توفيق السيف
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

بين النهوض والتخصص العلميين

الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨

الروائي المعروف عبد الله بن بخيت خصص مقاله هذا الأسبوع لنقد ما اعتبره إفراطاً في الاهتمام بالعلوم الطبيعية والتجريبية، وإغفالاً للعلوم الإنسانية. ويقول إن الحضارة الأوروبية لم تبدأ بدراسة العلوم الطبيعية، «إنما قامت على التفكير العلمي والوعي والفكر... قامت على الرجال الذين ألفوا في التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية وفرضوا التنوير». ويستنتج أن تركيزنا الحالي على العلوم البحتة، سيعين الشباب على ضمان وظائفهم، لكنه لن يقودنا للتقدم (جريدة الرياض 16 يوليو/ تموز). الوضع الذي انتقده ابن بخيت هو السائد في المشهد الاجتماعي. فالاتجاه العام بين الناس وفي الإدارة الرسمية يربط التعليم بالوظيفة وليس بإنتاج العلم أو نشره. وفي العام الماضي ابتكر وزير التعليم برنامجاً سماه «بعثتك - وظيفتك» يربط بين التخصص الدراسي ومتطلبات الوظيفة المنتظر أن يشغلها الطالب بعد التخرج. هذا يحملني على الظن أن دعوة ابن بخيت لن تجد مستمعاً. ليس فقط لأن دراسة العلوم الإنسانية «ما توكل عيش» كما يقول أشقاؤنا المصريون، بل لأنها أيضاً لا تؤدي - وفق فرضيته إلى النهضة، ولا تسهم في ترسيخ الفكر العلمي. شيوع الاهتمام بالتخصص في العلوم البحتة لا يؤدي - في اعتقادي - إلى انتشار العلم أو إنتاجه، فضلاً عن النهوض الحضاري. كما أن التركيز على العلوم الإنسانية لا يؤدي إلى هذه النتيجة، ولا إلى انتشار الأدب والعلوم الاجتماعية والنظرية. ولدينا تجربة…

التشريع بين المحلي والكوني

الأربعاء ٢٠ يونيو ٢٠١٨

في مقاله «الحيوية الفقهية والمستجدات الدنيوية» («الشرق الأوسط» 14 يونيو/ حزيران) تعرض الأستاذ فهد الشقيران لمسألة طالما بقيت في هامش اهتمام المتحدثين في الفكر والفقه الإسلامي وتجديده، أعني بها التمييز بين الأحكام ذات الطبيعة الكونية، ونظيرتها التي تعالج قضايا محلية أو مؤقتة فحسب. وقد أجاد الكاتب في التنبيه لهذه المسألة المهمة. من حيث المبدأ يتفق علماء الإسلام على أن أحكام الشريعة نوعان؛ ما يتعلق بحادثة أو ظرف خاص، فلا يسري على غيرها، وما هو حكم عام في كل القضايا التي موضوعها واحد. ويتعلق بالموضوع أيضاً مسألة الثوابت والمتغيرات. وفحواها أن بعض الأحكام ثابتة في كل زمان ومكان، وبعضها متحول، لأن الظرف الزماني والمكاني جزء أساسي في تشكيل موضوع الحكم. وهذا أيضاً من موارد الاتفاق قديماً وحديثاً. تقترح هذه المقالة معنيين للمتغيرات، يقوم أولها على التمييز بين المحلي والكوني، وهو ما أشار إليه الأستاذ الشقيران. ويقوم الثاني على التمييز بين المراحل المختلفة للحكم، من حيث ارتباطه بتطور المجتمع. وهو يرتبط مع الأول من بعض الوجوه. لكني سأتركه لوقت آخر. لا شك أن استيعاب المجتمع المتلقي للرسالة السماوية، وقابليته لإعادة إنتاجها على شكل دعوة لغير المؤمنين، هو غرض مقصود بذاته. لو لم يستوعب عرب الجزيرة معنى الرسالة ومقاصدها، لما تحولت من تيار صغير إلى كيان قوي ومن ثم أمة كبيرة، خلال فترة…

