توفيق السيف
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

ما تريد وما يريد الناس

الأربعاء ٠٩ يناير ٢٠١٩

يعتقد توماس ناجل، الفيلسوف الأميركي المعاصر، أن السؤال المحوري للفلسفة السياسية، هو سؤال: كيف نعيش معاً في مجتمع سليم؟ هذا السؤال المغالي في التبسيط، يراه ناجل من أكثر الأسئلة عسراً في تاريخ الفلسفة والأخلاق. ومن هنا فقد بدأ كتابه الشهير «المساواة والتحيز» بالإقرار بأن محور اهتمامه هو تفصيح السؤال وتوضيح إشكالاته، وليس التوصل إلى جواب. المسألة على النحو التالي: كل فرد يسعى إلى الحصول على ما يراه حقاً له أو مفيداً لحياته. لكن الإنسان لا يعيش في فراغ، بل ضمن نظام اجتماعي يفرض على أعضائه الالتزام بأعرافه وشبكة علاقاته الداخلية، مقابل حصولهم على ما يحتاجون إليه. نعلم أن حاجات الأفراد تنطوي على بُعدين: بُعد مادي يتعلق بها فقط، مثل قيمتها المالية، وبُعد اجتماعي هو جزء من شبكة العلاقات الاجتماعية، مثل كونها خدمة عامة أو خاصة، كونها مسموحة أو ممنوعة، كونها محل ترحيب أو معارَضة من جانب بقية أفراد المجتمع... إلخ. كي تحصل على ما تريد يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الجانب الشخصي في المسألة، أي قرارك الخاص، كما تأخذ الجانب غير الشخصي (الاجتماعي أو القيمي مثلاً). في العلاقة بين الناس تظهر دائماً هذه المعادلة الحرجة: ما تراه حقاً أو صحيحاً أو سائغاً، قد يراه بقية المجتمع أو شريحة مؤثرة فيه باطلاً أو خطأً أو غير مقبول. أبسط الأمثلة هنا ارتداء…

كلمة السر: كن مثلي وإلا…!

الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨

لسبب ما، قفزت إلى ذهني صورة كبيرة ملونة، رأيتها في مجلة «بناء الصين»، نحو عام 1974. تظهر الصورة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، في لباسه العسكري التقليدي، يخاطب حشداً هائلاً من الناس الذين ارتدوا زياً مماثلاً لزيه، باللون نفسه تماماً، واصطفوا في صفوف منتظمة، بحيث يستحيل أن تميز أحدهم عن الآخر. تذكرت تلك الصورة وأنا أقرأ تغريدة تنسب للدالاي لاما، الزعيم الروحي للتبت، مقولة حكيمة، نصها أن «الدين موجود كي تسيطر على نفسك، لا على الآخرين». لا أدري ما الذي ربط هذا القول بتلك الصورة، فأحيا ذكراها بعد عقود من النسيان. لكن الفكرة التي يعرضها الدالاي لاما، تثير هماً عميقاً، وتسلط الضوء على جوانب كثيرة من سلوكياتنا وعلاقاتنا بالآخرين. لتوضيح الفكرة، دعنا نبدأ من الصورة. لا بد أن بعض القراء مُطَّلع على أدبيات «اليوتوبيا»، الكتابات التي تخيلت مدينة فاضلة، خالية من النزاعات والفقر والجريمة. تشكل الفكرة محور كتاب «الجمهورية» للفيلسوف اليوناني أفلاطون. كما أنها حلم أثير لبعض الناشطين والكتاب، رغم إدراكهم لاستحالتها؛ بل وعبثيتها. لاحظت أن الأعمال السينمائية التي بُنيت على فكرة «اليوتوبيا»، استعملت «اللباس الموحد»، كرمز للانضباط العام والمساواة التامة. ولعل بعض القراء قد شاهد هذا التصوير في فيلم «أكويليبريوم = التعادل» مثلاً. أما في الواقع، فقد رأيناه في الصين خلال عهد ماو تسي تونغ (1945 - 1976) وفي…

