سلطان فيصل الرميثي
سلطان فيصل الرميثي
كاتب إماراتي

سارق الرمانة

الأربعاء ١٣ يونيو ٢٠١٨

مجتمعياً يتم الحكم على استقامة الفرد باحتساب نسبة تدينه، ولأنها نسبة حسابية فالبسط يكون في عدد الشعائر التعبدية التي يواظب عليها الفرد، والمقام في الصورة الذهنية التي استقرت في عقولنا حول العابد الصالح، وقصص التراث التي تصح - أو لا تصح - تصور رجلاً يصلي من الفجر إلى العصر، وآخر صلى الفجر خمسين عاماً بوضوء العشاء، وإذا نظرنا بتعقل في هذه المسألة سنقر أولاً أن للإنسان كامل الحق في الانصراف نحو العبادة، ولكن لا يعد التعبد معياراً للحكم على استقامته، لأن إتيان الطاعة هو أمر شخصي يجتهد فيه المرء لزيادة رصيده الأخروي، تماماً كالتاجر في الدنيا، فضخامة رصيده في المصارف لا تمنحه ميزة على الفقير. أستشهد على ذلك بحادثتين وقعتا خلال الأيام القليلة الماضية: الأولى كانت لمعتمر يسعى بين الصفا والمروة يصفع معتمراً آخر، هذا التصرف المقيت حدث في الشهر الفضيل وفي أطهر بقاع الأرض، الحادثة الثانية لخطيب يقول: أن يتاجر الإنسان بالمخدرات ويقتل ويزني ويغتصب الأطفال بشكل يومي ولكنه يصلي هو خير عند الله – عز وجل - من المفرّط في الصلاة الذي لا يقع في هذه الموبقات، وما زاد الطين بله؛ أن الخطيب كان يعظ باللغة الإنجليزية، وأعلم تماماً كيف يأتي مثل هذا الكلام مناقضاً للفكرة التي نعمل جميعاً على إيصالها عن الإسلام والمسلمين. هذا الصنف من الأفكار…

التنوير.. لعلهم يرشدون

الأربعاء ٣٠ مايو ٢٠١٨

يعيش العرب أزمة مصطلحات منذ أمد بعيد، ولدَت عُسراً في التعامل مع مفهوم «التنوير»، صاحبه حذّر فطري نشأ فينا، وردة فعل اعتيادية بعد عقود من المصطلحات التي أوردتنا المهالك، وبعيداً عن هذه الهواجس؛ يقدم التنوير نفسه بأنه لحظة وعي شخصية، وتجربة ذهنية يكون الفرد فيها عاقلاً بثقافته، وعارفاً بواقعه، وقادراً على اتخاذ قرارته الحياتية، ليغدو «التنوير» بمثابة المصل المضاد لمرض يغشى العيون فيفقدها القدرة على الإبصار والتمييز. مرّ تاريخنا العربي الإسلامي بلحظات تنويرية عظيمة صنعت الفارق، وأذكر منها المقولة الخالدة لأبوبكر الصديق، حال وفاة الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم: «من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت»، قالها رضي الله عنه في جمع كبير من صحابة كرام، أهل منزلة وعلم، وبهذا طوى صفحة وفتح صفحة أخرى في تاريخ هذه الأمة. أعني في سِوْقِ هذا المثل أن حضارتنا عرفت التنوير قروناً طويلة، قبل أن تخرج أوروبا من ظلامها، وقبل أن يُعرّف إيمانويل كانط التنوير بأنه الوعي الراشد للإنسان، والمتتبع لتاريخ التنوير الأوروبي سيجد أنه مر بسلسة طويلة من النجاحات، كما تعثر في إخفاقات، نتيجة كونه خياراً فردياً، وحالة نضوج عقلاني متقدم. ومن دون مواربة، فمأزق التنوير يكمن في استحالة تغيير قناعات الفرد ما لم يكن مشحوناً بالتساؤلات حول الحقيقة، مبادراً نحوها،…