من العقل الجمعي إلى الجهل الجمعي

الأربعاء ١٦ مايو ٢٠١٨

إبراهيم البليهي مفكر سعودي مثير للجدل، بقدر ما هو عميق الغور شديد الإصرار. رسالة حياته هي تأسيس ثقافة جديدة «تقوم على الإقناع بدل الإخضاع». الإقناع فعل المؤمنين بقدرة آرائهم على الصمود في اختبار الحياة. أما الإخضاع فهو فعل الأقوياء الذين يعرفون فكرة واحدة فحسب، هي عندهم عين الحق. كل المجتمعات - في رأي البليهي - مثقفة بمعنى ما. فهي تملك منظومات قيم وأعرافاً ومعايير للتصحيح والتخطئة، تتوارثها عبر الزمن. تتميز المجتمعات الحية عن نظيرتها الخاملة، بأن الأولى تراجع موروثاتها باستمرار. تصحح شيئاً وتلغي شيئاً، وتستحدث أعرافاً جديدة.  أما المجتمعات الخاملة فتنظر للموروث كمقدس، تخشى المساس به أو فتح أقفاله. تنتقل هذه الموروثات بين الأجيال من خلال التلقين المتواصل للأبناء، حتى يتحولوا إلى ما يشبه كائنات آلية، تعمل أو تتوقف بحسب معطيات البرنامج المثبت فيها. قد تكون آراء البليهي راديكالية أو مفرطة في التشاؤم. لكنه يبنيها على أرضية منطقية متينة، ويمكن رؤية تجسيداتها بوضوح في حياتنا اليومية، في كلام الناس ومواقفهم، وفي وصفهم لذواتهم ومن يخالفهم أو يختلف عنهم. وهي تظهر بوضوح أكبر في الفترات التي يتصاعد فيها صراع الأفكار. الثقافة - بحسب البليهي - مجموع المعطيات النظرية التي تشكل ذهنية شخص ما. وحين تكون محل اتفاق في جماعة ما، فإنها تشكل ما نسميه العقل الجمعي أو الثقافة العامة. نعلم طبعاً…

«بسطة الكتب»

الأربعاء ٢٥ أبريل ٢٠١٨

كل حديث عن الثقافة في مجتمعنا، يستدعي ديباجة ثابتة، من نوع أن العرب لا يقرأون، وأمثالها مما يشير عادة إلى تقصيرنا في هذا المجال. أبدأ بهذا كي أتحاشى استدعاء ذات الانطباع الذي لا فائدة فيه. صحيح أن الإقرار بالعيوب تمهيد لازم لعلاجها. لكن هذا مشروط بأن يأتي في سياق العلاج، وليس لمجرد جلد الذات أو تبرير الهروب من المشكلة. يهمني أيضا تلافي الادعاء القائل بأن الحواسيب والهواتف المحمولة التي وصلت شباب اليوم بالعالم، قد ساهمت في قتل عادة القراءة، من خلال ما تعرضه من ألعاب وقنوات ترفيه غير ذات علاقة بالثقافة. إن الولايات المتحدة الأميركية، هي البلد الذي يتوفر فيه القدر الأعظم من هذه المواد. ومع ذلك فإن معدلات القراءة لم تتأثر كثيرا خلال العقد الجاري. وفقا لنتائج البحث الذي أجراه مركز بيوي، وهو مركز متخصص في أبحاث السلوك الجمعي، فإن 74 في المائة من سكان الولايات المتحدة الأميركية، قرأوا كتابا واحدا على الأقل خلال العام 2017. يشير التقرير أيضا إلى أن كلا من هؤلاء يقرأ في المتوسط أربعة كتب سنويا. نعلم بطبيعة الحال أن الروايات والقصص الخرافية، تشكل ثلاثة أرباع هذه القراءات. وهي أيضا تتصدر قائمة مبيعات الكتب في كل عام. ومما يثير الاهتمام في التقرير أيضا، أن النسب المذكورة لم تتغير بشكل ملحوظ منذ العام 2011. سيما بالنسبة…

