الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦
خاص لهات بوست: تحاصرنا موجة قبح عالمي عارمة، أقرب إلى تسونامي يقتلع القيم والمفاهيم والسلام النفسي والثوابت من جذورها.. قبحٌ وقحٌ وسافر، لا يمكن أن يكون توقيته وفجاجته وغزارته من قبيل الصدفة. ثمة غايات كبيرة، بالغة البشاعة، تقف خلف هذا الانفجار المتعمد، وما يهمنا منها هنا ليس تحليل المكيدة بقدر ما يعنينا أثرها المباشر علينا؛ نحن الأفراد والمجتمعات التي تبدو، في كثير من الأحيان، بلا حول ولا قوة. يغزو هذا التسونامي أرواح الناس، ويترك وراءه شعوراً دائماً بالقرف والتوتر والقلق، وربما الاكتئاب.. ويقود تدريجياً ومع الأسف، إلى ما اصطلح على تسميته نزع الحساسية Desensitization؛ حيث يتبلّد الشعور، ويتحوّل القبح إلى مشهد يومي معتاد، وتدخل النفس في حالة تطبيع مع كل ما كان ينبغي أن يُرفض ويُشمئز منه. ومع الوقت تهتز القناعات، ويشعر الإنسان بالضعف وقلة الحيلة والعجز.. أو يقع في فخٍّ آخر أكثر إنهاكاً: فرط المتابعة والبحث والتنقيب داخل مكب النفايات هذا، في محاولة للفهم، ومحاولة الوصول إلى إجابة أو تفسير.. بينما الحقيقة أن الغرق في القبح لا يورث فهماً، بل يورث تآكلاً بطيئاً للروح. شخصياً، لا أقبل أن يدوس هؤلاء في دماغي بأحذيتهم القذرة. ولهذا اتخذت قراراً قديماً وواضحاً: أن أتجنب هذه الموجة قدر الإمكان، وأن أساهم في مقاومتها…
الجمعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: أميل من حينٍ لآخر إلى التمهّل؛ تبدو لي تلك السويعات كوعيٍ مفاجئ وإدراكٍ لحظي لعالمٍ مجنون، صار طابعه الجري في حلقة شبه مفرغة، وكأنّه في سباقٍ محموم مع كائناتٍ لا مرئيّة. أقول في خاطري: دعهم يفوزون.. أصنع لنفسي فنجان قهوة على مهل، أسكبه برويّة، أراقب تكثّف أبخرته، رائحته ذات الإيحاءات، ومذاقه المرّ. الكعكة في الفرن تنضج وتنتفخ وتكتسب لونها الذهبي الشهي. أتصفّح كتاباً أمام النافذة؛ أقرأ تارة، وأتأمّل الخارج تارة أخرى.. شجرة وارفة الظلال تتمايل هنا، طائر بديع اللون يزقزق هناك، قطة تجيد تزجية الوقت، تتثاءب وتتمرّغ على العشب الأخضر النديّ بدلال.. فراشة ملوّنة لا تعبأ بعمرها القصير، ترفرف بين الزهور بخفّة وبهجة مدهشة. أو أُخرج أدوات الرسم من مخبئها، وأشرع في رسم لوحة بلا تخطيطٍ مسبق.. تكفيني رائحة الزيت والتربنتين، وصوت ضربات الفرشاة الخشنة على قماش الكانفاس.. تتّضح معالم اللوحة بلا استعجال، في غفلةٍ منّي ومن الزمن. متى صار التمهّل فعلاً فاضحاً على الطريق العام، يخجل منه مقترفه، ويُتّهم بالكسل والفشل وسائر الذمائم؟ ولمَ كلّ هذه العجلة؟ يشتهر الإيطاليون تحديداً بما يُعرف بـ La Dolce Vita وLa Lentezza. وهما فلسفتان تختصّان بعيش الحياة الحلوة البسيطة، والتلذّذ بالبطء، والانغماس في…