كارثة التفكير الأحادي

الأربعاء ٢٣ مايو ٢٠١٨

يحمل الدستور الأميركي مادتين ظاهرهما التناقض: الأول هو حرية التعبير، والثاني حق الأفراد المطلق في حمل السلاح. لنعد للوراء إلى أهم درس مرّ على منطقتنا العربية في السنوات الماضية، درس حمل - إعلامياً - اسم ثورات الربيع العربي، الذي بدأ رسمياً بمشهد مغادرة زين العابدين بن علي سدة الحكم، واعتبر قطاع واسع من العرب أن انهيار نظامه بمثابة انتصار لثورة جياع، وحان للثورة أن تلهم بقية الدول العربية في الشرق الأوسط. ثم زحفت حشود هائلة إلى شوارع ليبيا ومصر وسورية، والعديد من الدول العربية الأخرى، وأطاحت بأنظمة الحكم على أمل الغد الأفضل. تنافس المتظاهرون الشباب مع بعضهم بعضاً في تأليف «شعارات للديمقراطية» على «تويتر» أو «فيس بوك»، وعلى اليافطات والأسوار. وسارع إعلاميون غربيون إلى تسمية هذا الحدث «الربيع العربي»، الذي يُفترض أنه متابعة مباشرة للحركات الشعبية المماثلة التي وحدت القارة الأوروبية نهاية الحرب الباردة. لكن بعد مرور سنوات، لم يترك الربيع العربي أي أثر إيجابي، الدول التي لم تنجرّ نحو حرب أهلية تهنئ نفسها الآن ليس على التمتع بحياة أفضل أو أكثر حرية، بل بأنهم لم يتعرضوا لكارثة أسوأ. الأحداث المفجعة وتطوراتها التي جاءت مخيبة لآمال الشباب، لأن توقعات نتائج نجاح الثورة - في حال نجحت - كانت من البداية غير واقعية، حيث ظن المتظاهرون أن نجاح ثورتهم سيحولهم إلى…

القارئ النجم

الأربعاء ٢٩ نوفمبر ٢٠١٧

يُعرف الرئيس ثيودور روزفلت، رئيس الولايات المتحدة الأسبق، بأنه الرئيس الأكثر قراءة في التاريخ، ويشاع بأنه كان يقرأ يومياً كتاباً قبل وجبة الإفطار، ويقرأ كتابين أو ثلاثة كتب أخرى في المساء، وتشير تقديرات المؤرخين إلى أنه قرأ عشرات الآلاف من الكتب على مدار حياته. التواصل في الأفكار هو الأداة الأكثر أهمية التي يمكن أن تنشئ نتيجة فعل القراءة. مفهوم القراءة كصنعة مستقلة يتجلى بوضوح مع روزفلت القارئ، وهو عكس الاعتقاد السائد بيننا بأن الثقافة تنحصر في الكتابة والإنتاج الفكري، ويذهب البعض إلى أن القراءة ترتبط مباشرة بالكتابة، والصحيح أن كليهما فعلان مستقلان يؤثر أحدهما في الآخر، وبذلك لا يشترط أن يختص القارئ في مطالعة ما يرتبط بتخصصه حصراً، وفي ذلك يقول بيتر فردناند دراكر - كاتب اقتصادي أميركي - لقد قرأت في كتب التاريخ والسير الذاتية والعلوم والروايات أكثر بكثير مما قرأت في الإدارة أو الاقتصاد. خلال السنوات الماضيات ظهرت تجربة إماراتية جديدة، تمثلت في إنشاء صالونات ونوادي قراءة افتراضية، أخبرني مؤسسوها بأن الهدف الأول حينها هو مشاركة مستخدمي مواقع التوصل الاجتماعي قراءات نخبوية، وتلبية احتياجات القارئ العربي وإشباع رغباته، وتطورت الفكرة أكثر حينما فتح المجال للقراء في كتابة مراجعاتهم حول الكتب التي أنجزوا قراءتها معاً، وبعدها كان التفاعل مع آراء القرّاء ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبذاك ترسخ مفهوم…

