توفيق السيف
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

كيف تتقلص دائرة الشرعيات؟

الأربعاء ٠٨ مايو ٢٠١٩

إنه خيار يبدو بسيطاً. لكن عاقبته عسيرة جداً. ولهذا يتجنب غالبية الناس المخاطرة به. موضوع هذا الخيار هو الفكرة التي طرحتها في الأسبوع الماضي، أي دعوى أن للإنسان دوراً في إنشاء القيم الدينية وصياغتها وتعديلها. وقد عالجت الفكرة من زاوية مألوفة نوعاً ما، وهي كون العقل مصدراً للتشريع، موازياً للمصادر الثلاثة الأخرى (الكتاب والسنة والإجماع). وقلت يومئذ إن القبول بدور العقل هذا، والقبول بالعلم (البشري) أداة لتشخيص موضوعات القيم والتعاليم الدينية، يعني – بالضرورة – أن الإنسان شريك في وضع الأحكام الشرعية والقيم الدينية. الذين يتبنون هذه الفكرة، يرونها تعبيرا عن منطق الأمور، وليست خيارا نأخذه أو نتركه. فحتى الذين يرفضون دور العقل كمصدر مستقل للقيم الدينية، مضطرون للقبول به كوسيط لتفسير مفهوم الحكم الشرعي وتحديد موضوعه وكيفية تطبيقه. من المفهوم أن كلا الفريقين يتحاشى الذهاب بالمسألة إلى نهاياتها المنطقية. وبيانها على الوجه الآتي: النهاية المنطقية لقبول الدور التشريعي للعقل، هي القبول بتهميش كبير أو صغير لدائرة الأحكام التي ورد فيها نص في القرآن والسنة. لأن موضوعاتها زالت من الوجود أو تغيرت بشكل جذري، ووضع أحكام جديدة لم ترد سابقاً في أي نص. أما النهاية المنطقية لرفض ذلك الدور، فهي القبول بعدم وضع أي حكم جديد، بالوجوب أو بالتحريم، على أي موضوع لم يذكر في الكتاب والسنة. لأن وضع الأحكام…

ماذا يختفي وراء جدل العلاقة بين العلم والدين

الأربعاء ٠١ مايو ٢٠١٩

مقالة الأستاذ نجيب يماني، المعنونة «بل العقل سابق للنص» المنشورة في «عكاظ» في 29 أبريل (نيسان) 2019، مثال على المراجعات الراهنة في التفكير الديني، لا سيما القيم المعيارية السابقة للأحكام الشرعية والضابطة لصحتها. وقد استأثرت مكانة العقل في الإسلام، وفي تشريع الأحكام، بنصيب الأسد من هذه النقاشات. لكني أظن أننا قد تقدمنا خطوات صغيرة فحسب، نحو استعادة العقل لهذا الدور. وهذا بدوره يستدعي التساؤل عن سبب التأخر، مع كثرة النقاش حوله، وسعة الشريحة المؤمنة بالحاجة إليه. ويظهر لي أن هذا جزء من مشكلة عميقة جداً. لكنها من نوع المشكلات التي لا يطيق الناس نقاشها بانفتاح، أعني بها علاقة الإنسان بالدين، التي يتفرع عنها بطبيعة الحال علاقة العلم والعقل بالدين. دعنا نبدأ من الفرع كي نفهم الأصل. فقد سالت أنهار من الحبر في مناقشة العلاقة بين الاثنين. أما في الغرب فالفرضية السائدة في غالب الدراسات، هي التفارق بين عالمي الدين والعلم. أما في العالم الإسلامي فاتخذ البحث مساراً تبجيلياً واعتذارياً. كان محور المسار التبجيلي هو التأكيد على أن الإسلام رفع من قيمة العلم وكرم أهله، وأنه لا تفارق بينهما. وركز المسار الاعتذاري على التشكيك في قيمة العلم وقطعيته، بالقول مثلاً إن نتاج العلم ليس أحكاماً يقينية، بل نظريات محتملة التغيير، وإن العالم لا يخلو من قضايا تتجاوز ما يستطيع عقل الإنسان…