الأحد ١٨ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: زادي في عالمٍ متغيّرٍ؛ ذكرياتٌ وحنينٌ ومواقف، الأسرةُ محورها وجذرها. لا أتوقّف عند الهدايا الباذخة، ولا السفر، ولا الأحداث المفصليّة. على الأغلب أتذكّر موقفاً يوميّاً عابراً ينتزع منّي ابتسامة؛ الفارق فيه هو مزاج أمّي، رحمها الله، الرائق، والتفافنا كأسرة حول مائدة أو شاي العصر، أو برنامجٍ تلفزيوني، أحاديث صادقة، وضحكاتٍ صافية.. رائحة قهوة وبخور تعبق المكان. هذا المشهد الدافئ كان يوميّاً ومألوفاً في حياة الأسر.. كنّا نعود من مدارسنا ووظائفنا ومشاغلنا في وقتٍ واحدٍ تقريباً، وحتى مع كون يوم الإجازة الأسبوعيّة واحداً فقط، كان في الوقت بركة ومتّسع.. ثمّة روتينٌ واحد، ملزم لكل العائلة، يضمن لقاءً يوميّاً ثريّاً ومشبِعاً. والأبعد من كل ذلك، أنّ هذا المشهد لم يكن متكلَّفاً؛ كان يحدث بتلقائيّة وقناعة راسخة لدى كل فرد في العائلة.. وجبات الطعام، التسلية، الزيارات، السياحة، الأفراح والأتراح… كلّها أحداثٌ جماعيّة عائليّة. ماذا حلّ بالأسر اليوم؟ لن ندخل في تفاصيل لا تبدأ عند متطلّبات العصر وسرعة إيقاعه ولغته، ولا تنتهي عند الهاتف المحمول، والمشتتات، والمزاج المعطوب، ونظريّات المؤامرة. إنّها الفردانيّة التي فرضت نفسها على الأفراد والأسر والمجتمعات، تلك النزعة الفكريّة والاجتماعيّة والسلوكيّة التي تُعلي من شأن الفرد وحقوقه واختياراته، وتضع تحقيق الذات والاستقلال الشخصي…
الجمعة ٠٩ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: قبل حوالي عشر سنوات، جاءتني صغيرتي، البالغة بالكاد ست سنوات، ساخطةً ومنزعجةً: ماما، انظري ماذا يقول أخي، يقول إن الماء الذي نشربه ربما مشت فيه الديناصورات! ناديت شقيقها، البالغ حينها بالكاد عشر سنوات: لماذا تزعج أختك بمثل هذا الكلام؟ أجاب بدهشة: لأنها الحقيقة، الماء هو ذاته منذ نشأة الأرض. قلت: كيف تقول هذا؟ هناك كل هذه البحار والأنهار والمحيطات والسحب، والأمطار التي تهطل من السماء! نظر نحوي تلك النظرة المتأدبة المشفقة عليَّ من محدودية ذكائي، وأردف: لكنه نظامٌ مغلقٌ داخل الغلاف الجوي، لا ماء يأتي من الخارج ولا يتسرّب. ذات الماء يتبخر ويتكثف ويهطل ويُنقّى ويُخزَّن.. والشيء ذاته بالمناسبة ينطبق على الهواء أيضاً.. دورة مغلقة داخل الغلاف الجوي، وخارجه فضاءً… فراغاً فقط! درسنا هذا الكلام مراراً وتكراراً، وقرأناه وشاهدناه في برامج علمية، لكن يبدو أن دماغي يمارس نوعاً من الدفاع الذاتي بتجاهل هذه الحقيقة الصارخة.. يصعب عليَّ أن أقرّ بأننا نعيش في ما يشبه حوض أسماك زينة دائرياً، معلقاً في الفضاء، ومحميّاً بغلاف جويٍّ رقيق! عادت هذه الحكاية إلى ذهني وأنا أقرأ ما قاله رائد الفضاء الأمريكي رون غاران، الذي أمضى قرابة ستة أشهر في محطة الفضاء الدولية، يطالع كوكبنا الجميل كجرماً سماوياً معلقاً…