لا تتجاهل النافذة المكسورة

الأربعاء ١١ أكتوبر ٢٠١٧

أوقف الدكتور فيليب زيمباردو، صاحب نظرية النافذة المكسورة سيارته في شارع عام، وعاد بعد أسبوع فوجدها على حالتها، ثم قام بتحطيم إحدى نوافذها بمطرقة، وعاد في غضون ساعات ليجد أن السيارة قد نُهبت وخُربت، حينها تساءل الدكتور عما حصل، ولماذا أحدثت النافذة المكسورة فرقاً في سلوك الْمَارَّة؟! تلت ذلك سلسلة من الأبحاث، استطاع زيمباردو إثبات نظرية النافذة المكسورة، ثم كتب باحث آخر كتاباً بعنوان «نقطة التحول»، يشرح فيه مجموعة من الظواهر الاجتماعية التي تنتشر كالعدوى، يقول فيه: «إنه إذا تم كسر نافذة وتركت دون إصلاح، فسيستنتج الناس الذين يمرون بقرب السيارة أن لا أحد يهتم بها، ولا أحد مسؤولاً عنها، ومع الوقت سيتم كسر المزيد من النوافذ، وسوف يعم الشعور بالفوضى، ويتمادى الناس في التخريب». لعل أهم أسباب الفوضى تكمن في العقل العربي، الذي يتخيل وجود الكثير من النوافذ المكسورة، يراها في شكل مخالفات تتصل بأفكاره الدينية أو تتعارض مع مبادئه التي نشأ عليها، ونتيجة هذه التخيلات يتصرف بشكل عدواني في أقواله أو أفعاله، ووفق النظرية؛ يتصاعد التصرف العدواني مولداً الفوضى ويحث غيره على الفوضى، ولو عدنا بالتحليل والتفسير إلى الهجمات الإرهابية سنجد أن عشرات النوافذ المكسورة لم تصلح حتى الآن، وأذكر منها نافذة النهي عن المنكر، ونافذة الشعور بالغبن والظلم، ونافذة العداء المتبادل بين المسلمين وغير المسلمين. ورغم أن…

ما الذي يجبر القطري على التسوق من الإحساء؟!

الأربعاء ٠٩ أغسطس ٢٠١٧

تستحيل معرفة نبض الشارع القطري من خلال مواقع الإعلام الاجتماعي مقارنة بالوضع في دول الخليج الأخرى، فالحسابات القطرية مُخدرة ولا تحمل روح السجال المجتمعي المرتبط بقضية اجتماعية، فلو كنت متابعاً جيداً في «تويتر» ستتلمس مثلاً شفافية النقاش الشعبي حول قيادة المرأة في السعودية، أو موضوع «من حق الليلة» المتكرر دورياً بشكل سنوي في دولة الإمارات، هذه المساجلات، بغض النظر عن موقفك منها، تُشكل الرأي العام، وتسهم في تطور فكر الشعوب. ورغم هيمنة النظام القطري على مواقع الإعلام الاجتماعي إلا أنه أغفل ثغرة كبيرة تتمثل في المنتديات الإلكترونية التي تنقل بوضوح ما يدور داخل المجتمع القطري، وبصفتي متابعاً لكثير من هذه المنتديات منذ بدايتها يمكنني تلخيص أهم القضايا والأفكار المتداولة والتعليق عليها، وقبل ذلك أود التنبيه بأن المجتمع القطري أحسّ بأثر الثروة النفطية بعد منتصف التسعينات متأخراً عن نظرائه في دول الخليج، ثم خابت آماله بعدما ترافق مع تدفق المال تضخم اقتصادي داخلي، وهدر خارجي لموارد الدولة، التضخم والهدر حرما القطريين نعمة الاستفادة من الإيرادات الهائلة للغاز الطبيعي، وتكونت بذلك دولة يستحيل أن يسكنها ذوو الدخل المحدود، وبالكاد يعيش فيها ذوو الدخل المتوسط، لذا يتذمر الأعضاء في المنتديات القطرية الإلكترونية من الغلاء المتصاعد والاستثمارات الخارجية الفاشلة، ويكثر الحديث عن طبقة عليا من رجال الأعمال تبتز المواطن القطري، وبات من المعلوم أن…

العَلمانيّة بُعبُع «الإخوان»