من الكويت إلى نيوزيلندا: «هذولا عيالي…»

الأربعاء ٢٧ مارس ٢٠١٩

حازت جاسيندا أرديرن رئيسة وزراء نيوزيلندا، تقدير زعماء العالم، نظير إدارتها الحكيمة للأزمة التي أثارتها مذبحة كرايستشيرش، منتصف مارس (آذار) الحالي. لقد قيل الكثير في الثناء على هذه الزعيمة الشابة، وثمة دعوة متصاعدة لترشيحها لجائزة نوبل للسلام. السيدة أرديرن تستحق الجائزة. ليس فقط لقدرتها الفائقة في إيقاد التعاطف الإنساني بين مواطنيها. بل أيضاً لأنها قدمت تجربة عملية تبرهن على نظرية سياسية، قلما حظيت باهتمام السياسيين. زبدة النظرية أن إحياء روح الجماعة، هو السبيل الأكثر فعالية لصيانة الوحدة الوطنية من تأثير العنف الطائفي والإثني. «إحياء روح الجماعة» يتعارض مع الاستعمال واسع النطاق للوسائل الأمنية، كما جرى في الولايات المتحدة بعد الهجوم على نيويورك في 2001، وفرنسا بعد الهجوم على صحيفة «شارلي إبدو» في يناير (كانون الثاني) 2015. برهنت التجارب على أن حوادث العنف الإثني (أو التي تشير إلى تأزمات إثنية) تولد حالة ارتياب في كل أطراف المجتمع. في مثال نيوزيلندا، تفترض النظرية أن الارتياب سيتولد بين الأكثرية البيضاء التي ينتمي إليها القاتل (افتراضياً على الأقل). محرك هذا الارتياب هو ترقب رد الفعل الذي يحتمل أن يقدم عليه جيرانهم المسلمون. إن حالة ارتياب كهذه ستشكل أرضية خصبة لتوسع التيار العنصري المعادي للمهاجرين، كما حدث في أوروبا خلال العقود الثلاثة الأخيرة. من المتوقع بطبيعة الحال أن ينمو اتجاه مماثل، في وسط الجماعة التي…

الجديد وخطى القديم

الأربعاء ١٣ مارس ٢٠١٩

لاحظت أن دعاة الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر، أعرضوا بغالبيتهم عن الحديث المنسوب للرسول (صلى الله عليه وسلم): «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». بخلاف رواد المنهج التقليدي الذين احتفوا به، مع أن غالبيتهم تتخذ، من حيث المبدأ على الأقل، موقفاً متشككاً إزاء دعوات التجديد المعاصرة. والحق أن معالجة التقليديين لفكرة التجديد، بعيدة جداً عن جوهرها. فقد صرفوا النقاش، من التجديد كقضية قائمة بذاتها، إلى هوامشها البعيدة، مثل تحديد من يصدق عليه وصف المجدد. كما اهتموا بنوعية علمه، فاستبعدوا حملة العلوم كلها عدا الفقه والحديث. واهتم بعضهم بتوضيح أن انطباق وصف المجدد على شخص بعينه، مشروط بأن يتوفاه الله عند نهاية قرن وبداية قرن جديد. فلو توفي في منتصف القرن - مثلاً - خرج من قائمة المجددين. ومن المتوقع بطبيعة الحال أن يصرف كل أهل مذهب وصف المجدد، إلى علماء مذهبهم دون سواه، كما فعل جلال الدين السيوطي في أرجوزته الشهيرة «تحفة المهتدين بأخبار المجددين». وهو الأمر الذي عارضه الحافظ ابن كثير والمناوي في «فيض القدير». كما تضمنت نقاشات قدامى الإسلاميين خلافاً حول صحة أن يكون لكل قرن مجدد واحد أو أكثر من واحد. ونعلم أن هذه النقاشات جميعها بعيدة كل البعد عن جوهر الفكرة التي يعالجها الحديث، أعني بها فكرة أن…