حول الخمول والثبات على الأصول

الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨

لطالما توقفت عند طروحات أستاذنا إبراهيم البليهي، لا سيما تلك التي يجادل فيها حول قابلية الجهل للتعميم، والانتقال عبر الأجيال. ينبغي القول ابتداء إن الجهل المقصود هنا ليس الانعدام التام للمعرفة. فمن المستبعد جداً أن يخلو عقل بشري من معرفة، قليلة أو كثيرة. المقصود هو هيمنة الثقافة السكونية التي تعطل فاعلية العقل، فتجرد الإنسان من الأداة الوحيدة التي تمكنه من اكتشاف ذاته ككينونة مستقلة، مؤهلة لصياغة عالمها الخاص. اكتشاف الذات المستقلة تمهيد ضروري لتحول الفرد من كائن منفعل، إلى عقل متفاعل مع العوالم التي يصنعها الآخرون. وفقاً لهذه الرؤية، فإن الجهل صفة للمجتمعات التي يغلب عليها الخمول الثقافي، أي ألفة الموروث إلى حد اعتباره، في الجملة والتفصيل، معياراً يقاس عليه كل جديد في الفكر والحياة. ينبغي ألا يؤخذ هذا الوصف تقريراً عن الواقع. إنه أقرب إلى صورة الواقع في حدوده القصوى، أو الـIdeal Type وفق تعبير ماكس فيبر. وغرضه هو إيضاح فكرة الماضوية والارتياب في المستقبل. من ناحية أخرى، فإن جدلية الثبات والتحول، لا ينبغي أن تفهم كإنكار مطلق لقيمة الماضي وفائدة الموروث. يتركز الإنكار على «حاكمية الماضي على الحاضر والمستقبل»، أي اعتبار الماضي مصدراً وحيداً أو رئيسياً للمعارف والمعايير والأعراف والأخلاقيات. نقرر هذا، نظراً لأن جانباً مهماً من قدرتنا على التعامل مع الواقع، بل وقدرتنا على تبديله أو إصلاحه،…

تعريب العلم… ضرورة اقتصادية أيضاً

الأربعاء ٢٨ نوفمبر ٢٠١٨

فكرة تعريب العلوم وتعليمها باللغة العربية تنطوي على كثير من الجوانب الإشكالية. وقد اطلعت الأسبوع الماضي على مداخلات حول الفكرة، تستدعي تفصيح النقاش. وأبدأ هنا بتحديد جوهر الموضوع، أي حاجتنا لتوطين العلم وما يترتب عليه من تقنيات، من أجل تطوير اقتصادنا الوطني والارتقاء بمستوى المعيشة وتوفير الوظائف. يتفق المختصون على أن المعرفة (أي النظريات والتقنيات التي تبنى على أساسها المنتجات المادية وغير المادية) تُسهم بحصة مؤثرة في تشكيل تكلفة وارداتنا. في عام 2015 بلغت واردات المملكة من السلع والخدمات، المصنفة تحت عنوان «تقنية المعلومات» نحو 43 مليار ريال. والمقدر أنها زادت خلال العامين التاليين بنسبة 15 في المائة. ونعلم أن المعرفة البحتة (غير المادية) تشكل 60 - 75 في المائة من هذه القيمة. هذا مجال واحد فقط. وثمة مجالات كثيرة أخرى، تسهم المعرفة بنصيب مماثل في تكوين تكلفتها النهائية. خذ مثلاً تكاليف التعليم والتدريب في الخارج، وكذلك الخدمات الاستشارية. فهذه وأمثالها تأخذ قدراً معتبراً من ثروة البلد. عشرات المليارات التي تذهب للخارج قيمة للواردات، تأخذ معها أيضاً آلاف الفرص الوظيفية، وفرص تكوين الثروات الفردية والعامة على المستوى الوطني. فماذا لو كانت تلك التقنيات، أو بعضها، ينتج محلياً؟ لعل بعض القراء مطلع على مبررات المشككين في إمكانات النهوض بالصناعة في العالم العربي، لا سيما تكلفة الأيدي العاملة وقلة الخبرات المتخصصة. ولعل…