الأربعاء ٠٢ أغسطس ٢٠١٧

كحال بقية الناس من حولي، كُلَّما سمعت كلمة «العَلمانيّة» أحسستُ وكأنني تعرضت لصعقة كهربائية عالية الشدة ترتعد منها فرائصي، عقود طويلة شعرتُ فيها بالرهبة لمجرد سماعها، حتى من دون أن أفطن لمعناها، فمن المسؤول الأول عن هذه الصورة الذهنية في عقولنا؟! «العلمانيون والإسلام» هو كتاب للمفكر الإخونجي محمد قطب، وكتاب آخر بعنوان «الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه» للإخونجي يوسف القرضاوي، كلا الكتابين يشن هجوماً شرساً على العَلمانيّة، ومراجعة سريعة لكتاب القرضاوي تبدأ من العنوان الذي يتجرأ ويفاضل بين الإسلام وفكرة ثقافية، موحياً بأن العلمانية هي بديل للإسلام، وأنها حرب عليه، على غلاف الكتاب رُسمتَ صورة أفْعَى تسعى، ومثل هذه الأغلفة الصحوجية تُنبئك مقدماً بأنك مقبلٌ على صفحات من التُرَّهات، ومع كل صفحة تجد أن العَلمانيّة هي اللادينية، وأن الخلاص والفلاح في مكتب إرشاد جماعة الإخوان. أولى المغالطات عند الحديث عن العَلمانيّة تتمثل في اِستعراض معناها من سياقات تاريخية وثقافية لا تنتمي أصلاً لمجتمعنا، ولو كان القرضاوي منصفاً لطرحها ضمن سياقها الثقافي العربي، والذي يعني: أن العَلمانيّة تعترف بالدين مكوناً ثقافياً، وأن المؤسسات الدينية ليست السلطة العليا في الدولة، كما هو الحال في إيران ومبدأ «الولي الفقيه»، بل الدولة - حصراً - هي من تُسيّر مختلف المؤسسات الدينية وتشملها برعايتها، كما أن العَلمانيّة لا تعتمد على الدين في المفاضلة بين المواطنين أو…

الكذبة التي يصدقها الجميع

الخميس ٢٠ يوليو ٢٠١٧

إذا كان البرلمان سلطة تشرع القوانين فإن الإعلام هو السلطة التي تشرع الأفكار والآراء، لذا تنشط الدعايات الترويجية لوسائل إعلامية بهدف كسب ثقة الجمهور والتأثير على آرائهم وأفكارهم، ومن هذه الدعايات الكاذبة شعار «الرأي والرأي الآخر»، أو شعار «الإعلام المحايد». صاغ لينين قبل وصوله إلى السلطة عام 1917 فقرة في برنامج حزبه تدعو إلى حرية الصحافة، وفي اليوم الثاني بعد وصوله إلى السلطة، قدم لينين قانون الصحافة البلشفية، الذي يختزل حرية الصحافة في ما يؤمن به الحزب، وبحلول عام 1920 باشرت زوجة لينين، كروبسكايا، تطهير المكتبات العامة السوفييتية، وأزالت من الأرفف أعداداً كبيرة من الكتب بذريعة أنها مضادة للثورة، واستمر هذا التقليد سارياً طوال الفترة السوفييتية، وقدر في عام 1987 عدد الكتب المتلفة من مكتبة لينين في موسكو بـ1.5 مليون كتاب. الإعلام البلشفي يدعي أولاً أنه مستقل ولا يحمل صفة رسمية، فهو صوت الثورة والشعب، وحدود حرياته تتعدى حدود السماء، فكل إعلامي له الحق الكامل في التطاول على المخالفين وانتقادهم، واستطاعت الآلة الإعلامية إقناع الروس بأنهم يعيشون مجد الحريات الإعلامية التي لم يسبقهم إليها أحد. الإعلام الغربي لا يختلف كثيراً عن الصحافة في العهد البلشفي، الفرق فقط في تكوين الدولة والنظام السياسي، فالسياسة الإعلامية تدور ضمن إطار الدعاية الحزبية إن كان الحزب يقود الحكومة، أو انتقاد الحكومة إن كان الحزب…

