دول المجلس وحرصها على تطوير العلاقات التاريخية والاستراتيجية بينها وبين الولايات المتحدة، «خدمة لمصالحنا المشتركة وللأمن والسلم في المنطقة والعالم». الجيد في خضم الجدل بشأن العلاقات الخليجية الأميركية أن دول الخليج شبّت عن الطوق ولم تعد تعتمد اعتمادًا كليًا على واشنطن. اللافت أن…

“رعد الشمال”.. التحالفات تتغير

السبت ١٢ مارس ٢٠١٦

كان منظرًا مهيبًا ستذكره الأجيال طويلاً. عشرات الآلاف من الجنود ووحدات من جيوش 20 دولة تنضوي تحت لواء أول عمل مشترك من نوعه، على مساحة 900 كيلومتر مربع، شمال السعودية وقرب الحدود العراقية. لم تكن مناورات «رعد الشمال» تمرينًا عسكريًا لم يسبق له مثيل فحسب، بل كان رسالة سياسية قبل كونها عسكرية، قرأها البعض، وأنصتَ لها بعض آخر، وحفظها عن ظهر قلب بعض ثالث، فهي المرة الأولى التي تعتمد فيها دول المنطقة على تحالفاتها بنفسها، لا على التحالفات التي يصنعها الآخرون، المرة الأولى التي تقولها دول المنطقة، عمليًا، بأنها قادرة على إيقاف العبث باستقرارها وأمنها، المرة الأولى التي لا تحتاج إلى دول كبرى تعمل غطاء أو مظلة. «رعد الشمال» أسّست معادلة جديدة للتوازنات في المنطقة، انطلقت من «عاصفة الحزم» وتبلورت في حفر الباطن، وتعززت بـ«رعد الشمال». في ظني، هناك أربع رسائل ترسلها «رعد الشمال»، الأولى لكل أولئك الذين يخططون لإشعال فتيل الفوضى والانقضاض على الدول، لكل الجماعات والميليشيات التي غدت دولة تقع على رأس الدولة، مثل «حزب الله»، و«داعش»، و«القاعدة»، و«الحشد الشعبي»، وغيرها من الجماعات الإرهابية المتطرفة، بأن التحالف الإسلامي العسكري لن يسمح باستمرار فوضى الإرهاب وتقويضه لأمن دوله واستقرارها، أما الرسالة الثانية فهي للدول الكبرى وحلفاء المنطقة التاريخيين، بأن عصر التحالفات الإقليمية، أصبح موازيًا للتحالفات التقليدية، التي يمكن القول…

المزايدون على السعودية

السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠١٥

هي قصة لا تنتهي. كلما حدث طارئ عكر موسم الحج، تتكرر الأسطوانة، ولا جديد في الأمر. الجديد أن السعودية لا تتوقف عند ذلك بل تستمر في إعطاء خدمة الحجاج الأولوية القصوى على ما سواها. تنفق ما يقارب 10% من دخلها على الخدمات المقدمة في مكة المكرمة والمدينة المنورة. وفوق ذلك تعتبر أن ما تقوم به من خدمة أكثر من 1.5 مليار مسلم شرفًا وليس منة. هذا الشرف ليس معنيًا به ملوكها أو حكومتها فحسب، بل أيضًا 20 مليون مواطن يتشرفون بذلك. فلما حدثت فاجعة التدافع في منى، عادت الأسطوانة المشروخة مجددًا، وكأن هناك من يتمنى هذه الحادثة ليستغلها سياسيًا ويزايد على السعودية في تنظيم الحج. بغض النظر عما تسفر عنه التحقيقات في حادثة التدافع المؤسفة، فإن إسقاط هذه الحادثة لنسف جهود مئات الآلاف من البشر يساهمون في خدمة الحجاج، أمر فيه الكثير من الإجحاف وعدم الإنصاف، فموسم الحج كل عام، على الأقل في المواسم القليلة الماضية، يمر بلا حوادث تعكر صفوه. هذا العام عندما حدث التدافع، لم تكن المفاجأة من ردود فعل نظام إيران العدواني وتخبطاته، فهذا أمر متوقع، بل ربما المستغرب لو كان غير ذلك. الغريب موقف دولة مثل تركيا. يخرج رئيس الشؤون الدينية فيها بتصريح مستفز يطالب فيه بمؤتمر دولي لمناقشة «أمور تأمين الحج»، ثم يتبعه رئيس الحكومة…

