زياد الدريس
زياد الدريس
كاتب سعودي؛ كان سفيراً لبلاده في منظمة اليونسكو

ثقافة الاحترام

الأربعاء ٠١ يونيو ٢٠١٦

في أعقاب حادثة «شارلي إيبدو»، تصاعد الحديث والجدل في شأن التلاحي بين ثنائية «حرية التعبير» و «الرموز الدينية». تكمن المشكلة في أن الغرب يستخف بتقديس الرموز الدينية وبمبدأ التقديس عموماً، لكنه يقوم واعياً أو غير واعٍ بتقديس حرية التعبير. من ذلك الإطار نبعت فكرة أن الاحترام المتبادل هو السبيل الوحيد لخلق التوازن بين هاتيك الثنائية المتنازعة، ما دفعني، وبالتنسيق مع عدد من السفراء لدى «اليونسكو» إلى اقتراح مشروع قرار لتقديمه إلى المجلس التنفيذي للمنظمة الدولية بغرض اعتماده، في هذا الشأن. وقد طالت وامتدت المناقشات حول القرار خلال ثلاث دورات للمجلس على امتداد سنة ونصف السنة، بسبب التحفظ الغربي عليه. لكن القرار مَرّ أخيراً واعتُمد بحمدالله. وقد شُرّفت بإعطائي الكلمة عقب الاعتماد، بوصفي منشئ القرار، فقلت، بعد الشكر والامتنان: « الزملاء الأعزاء. نحن اليوم نؤسس لمبدأ جديد في اليونسكو عنوانه: ثقافة الاحترام. حضرَتْ وشاعتْ هنا خلال العقود الماضية مبادئ عدة مثل: التسامح، التفاهم، الحوار، السلام. لكن هذه هي المرة الأولى التي نضع فيها الاحترام على طاولة النقاش والاستخدام ضمن أدوات التداول في اختلافاتنا الطبيعية التي تندرج تحت التنوع الثقافي للبشر. لا يمكننا أن نزعم أن هذا المبدأ الجديد هو الذي سيكون الحل السحري لمشكلاتنا، لكننا لو قارنّاه مثلاً بمبدأ التسامح الذي لم يعد مصطلحاً حَسَن السمعة الآن كما كان منذ وضعه…

سبعون عاماً من «الحياة»

الأربعاء ١٨ مايو ٢٠١٦

في مثل هذه الظروف قبل سبعين عاماً (عام ١٩٤٦) أسس كامل مروة صحيفة «الحياة». وفي مثل هذا الزمن الدموي قبل خمسين عاماً (عام ١٩٦٦) اغتيل المؤسس كامل مروة. مات المؤسس، وبقي الأساس شاهداً على مستوى النبوغ الصحافي الذي تفرَّد به كامل مروة طوال مسيرته الإعلامية بوصفه أحد رواد الحداثة في الصحافة العربية، كما يصفه الكاتب المرموق سمير عطالله في عموده بصحيفة «الشرق الأوسط» الدولية. يضيف عطاالله: «اغتيل كامل مروة لأنه كان أرقى من مرحلته». في المعرض الذي أقيم ببيروت يوم ٥ أيار (مايو) الجاري لمناسبة الذكرى الخمسين للاغتيال، شواهد على بدايات «الحياة» رغم عسر الولادة. كانت الملصقات المعلقة على جدران بيروت مطلع عام ١٩٤٦، تبشر الناس بقرب صدور «جريدة نظيفة، بأقلام نظيفة، في خدمة غايات نظيفة. وكان إقبال القرّاء المتزايد عليها عاماً بعد آخر دليلاً على أنها وفت بالتزاماتها الثلاثة ووعودها النظيفة. ومع نكبة فلسطين عام ١٩٤٨، توقفت الصحف الفلسطينية في حيفا ويافا عن الصدور، فلجأ عرب المشرق إلى «الحياة» كمصدر أول للأخبار، وذاع صيتها فباتت الجريدة المشرقية الأولى. واستمرت الصحيفة بعد اغتيال مؤسسها، إلى أن أوقفتها الحرب اللبنانية أو علّقت صدورها، إلى حين ولادتها مجدداً بحلّة عربية شاملة في لندن عام ١٩٨٨، ثم انتقالها إلى عهدة ناشرها الأمير خالد بن سلطان ومواكبتها التطور التكنولوجي في صناعة الصحف والطباعة والنشر،…

في تأويل انتخاب عمدة لندن المسلم!