الفكرة القائدة… مثال «الواتساب»

الأربعاء ٣١ أكتوبر ٢٠١٨

توخياً للإنصاف، ينبغي القول إنه لا توجد فكرة وحيدة، تشكل ما سميناه في الأسبوع الماضي «صاعق التفجير» للطاقات والعزائم والإرادة العامة الضرورية لإطلاق النهضة. ثمة أفكار كثيرة، يمكن لكل منها أن يحمل جنين النهضة. أما النهوض الفعلي فيبدأ عندما تتطور الفكرة، من حالة ذهنية مجردة إلى حالة عاطفية محركة، فتستحوذ على اهتمام الناس وتمسي نقطة التقاء وتجسيداً لآمالهم. وفقاً لتعبير الصديق المهندس صادق الرمضان، فإن هذا العصر هو عصر الأفكار القائدة. انظر إلى تطبيق «الواتساب» الذي كان مجرد فكرة تداولها بريان أكتون وجان كوم، في خريف 2008. الفكرة ببساطة، هي ميكنة سؤال «إيش الأخبار؟» الذي يتداوله كل الناس يومياً. يقول أكتون: «كنا نريد أداة تجعل الناس قادرين على التواصل في كل لحظة ومن دون تكلفة»، ومن هنا جاء اسم التطبيق. فكرة «إيش الأخبار» المغالية في البساطة، يستعملها الآن 1.5 مليار شخص في شرق الأرض وغربها. وفي 2016 دفعت شركة «فيسبوك» 19 مليار دولار للاستحواذ على التطبيق. مثل «الواتساب»، هناك كثير من الأفكار المشابهة التي أسهمت في تغيير العالم. وهي معروفة لمن يتابع تيارات العلم والتقنية في العالم. قد يحتج أحد القراء بأن فكرة مثل «الواتساب» لا تطابق مفهوم النهضة الذي في الأذهان. فهي مجرد حل لمشكلة جانبية في حياة الناس. وجوابي أن المقصود من ضرب المثل، ليس الغاية التي استهدفتها…

الدين والهوية… خيار التواصل والافتراق

الأربعاء ١٠ أكتوبر ٢٠١٨

أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى ظاهرة واسعة الانتشار، فحواها أن الناس أميل للانفتاح على المختلفين معهم، بل ومشاركتهم، حين يتعلق الأمر بمصالح دنيوية. بعكس العلاقات التي تنطوي على مضمون ديني. وشهدنا في حالات كثيرة، تفككاً للعلاقات الطيبة، حين ذكر الدين أو المذهب. فتحول الصفاء إلى ارتياب والمحبة إلى خصام. وفي سنوات سابقة، كنت أرى في الأماكن العامة لافتات صغيرة، تطالب الحضور بتجنب النقاش في أمور الدين والسياسة. كما قرأت نصائح مماثلة في منشورات إرشادية، تقدمها شركات أوروبية لموظفيها العاملين في الشرق الأوسط. ولعل بعض القراء قد رأى هذا أيضاً. من حيث المبدأ، لا تنحصر التأزمات المرتبطة بالهوية في الدين أو السياسة. كل هوية متمايزة، قابلة للتأزم في حالات معينة. بينما تبقى محايدة أو عديمة التأثير في حالات أخرى. لا تتمظهر الهوية كعامل نشط، إلا في ظرف التواصل مع الآخرين. ومن هنا فإن طبيعة هذا التواصل وهويات المشاركين فيه، تعمل كمحدد وموجه لدور الهوية، من حيث القوة أو الضعف، ومن حيث الاتجاه للتوافق أو التناقض. في المجتمع الأميركي مثلاً، تشكل الهوية العرقية عامل التأزم الرئيسي. خطوط الانقسام الاجتماعي تدور حول لون البشرة (أسود، أبيض، ملون) وبقدر أقل حول الأصول القومية (نوردي، هيسبانك، صيني... إلخ). المثال الآخر من الحرب الأهلية في باكستان عام 1971 التي أدت إلى انفصال قسمها الشرقي وقيام…