تحالف جديد بين الرياض وواشنطن

الإثنين ٠٧ سبتمبر ٢٠١٥

ولأنه حتى التحالفات السياسية لها تاريخ صلاحية ثم تبدأ بالأفول شيئًا فشيئًا، لم تعتمد السعودية والولايات المتحدة الأميركية فقط على علاقات متميزة استمرت سبعين عامًا، وهي عمر التحالف التاريخي، وإنما أسستا لمفهوم مبتكر يسمح لهذا التحالف بالصمود والصعود لعقود قادمة، من دون أن يتأثر سلبًا بتغير المواقف السياسية للبلدين، وهو ما تمثل في إعادة تشكيل العلاقات وفق قاعدة جديدة هي «الشراكة الاستراتيجية الجديدة للقرن الحادي والعشرين»، ربما هذه المعادلة المفاجئة التي احتواها البيان الختامي لزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لواشنطن، والمباحثات التي أجراها مع الرئيس باراك أوباما، هي التي تحمي العلاقة بين الرياض وواشنطن مستقبلاً من الولوج في أفخاخ التباينات والاختلافات السياسية، والتي من الاستحالة أن تتطابق في كافة تفاصيلها، وإن كانت كذلك في خطوطها العريضة. تركز السياسة السعودية الخارجية في عهدها الجديد، والتي يقودها الملك سلمان بن عبد العزيز، على أن لا تقتصر تنمية العلاقات مع الدول الأخرى من بوابة دهاليز السياسة ذات المواقف المتغيرة دائمًا، وإنما على المصالح الاقتصادية التي قد يكون لديها المصباح السحري في فتح آفاق مبتكرة. هذه القاعدة الذهبية تنطلق من أن التحالف يجب أن لا يتأثر سلبًا بمواقف سياسية متباينة، أو حتى اختلافات عميقة، بقدر ما يتأكد الطرفان أن هناك سياجًا حديديًا عاليًا يحمي علاقتهما من الضرر والتوتر، بفعل المصالح…

بعد المغسل.. أين الثلاثة الآخرون؟!

السبت ٢٩ أغسطس ٢٠١٥

لم تمنع 19 عامًا قضاها مهندس تفجيرات الخبر أحمد المغسل، متخفيًا ومتنكرًا ومتنقلاً بهويات مزورة، من وقوعه في يد العدالة أخيرًا. اصطاده صقور الأمن السعودي بعملية استخبارية معقدة، حتى لو ظن واهمًا أن السنين نالت من عزيمتهم وأضعفت قواهم. ليست مفاجأة أن المغسل كان يقيم بإيران، كما أنه لم يكن مفاجئا أنه يتنقل بهويات إيرانية مزورة، المفاجأة الحقيقية لو أن السيناريو كان فعلاً مختلفًا، ولم يكن لطهران يد في هذا التفجير الإرهابي، وإيواء منفذيه طوال عقدين مضيا. الآن وبعد الضجة التي أعقبت الكشف عن والقبض على المغسل، يبقى ثلاثة من المطلوبين المتهمين في العملية، من أصل 14 مطلوبًا، الذين سيكون الدور القادم عليهم الآن.. أين يقيمون؟ وما هي الجهة التي تدير تحركاتهم وتخفي هوياتهم وتستبدلها بهويات مزورة؟ وبعيدًا عن التنجيم والتحليلات والتكهنات، وكما كان المغسل يقيم في إيران، الدولة المتهمة بالوقوف خلف هذا العمل الإرهابي، فإن الطبيعي أن يكون المطلوبون الثلاثة مقيمين أيضًا فيها، وإن لم يكونوا كذلك، فإن الأوامر بالتأكيد صدرت لهم من اليوم الذي قبض فيه على المغسل بالعودة فورًا، فلا توجد دولة في العالم قادرة على تحدي الولايات المتحدة والعالم وإيواء مطلوبين للعدالة أو إرهابيين سوى دولة واحدة فقط، كما فعلتها سابقًا مع أعضاء تنظيم القاعدة، وهو أمر مثبت بالأدلة والبراهين، ولا يمكن تخيل أن المطلوبين الثلاثة:…