الأربعاء ١١ مايو ٢٠١٦

بانتخاب صادق خان (المسلم ذي الأصل الباكستاني)، عمدةً لمدينة لندن، تقدّم بريطانيا للعالم برهاناً جديداً، ليس على خلوّها من العنصرية، بل على قدرتها الفائقة على ضبط وترشيد عنصريتها، إذ لا تخلو دولة أو مجتمع من العنصرية بكافة تجلياتها: الدينية والقومية والعرقية، لكن الفروقات بين الدول والمجتمعات تكمن في حجم القدرة على تحييد الانحيازات العنصرية من الظهور على سطح التعامل الرسمي، أما المشاعر الباطنية فلها شأن آخر. لطالما سُئلت، بحكم إقامتي الموقتة في باريس، وخصوصاً بعد وقوع أحداث العنف فيها، عن تأثير الأحداث في مزاج الشارع الفرنسي، خصوصاً تجاه الغرباء والمهاجرين. وكنت أجيب دوماً بإجابة واحدة، لم تزد مع الأحداث المتوالية إلا رسوخاً في ذهني، وهي أن المزاج الفرنسي ليس بهلوانياً خفيفاً كالمزاج الأميركي، لكنه ليس رصيناً ثقيلاً كالمزاج البريطاني. تسنّى لي أن أكون في زيارة عمل لندنية، بعد تفجيرات تموز (يوليو) 2005 المؤلمة بأيام قليلة، وقد ترددت في الذهاب إليها ظناً بأنها ستنقلب رأساً على عقب، كما فعلت أميركا بعد أحداث سبتمبر. لكن المفاجأة التي أظهرتها لندن لكل المراقبين حينذاك أنها عاصمة الديموقراطية العميقة بحق، إذ لعقت جرحها بدلاً من أن تلعق كرامة الناس. ما الذي يقف خلف هذه الفروقات التشريعية والتنفيذية بين بريطانيا وأميركا؟ إذ كلتاهما تنتمي إلى النظام الديموقراطي سياسياً، والبروتستانتي دينياً، والرأسمالي اقتصادياً؟ لن نغفل بالطبع عن…

المملكة العربية السعودية الجديدة

الأربعاء ٢٧ أبريل ٢٠١٦

لم يكن الإعلان عن (رؤية السعودية ٢٠٣٠) أول أمس الإثنين، مجرد دغدغة مشاعر أو كسب تعاطف أو محاولة ترضية، كما اعتدنا من كثير من الإعلانات التنموية للشعوب العربية. لم يكن الإعلان السعودي كذلك لأنه لم يقدم أحلاماً وردية خالية من الرائحة، بل كانت رائحة الواقع تفوح من الأرقام والتفاصيل والشروحات التي عرضت بدقة ما تريد الرؤية أن تجعل عليه المملكة العربية السعودية بعد ١٥ عاماً من الآن. تحدّث مهندس الرؤية الأمير محمد بن سلمان، في الحوار الخاص مع «العربية» وفي المؤتمر الصحافي المفتوح، بقدرة وإيجاز ووضوح بالغ عن خريطة الطريق إلى هذه الرؤية ... اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. سُررت مثل كل السعوديين بالإعلان المتين والمتماسك للرؤية، لكني سُررت أكثر وانجذبت بالطبع إلى البنود الثقافية التي أكدت أننا مقبلون على مرحلة جديدة من الوعي بأهمية (القوة الناعمة) ودورها في كسب معارك دولية ... سلاحها لا يقتل لكنه يميت! تحدثت الرؤية عن هدف زيادة المواقع السعودية المسجلة في لائحة التراث العالمي في منظمة «اليونسكو» إلى ضِعف العدد الذي تمكنّا بحمد الله من تسجيله حتى الآن، وهو ٤ مواقع. وإذا كنا قد تمكنّا من تسجيل هذا الرقم خلال السنوات العشر الماضية، ما قبل الرؤية، فإني أكاد أجزم متفائلاً ومتطلعاً بأننا سنكون قادرين خلال الخمس عشرة سنة المقبلة على تسجيل ما هو أكثر من أربع…