خطباء وعلماء وحدّادون

الأربعاء ١٨ أبريل ٢٠١٨

في نهاية عمله سفيراً لباكستان في طوكيو، سجّل نجم الثاقب خان تأملاته في التجربة اليابانية، مركّزاً على موضوع العلاقة المتبادلة بين الهوية الوطنية والنهوض الاجتماعي. نشر الكتاب في 1993 باسم «التجربة اليابانية والبناء الوطني في جنوب غربي آسيا». وبعد عامين نشر بالعربية باسم «دروس من اليابان للشرق الأوسط». لهذه التأملات قيمة استثنائية. فكاتبها جمع تخصصه العلمي في الاقتصاد إلى خبرة طويلة في سياسات التنمية والعلاقات الدولية، كما اهتم بمحركات التحول الاجتماعي في الدول النامية. كان معظم دارسي التنمية الغربيين قد اختاروا منهجاً يعدّ التدين حالة سيكولوجية استاتيكية نوعاً ما، مشروطة بالظرف الاقتصادي - السياسي. ومن هنا، افترضوا أن الدين معوّق للتنمية. لكن تأثيره سينكمش كلما تعمقت قيم الحداثة في الحياة العامة. قليل من هؤلاء اهتم جدياً باحتمال التفاعل الإيجابي بين التدين والتحديث. حين نُشر الكتاب باللغة العربية، كان العالم العربي يخوض الجزء الثاني مما سميت «مرحلة الصحوة الدينية». يومئذ كانت مسألة الهوية محور اهتمام الدعاة والحركيين، الذين اعتمدوا منهجاً يصور الانتماء الديني نقيضاً لكل انتماء آخر، ويصنف الحداثة على أنها «حصان طروادة» لمخططات غربية تستهدف تدمير الإسلام. لاحظ نجم الثاقب أن اليابان مرت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين بالمشكلة نفسها، ثم تجاوزتها عبر مصالحة تاريخية، أثمرت صون الهوية التاريخية للشعب الياباني، والانفتاح - في الوقت نفسه - على تيارات الفكر…

الأمل الآن وليس في آخر الطريق

الأربعاء ١١ أبريل ٢٠١٨

أعترف أني فوجئت بمعظم المبادرات التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. كنت أقول أحياناً إن التابوهات الكبرى، مثل المشروعات الوطنية الكبرى، تحتاج إلى سياسي يؤمن بعمق بأهمية دور القائد ويملك صفات القائد وشجاعة القائد، ويتصرف فعلياً على هذا النحو. لكني ظننت دائماً أن تلك التابوهات المزمنة صلبة وعسيرة، ولذا يستحيل علاجها في المدى القريب. يظهر الآن أن في بلادنا من الخير فوق ما ظننت، وفيها من الرجال الشجعان أكثر مما قدرت. يذكرني هذا بصديقي المخضرم محمد سعيد طيب الذي قال، قبل عقد من الزمن تقريباً، إنه - رغم كل إحباطاته - يرى بصيص أمل، وإن بدا بعيداً أو مستبعداً. أستطيع القول الآن إن ذلك الأمل لم يعد بصيصاً في نهاية الطريق، فهو حي أمامنا في صورة عمل واسع النطاق، متعدد الأبعاد، يعيد صياغة مستقبل البلد وأجياله الآتية، بصورة تجاوز ما توقعناه في غابر السنين. الأحاديث التي أدلى بها ولي العهد للصحافة في الأسابيع الماضية، تقدم دليلاً ساطعاً على أن تلك التابوهات لم تعد مصونة، وأن المجتمع السعودي لم يعد في محطة الانتظار، فهو وحكومته منخرطون فعلياً في صناعة مستقبل مختلف. نأمل أن يكون خيراً كله وبركة كله. من ذلك مثلاً حديث ولي العهد لمجلة «تايم» الأميركية، الذي تضمن كثيراً مما يستدعي التوقف والتأمل. وأشير من بينها…