استعدوا للأسوأ مع «داعش»

السبت ٠٨ أغسطس ٢٠١٥

نعم، فلنستعد للأسوأ مع «داعش». الحرب طويلة وشاقة وشرسة قبل هزيمة هذا التنظيم على غرار «القاعدة»، الذي لا يزال حيًا، غير أنه ليس بالقوة التي كان عليها قبل عقد. من يظن أن الحرب على «داعش» نزهة ستنتهي في وقت قصير فهو خارج عن الواقع، ومن يعتقد أن خطورته ستهدأ قريبًا فهو واهم، هذه حرب دولية ضد سرطان انتشر في أوصال العالم، فـ«داعش» تنظيم إرهابي عابر للحدود يستخدم تفسيرات دينية متطرفة، وهناك فرق بين هزيمته والقضاء عليه، كل ذلك لن يحدث في عام أو اثنين، بل أمامنا سنين طوال قبل الخلاص منه. التفجير الإرهابي الأخير الذي استهدف مسجدًا لقوات الطوارئ السعودية، حلقة من سلسلة طويلة للعمليات الإرهابية التي يقوم بها «داعش»، وهي لا ترتبط بمكان محدد، بقدر ارتباطها بأهداف التنظيم القائمة على تعزيز فكرة الحاضنة الاجتماعية للإرهاب وسهولة انتقاله من بلد لآخر، طمعًا في جذب أكبر عدد ممكن من العناصر، التي يقوم باستخدامها في مقره الرئيسي في العراق وسوريا، فمنظرو «داعش» يعون جيدًا أن نشاطاتهم الإرهابية مهما كان حجمها، فمن الاستحالة أن تخلق لهم موقعًا على الأرض، لذا نجد عملياتهم تكون أمس في عسير، وقبله في الكويت، وقبلها في جزيرة الريم الظبيانية، ثم تعود لتستهدف الشيعة شرق السعودية، وتنتقل مرة أخرى لمحطة جديدة في أوروبا، والهدف النهائي هو استقطاب «جنود» لـ«الدولة»…

المالكي ونصيحة سعود الفيصل

الخميس ٢٣ يوليو ٢٠١٥

بهجومه غير المسبوق على السعودية ومطالبته السمجة بوضعها تحت «الوصاية الدولية»، يكون نوري المالكي نائب الرئيس العراقي قد سدد ضربة قاضية لأي تقارب بين بغداد والرياض في الفترة القادمة، وبعد أن كان سببًا رئيسيًا في تردي العلاقات بين البلدين إبان توليه رئاسة حكومة بلاده، ها هو يختصر سياسة الحكم في العراق في التعاطي مع السعودية ودول الخليج. هذه التصريحات وإن كانت عدوانية ولا تتقاطع مع الدبلوماسية بشيء، فإنها تظهر الوجه الحقيقي للنظام العراقي من جارته الجنوبية. بالطبع لن ينطلي على أحد تمييع مواقف المالكي، كما في تصريحات رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء المنشورة اليوم في «الشرق الأوسط»، والزعم بالحرص على إزالة الشوائب في العلاقات السعودية العراقية وتعزيزها وبقية الكلام النظري المتكرر، فتبريرات مثل «التصريحات شخصية ولا تمثل الموقف الرسمي» غير منطقية وغير مفهومة، فمن تحدث بها نائب رئيس الجمهورية وليس نائبًا في البرلمان. يمكن القول إن طريقة التعاطي الرسمية مع هجوم المالكي الشنيع استهانة لا تغتفر من مؤسسة الحكم العراقية. خلال الفترة السابقة التي تولى فيها العبادي رئاسة الوزراء خلفًا للمالكي، بعث برسائل عدة بأنه عازم على تغيير الشكل الطائفي الذي أضحى هدفًا ساميًا سار عليه سلفه، لذلك غضت دول الجوار العراقي النظر عن استفزازات صادرة من وزراء ومسؤولين عراقيين عدة، طمعًا في المساعدة على إعادة الاستقرار للبلد الذي نجح…