من القطيعة إلى العيش المشترك

الأربعاء ٠٣ أكتوبر ٢٠١٨

حوار الأديان أو الحوار بين أتباع الأديان ليس من الشواغل البارزة للناس في هذه الأيام. لكن الفكرة بذاتها كامنة في أعماق الغالبية العظمى من جمهور المؤمنين. نعلم طبعاً أن البعض يستنكر الفكرة ويرفضها كلياً، لأنه يرى في محاورة الآخرين إقراراً بشرعية دينهم، وهو ما لا يريده. لكن هذا خطأ في التقدير. بديهي أن الحوار ينطوي بالضرورة على إقرار بحق الآخر المختلف في الاعتقاد. بديهي أيضاً أن الاعتراف بحقوق الناس، لا يساوي الإقرار بصحة أفكارهم أو أفعالهم. من يرفض الحوار مع أتباع الأديان الأخرى بناء على المبرر المذكور، يرفض - للسبب ذاته - الحوار مع التيارات والمذاهب التي تشاركه المعتقد نفسه، على الأقل في أركانه الكبرى. ونسمع جميعاً بالجدالات المزمنة بين المذاهب الإسلامية، والجدالات المماثلة بين الكنائس المسيحية. إن كل الأديان الكبرى منقسمة في داخلها، تبعاً لاختلاف الاجتهادات وتباين التكوينات الاجتماعية. وهذا ينطبق أيضاً على المذاهب. فمن النادر أن تجد مذهباً يخلو من انقسامات. قبل سنوات قليلة، شهد العالم الإسلامي دعوات للتقارب بين المذاهب. وعارض فريق منهم هذا التوجه، قائلاً إن الممكن الوحيد هو التعايش. كنت قد ناقشت هذه المسألة مع المرحوم هاني فحص، الذي تحل ذكرى رحيله هذه الأيام. فأخبرني أنه لا يتحدث عن التقارب (بالمعنى النظري المتداول) لأنه بلا موضوع. ولا يتحدث عن التعايش، لأنه ينطوي على رسالة سلبية،…

أي دور للإيمان في عالم اليوم؟

الأربعاء ٢٦ سبتمبر ٢٠١٨

«مركز الملك عبد الله للحوار بين الأديان» في العاصمة النمساوية فيينا، واحد من أهم المبادرات التي أطلقتها السعودية في السنوات الأخيرة، في سياق تجسير العلاقة بين أتباع الأديان على المستوى الدولي، وتعزيز القبول بالتعددية الدينية، والتصدي للتعصب وتبرير العنف والاضطهاد باسم الدين. هذه المبادرة تستحق الإشادة. وكذا كل مبادرة هدفها تشجيع مجتمعات العالم على التلاقي والتعاون في أعمال الخير التي تعود على البشرية كلها. خلال النصف الثاني من القرن العشرين، شهد العالم مبادرات كثيرة تتبنى مبدأ الخير المشترك للإنسانية ككل، لكنها جميعا تلاشت، مع انهيار النماذج الآيديولوجية ذات الطابع الأممي، في نهايات القرن. وحين تنامى النقاش حول فكرة «العولمة» في تلك الحقبة، تخيلها بعضنا بديلا محتملا عن المعتقدات الأممية. لكننا نعلم الآن أن فكرة «العولمة» انصرفت بشكل شبه كلي إلى دمج اقتصاديات العالم، فيما يشبه سوقا كونية واحدة. ولعلها لهذا السبب أو غيره، أهملت الجوانب التي ليس لها عائد تجاري مباشر. هذا على الأقل ما يبرر - مثلا - تعثر الاتفاقيات الدولية حول البيئة الكونية، وأبرزها اتفاقية باريس للمناخ العالمي سنة 2015. الاصطفافات الحادة في السياسة المعاصرة، تكشف أن عالمنا يشهد انبعاثا مستجدا للاتجاهات الانغلاقية والتعصب. من ذلك مثلا أن النفوذ السياسي لأحزاب اليمين المتطرف، يزداد قوة في جميع الدول الأوروبية. هذه الظاهرة تبرر أحيانا بالأزمات الاقتصادية. وربما - لهذا…