المد الديني باعتباره ظاهرة اجتماعية

الأربعاء ٠٦ مارس ٢٠١٩

غرض هذه المقالة هو إيضاح الفارق بين الدين والظاهرة الدينية، أي بين الإيمان والعرف الاجتماعي. لهذا نبدأ بالتمييز بين التدين الفردي ونظيره الجمعي.  الدين في جوهره المنفرد الذي لا يخالطه شيء، علاقة بين الفرد وخالقه. يتأثر قبول الفرد للدين بالعديد من العوامل الخارجية. لكنه في نهاية المطاف رهن بالإرادة الواعية للفرد، الذي سيحمل أعباء الالتزام الجديد والاستمرار فيه. بهذا المعنى فإن الإيمان فعل فردي في الجوهر، بداية واستمراراً. أما التدين الجمعي فهو وصف للمظهر العام، أي المجال المشترك بين مجموع المؤمنين. ينتج المجال المشترك نمطاً متمايزاً من العلاقات الإنسانية، تبرز في مضمونه أو مظهره الرموز الدينية. من ذلك مثلاً التبادلات الثقافية كالصحافة والخطب والمدارس، التي تتخذ الدين موضوعاً لها ووظيفة ثابتة لأصحابها. وكذا التجارة في السلع التي تخدم الحياة الدينية كطباعة الكتاب الديني وصنع سجادة الصلاة وتنظيم حملات الحج، وكذلك الاحتفالات والعروض الفولكلورية والنشاطات الاستعراضية التي تستعمل لغة دينية. ومنها أيضاً الأزياء والملابس التي تشير إلى التزام ديني أو طقس ديني. بعبارة موجزة، فإن الحديث عن التدين الجمعي، يتناول الإطار المادي والمظاهر الخارجية، الجمعية خصوصاً، التي تدل الناظر على القناعات الدينية للمجتمع، كما تدل على الأرضية القيمية للسلوكيات والأعراف العامة. قد يكون المشاركون في هذه السياقات مؤمنين أتقياءَ، وقد يكونون غير مؤمنين على الإطلاق. لكنهم جميعاً يشاركون في نموذج سلوكي…

هل نعيش نهايات المد الديني؟

الأربعاء ٢٧ فبراير ٢٠١٩

أقرأ في أحاديث الدعاة والناشطين في المجال الديني شعوراً عميقاً بالمرارة؛ لكثرة ما يواجهون من نقد، وما يخسرون من مساحات تأثير في المجتمع. ربما علَّل أحدهم نفسه بأن هذا أمر طبيعي يواجه كل تيار. أو ربما نسبه إلى مؤامرات كبرى فوق ما يطيق. وربما ألقى بالمسؤولية – كما فعل عدد من رجال الدين البارزين - على ما وصف بالتشدد والمغالاة في الأحكام. لكني أميل إلى تفسير يعتبر المد الديني ظاهرة اجتماعية عادية، تنطبق عليها القوانين ذاتها المؤثرة في غيرها من الظواهر، وأبرزها ربط صعود الظاهرة وانحسارها بعوامل خارجة عنها. دعنا نقارن هذه الظاهرة مثلاً بالموجة اليسارية التي هيمنت على العالم الثالث (بما فيه المجتمعات المسلمة) بعد الحرب العالمية الثانية. برز المد اليساري في إطار الدعوة للعدالة الاجتماعية، التي كانت تنصرف يومئذ إلى معنى وحيد هو نظام التخطيط المركزي، أي السيطرة المطلقة للدولة على مصادر الثروة كافة، ثم توزيعها على شكل خدمات عامة. استقطبت هذه الفكرة قلوب الناس جميعاً. فقد بدت خياراً مقنعاً في حقبة شهدت انتقال السلطة من يد المستعمر الأجنبي إلى النخبة المحلية. كان معظم الناس يعتقد أن الدولة قادرة دائماً على توفير المال بطريقة أو بأخرى. وتبعاً لهذا؛ فهي مكلفة بضمان الحد الأدنى من الحاجات الحياتية الأساسية للمواطنين كافة بالتساوي. طالت هذه الموجة مدة ربع قرن فحسب. لأن…