تحالف الغرب مع السعودية ليس منحة

الإثنين ٢٠ يوليو ٢٠١٥

السير كريستوفر ميير السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة وألمانيا، والزميل البارز لمعهد الخدمات الملكية المتحدة، نشر مقالاً في الزميلة صحيفة «الغارديان» اللندنية تحت عنوان «الفوضى في الشرق الأوسط تعني أن وقت التحالف مع إيران قد حان»، ملخصه أنه طالما لم تعد هناك قدرة على إسقاط نظام بشار الأسد بسبب الدعم الروسي الإيراني، وفي أعقاب ظهور تنظيم داعش المفاجئ واستقطابه للمقاتلين الغربيين، فـ«شئنا أم أبينا، نحن في تحالف على أرض الواقع ضد (داعش) وإلى جانب الأسد، وإيران، العدو العتيد لحليفتنا المملكة العربية السعودية»، ثم يتوصل سعادة السفير إلى نتيجة حتمية يطالب بها بلاده والغرب بإيقاف كل الأعمال العسكرية ضد «داعش»، وهذا هو المذهل، عبر «ترك المنطقة تحل مشكلاتها بنفسها»، ثم يختم مقاله بهذه العبارة: «إذا تمكن تنظيم داعش من التوسع في الشرق الأوسط، ألن يؤدي هذا حتمًا إلى استنتاج أن إيران يجب أن تكون حليفنا الاستراتيجي في المنطقة خلال القرن الواحد والعشرين؟». ثلاث نقاط رئيسية تغفلها هذه التحليلات غير الواقعية عن فك التحالف الغربي السعودي وتوجيهه نحو إيران، التي أصبحت عقيدتها السياسية مقبولة فجأة لدى الدول الغربية، أولها أن الغرب جرب التحالف مع السعودية ودول الخليج لستة عقود ويستطيع أي مراقب تأكيد أن هذا التحالف كان عاقلاً ولم يتسبب بأي أزمات إقليمية أو عالمية. وثانيها أن الإرهاب السني، كما يسميه…

محظوظ من يرحل كما سعود الفيصل

السبت ١١ يوليو ٢٠١٥

فعلاً.. محظوظ من يتوفاه الله ويرحل عن الدنيا وهو كسعود الفيصل. ليس فقط لاسمه الذي طاف الآفاق ولوى الأعناق، ولا لعمله الذي سيبقى شاهدًا على إخلاصه لوطنه وشعبه، بل لذلك الحب الكبير والشعبية التي خطفها الراحل داخل بلاده وخارجها. لم يكن زعيمًا فتكون الشعبية مفهومة وفي سياقها الطبيعي. لم يكن وزيرًا خدماتيًا يبرع في خدمة مواطنيه ويحتك بهم مباشرة. كان وزيرًا أبعد ما يكون عن التعاطي المباشر مع الناس، إلا أن السعوديين، كما الخليجيين والعرب، أحبوه وتابعوه حاضرًا، وحزنوا عليه ميتًا. لم يفقد الناس وزيرًا كما فقدوا سعود. لم يكن الراحل وزيرًا أو دبلوماسيًا يذهب ويأتي بديل له، بقدر ما حمل على عاتقه مسؤوليات أوطان وبلدان، فما أثقلت كاهله ولا خففت من عزيمته، فلما ترجل الفارس عن جواده، قال له خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بوفاء غير مستغرب: «عرفناكم كما عرفكم العالم أجمع على مدى أربعين عامًا متنقلاً بين عواصمه ومدنه شارحًا سياسة وطنكم وحاملاً لواءها، ومنافحًا عن مبادئها ومصالحها، ومبادئ ومصالح أمتكم العربية والإسلامية، مضحين في سبيل ذلك بوقتكم وصحتكم، كما عرفنا فيكم الإخلاص في العمل والأمانة في الأداء والولاء للدين والوطن، فكنتم لوطنكم خير سفير، ولقادته خير معين»، فماذا كانت إجابة القوي الأمين؟ رد على مليكه بتواضع الكبار: «سوف أظل الخادم الأمين»، معتبرًا أن «ما…

مَن الأهم للخليجيين.. تركيا أم إردوغان؟!