المكنسة وما بعدها

الأربعاء ٠٤ أبريل ٢٠١٨

كتب مالك بن نبي يوماً: نشأت وأنا أرى جدتي وأمي تكنسان الأرض، وتشكيان من ألم الظهر بسبب الانحناء. لم تفكر إحداهما في إضافة عصا إلى تلك المكنسة الصغيرة. ثم جاء الفرنسيون بالمكنسة الطويلة، فارتاحت أمي حين باتت قادرة على كنس بيتها وهي مستقيمة. قد تبدو المكنسة شيئاً تافهاً أو هامشياً، لكن موضع اهتمامنا ليس المكنسة بذاتها، بل محتوى العلاقة بين هذا الشيء البسيط وصاحبه. هذا ينطبق أيضاً على السيارة والمصباح الكهربائي وموقد الغاز وجهاز التبريد والدراجة، وكل شيء في حياتنا. نستعرض هذه الأشياء ثم نسائل أنفسنا: لماذا لم نستطع الإسهام في حركة الصناعة والتقنية التي يعج بها العالم الحديث، حتى على مستوى إضافة عصا إلى المكنسة، فضلاً عما فوقها. ركز مالك بن نبي جل اهتمامه على ما يسميه عالم الأفكار، أي الذهنية التي توجه رؤيتنا لأنفسنا ولما حولنا من بشر وأشياء، وهو يعتقد أن تقدم المجتمعات وتأخرها ناتج مباشر لتلك الذهنية. أمهاتنا اللاتي كابدن الآلام مع المكانس القديمة، لم تنظر إحداهن في الفكرة الكامنة خلف هذا الشيء. المكنسة تشكيل مادي، لكنها قبل ذلك فكرة. من ينظر إليها على هذا النحو قد يتقدم خطوة في اتجاه تفكيك الفكرة، ثم إعادة تركيبها على نحو أرقى من صورتها الأولى. أما الذي ينشغل بالشيء ذاته، باستهلاكه واستعماله، فسيبقى مجرد زبون في السوق. لم نفكر…

شرق وغرب… وجهة نظر

الأربعاء ٢٨ مارس ٢٠١٨

لم يكن داريوش شايغان معروفاً بين عامة الناس. لأنه لم يكتب أبداً لعامة الناس. ولم يكن شايغان محبوباً بين الشريحة الأوسع من مثقفي العالم الإسلامي، لأنه حمل السلم بالعرض، وسار في طريق لا يصمد فيها سوى زبدة الزبدة، كما يقول الفرنسيون. كتب شايغان عن الحداثة الأوروبية مادحاً وناقداً. وكتب عن الماركسية والإسلام مثل ذلك. وقارن بين الثقافات الآسيوية ونظيرتها العربية والأوروبية، باحثاً عن القيم الإنسانية الجوهرية، أي تلك القيم التي تشكل مستخلصاً مشتركاً لتجربة البشر عبر تاريخ طويل. نهاية الأسبوع الماضي رحل شايغان عن عالمنا بعد جولات مضنية بين الآيديولوجيات والمذاهب، وبحث دؤوب عن نقاط التلاقي والتفارق بين الشرق والغرب، جولات كانت جديرة بمنحه مكانة بين قلة من مفكري العالم، الذين يستحيل أن تصنفهم على تيار، أو تضعهم في خانة مشروطة بتاريخ محدد أو جغرافيا بعينها. قد تسمي هذا حياداً أو تفوقاً على الذات أو حالة كونية. وهي صفات تنطوي على إطراء. لكن هذه الحالة بالذات تسببت في إقصائه. لأن العالم - فيما يبدو - منظم على نحو لا يترك فراغاً لغير المنتمين إلى تجربة تاريخية خاصة، أو دائرة مصالح معرفة جغرافيا أو آيديولوجيا. أن تكون مستقلاً، يعني ببساطة ألا تتوقع المجد قبل وفاتك، أي حين لا تعود منافساً لأحد أو قادراً على وضع الملح على جرحه. تمتد طروحات شايغان…

