د. واسيني الأعرج
د. واسيني الأعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا

حرية التخييل والإبداع

الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٠

يشكل عنصر الحرية في التمثّلات الإبداعية، الحجر الأساس في فعل التخييل، إذ بدون حرية يظل المنتَج الإبداعي محصوراً في دائرة الواقع الموضوعي، كما تريده مختلف السلط المتعالية كالسياسة والمجتمع والدين.. وربما كان فعل الحرية وراء المعضلات الكبرى المرتبطة بالمصادرات، والقمع الفني الذي يصل أحياناً حد السجن أو الاغتيال. للأسف معظم الدراسات بما فيها الأجنبية لم تنبه إلى الرابط الوشيج، الذي يجمع بين القدرة على التخييل والإبداع وعنصر الحرية، فمجتمع مقيد يكون تخييله المعلن على الأقل، وليس الباطني، مقيداً أيضاً، السياقات التربوية في الأسرة والمجتمع، والثقافة الجمعية المهيمنة، تحد كلها من هذه الحرية وتهيكلها بحيث تستجيب للمعطى الاجتماعي، والديكتاتوريات العالمية لا تفعل في النهاية أكثر من هذا: مصادرة التخييل، طبعاً، يستطيع فنان كبير وذكي، أن يجد التمثُّلات المختلفة والمعبرة عن شرطيته المقهورة باختراق المنع بالتخييل، الذي يغرق الحقيقة في سلسلة من الاجتهادات الفنية لا يفهمها إلا من يشعر بعمقها، ويقدم بذلك نماذج تخييلية متعالية على المجتمع بكل ضغوطاته، وذلك يحتاج إلى موهبة خارقة تستطيع أن تجعل من التخييل وسيلتها للتمويه والنقد، تجمع كل الشظايا المجتمعية وإعادة تركيبها من أجل منتج ثقافي مميز، لنا في «ألف ليلة وليلة» تعبير حقيقي عن هذا التخييل المتسع والكبير الذي لولاه لما أصبح النص خالداً. الذي تخيل وأبدع نص ألف ليلة وليلة لم يكن مجرداً من…

النكبة العربية الكبرى

الأربعاء ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٠

حالة مستعصية على الفهم: رفض الحكام العرب رؤية ما يعيشونه اليوم أنه نكبة حقيقية بكل المواصفات، يتم فيها نهبنا وإخراجنا من التاريخ، وتحويلنا إلى كيانات مشردة، ضائعة أو تابعة. أكبر ما حلّ اليوم بالعرب هو تجريدهم من أيّ مبادرة، ومن أي وجود موحّد، كلّ يغني بليلاه، ليسهل الانقضاض عليهم واحداً واحداً كما في ملوك الطوائف لا يختلف العدو في الجوهر، بين ملوك كاثوليك يحملون في أعماقهم حقد ثمانية قرون، وربما أكثر، وكيان صهيوني يحمّل العرب معضلات التاريخ والحاضر. نكبتان تُجسِّدان هذه الحالة: الأولى سقوط الأندلس، وإنشاء محاكم التفتيش المقدس في فترة الطرد والاسترجاع، فكانت الفجيعة الأولى، طرد ثلاثة ملايين من الموريسكيين والمارانيين (المسلمون واليهود)، وجدوا أنفسهم بين يوم وليلة في عراء السواحل، فكان أكبر هولوكوست في التاريخ، دفع إسبانيا الحالية إلى الاعتذار لليهود ومنحهم استرجاع هوية أجدادهم، وهو أمر حضاري طبيعي، لكنهم لم يعتذروا للمهجرين من المسلمين، الموريسكيين، الذين كان أغلبهم قد أصبح مسيحيّاً منذ قانون الملكة إيزابيلا وفرديناند. لنتخيّل قليلاً تلك الحشود واقفة على حواف الموانئ الإسبانية تنتظر السفن الإيطالية التي تنقلهم نحو الضفة الأخرى، كثير من هذه السفن كانت ملكاً لقراصنة بحار، ترمي أغلب المهجرين في عرض البحار بعد تجريدهم من أموالهم. الهولوكست العربي الثاني: اتفاقية سايكس بيكو، التي استباحت الأرض العربية، ومزَّقتْها فرنسا وبريطانيا، وخلقت عليها دويلات…

شرق منكسر.. وغرب مزهو

الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٠

الحضارات مثل الموجات التي تكبر في رحلتها وتعلو باستمرار، وعندما تصبح مثل الجبل ويصعب احتضانها، تتمزق على صخور الشط، وتتحول إلى زبد وذرات صغيرة متطايرة من الماء لا ناظم لها يعيدها من جديد إلى ما كانت عليه. كلما ذُكِر اسم عربي منح الإنسانية جهده، أدركت كم أن العبقرية العربية كانت بعيدة النظر، لكن الظلم القاسي هو أن جهدها الإنساني بعد انكسارها، ظل بلا صوت، لم يصل إلى الأعماق ليتحول إلى فاعلية إنسانية، كما كان تاريخياً. لا يسمع لنا اليوم لأننا مكسورون وضعاف الحال، ولا نملك ما نقدمه للبشرية إلا ما جادت به الطبيعة علينا، لكن أيضاً، لا يُسمع لنا لأننا لا نملك الأدوات الحية التي توصلنا إلى عقل الآخر وكسر تحجره وأنانيته، وإذا أفلحنا في الوصول نصل مبتورين. لغتنا تحتضر بسبب الإهمال العلمي والمعرفي، ولا نعرف كيف نجعل منها أداة الحياة والنور والسلام، لا يمكن أن ننفي اليوم، أن الناظم للعلاقات الإنسانية ليس القيمة ولا الإبداع الخلاق أبداً، لأن الإبداعية العربية على الصعيد الفردي، ليس لها ما تخجل منه، فقد أنتجت ما أبهر العالم، المشكل الوحيد هو أن الناظم المسيطر على المستوى الإنساني، لا يزال عقل الحروب الدينية القديمة، مبطناً في الكثير من التصرفات البشرية التي لم تتخلص منه، بل يعود اليوم هذا العقل بكثافة في ظل الصور النمطية المهيمنة.…