مشاريع حسين بن عاقول

الأربعاء ١٧ مايو ٢٠١٧

راودتك أحلام اليقظة لبدء مشروعك التجاري الخاص، تتخيل نفسك ذلك الملياردير الذي يظهر في مواقع التواصل الاجتماعي راكباً طائرته الخاصة، تتناول الكافيار القزويني ومحار البحر المتوسط، مع مجموعة فاخرة من الأجبان الفرنسية، ومحاطاً بشلتك المباركة، تتحدث لمتابعيك تارة بالعربية ثم الإنجليزية، دع عنك المشاريع المكررة التي تشبع منها السوق، مثل: بيع «الكب كيك» والمحاشي على «إنستغرام»، أو فتح مغسلة للسيارات، أو محل خياطة. فكّر في شيء جديد مبتكر، ما رأيك في الفكرة التي طرحها «حسينوه» في مسلسل درب الزلق، فكرة نقل الأهرامات من مصر إلى الكويت؟! في رأيي هذه هي الفكرة الخلاقة التي ستدخلك نادي المليار دولار، وحتى لا يقال بأنك سرقت حقوق الفكرة من حسين بن عاقول، يمكنك أن تنقل شيئاً آخر، وهذا بالفعل ما يود صاحبي فعله، فقد تواصل مع مستثمر من آيسلندا، وعرض عليه نقل 50 ألف طن من رمل صحراء الربع الخالي إلى أراضي آيسلندا المتجمدة، الكمية تعادل ما عدده مليون ونصف المليون «تريب» رمل، وكما هو معلوم فإن قيمة «التريب»، بسعر سوق اليوم، تراوح ما بين 1000 و3000 درهم، إذا كان رملاً صحراوياً، تضاف إليها تكاليف الشحن البحري، ولو سألتني: ماذا ستستفيد آيسلندا من هذا المشروع؟ دخول هذه الرمال الصحراوية إلى أراضٍ جليدية سيؤثر في الحرارة المنخفضة في شمال المحيط الأطلسي، فتتحول إلى معتدلة صيفاً…

الثقافة هي قوة ناعمة

الأربعاء ٠٣ مايو ٢٠١٧

المفهوم الشمولي للثقافة يرتبط بمنح الحياة معنى وقيمة يؤثران في السلوك العام، وبالتالي هي أداة قوة وتأثير، وينقل عن الرئيس الصيني «هو جين تاو» قوله: بأن الصين تحتاج إلى المزيد من الاستثمار في القوة الناعمة، ونتيجة لذلك، بدأت الصين في إنشاء معاهد «كونفوشيوس» في جميع أنحاء العالم لتروج ثقافتها، وأخيراً بدأ البيت الأبيض الأميركي في تطوير ما يعرف بالقوة الذكية، وتعني التكامل الذكي لأدوات القوة الصلبة والناعمة. القوة الناعمة تعني القدرة على التأثير في الآخرين للحصول على النتائج التي تريدها، ففي ظل النظام العالمي يستحيل أن تؤثر دولة وتأخذ مكانتها المستحقة باستخدام الطرق القديمة كالتهديد بالإكراه أو الإغراءات المادية، لذا كانت القوة الناعمة التي تجعل الآخرين يتبنون فكرتك ويؤمنون بقضيتك، وبالتالي يفعلون ما تريد، ونظراً لأهمية هذا الموضوع تصدر المنظمات العالمية ومراكز البحوث تقارير سنوية ترتب فيها دول العالم حسب قوتها الناعمة وفق معايير تأتي الثقافة في مقدمتها، ويصف معيار الثقافة قدرة الدولة على الوصول للعالمية وأثر إنتاجها الثقافي في الثقافة الإنسانية. يربط «جيم هوغلاند» الكاتب الكبير في صحيفة «واشنطن بوست» بين القوة الناعمة والعولمة، ويرى إمكانية تحديد مصادرها عبر قياس الأثر الثقافي أولاً، ثم متانة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، حيث يمكن لاستطلاعات الرأي العام أن تحدد حجم التغيرات في جاذبية البلد الثقافية بمرور الوقت، ويرى الكاتب نفسه أن القوة الصلبة…

أسرار «كرنفالات البلاهة»