علاقتنا مع العالم

الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨

ظهرت الطبعة الأولى من كتاب «قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله» أوائل 1974 حين كانت مشاعر العرب تجيش بالحماس والتفاؤل، إثر انتصارهم على الجيش الإسرائيلي في حرب رمضان المجيدة. وفي هذه الأجواء الساخنة، حقق الكتاب انتشاراً واسعاً بين الشباب المتعطش لكل شيء يساعد في توكيد الذات. بعد عقدين علمنا أن مؤلف الكتاب لم يكن «جلال العالم» كما يظهر على الغلاف، بل عبد الودود يوسف. وهو كاتب سوري يرجح أنه قتل في 1983. اشتهر الكتاب في النصف الثاني من الثمانينات، حين وزع مجاناً في المكتبات المدرسية والتجمعات الدينية، واعتبر جزءاً من الخطاب الديني السائد يومئذ. يتألف الكتاب من 60 صفحة، مليئة بأقاصيص تشبه ما يتداول هذه الأيام في مجموعات «الواتساب». فمصادرها غير متخصصة وفقيرة من حيث المستوى العلمي والمنهجية. كما أن المنقول محور على نحو يخرجه تماماً من سياقه الأصلي. بيت القصيد ليس الكتاب نفسه. بل الوظيفة التي شغلها ضمن النسق العام للتوجيه الديني، خلال العقدين التاليين لحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973. وأخص بالذكر الجانب المتعلق بإعادة تشكيل الهوية الدينية/ القومية. شهدت هذه الحقبة تحولاً عميقاً في ذهنية الشباب العربي، باتجاه نوع من الوعي الجمعي، يلبس رداء الدين، ويعبر عن نفسه على نحو شبيه باللغة المألوفة في التراث الديني. نعرف من تاريخ المجتمعات أن جميع تحولاتها الكبرى دفعت إلى السطح…

عودة إلى نقاش الدور التشريعي للعقل

الأربعاء ١٥ أغسطس ٢٠١٨

الذين اعترضوا على مقال الأسبوع الماضي «سطوة الموروث» جادلوا بشكل رئيسي دعوة الكاتب لمنح العقل دوراً موازياً للنص في التشريع. والحق أن هذا جدل قديم جداً، يرجع إلى القرن العاشر الميلادي، ويعود إلى الواجهة كلما انبعث النقاش حول التجديد في الفكر الديني. وهو يتصل عضوياً بمباحث أصول الفقه من جهة، وفلسفة الدين من جهة أخرى. وأحتمل أن المحرك الأقوى للاعتراض، هو الخوف من تغليب العقل على النص. لكن هناك - بجانب هذا الخوف المشروع - حجة معقولة، فحواها أن النص القرآني والنبوي معصوم لا يحتمل فيه الخطأ، بخلاف حكم العقل، الذي يصيب مرة ويخطئ أخرى. فكيف نساوي المعصوم بغيره في المكانة، لا سيما أن المطلوب من المسلم، هو بذل الجهد لمعرفة أمر ربه والالتزام به قدر المستطاع؟ وللحق فهذه الاعتراضات مدعومة بأبحاث واستدلالات معمقة، وليست مجرد كلام انطباعي، فلا يصح رميها بالقصور. لكن العلم بطبعه لا يقف عند احتجاج أو دليل، مهما كانت قوته. فكل استدلال يمكن رده باستدلال مقابل. ولولا مجادلة الأدلة لما تطور العلم. سأحاول إلقاء مزيد من الضوء على هذا النقاش في مقالات لاحقة. وسأخصص هذه المقالة لتقديم صورة أولية عن هذا الجدل فيما يخص الفقه. تمحور الجدل القديم حول مسألة الحُسن والقبح العقليين، وهي تتلخص في ثلاثة أسئلة: (أ) هل يمكن وصف الفعل الإنساني بأنه حسن…

