المرأة وصناعة الاستقرار في زمن الاضطراب: دور المشاركة الفاعلة في مواجهة التوترات العسكرية في المنطقة

آراء

خاص لـ هات بوست:

     يأتي اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار من كل عام ليكون مناسبة إنسانية عالمية للتأكيد على قيمة المرأة ودورها في بناء المجتمعات وصناعة المستقبل. وليس الاحتفاء بالمرأة في هذا اليوم مجرد فعلٍ رمزي أو تقليدٍ احتفالي، بل هو تذكيرٌ عالمي بمسيرة طويلة من النضال والعمل والعطاء في مختلف مجالات الحياة. وفي منطقةٍ مثل الشرق الأوسط، التي تعيش اليوم تحولاتٍ سياسية وأمنية عميقة وتوتراتٍ عسكرية متصاعدة، يكتسب هذا اليوم معنىً أكثر عمقاً، إذ يصبح مناسبة للتأكيد على أن المرأة ليست فقط شريكاً في التنمية، بل هي أيضاً عنصر أساسي في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وصناعة السلام. فحين تمر المجتمعات بظروفٍ صعبة، تظهر القيمة الحقيقية لدور المرأة بوصفها قوةً أخلاقية واجتماعية تسهم في حماية المجتمع والحفاظ على تماسكه.

     تشهد منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة حالةً متصاعدة من التوترات العسكرية والتحولات السياسية المعقدة التي تلقي بظلالها على المجتمعات والدول على حدٍّ سواء. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية الحساسة، يبرز سؤال جوهري يتعلق بقدرة المجتمعات على الحفاظ على تماسكها الداخلي وإدارة أزماتها بطريقةٍ تمنع الانزلاق نحو مزيدٍ من العنف وعدم الاستقرار. وفي هذا السياق، تتقدم المرأة بوصفها فاعلاً مجتمعياً أساسياً في صناعة التوازن الاجتماعي وتعزيز ثقافة السلم الأهلي، ليس فقط بوصفها ضحية محتملة للصراعات، بل بوصفها شريكاً فاعلاً في إدارة الأزمات وبناء الاستقرار.

     لقد أثبتت التجارب التاريخية في العديد من المجتمعات أن المرأة تلعب دوراً مركزياً في الحفاظ على البنية الاجتماعية خلال فترات النزاعات. ففي الوقت الذي تتعرض فيه المجتمعات لضغوط اقتصادية ونفسية وأمنية كبيرة نتيجة الحروب والتوترات العسكرية، تصبح المرأة غالباً محور الاستقرار داخل الأسرة والمجتمع المحلي. فهي التي تحافظ على استمرارية الحياة اليومية، وتدير الموارد المحدودة، وتسهم في تربية الأجيال الجديدة على قيم الصمود والمسؤولية والتضامن الاجتماعي.

     غير أن دور المرأة في مثل هذه الظروف لا ينبغي أن يُختزل في البعد الأسري أو الاجتماعي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى المشاركة الفاعلة في المجال العام، وفي عمليات صنع القرار المرتبطة بالأمن والسلم والتنمية. فالمشاركة السياسية للمرأة، سواء عبر المؤسسات التشريعية أو المجالس المحلية أو منظمات المجتمع المدني، تسهم في إدخال مقاربات أكثر شمولاً وإنسانية في إدارة الأزمات، وتساعد على توسيع دائرة الحوار الوطني بما يعزز فرص الحلول السلمية للنزاعات.

     وفي العديد من دول العالم، أثبتت مشاركة النساء في عمليات السلام والمصالحة الوطنية قدرتها على إحداث تحول نوعي في مسارات الصراع. فالمرأة غالباً ما تنطلق في مقارباتها من منظور اجتماعي وإنساني يركز على حماية المجتمع وإعادة بناء الثقة بين مكوناته المختلفة، الأمر الذي يجعل حضورها في عمليات الوساطة والحوار عاملاً مهماً في تقليل احتمالات التصعيد العسكري وتعزيز فرص الاستقرار المستدام.

     أما في المجتمعات العربية، فإن المرأة تمتلك رصيداً تاريخياً من المشاركة في بناء الدولة والمجتمع، سواء في مجالات التعليم والعمل العام أو في الدفاع عن القضايا الوطنية. وقد أثبتت المرأة العربية، في العديد من المحطات التاريخية، قدرتها على الجمع بين دورها الاجتماعي التقليدي وبين دورها المدني والوطني، الأمر الذي جعلها أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي في أوقات التحولات الكبرى.

     وفي ظل ما تمر به المنطقة اليوم من توترات أمنية وتحديات سياسية واقتصادية متشابكة، تصبح الحاجة أكثر إلحاحاً لتعزيز دور المرأة في المجالات المختلفة، خصوصاً في مجالات التعليم والإعلام والعمل المجتمعي وصناعة السياسات العامة. فتمكين المرأة معرفياً ومؤسسياً لا يمثل فقط قضية عدالة اجتماعية، بل يعد استثماراً استراتيجياً في استقرار المجتمعات وقدرتها على مواجهة الأزمات.

     إن المجتمعات التي تفسح المجال لمشاركة المرأة في صنع القرار تكون أكثر قدرة على إدارة الأزمات بطريقةٍ متوازنة، لأنها تستفيد من طاقات نصف المجتمع وخبراته المتنوعة. كما أن حضور المرأة في مواقع القيادة المجتمعية يسهم في تعزيز ثقافة الحوار والتسامح، وهي قيم ضرورية في بيئات تشهد احتقانات سياسية أو توترات أمنية.

     ومن هنا، فإن تعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه جزءاً من منظومة الأمن المجتمعي الشامل. فالأمن لا يتحقق فقط عبر القدرات العسكرية أو الإجراءات الأمنية، بل يتطلب أيضاً بناء مجتمع متماسك قادر على امتصاص الصدمات وإدارة الاختلافات بطرق سلمية. وفي هذا الإطار، تمثل المرأة قوة اجتماعية قادرة على بناء جسور الثقة داخل المجتمع وتعزيز قيم الاعتدال والتضامن.

     إن المرحلة الراهنة من تاريخ المنطقة تتطلب إعادة التفكير في أدوار الفاعلين الاجتماعيين كافة، وفي مقدمتهم المرأة، بوصفها شريكاً أساسياً في صناعة المستقبل. فكلما توسعت مساحة مشاركتها في التعليم والاقتصاد والسياسة والعمل المجتمعي، ازدادت قدرة المجتمعات على تجاوز الأزمات وبناء نماذج تنموية أكثر توازناً واستقراراً.

     وفي المحصلة، يمكن القول إن دور المرأة في أوقات التوترات العسكرية لا يقتصر على مواجهة آثار الأزمات، بل يمتد إلى المساهمة في منعها وإعادة بناء المجتمعات بعد انتهاء الصراعات. فالمرأة ليست فقط شاهدة على التحولات الكبرى في المنطقة، بل هي أيضاً إحدى القوى القادرة على توجيه هذه التحولات نحو مسارات أكثر إنسانية واستقراراً.

     وإن الاستثمار الحقيقي في مستقبل المنطقة يبدأ من الإيمان بأن مشاركة المرأة ليست مسألة رمزية أو شكلية، بل هي ركيزة أساسية في بناء مجتمعات قوية قادرة على مواجهة التحديات وصناعة السلام في زمن الاضطراب.