الإثنين ١٥ يونيو ٢٠١٥

وكأنَّ الجميع بحاجة لهذه الصدمة التي أحدثها الأتراك في صلب نظامهم الحاكم من خلال الانتخابات الأخيرة. الأكراد احتاجوها ليؤكدوا أنهم لا يعيشون على الهامش كما أريد لهم. القوى السياسية الأخرى لتثبت أن النظام السياسي لم يتصدع وما زال قويًا وقادرًا على استيعاب الجميع. حزب العدالة والتنمية نفسه احتاج هذه الصدمة قبل أن يستبدَّ فتتلاشى شعبيته التي «كانت» يوما طاغية. الدول العربية كادت تختطف منها تركيا، وهي التي لا تريد أن تضيع منها كما ابتعدت عنها في مراحل تاريخية. ما بين المتحمسين من العرب لكل ما هو تركي، والكارهين لكل ما هو «إردوغاني»، تظلّ الحقيقة التي لا يمكن عكسها بالمشاعر أو الأمنيات، هناك اختلاف كبير بين تركيا وإردوغان، كالاختلاف بين الخلافة في دولة إسلامية، والرئاسة في جمهورية ديمقراطية، تركيا مهمة إقليميًا واستراتيجيا، ولا يمكن الاستغناء عنها، والرئيس طارئ ومتغير بحسب النظام في بلاده. على قدر ما قدم إردوغان مشروعًا تنمويًا نهض ببلاده اقتصاديًا بشكل لا يمكن إغفاله وحقق نموذجًا يحتذى اقتصاديًا، على قدر ما أخفق في تأسيس علاقات استراتيجية لبلاده مع دول العالم. تسببت سياساته في عزل تركيا عن حلم الانضمام للاتحاد الأوروبي، كما أفضت إلى علاقات أقل ما توصف بعدم الارتياح مع الولايات المتحدة الأميركية، أما في حدود المنطقة العربية فيمكن القول إن أنقرة لا تملك علاقات متميزة إلا مع…

«جنيف».. طوق نجاة الحوثيين

الإثنين ٠٨ يونيو ٢٠١٥

ولأن الأمم المتحدة في عصرها الجديد، توقع اتفاقيات أكثر من تنفيذها، ولأنها معنية بالتفاصيل على الورق أكثر من حلول على أرض الواقع، ها نحن نستعد لحلقة أخرى من مسلسل حوارات جنيف الأممية. هذه المرة الوضع اليمني هو مسرحها. كل ذلك يجري بينما كان المتمردون الحوثيون، وحليفهم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، محاصرين عسكريًا وسياسيا ودبلوماسيا، غير أن المنظمة الأممية تطل فجأة لترسل طوق نجاة لمن ضرب بكل القوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية عرض الحائط، وأصر على مخالفتها والتعنت تجاهها، وكأن «جنيف» اليمني ليس إلا وسيلة أخرى للأمم المتحدة لإطالة أمد الأزمة لا حلها. وعندما يكون الانطباع عن أعلى هيئة أممية في العالم أنها حريصة على توقيع اتفاقيات ورقية فقط، فإن ذلك لم يأت من فراغ، بقدر ما هي سياسات المنظمة التي رعت وساهمت وفرحت باتفاق السلم والشراكة الموقع في سبتمبر (أيلول) الماضي، ليكتشف اليمنيون والعالم أنه الفانوس السحري الذي من خلاله انقلب الحوثيون على كافة شركائهم، واحتلوا العاصمة صنعاء واستولوا على الوزارات والمؤسسات الحكومية بقوة السلاح، قبل أن يختطفوا الرئيس عبد ربه منصور هادي وأركان الحكومة، وطوال تلك الفترة كانت الأمم المتحدة صامتة ولم تنطق ببنت شفة على الانقلاب، وهو ما يؤكد أن المنظمة فشلت، ليس فقط في تنفيذ الاتفاق، بل في توقيع اتفاق غير قابل للتنفيذ أصلاً، بقدر ما…