نحو نماذج محلية للتنمية

الأربعاء ١٤ مارس ٢٠١٨

من الجزائر إلى العراق مروراً بمصر والسعودية، ثمة حديث مستجد عن إعادة هيكلة الاقتصاد والعودة لمشروعات التنمية الشاملة، التي كانت سمة بارزة في حياة العالم العربي خلال الربع الأخير من القرن العشرين. نعلم أن تلك المشروعات قد غيرت صورة البلدان العربية، لكنها لم تصل إلى غاياتها الكبرى، أي إقامة اقتصاد ذي قاعدة إنتاج واسعة متنوعة، يحقق الرفاه والعدالة للمواطنين كافة. خلال العقدين الماضيين، برز النموذج الصيني في التنمية، كدليل على أنه لا يوجد مثال كوني وحيد للنمو الاقتصادي والاجتماعي. نجح مشروع مارشال في أوروبا لأنه طبق في أوروبا. ولا نعلم مصيره لو طبق في غيرها. وخلال الخمسين عاماً الماضية طبقت توصيات صندوق النقد الدولي في عشرات من دول أفريقيا وآسيا، لكنها أخفقت في إعادة التوازن إلى اقتصاديات هذه البلدان، فضلاً عن تحقيق أهداف التنمية المتوخاة. يقول خبراء الصندوق الدولي إن التحول الاقتصادي الذي يدعون إليه لن يتحقق في عام أو عامين. فهو علاج طويل الأمد لمشكلات مزمنة. وأذكر أن البروفسور هوما كاتوزيان الذي درس التجربة التنموية في إيران خلال السبعينات، كان قد أشار إلى هذه المسألة بالتحديد، حين وصف المجتمع الإيراني بأنه ملول أو سريع الضجر short - term society بمعنى أنه ينشغل بالإنجازات الفورية، حتى لو كانت على حساب الأهداف الكبرى التي تحتاج عملاً على المدى الطويل. واحتمل أن…

العدالة الاجتماعية هدفاً للتنمية

الأربعاء ٠٧ مارس ٢٠١٨

يعد جون راولز واحداً من أعظم فلاسفة القرن العشرين. وقد أسهمت أعماله في تغيير وجهة البحث في العدالة وتطبيقاتها بشكل جذري. هذا ما قاله امارتيا سن، الفيلسوف والمفكر الهندي الحائز جائزة نوبل للاقتصاد. قد تكون عبارات مثل «أهم» و«أعظم» انطباعية، لا سيما إذا صدرت عن أشخاص تأثروا فعلياً بأعمال راولز. لكن ثمة ما يدلنا على أنه كان بالفعل مفكراً استثنائياً، يندر إغفاله في أي دراسة جادة حول العدالة أو التنمية البشرية في العالم المعاصر.  طبقاً لتقارير «غوغل» الأكاديمية، فإن اسمه يظهر مرجعاً لدراسات عامة وأكاديمية بما يزيد على 160 ألف مرة، من بينها 110 آلاف مرة خلال السنوات الخمس الماضية فحسب. وهذا رقم يتجاوز عدد الإرجاعات المسجلة لأي مفكر آخر في العالم. السر الذي جعل أعمال راولز واسعة التأثير، هو نجاحها في البرهنة على أن التزام السياسات العامة بقيمة العدالة طريق لتسريع النهوض الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز الاستقرار الذي تنشده كل الحكومات، خلافاً لانطباع عام بين السياسيين والاقتصاديين، فحواه أن النمو الاقتصادي قد يتطلب تأجيل حقوق الإنسان الأساسية. في هذه النقطة بالذات، تتمايز رؤية راولز عن الليبرالية الكلاسيكية التي افترضت إمكانية التضحية بالمساواة أو على الأقل تأجيلها، في سبيل النهوض بالاقتصاد والمعيشة وتعزيز الحريات الفردية. كما تمايزت عن الرؤية الماركسية التي نادت بتأجيل الحريات الفردية والمدنية، حتى إقرار المساواة الكاملة بين…