لا يشغلكم الجسر الأصغر عن الجسر الأكبر

الأربعاء ١٣ أبريل ٢٠١٦

رغم اكتظاظ برنامج زيارة الملك سلمان إلى مصر، باللقاءات والفاعليات والقرارات والاتفاقيات المتنوعة في مختلف الشؤون والاهتمامات السعودية/ المصرية، إلا أن الاهتمام الإعلامي الخاص والشعبي انشغل كثيراً بالجدل الدائر حول الجسر البري الذي سيشيد على البحر الأحمر بين السعودية ومصر، ثم طغى على هذا بالطبع الانشغال باستعادة (أو إعادة) جزيرتي تيران وصنافير من السيادة المصرية إلى المُلكية السعودية. أتفهّم تماماً انشغال أي شعب بفقدان مترٍ واحد من أرضه، فكيف بجزيرتين حساستين في موقع استراتيجي بالغ الأهمية، لكن الأمور أصبحت واضحة الآن لمن يبحث عن الحقيقة، أما من يبحث عن التشويش فلن يتوقف مهما سقتَ له من أدلة وبراهين. هذا الجدل، الذي بلغ درجة من التناحر والتراشق، كاد أن يغيّب الوعي بأبعاد زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى مصر ثم من بعدها مباشرة إلى تركيا، رغم ما لا يخفى من التوتر والقطيعة بين الجمهوريتين. من هو الزعيم العربي الذي يستطيع الآن أن ينتقل من مطار القاهرة إلى مطار أنقرة أو العكس، من دون ترانزيت ترضية؟! لا يستطيع أن يتجاوز العثرات والعوائق الديبلوماسية في الطريق بين قوتين عظميين متخاصمتين في المنطقة، إلا زعيم دولة عظمى ثالثة في المنطقة أيضاً. وما أقوله هنا ليس من الإطراء الرخيص، فمن يستطيع أن ينكر أو يتغافل عن الثقل الاستراتيجي للسعودية ومصر وتركيا في هذه المنطقة، ودور الدول…

هل تعود الجامعة العربية إلى تونس؟

الأربعاء ٠٩ مارس ٢٠١٦

بات واضحاً للجميع الآن أن منصب (أمين عام جامعة الدول العربية) هو أكثر أهمية ولمعاناً من جامعة الدول العربية نفسها. كيف يكون ذلك؟! عندما تفقد المؤسسة، أيّة مؤسسة مرموقة (سابقاً)، دورها وهيبتها ونفوذها فإن الذي يبقى لها هو صيتها الماضي الذي يصبح مكسباً فقط لرئيس المؤسسة، الذي سيظل يحمل في لقبه وهج الماضي حتى من دون أي تأثير في الحاضر! واجهت الجامعة العربية خلال الأيام القليلة الماضية موقفين اثنين يمكن من خلالهما تأكيد ما سبقت الإشارة إليه: الخبر الأول: إعلان السيد نبيل العربي تنحّيه عن منصب الأمين العام للجامعة، بعد مدة قصيرة نسبياً له في هذا الموقع. الخبر الثاني: اعتذار المملكة المغربية عن استضافة القمة العربية التي كان مقرراً عقدها قريباً في مراكش، نظراً لعدم أهمية وجدوى انعقاد القمم العربية، بحسب الإعلان المغربي (بتصرف). وعلى رغم أن الخبر الثاني يمسّ وجودية الجامعة ويشكك في مبررات بقائها حتى الآن، إلا أنه لم يحظَ بالأهمية التي حظي بها الخبر الأول عن تنحي الأمين العام، ما يؤكد بأن الذي بقي للجامعة هو وجاهة اسمها لا فعلها. وفي حين انشغلت مصر بالبحث عن أمين عام بديل، انشغل آخرون بالبحث عن أدوات بديلة لتسيير عمل الجامعة وإنعاشها قبل الموت السريري، بعد أن ماتت دماغياً. من أهم أدوات إنجاح أي مؤسسة هو اختيار رئيس متمكن ومقنع…

