رضوان السيد
رضوان السيد
عميد الدراسات العليا بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية - أبوظبي

في الثقافة و”الانحطاط”والرؤى الأُخرى

آراء

من جديد كثرت في الآونة الأخيرة رؤى وآراء ونظرات في الأوضاع الثقافية والحضارية العربية الإسلامية. والدوافع لهذا الفوران من جديد الفوضى التي حدثت بعد حركات التغيير العربية. وقد اقترنت التخلخلات بثلاث ظواهر: عودة الجهاديات والتنظيمات المسلَّحة للفعالية بشكلٍ عام. وعجز النُخَب المدنية التي بدأت الثورات عن إنشاء أنظمة حكمٍ جديدة، وظهور الإسلام السياسي على السطح في كل مكان. وتفاقُم التدخل الإقليمي والدولي في الدول العربية التي شاعت فيها الفوضى. ومن وراء تلك الظواهر، عاد الحديث من جديد عن الأحوال الثقافية والحضارية عند العرب، والأوضاع الدينية السائدة بما في ذلك الثقافة والممارسة باسم الدين. وعادت إلى السطح مع هذه الظواهر والرؤى الانطباعات التي تُعبّر عن سياساتٍ خفيةٍ وظاهرة، مثل الطبيعة العنيفة للإسلام أو للثقافة الدينية. ومدى تأهُّل العرب ثقافياً وتنظيمياً للديمقراطية أو إنشاء أنظمة الحكم الصالح.

هذا الحديث ليس جديداً، وهو يعود في المرحلة المعاصرة إلى أواخر الثمانينيات من القرن الماضي. ووقتها كان الاتحاد السوفييتي ينهار، والبحث يبدأُ عن الأخطار المحتملة على الغرب وأنظمته وثقافته بعد انقضاء العهد والمحور السوفييتي. والطريف أنّ الاستراتيجيين تلمَّسوا يومها أخطاراً من جهتين تتعلَّقان بالإسلام: جهة أبناء وبنات الجاليات الإسلامية في أوروبا وجهة الخطر القادم من الجهاد الأفغاني بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان. وما كان شبان المهاجرين يمارسون وقتها أعمالاً عنيفةً أو أنّ العنف ما كان قد تحوَّل إلى ظاهرةٍ في صفوفهم، بيد أنّ الذي أخذه عليهم المحلِّلون هو إصرار بعضهم على الخصوصية في المظهر واللباس بما اعتُبر تخلُّفاً أو خروجاً على ثقافة الاندماج في المجتمعات الجديدة. وما أخذ مثقفو اليمين الأوروبي ذلك على الأفارقة أو الآسيويين مثلاً رغم الإصرار على الخصوصية من جانبهم، وإنما اقتصر الإنكار على المسلمين. أمّا “الإرهاب” الأفغاني الذي بدؤوا بالحديث عنه، ودور الأصوليين العرب فيه؛ فقد تجاهلوا بشأنه أنهم هم الذين صنعوه، باستقدام الشبان وجمعهم وتدريبهم وتسليحهم بباكستان، وإرسالهم للقتال ضد الشيوعيين بأفغانستان. وعلى أي حالٍ فإنّ هذه التذمرات ووجوه القلق من الخطر الأخضر، ما لبثت أن صارت لها مظلةٌ نظريةٌ هي مظلة “صِدام الحضارات” التي خَصَّ بها هنتنجتون الدين الإسلامي، والحضارة الإسلامية. وقد استند الرجل في ذلك إلى قراءات مستشرقٍ كبيرٍ هو برنارد لويس كان رأيه أنّ العرب والمسلمين عجزوا عن اللحاق بركْب الحضارة، وأرهقهم الاستعمار الغربي والتفوق الغربي، فتصاعد لديهم الحقد، وأفضى ذلك إلى ظهور العنف والإرهاب في صفوفهم. وجاءت دوغما الفسطاطين لدى أُسامة بن لادن، وهجوم القاعدة الشهير على الولايات المتحدة، لتطرح مسألتين: المسألة النظرية المتمثلة في عدم حصول إصلاح ديني لدى المسلمين يشبه الإصلاح في المسيحية(بل واليهودية). والمسألة العملية والتي تعني اصطناع سياسات عسكرية وثقافية لإخماد العنف المهدِّد للحضارة، وشنّ “حرب أفكار” لصالح ثقافة الانفتاح والتعددية والديمقراطية. وبمقتضى هذه التغطيات، (وليس التحليل أو الأسباب الحقيقية) قامت أميركا بحروبها المتكاثرة وسياساتها الأمنية، التي وقعت في الأكثر في العالمين العربي والإسلامي. وقد غيَّر العسكريون الأميركيون دولاً وأنظمة لمكافحة التطرف والإرهاب، ثم انصرفوا بعدها خائبين ليس بسبب العجز العسكري(فأميركا كانت وما تزال أهمَّ قوى العالم عسكرياً)، بل بسبب الأزمات المتكاثرة، والعجز عن تثبيت الاستقرار، والعجز بالطبع عن صنع الديمقراطية: إذ كيف يستطيع المحتلّ بناء الدول والأنظمة الحرة والمستقلّة؟!