الأربعاء ٢٩ مارس ٢٠١٧

مسيرات باللباس الأفغاني، وحشود نساء يتشحن السواد، تطوف شوارع لندن وميونيخ، تحمل الرايات السود، وتصيح ضد الحكومات الغربية، وتكفّرها، وتندد برجال الشرطة. ونحن نشاهد هذه المسيرات نصاب بالعجب، متسائلين: لمَ تسمح الشعوب الأوروبية لهذه الفئة بممارسة كل هذا العته؟ لعل قسماً كبيراً منا - نحن العرب - مصاب بـ«الباريوديا»، عندما ينظر إلى شعوب الغرب، مفسراً سلوكهم، بمقاربته إلى سلوكنا وأفكارنا. مِنا من يُدرج التظاهرات تحت بند الحريات، وآخرون يرون أن الغربيين متورطون في احتضان الظلاميين، ومتواطئون في دعم الإرهاب، ثم تشمت بهم كلما توالت الأخبار حول أعمال إرهابية في أوروبا، ولسان حالهم ينشد: «وَذُقْ يا قلبُ ما صَنَعَتْ يداكَا، لعمري كنتَ عن هذا غنياً، ولم تعرفْ ضلالكَ من هداكا». «الباريوديا»، هي حالة نفسية نتخيل فيها رؤية أشياء غير واقعية، كمشاهدة صورة حصان في السحاب، أو رؤية لفظ الجلالة - تعالى الله - على قشرة فاكهة، ولعل قسماً كبيراً منا - نحن العرب - مصاب بـ«الباريوديا»، عندما ينظر إلى شعوب الغرب، مفسراً سلوكهم، بمقاربته إلى سلوكنا وأفكارنا. إن تعامل الفرد الغربي مع هذه المسيرات الحمقاء، لا يشترط كونه أحد استحقاقات حرية التعبير عن الرأي، أو نابعاً من مبدأ التسامح، بقدر كونه تعبيراً عن ركنين مهمين في الثقافة الغربية، هما: «الكرنفالية» و«البلاهة»، أما «الكرنفالية»، فهو مصطلح فكري ينسب إلى الفيلسوف الروسي ميخائيل…

لماذا ندفع فاتورة توبتهم؟

الأربعاء ٢٥ يناير ٢٠١٧

أول تغريدة للرئيس الأميركي السابق، بعد نهاية فترة حكمه كتب فيها للأميركيين: قراءة الرسائل التي تردني يومياً منكم إبان فترة حكمي هي أحب الأشياء إلى قلبي، حوت التغريدة رابطاً لمجلة «نيويورك تايمز» تصف طبيعة تلك الرسائل الواردة، جلّ الرسائل لم تكن طلبات بقدر ما هي مشاهدات يومية، واعترافات أقرب ما تكون إلى طقس الإقرار بالذنب مع قسٍ في غرفة كنسية مغلقة. طبيعي أن يعيش الإنسان في صحبة الخطيئة، وأن يقترف الذنب تلو الآخر، يعيده ويكرره، أو يأتي بذنب أكبر منه، منا من يتغلب على نفسه فيهذبها ويصلحها، ومنا من يتكيف مع الخطيئة فيضع لها المبررات، إما ليتخلص من ضغطها النفسي عليه، أو ليجد له مساحة قبول عند الآخرين، خصوصاً أن السمة الغالبة في خطاب المجتمع تدور في فلك الفضائل والطهارة والعصمة من الخطأ والزلل، وأجد من الطريف المستحسن أن يشكو الإنسان خطيئته لشخص مقرب من باب الفضفضة لا أكثر. تجنب الخطأ ومعالجته والتوبة منه كلها أمور شخصية محورها الإنسان نفسه، وأكثر الناس مدعاة للسخرية هم المذنبون الذين ينوون التوبة آجلاً، وأذكر هنا أحد مشاهير الغناء لما سئل عن أمنيته، قال: «أريد الاعتزال والتوبة والتحول إلى داعية»، ولنا مشكلتان مع مثل هؤلاء: الأولى أنهم يصرّحون بنياتهم علانية، ليكسبوا جمهوراً إضافياً سيصف المشهور لاحقاً بعبارة «فيه بذرة خير»، ولو كانوا صادقين لما…