حول الميل للتيسير والتشدد

الأربعاء ٢١ فبراير ٢٠١٨

سألني زميل لي هذا الأسبوع عن سر ما يراه من ميل غالب للتشدد في الرأي والفتوى عند بعض الفقهاء، وميل معاكس نحو اللين والتيسير عند آخرين. وهذا يظهر أحياناً في الموقف من مسألة واحدة. وكنت قد تحدثت يوماً حول هذه المسألة مع أحد أساتذتي، فأخبرني أنه يؤيد التشدد في بعض الأحكام، كي يبتعد الناس عن حدود الحرام، حتى لو كان في المسألة فسحة للتيسير. وذكرني بقول متداول، ولعله من المأثورات: «من حام حول الحمى كاد أن يقع». كما شرح لي فكرة الاحتياط النظري والاحتياط العملي. وزبدة ما أراد بيانه أن كثيراً من أحكام الشريعة تشير إلى مجال التكليف ودائرته أو حدوده، فالراغب في الإحسان يأخذ بالحد الأعلى، والمقتصد يأخذ بالحد الأدنى. وبدا لي أن في الناس من يشعر بالحيرة إزاء اختلاف الفقهاء في المسألة الواحدة، بين ميسر ومعسر، مع وضوح موضوع المسألة، وتوفر الأدلة لكلا الفريقين. من نافل القول أن اليسر أصل في الشريعة، وأن اتباع الحد الأدنى من التكليف، أو الأخذ بحده الأعلى، خيار شخصي للمكلف. وقد ورد في الأثر: «إن قوماً شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم». لكن هذا ليس جوهر الموضوع. جوهر الموضوع هو موقع الدين في حياة الفرد والجماعة. نستطيع تخيل ثلاث فرضيات، تشرح العلاقة بين الدين وحياة أتباعه. الفرضية الأولى أن التشريع الديني منظومة مسبقة…

رؤية استثنائية

الأربعاء ١٤ فبراير ٢٠١٨

أحتمل أن بعض القراء اطلع على الجدل الذي أعقب حديث الشيخ عبد الله المطلق، حول حجاب المرأة في الأسبوع الماضي. ويتمتع المطلق باحترام كبير بين السعوديين. وهو عضو في هيئة كبار العلماء، قمة الهرم في المؤسسة الدينية في المملكة. أستطيع القول من دون تحفظ، إن الرؤية التي قدمها الشيخ ذات قيمة استثنائية، نسبة إلى نسق الفتوى والدعوة في المجتمع السعودي. وهذا يظهر في نقطتين. أولاهما تأسيس الفتوى على مغزى الحكم الشرعي ومقاصده، خلافاً للمنهج السائد الذي يربط الحكم بما ورد في النص لفظاً، أو بما تعارف جمهور العلماء على فهمه، حكماً أو تطبيقاً للحكم. أما الثانية فهي تمييزه بين الحكم الشرعي وعرف المجتمع، لا سيما العرف الذي ارتدى لباس الشريعة. فيما يخص النقطة الأولى، رأى الشيخ أن حكم الحجاب محوره الستر، وليس طريقته أو نوع اللباس المستخدم فيه. وفيما يخص النقطة الثانية، قدم إشارة ذكية فحواها أن عرفنا المحلي وتقاليدنا، قد تحدد طريقة تطبيق الحكم الشرعي في بلدنا، في وقت ما. لكن هذا مقيد بمكانه وموضوعه. ولا يمكن اعتباره قيداً عاماً على الحكم الشرعي، ولا هو متقدم على العادات أو التقاليد المماثلة في مجتمعات أخرى، ذلك أن «95 في المائة من المسلمات حول العالم لا يعرفن العباءة ولا يرتدينها، مع التزامهن بالحجاب الشرعي». بعبارة أخرى، يقر الشيخ بأن التقاليد لها…