تستند الموجة الجديدة من رؤى التخلف والانحطاط إلى عدة أمور: الشرذمة على الأرض والاستعانة في تلك الشرذمة بالأصوليات القاتلة على نهج “القاعدة”- وانتشار الإسلام السياسي بوصفه البديل المتاح للخلاص من الطغيان والتطرف في الوقت نفسه – وعجز الشبان والقوى المدنية عن إطلاق قدرات تنظيمية وثقافية لإنشاء أنظمةٍ جديدة. وهذه الظواهر كلها موجودة ولا يمكن إنكارها. إنما هل يمكن من طريقها العودة من جديد إلى أطروحات الانحطاط لمدة ألف عام، وفشل الإصلاح، وتغوُّل الأصوليات من جديد على الدين والدولة؟ لاشكَّ أنّ الأطروحة التأصيلية هي أُطروحة راديكالية لا يمكن الدخول فيها ولا تبريرها. أو نصنع ما صنعته الولايات المتحدة وحليفاتها بعد الضربة التي قامت بها “القاعدة” لأرضها فهي لم تكتف باحتلال بلدين، بل خرَّبت بقايا الدولة فيهما، وأرادت إعادة بنائهما من الأساس بالتحالف مع إيران أو بالمسايرة لها. ولذلك كان على الشعبين الأفغاني والعراقي أن يناضلا ليس ضد الاحتلال الأميركي والبريطاني والأطلسي فقط؛ بل وضدّ إقامة نظام قمعي وإثني وطائفي في البلدين. وهكذا ظهرت الراديكالية الدينية وشبه الدينية ليس في أفغانستان والعراق فقط؛ بل وفي البلدان المجاورة لهما، والبلدان الأُخرى التي كانت تحت السيطرة الروسية. فبعد الحرب الباردة تطور بسرعةٍ ميلٌ عارمٌ لدى الروس وحلفائهم، ولدى الأميركيين وحلفائهم، لممارسة العنف ضد المسلمين خوفاً من الأُصولية. وطبيعيٌّ ألا يبذل الروس جهداً لنشر الديمقراطية أو ممارسة السلم والتضامن تجاه البلدان التي كانوا يستعمرونها. إنما ما هو العذر لدى الأميركيين والأوروبيين الذين جرَّبوا استعمار العالم الإسلامي وأُخرجوا منه: كيف يعودون إلى السياسات ذاتِها وأكثر؟! المهمُّ أنّ الآثار كانت مفجعةً أياً يكن الاختلاف في التفسيرات وأُصولها. ولذا يجب ألا يؤول الأمر بعد موجة التغيير في العالم العربي والتي زعزعت الأنظمة التي خلَّفتها الحرب الباردة، إلى المصير لتأويلاتٍ وممارسات تأصيلية وراديكاليةٍ هي نفس ممارسات الأميركيين بعد غزو أفغانستان والعراق. ولنعد مرةً أُخرى إلى الملفّ الحضاري. فخطاب الانحطاط طوال ألف عامٍ، ما عاد خطاباً استعمارياً واستشراقياً وحسْب. بل هو خطابٌ كسب أنصاراً وسط اليساريين والقوميين، وهم جميعاً مثقفون وكُتّاب، وقد عبَّروا عنه بأشكالٍ مختلفة ٍمن قبل أبرزُها الأطروحات النقدية الجارفة ضدّ “التراث” (وفي الحقيقة ضدّ الإسلام). وكما لم يستنتجوا وقتها ضرورة القيام بإصلاحٍ دينيٍ أو غير ديني، و”الأيلولة” إلى ديمقراطيات تعددية في المجال السياسي، فهم يعودون مثل الاستراتيجيين الأميركيين وبعض البريطانيين والألمان إلى أُطروحات التخلف الحضاري، والطبيعة العدوانية للإسلام، وضرورة تضامن الأقليات وتجمعها والاستعانة بالغرب والشرق والإيرانيين لاستمرار سيطرة الأنظمة الحالية أو شبيهاتها في العراق وسوريا وغير العراق وسوريا.

ولندع النتائج السياسية المفجعة لهذه الأطروحات للحظة، ولنعد إلى الأصل: لماذا لا ينصرف مثقفونا إلى تطوير مشروعات علمية كبرى في التاريخ الثقافي العربي، وفي نقد الخطاب، وفي فحص رؤى العالم والذات والآخر في مجالنا الديني والحضاري. إنها مسائل شديدة الأهمية لنا نحن قبل الأميركيين والروس، وبقايا القوميين الخائبين الذين يريدون الهروب من بن لادن إلى الخميني والأسد والقذافي لافتقارهم إلى الإيمان بالأمة والمستقبل العربي: والمستجير بعمروٍ عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار.

المصدر: الاتحاد