هل تعود الجامعة العربية إلى تونس؟

الثلاثاء ٠٨ مارس ٢٠١٦

بات واضحاً للجميع الآن أن منصب (أمين عام جامعة الدول العربية) هو أكثر أهمية ولمعاناً من جامعة الدول العربية نفسها. كيف يكون ذلك؟! عندما تفقد المؤسسة، أيّة مؤسسة مرموقة (سابقاً)، دورها وهيبتها ونفوذها فإن الذي يبقى لها هو صيتها الماضي الذي يصبح مكسباً فقط لرئيس المؤسسة، الذي سيظل يحمل في لقبه وهج الماضي حتى من دون أي تأثير في الحاضر! واجهت الجامعة العربية خلال الأيام القليلة الماضية موقفين اثنين يمكن من خلالهما تأكيد ما سبقت الإشارة إليه: الخبر الأول: إعلان السيد نبيل العربي تنحّيه عن منصب الأمين العام للجامعة، بعد مدة قصيرة نسبياً له في هذا الموقع. الخبر الثاني: اعتذار المملكة المغربية عن استضافة القمة العربية التي كان مقرراً عقدها قريباً في مراكش، نظراً لعدم أهمية وجدوى انعقاد القمم العربية، بحسب الإعلان المغربي (بتصرف). وعلى رغم أن الخبر الثاني يمسّ وجودية الجامعة ويشكك في مبررات بقائها حتى الآن، إلا أنه لم يحظَ بالأهمية التي حظي بها الخبر الأول عن تنحي الأمين العام، ما يؤكد بأن الذي بقي للجامعة هو وجاهة اسمها لا فعلها. وفي حين انشغلت مصر بالبحث عن أمين عام بديل، انشغل آخرون بالبحث عن أدوات بديلة لتسيير عمل الجامعة وإنعاشها قبل الموت السريري، بعد أن ماتت دماغياً. من أهم أدوات إنجاح أي مؤسسة هو اختيار رئيس متمكن ومقنع…

كيف نقاوم طائفية إيران؟

الأربعاء ٢٤ فبراير ٢٠١٦

تذبذبت تأويلاتنا وتسمياتنا للصراع مع إيران. فتارة نسميهم الفرس، وإذا تصاعد الغضب قلنا: المجوس. وآخرون يفضّلون وصف ذلك بالعداء مع التشيّع، وإن أرادوا التلطيف قالوا: التشيّع الصفوي! كيف تستطيع أن تقاوم (عدواً) لم تحدد من هو، وما هو؟! أشرت في مقالة سابقة الى أن إيران تلعب في المنطقة ومع العالم بخمس ورقات متوازعة بين الحضارية والطائفية. وهي تراوح بين خطاباتها المتنوعة، والمتناقضة، بمهارة فائقة اكتسبتها من الحكمة والإرث الفلسفي العريق والعميق للحضارة الفارسية. ونحن لا نستطيع، ولا ينبغي لنا، أن نستهلك جهدنا وصدقيتنا في محاولة تشويه الحضارة الفارسية أو النيل منها ومن إرثها التاريخي المعتبر، إذ ليس من الوارد إزالة أو طمس هذا العمق التاريخي / الجغرافي الممتد لخمسة آلاف عام بسبب تجاوزات ثورة معممة وقعت منذ أقل من ٤٠ عاماً، وتمادت في تمددها باسم الدين الطائفي المشرذِم. لكننا أيضاً لا ينبغي أن ندخل معها في صراع طائفي (مكشوف)، إذ ستتساوى عندها الكفة غير المتساوية! إذاً كيف سنقاوم عدائية إيران؟! إن عاديت إيران بوصفهم فُرساً فأنت تعادي حضارة عمرها ٥٠٠٠ عام، وإن عاديتهم بوصفهم شيعة فأنت تعادي مذهباً عمره ١٤٠٠ عام، وإن عاديتهم بوصفهم صفويين فأنت تعادي نظاماً سياسياً عمره ٥٠٠ عام، وإن عاديت إيران الراهنة بأطماعها التوسعية فأنت تعادي نظاماً ثورياً عمره أقل من ٤٠ عاماً فقط. فأيُّ مسوغات…

