أزمةُ الخليج وإيران .. كشْفٌ لبعض الوعي الساذج

آراء

     أستهلُّ هذا المقال بتساؤل يراوِدني كل حين، وفي عدد من القضايا: متى ‏نطمئن إلى أن بوصلة بعض النُّخب – “صحفيين، ويساريين، ورجال دين، ‏وبعض الكُتاب، وبعض الأفراد المؤثِّرين”؛ أي الأصوات التي توجِّه الوعي ‏الجمعيَ العام – غادَرت مواقعها التي تأبَّدت فيها، وتجمّدت؛ أعني متى ‏تتحرك النُّخب لقراءة الواقع بموضوعية وعقلانية، ومراعاة للصالح العام ‏لمصر والعرب؟

     أحسَب أنه يحلو لبعضهم – حتى الآن، ودون التعلُّم من أخطاء انحيازاتهم ‏في التاريخ – التخندُق في مساحات الوعي العاطفي السطحي، وعي ‏الأيديولوجيات الجامدة، النمطية، والعيش في الشعارات دون تعقُّل.‏

     يهلِّل بعضهم لِما تفعل إيران منذ نهاية فبراير الماضي، تحت دعوى أنها ‏تضرب إسرائيل وأمريكا، وتلحِق بهما الخسائر، لكنهم للأسف لا يجيدون ‏قراءة الواقع بحنكة، ولا أبعاد المشهد كاملًا، يفتقِرون لتعدُّد مستويات ‏النظر، فضرْب إيران لدول الخليج تعدٍّ سافِرٌ على هذه الدول بالفعل، الدول ‏الشقيقة والأقرب لنا، ولثقافتنا، ومصالحنا.‏

     وحتى تحت ادِّعاء أن إيران تضرب القواعد والمصالح الأمريكية في هذه ‏الدول الخليجية، إلا أنها تعدَّت عليهم بالفعل، وضربت مواقعَ ومؤسساتٍ ‏مدنيةً، برغم تكرار تصريحات الدول الخليجية:إنها لن تسمح بخروج ‏ضربات موجَّهة لإيران من فوق أراضيها، وأن هذه الحرب ليست حربها.‏

     لا أحد يقبْل أن تتعدَّى إسرائيل أو أمريكا على دولة إيران، على هذا النحو ‏السافِر؛ لكن المنطق والعدالة يقولان أيضًا: إنه من غير المقبول أن ‏تضرب إيران الإمارات والسعودية وقطر والبحرين، بالمخالِفة للقانون ‏الدولي.‏

     دول الخليج – وفي القلب منهم الإمارات – أشقَّاء حقيقيون للمصريين، ‏وشركاء فاعلون، فالمصير مشترَك، بالعمق الاستراتيجي، الجغرافي، ‏والأمني، وبوحدة الأهداف والمصالِح الاقتصادية، حيث الاستثمارات ‏الهائلة، التي وضعتها دول الخليج؛ لتتمكَّن مصر من الصمود أمام أزمة ‏اقتصادية مركَّبة الأبعاد، كما أننا لا ينبغي أن ننسى دعْم القيادة الإماراتية ‏لمصر، للقضاء على أخطر جماعة راديكالية أضرَّت بمصر وأوضاعها، ‏وبمصير المنطقة كلها.‏

     المدهِش والعجيب أن بعض هؤلاء النُّخب، الذين يبرِّرون لإيران، يدركون ‏أننا ودول الخليج (أشقَّاء رِزق)؛ بمعنى أن شرائحَ كبيرةً من الشعب ‏المصري تستفيد من العمل في دول الخليج، كما أن المصالح مشترَكة ‏ومتبادَلة، حيث يضخُّ الخليج استثماراتِه في مصرَ؛ لكِبَر السوق المصري، ‏وحِراك قُدراته، كما الاستفادة من الأيدي العاملة، والكوادر القادرة، وموقع ‏مصر ومناخها.‏

     وفي تفسير هذه الظاهرة، التي تصدُر عن قِلة من النُّخب، أود أن أُشير ‏إلى أن أحدَ أهم الأسُس التي يرتكز عليها العقل المتكلس، كما يصِفه ‏‏(نصر حامد أبو زيد) هو: “رد الظواهر إلى مبدأ واحد”؛ أي الحُكم على ‏الظاهرة استنادًا لمعيار وحيد؛ أي جوهر دلالي واحد، وليس فهْم الظواهر ‏والمواقف كجزيئات معزولة؛ أي أن لكل موقفٍ معطياتٍ تاريخيةً وسياقية، ‏تجعلنا نَعِي خصوصية كل موقف، ومعرفة التفاصيل التي توجِّه سياسات ‏الدول، ثم تكوين رؤية شاملة.‏

     تروِّج إيران أنها تحارب لنُصرة الإسلام، والقضية الفلسطينية؛ لكنها في ‏الواقع لا تخدم إلا مخططاتها التوسعية، وتضرب دول الخليج الإسلامية، ‏فيروَّع مواطنوه، ويتأذَّى الاقتصاد العالمي، وينطمس مستقبل التنمية، حين ‏يهرول الجميع لتملُّك ترسانات الأسلحة، تقذفهم إيران لا لذنب اقترفوه لكن ‏بحجة أنهم أصدقاء لأمريكا. إيران التي مدَّت أذرعها وميلشياتِها العسكريةَ ‏في أكثر من سِتِّ دول عربية: “العراق، سوريا، اليمن، لبنان، فلسطين، ‏البحرين”، وبقراءة محايدة للواقع؛ نلحَظ ضياع سيادة هذه الدول، وفوضى ‏أمنِها، وتبدد استقرارها.‏