تحول النشاط الاقتصادي إلى مولد للإبداع

الأربعاء ٢٠ فبراير ٢٠١٩

في الوقت الحاضر يتبنى معظم دارسي التنمية مفهوم التنمية الشاملة (وتسمى أحياناً بالمستدامة) بعدما أظهرت تجربة النمو في العالم الثالث، أن التعويل على النمو الاقتصادي بصفته خياراً وحيداً للتقدم، قد زاد من حدة الانقسامات والتفاوت الطبقي، وأدى إلى اتساع الطبقات المهمشة، التي تصفها الأدبيات الماركسية بالبروليتاريا الرثة، أي الجموع الفقيرة التي لا تقيم وزناً للسياسة، لكنها في الوقت نفسه جاهزة للجري وراء كل مدعٍ ومخادع، يداعب أحلامها بمعسول الكلام والوعود الذهبية. وقد لوحظ في تجربة أميركا اللاتينية وأفريقيا، أن تلك الشرائح هي التي شكلت الداعم الشعبي الرئيسي للعسكر والتنظيمات المسلحة على حد سواء. من الإنصاف القول إن تجارب النمو الاقتصادي المحدود، لم تفشل كلياً. لكنها أخفقت في بلوغ غاياتها الكبرى، ولا سيما القضاء على الفقر والعنف. كانت البرازيل بين أوائل الدول التي ظهرت فيها نتائج التجربة. فقد عاشت خلال ستينات القرن العشرين في بحبوحة، لكن اقتصادها ما لبث أن تعثر، وكشف عن عجز تام في التعامل مع تحديات «ما بعد الطفرة»، ولا سيما توزيع ثمرات النمو الاقتصادي، على نحو عادل في جميع أقاليم البلاد. تجربة تشيلي والأرجنتين لم تختلف كثيراً. وحسب تعبير أحد الباحثين، فإن تلك البرامج التنموية جعلت الحكومات قوية جداً، والمدن مزدهرة جداً. لكنها أيضاً جعلت عدد الفقراء كبيراً جداً. التأمل في تجربة بلدان الشرق الأوسط، تشجع الاعتقاد…

المعرفة الدينية كموضوع تخصص

الأربعاء ١٣ فبراير ٢٠١٩

كان الفيلسوف الأندلسي أبو الوليد ابن رشد (1126 - 1198م) من أوائل الذين التفتوا إلى تداخل الاختصاص بين علوم الشريعة والعلوم الموازية. فقد كرَّس رسالته الشهيرة «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» لوضع تصور للتراتب المنهجي بين مناهج وموضوعات الفلسفة والشريعة، والحد الفاصل بينها. ونشهد بين فترة وأخرى بروزاً للجدل نفسه. ويشعر علماء الشريعة بالمرارة إزاء كثرة المعترضين على الأحكام الفقهية، لا سيما من أولئك الذين لم يدرسوا هذا العلم وفق المنهج التقليدي المعروف. احتجاجهم ليس بلا أساس. فهم يقولون إن علم الشريعة مثل كل علم آخر، كالطب والفيزياء وغيرهما، له مناهجه ولغته ومعاييره. فلا يصح الجدل في موضوعاته لغير المؤهلين فيه، ولا يصح رد الخبير بقول العامي الذي لا يعرف سوى ظاهر الأحكام وأمثلتها. يتصل هذا الجدل بقضية أسبق حول علاقة الشريعة بالعلوم العقلية. إن السؤال المطروح هنا: هل أقامت الشريعة علماً خاصاً بها، من أجل فهمها وتفسير نصوصها؟ أم أن البشر هم الذين أقاموا علم الشريعة؟ وإذا كان الجواب هو الثاني، فهل أقيم هذا العلم من الصفر؟ أم جاء امتداداً لمجموع المعارف البشرية في مختلف المجالات؟ كان هذا أحد الموضوعات التي حاول ابن رشد معالجتها في كتابه المذكور أعلاه. لكني أظن أن تطور المعارف في القرن العشرين، يسمح بتجاوز رؤيته، رغم جودتها يومئذ. يمكن النظر إلى…