حايل… هايل

الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠١٥

ظلت مدينة حائل (أو كما نخففها بقولنا: حايل) اسماً ثابتاً في الذاكرة البشرية ومتكرراً في دفتر التاريخ الإنساني. كثيرون يربطون هذه الشهرة باسم حاتم الطائي الكريم الذي ورّث خصلة الكرم لأبناء بلدته حتى اليوم. هي بلا شك ذكرى شخصية فريدة، حيكت حولها بعض الأساطير لأن أفعالها الحقيقية كانت تشبه الأساطير. لكن حايل، بجبالها ووديانها ظلت خزانة لكثير من حكايات العشق الألف ليلية لمن سكنوها أو فقط لمن مرّوا عليها فساكنوها. لنستمع فقط إلى شهادتين فريدتين من «الخواجات» الكثر الذين زاروها استكشافاً أو تجسساً فهاموا في حبها، رغم قساوة مهماتهم. يقول المستكشف الإنكليزي وليم بلغريف الذي زارها في العام 1862: «تقع مدينة حائل أمامنا، على بعد مسيرة ربع ساعة. وأوحت لنا المدينة بشيء من المعاصرة، بل وبشيء آخر من قبيل الأناقة غير المعتادة التي طالعتنا من قبل في القرى التي مررنا عليها. لكن الواضح أن حائل كانت مدينة بمعنى الكلمة، فضلاً عن أن مساحتها كانت تتسع لحوالي 300 ألف نسمة أو ما يزيد على ذلك، ولو أن شوارعها ومنازلها كانت متجاورة وقريبة من بعضها مثل شوارع بروكسيل وباريس، ومع ذلك فإن عدد سكان حائل لا يزيد في واقع الأمر على 20 أو 22 ألفاً، وذلك بفضل البساتين والساحات الكبيرة التي تدخل ضمن الأسوار الخارجية للمدينة». ومن قبله تحدّث الرحالة الفنلندي جورج…

مجدداً: «حارة الكون تتسع لصديقين بدلاً من صديق واحد»!

الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠١٥

حظيت زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز إلى روسيا، الأسبوع الماضي، باهتمام إعلامي كبير وبتساؤلات سياسية أكبر. لم يكن الملفت للانتباه في تلك الزيارة عنصر واحد فقط كما قد يحدث مع بعض الزيارات السياسية المثيرة للجدل، لكنها عناصر عديدة اجتمعت في ذلك الحدث، وقلّما اجتمعت: أولاً: الوجهة/ روسيا التي لم تعتد الأقدام السعودية على طرق خطواتها هناك كما تفعل في وجهات أخرى مألوفة، منذ قطع العلاقات مع الاتحاد السوفياتي في العام ١٩٣٨ على رغم عودة العلاقات في العام ١٩٩٠ ثم المحاولة التقاربية التي كانت من الملك عبدالله بن عبدالعزيز إبان زيارته إلى موسكو في العام ٢٠٠٣. لكن روسيا ظلّت الوجهة السياسية الأبعد، على رغم قربها الجغرافي. ثانياً: التوقيت / حيث تعصف بالمنطقة أحداث مربكة وحساسة، قد يرى البعض أنها لا تحتمل المجازفة بخطوات غير مسبوقة أو بتحالفات غير معهودة. ثالثاً: الأجندة / حيث لم تكن تلك الزيارة المفاجئة في وجهتها وفي توقيتها زيارة مجاملة باردة، بل احتوت أجندتها على اتفاقيات وشراكات ساخنة ودقيقة. إذا كان قانون السياسة البراغماتي هو أنه ليس ثمة صديق دائم ولا عدو دائم، فإن الزيارة السعودية إلى روسيا هي زيارة سياسية بامتياز، إذ ذهبت باتجاه نفي الظن بأن روسيا عدو دائم، وكذلك خلخلة الاعتقاد بأن أميركا صديق دائم. بشكل أدق فإن…