     ونتعجَّب، لماذا يشعر البعض بالتشفِّي في بعض الدول الخليجية، حين ‏تُستهدَف من إيران، الدولة التي تخطط لمشروع إعادة المجد الفارسي، والتي ‏تقتات على سرديات “المقاومة” و”المظلومية العابرة للحدود”؛ لتبرير التوسُّع ‏العسكري. الخطورة ليست في المشروع فحسب؛ بل في بعض “النُّخب ‏العربية”، التي تقع في فخِّ هذا الخِطاب، مفضِّلةً الانبهار بـ “قوة الميليشيا” ‏على الاحترام الواجب لـ “قوة المؤسَّسة والدولة”، التي تمثِّلها الدول الواعية، ‏التي تُعلي من السيادة الوطنية، دول القانون والمواطَنة، والتسامح مع ‏التعدد.‏

     لم تزَلْ بعض الأصوات تعيش فخَّ السرديات الأسطورية في المنطقة، ‏وتُضخِّم في التاريخ، على حساب الواقع والمستقبل. ‏

     كما أن بعض النُّخب تعيش مفارَقة الانبهار بالآخَر، والتشكيك في الذات، فمن العجيب أن نرى قطاعًا – من النُّخب الثقافية والسياسية العربية – ‏يُبدي تعاطفًا خفيًّا أو علنيًّا مع المشاريع التوسُّعية، كما في الحالة ‏الإيرانية، بحجة أنها تمثِّل “توازُنًا” أو “تحديًا للغَرب”؛ بينما يتغاضَون عمَّا ‏يُسمى “ولاية الفقيه”، والافتقار للحريات، وشيوع الفساد، الذي يعانيه ‏الشعبُ الإيراني، كما يتجاهلون آثارَ تحكُّم “حزب الله” في لبنان، وفوضى ‏الأوضاع التي يعيشها، كما العراق وسوريا تحت مخططات إيران.‏

     هؤلاء أيضًا ينتقِدون ويشكِّكون في مدُن الخليج، التي يصِفونها بالزجاجية، ‏ويتجاهلون قصصَ نجاحها. وأحسَب أن هذا المسلَكَ يعكِس تصلُّب وعجْز ‏بعض المثقَّفين عن استيعاب معطيات الحاضر، واختلافها عمَّا اعتادوا من ‏نموذج الدول التي تظَل تطنْطِن بأمجاد الماضي، وتعتمد على الثورات، ‏والشِّعَارات الرنَّانة الجَوْفاء.‏

     هؤلاء يعيشون ما يُسمى حالة عمَى الأرقام، فالتنمية البشرية والاقتصادية ‏في دول مثل الإمارات والسعودية وقطر، هي التي توفِّر الحماية الحقيقية ‏للمواطن العربي، وليس التفاخُر بالماضي والتاريخ وأساطيره، وليس ‏باستنبات دول موازية داخل الدولة، عن طريق الميليشيات.‏

     تقوم السياسة السعودية والإماراتية المعاصِرة على استراتيجية التعامُل مع ‏الواقع، ومواجهة الجماعات المتطرِّفة وأفكارها، التي طالما أضرَّت بالإقليم ‏العربي، وبينما يغرق الإقليم في صراعات الهُوَية والسرديات التاريخية ‏المتصادمة، اختارا النظر للمستقبل، من خلال لُغة الأرقام، والذكاء ‏الاصطناعي، وتحسين حياة البشر، وليس عبْر استدعاء المظلوميات ‏التاريخية، التي تصدِّرها بلدان مثل إسرائيل وإيران.‏

     وفي يقيني، إن تفكيكَ ازدواجية وعْي بعض النُّخب مَهمةٌ حتمية، تعفي ‏دُولنا من تلاسنات ستحدث في القادم من أحداث، فالمستقبل لمَن يكتبه، لا ‏لمَن يحكي أمجاد أساطيره التي ولَّت.‏

     إن الدفاع عن دول الخليج العربي اليوم ليس انحيازًا سياسيًّا فحسب؛ بل ‏هو انحياز للمنطق، ولسياسة مصرنا وقيادتها الحكيمة، ولِحَقِّ الإنسان ‏العربي في العيش، في دول تهَب الفُرص للجميع، وتُعلي القانون، الذي ‏يحمى التعدد.‏

     تغيَّرت الدول الخليجية عن الصورة النمطية، التي لم تزَل تعشِّش في أذهان ‏بعض النُّخب، صار الإنسان الخليجي أكثر انفتاحًا على العالم، تعلَّم جيدًا، ‏وامتلك وعيًا مهنيًّا وإنسانيًّا، يوظِّف امكاناتِه الماديةَ لصالح التنمية ‏المستدامة، وعيش مواطنيه الكريم، يؤمنون بحرية الفرص، محترفون ‏ويعملون بروح الفريق، يستفيدون ويفيدون.‏

     وفي النهاية هل نختلف مع بعض دول الخليج، في بعض سياساتهم؟ ‏بالطبع نختلف؛ لاختلاف المصالح والتوجُّهات، لكننا لن نعدم طاولات ‏حوار صديقة، ومستدامة، قادرة على تقريب وجهات النظر، لوحدة ‏المصالح، والثقافة، والاستراتيجية الأمنية للإقليم.‏

     نتفق أحيانا، أو نختلف في بعض الملفَّات، لكننا نرفض ضرب دول ‏الخليج وتهديد أمنها واقتصادياتها.‏

المصدر: المصري اليوم