الحرية عند أهل الفقه

الأربعاء ٣٠ يناير ٢٠١٩

للوهلة الأولى يتخيل الناس أن القمع المباشر هو الناقض الوحيد للحرية.  بعبارة أخرى، فأنت تفقد حريتك حين يتسلط عليك من هو أقوى منك، فيحرمك من فعل ما تريد. هذا يشبه تماماً أن يدفعك أحدهم إلى داخل غرفة، ثم يقفل الباب عليك. لا شك أن هذا المثال تجسيد واضح لنقض الحرية. بل قد يكون المعنى الأول الذي يتبادر للذهن. لأن المعاناة النفسية أو الذهنية التي يختبرها الإنسان، تترجم على شكل شعور بالإذلال أو المهانة من جهة، والمسكنة أو التصاغر من جهة ثانية. في مثل هذه الحالة، يصعب القطع بالعنصر الأكثر تأثيراً في نفس الإنسان: هل هو فقدانه لحريته، أم هو شعوره بالمهانة أم بالصغار؟ ونعلم أن كلاً من هذه الحالات مختلف عن الآخر، في طبيعته ومخرجاته. أردت بالشرح السابق الإجابة عن سؤال: لماذا لا يشعر معظم الناس بافتقارهم للحرية، إلا حين يواجهون قهراً مادياً، أو عنفاً صريحاً (مثل الأسر أو الحصر)؟ ومحور مجادلتي أن شعور الفرد في مثل هذه الحال، مركز على الإذلال أو المسكنة، وليس فقدان الحرية. لكنه يقرنه بتجسيد مادي يتمثل في حالة الأسر، التي تساوي انعدام الحرية. يميل البشر بطبعهم إلى تصور المعاني المجردة أو المشاعر الداخلية، في أشكال مادية، يظنونها مطابقة لما في نفوسهم. لأن الاحتفاظ بالمعاني والمشاعر في حالة التجريد المطلق، يحتاج لطاقة ذهنية وروحية كبيرة…

ما تريد وما يريد الناس

الأربعاء ٠٩ يناير ٢٠١٩

يعتقد توماس ناجل، الفيلسوف الأميركي المعاصر، أن السؤال المحوري للفلسفة السياسية، هو سؤال: كيف نعيش معاً في مجتمع سليم؟ هذا السؤال المغالي في التبسيط، يراه ناجل من أكثر الأسئلة عسراً في تاريخ الفلسفة والأخلاق. ومن هنا فقد بدأ كتابه الشهير «المساواة والتحيز» بالإقرار بأن محور اهتمامه هو تفصيح السؤال وتوضيح إشكالاته، وليس التوصل إلى جواب. المسألة على النحو التالي: كل فرد يسعى إلى الحصول على ما يراه حقاً له أو مفيداً لحياته. لكن الإنسان لا يعيش في فراغ، بل ضمن نظام اجتماعي يفرض على أعضائه الالتزام بأعرافه وشبكة علاقاته الداخلية، مقابل حصولهم على ما يحتاجون إليه. نعلم أن حاجات الأفراد تنطوي على بُعدين: بُعد مادي يتعلق بها فقط، مثل قيمتها المالية، وبُعد اجتماعي هو جزء من شبكة العلاقات الاجتماعية، مثل كونها خدمة عامة أو خاصة، كونها مسموحة أو ممنوعة، كونها محل ترحيب أو معارَضة من جانب بقية أفراد المجتمع... إلخ. كي تحصل على ما تريد يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الجانب الشخصي في المسألة، أي قرارك الخاص، كما تأخذ الجانب غير الشخصي (الاجتماعي أو القيمي مثلاً). في العلاقة بين الناس تظهر دائماً هذه المعادلة الحرجة: ما تراه حقاً أو صحيحاً أو سائغاً، قد يراه بقية المجتمع أو شريحة مؤثرة فيه باطلاً أو خطأً أو غير مقبول. أبسط الأمثلة هنا ارتداء…

كلمة السر: كن مثلي وإلا…!

الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨

لسبب ما، قفزت إلى ذهني صورة كبيرة ملونة، رأيتها في مجلة «بناء الصين»، نحو عام 1974. تظهر الصورة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، في لباسه العسكري التقليدي، يخاطب حشداً هائلاً من الناس الذين ارتدوا زياً مماثلاً لزيه، باللون نفسه تماماً، واصطفوا في صفوف منتظمة، بحيث يستحيل أن تميز أحدهم عن الآخر. تذكرت تلك الصورة وأنا أقرأ تغريدة تنسب للدالاي لاما، الزعيم الروحي للتبت، مقولة حكيمة، نصها أن «الدين موجود كي تسيطر على نفسك، لا على الآخرين». لا أدري ما الذي ربط هذا القول بتلك الصورة، فأحيا ذكراها بعد عقود من النسيان. لكن الفكرة التي يعرضها الدالاي لاما، تثير هماً عميقاً، وتسلط الضوء على جوانب كثيرة من سلوكياتنا وعلاقاتنا بالآخرين. لتوضيح الفكرة، دعنا نبدأ من الصورة. لا بد أن بعض القراء مُطَّلع على أدبيات «اليوتوبيا»، الكتابات التي تخيلت مدينة فاضلة، خالية من النزاعات والفقر والجريمة. تشكل الفكرة محور كتاب «الجمهورية» للفيلسوف اليوناني أفلاطون. كما أنها حلم أثير لبعض الناشطين والكتاب، رغم إدراكهم لاستحالتها؛ بل وعبثيتها. لاحظت أن الأعمال السينمائية التي بُنيت على فكرة «اليوتوبيا»، استعملت «اللباس الموحد»، كرمز للانضباط العام والمساواة التامة. ولعل بعض القراء قد شاهد هذا التصوير في فيلم «أكويليبريوم = التعادل» مثلاً. أما في الواقع، فقد رأيناه في الصين خلال عهد ماو تسي تونغ (1945 - 1976) وفي…

حول الخمول والثبات على الأصول

الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨

لطالما توقفت عند طروحات أستاذنا إبراهيم البليهي، لا سيما تلك التي يجادل فيها حول قابلية الجهل للتعميم، والانتقال عبر الأجيال. ينبغي القول ابتداء إن الجهل المقصود هنا ليس الانعدام التام للمعرفة. فمن المستبعد جداً أن يخلو عقل بشري من معرفة، قليلة أو كثيرة. المقصود هو هيمنة الثقافة السكونية التي تعطل فاعلية العقل، فتجرد الإنسان من الأداة الوحيدة التي تمكنه من اكتشاف ذاته ككينونة مستقلة، مؤهلة لصياغة عالمها الخاص. اكتشاف الذات المستقلة تمهيد ضروري لتحول الفرد من كائن منفعل، إلى عقل متفاعل مع العوالم التي يصنعها الآخرون. وفقاً لهذه الرؤية، فإن الجهل صفة للمجتمعات التي يغلب عليها الخمول الثقافي، أي ألفة الموروث إلى حد اعتباره، في الجملة والتفصيل، معياراً يقاس عليه كل جديد في الفكر والحياة. ينبغي ألا يؤخذ هذا الوصف تقريراً عن الواقع. إنه أقرب إلى صورة الواقع في حدوده القصوى، أو الـIdeal Type وفق تعبير ماكس فيبر. وغرضه هو إيضاح فكرة الماضوية والارتياب في المستقبل. من ناحية أخرى، فإن جدلية الثبات والتحول، لا ينبغي أن تفهم كإنكار مطلق لقيمة الماضي وفائدة الموروث. يتركز الإنكار على «حاكمية الماضي على الحاضر والمستقبل»، أي اعتبار الماضي مصدراً وحيداً أو رئيسياً للمعارف والمعايير والأعراف والأخلاقيات. نقرر هذا، نظراً لأن جانباً مهماً من قدرتنا على التعامل مع الواقع، بل وقدرتنا على تبديله أو إصلاحه،…