وحوش الظل

الأربعاء ١٧ يونيو ٢٠١٥

«إنها حربٌ مثالية… الجميع يجنون الأموال الطائلة»، تعليق ضابط استخبارات أميركي عن الحرب في أفغانستان. «هذا المكان (العراق) هو آلة لصنع المال… هناك الكثير من المال. يدهشني حقاً: كيف تصنع الحرب مالاً، وكيف يمكن أن تصبح للحرب فائدة!»، جون كوت، طالب جامعي التحق بشركة «كريسنت» في العراق ووُجد مقتولاً بعد خطابه هذا بأسبوع. بهذين الاقتباسين سأمهّد لمطالبة أكثر من صديق وقارئ أن لو ألحقت مقالتي السابقة (http://alhayat.com/Opinion/Ziad-Aldrees/9470968/ انتهازيون-بلا-حدود) التي تناولت فيها فصائل الانتهازيين الذين يديرون الحروب والصراعات في هذا العالم عموماً، وفي عالمنا الأوسط في شكل خاص، بنماذج استدلالية من تلك الفصائل. كانت مصادفة عجيبة أن يُنشر في نفس يوم مقالتي تلك تقرير موسع عن الشركات الحربية الخاصة، أي تلك التي يمكن وصفها ببشاعة بأنها (جيوش قطاع خاص)! في الاستطلاع الموسع الذي نشرته صحيفة «التقرير» تحت عنوان: جيوش الظل، لعبة الحرب والمال والسياسة http://altagreer.com/ جيوش-الظل-لعبة-الحرب-والمال-والسياسة-ل/ تناولت معدّة التقرير، بسمة حجازي، تفاصيل وأرقاماً وأسراراً مقززة ومخيفة عن الرأسمالية المتوحشة التي تدير الصراعات في المناطق المتأزمة، لا بوصفها مهمات وطنية أو إنسانية كما يروّج السياسيون والإعلاميون من ورائهم، بل بوصفها مهاماً استثمارية وتربّحية لشركات تجارية ومقاتلين مرتزقة لا غير. سيتكئ مقالي هذا كثيراً على مقاطع من ذلك التقرير الوافي عمن يُسمَّون جيوش الظل باعتبارهم سنداً للجيوش النظامية المعلنة، ويمكن تسميتهم أيضاً بوحوش…

أسئلة للتفجير!

الأربعاء ٠٣ يونيو ٢٠١٥

الأجوبة السليمة ليست وليدة ذكاء المجيب، بل وذكاء السائل أيضاً. لذا فتوليد الأسئلة لا يقل أهمية، في خوضنا لحل المشكلات، عن استدرار الأجوبة. وهو الأمر الذي نغفل عنه كثيراً حين نواجه مشكلات طارئة فننطلق بانفعال وحماس للبحث عن حلول عبر أسئلة خاطئة لا يمكن أن تنتج حلولاً صائبة. هذا ما تبدّى في أعقاب التفجيرين الإجراميين في مسجدي القديح والعنود، على التوالي. ارتبك الناس، وحُقّ لنا أن نرتبك، من الألم والخوف... الألم من قتل المصلين الأبرياء والخوف على أمن وطننا المتماسك. تركزت أسئلة التفجير حول المشكل الطائفي، عطفاً على أن القاتل سنّي والمقتول شيعي. من دون شك أن الطائفية داء مستشرٍ الآن ولا يمكن لأحدٍ أن ينكره أو يستصغره، والتأجيج والتحريض الطائفي موجود في الخارج والداخل ببشاعة متناهية، ويجب تجفيف منابعه التي يمكن الوصول إليها، على الأقل داخل الوطن الواحد. لكن سؤال الطائفية وحده لا يكفي لتوصيف دوافع منفذ الجريمة واختياره مسرحها ووقائعها، فـ «الدواعش» الذين صنعوا القاتل قد تجاوزوا مرحلة الفرز بين السنّة والشيعة والمصلي وغير المصلي والمسجد والكباريه، فهم يرون كفر كل من سواهم ومشروعية قتله، لكنهم يُفرّعون في مبررات جرائمهم، وإن كان الأصل التبريري واحداً ومشتركاً لكل مستحقي الموت خارج دائرتهم. لو كانت دوافعهم الإجرامية في التفجيرين طائفية بحتة، إذاً: لماذا قاموا بتفجيراتهم الإرهابية في تجمعات سنيّة خارج…