بين النهوض والتخصص العلميين

الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨

الروائي المعروف عبد الله بن بخيت خصص مقاله هذا الأسبوع لنقد ما اعتبره إفراطاً في الاهتمام بالعلوم الطبيعية والتجريبية، وإغفالاً للعلوم الإنسانية. ويقول إن الحضارة الأوروبية لم تبدأ بدراسة العلوم الطبيعية، «إنما قامت على التفكير العلمي والوعي والفكر... قامت على الرجال الذين ألفوا في التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية وفرضوا التنوير». ويستنتج أن تركيزنا الحالي على العلوم البحتة، سيعين الشباب على ضمان وظائفهم، لكنه لن يقودنا للتقدم (جريدة الرياض 16 يوليو/ تموز). الوضع الذي انتقده ابن بخيت هو السائد في المشهد الاجتماعي. فالاتجاه العام بين الناس وفي الإدارة الرسمية يربط التعليم بالوظيفة وليس بإنتاج العلم أو نشره. وفي العام الماضي ابتكر وزير التعليم برنامجاً سماه «بعثتك - وظيفتك» يربط بين التخصص الدراسي ومتطلبات الوظيفة المنتظر أن يشغلها الطالب بعد التخرج. هذا يحملني على الظن أن دعوة ابن بخيت لن تجد مستمعاً. ليس فقط لأن دراسة العلوم الإنسانية «ما توكل عيش» كما يقول أشقاؤنا المصريون، بل لأنها أيضاً لا تؤدي - وفق فرضيته إلى النهضة، ولا تسهم في ترسيخ الفكر العلمي. شيوع الاهتمام بالتخصص في العلوم البحتة لا يؤدي - في اعتقادي - إلى انتشار العلم أو إنتاجه، فضلاً عن النهوض الحضاري. كما أن التركيز على العلوم الإنسانية لا يؤدي إلى هذه النتيجة، ولا إلى انتشار الأدب والعلوم الاجتماعية والنظرية. ولدينا تجربة…

التشريع بين المحلي والكوني

الأربعاء ٢٠ يونيو ٢٠١٨

في مقاله «الحيوية الفقهية والمستجدات الدنيوية» («الشرق الأوسط» 14 يونيو/ حزيران) تعرض الأستاذ فهد الشقيران لمسألة طالما بقيت في هامش اهتمام المتحدثين في الفكر والفقه الإسلامي وتجديده، أعني بها التمييز بين الأحكام ذات الطبيعة الكونية، ونظيرتها التي تعالج قضايا محلية أو مؤقتة فحسب. وقد أجاد الكاتب في التنبيه لهذه المسألة المهمة. من حيث المبدأ يتفق علماء الإسلام على أن أحكام الشريعة نوعان؛ ما يتعلق بحادثة أو ظرف خاص، فلا يسري على غيرها، وما هو حكم عام في كل القضايا التي موضوعها واحد. ويتعلق بالموضوع أيضاً مسألة الثوابت والمتغيرات. وفحواها أن بعض الأحكام ثابتة في كل زمان ومكان، وبعضها متحول، لأن الظرف الزماني والمكاني جزء أساسي في تشكيل موضوع الحكم. وهذا أيضاً من موارد الاتفاق قديماً وحديثاً. تقترح هذه المقالة معنيين للمتغيرات، يقوم أولها على التمييز بين المحلي والكوني، وهو ما أشار إليه الأستاذ الشقيران. ويقوم الثاني على التمييز بين المراحل المختلفة للحكم، من حيث ارتباطه بتطور المجتمع. وهو يرتبط مع الأول من بعض الوجوه. لكني سأتركه لوقت آخر. لا شك أن استيعاب المجتمع المتلقي للرسالة السماوية، وقابليته لإعادة إنتاجها على شكل دعوة لغير المؤمنين، هو غرض مقصود بذاته. لو لم يستوعب عرب الجزيرة معنى الرسالة ومقاصدها، لما تحولت من تيار صغير إلى كيان قوي ومن ثم أمة كبيرة، خلال فترة…