الثلاثاء ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: ما معنى أن تكون مثقفاً؟ هل هو حرف د. يسبق اسمك، مقروناً بالأستاذ والبروفيسور ربما؟ هل هو منصب معين مرموق؟ عضوية ما؟ شهادات أنيقة على الجدار؟ مستوى معرفة، وأرتال من الكتب التي قرأتها والدورات التي حضرتها؟ أم مكتبة فارهة تزين منزلك؟ أو لعله مظهر معين؟ نظارة طبية سميكة، كوفية، وطريقة كلام تشبه مذيعاً تلفزيونياً في برنامج حواري ساخن، إبان طفرة الفضائيات العربية؟ وإذا أضفنا لهذا السؤال الشائك بعداً آخر: ما معنى أن تكون مثقفاً وفق معطيات اليوم؟ زمن ما بعد العولمة، وما وراء قنوات التواصل الاجتماعي، في ظل الخوارزميات، وبمحاذاة الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز؟ نقول ثقافة ومثقف، وندخل في جدل طويل حول المعنى واللفظ، ثقف يثقف فقد حذق، وهو حاذق، ومشذب بأداة حادة من الأعراف والتقاليد السائدة والمعرفة المتوارثة.. لا أريدُ أن أذهب بعيداً؛ الثقافة، في جوهرها، إذا أمعنا النظر وببساطة شديدة، حالةُ وعيٍ حيّ، وحراك دائم، طريقةُ نظرٍ إلى الذات والعالم، واستعدادٌ لإعادة هذا النظر لذواتنا قبل أن نُصدر أحكاماً على الآخرين. الثقافة إذن لا تُقاس بما نعرف ونراكم، بل بما نصنع بهذه المعرفة. قد يحمل المرء أعلى الدرجات العلمية، ويشغل أرفع المناصب، ويظل أسيراً لأفكار جامدة، يخشى التغيير، ويضيق ويرتاب بالاختلاف، ويقدّس ما اعتاده وكأنه حقيقة…
السبت ٢٠ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: لا أعلم؛ هل أبدأ من الملتقى الذي أُقيم في المكتبة؟ أم من المكتبة التي أُقيم فيها الملتقى؟ إذا كنتَ تعرفني فستدرك بسهولة كيف تمارس المكتبات سحرها على عقلي وفكري ووجداني، بلا أدنى وجل؛ فما بالك إذا كانت مكتبة محمد بن راشد، ذاك الصرح الحضاري المدهش، الذي يشبه حلماً استحال إلى حقيقة. بدءًا من روعة تصميمه الأشبه بكتاب مفتوح على كل التكهنات والآفاق، وقد عرفتُ أنه صُمِّم وبُني ليتوافق مع الخطط والاستراتيجيات التي تنتهجها إمارة دبي للتحول نحو الاستدامة، ويفي بالتزامات الحفاظ على البيئة؛ إذ يوفّر نسبة من طاقته عبر الألواح الشمسية الموجودة على سطحه، ويقنّن استهلاك مياه الري بإعادة تدويرها، ويستخدم مواد صديقة للبيئة، وتقنيات عالية للعزل والتظليل. تقع المكتبة في منطقة الجداف على خور دبي الساحر، وقد فتحت أبوابها للجمهور منتصف عام 2022 كمشروع ثقافي ومعرفي هائل يهدف إلى تعزيز ثقافة القراءة والبحث وتمكين المعرفة في المجتمع. تضم، في أجوائها الفاتنة، تسعة أقسام متخصّصة تشمل: المكتبة العامة، مكتبة الإمارات، مكتبة الشباب، مكتبة الأطفال، مكتبة الوسائط والفنون، مكتبة الأعمال، مكتبة الدوريات، كما تستضيف بين جنباتها أنشطة ثقافية ومعرفية متنوعة، وحوارات ولقاءات وقراءات تثري المشهد الثقافي في المنطقة. تحتوي أرففها أكثر من مليون كتاب مطبوع ورقمي باللغات…
الخميس ١١ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: أود أن أتناول موضوع استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الإبداعي، لا من جانب النتاج الذي قُتِل بحثًا، فقد أمكن للذكاء الاصطناعي بالفعل مجاراة ومحاكاة الإبداع الإنساني في الكتابة والرسم والموسيقى والتصميم… إلى آخره من المجالات، وكل يوم يطالعنا المزيد، والمقارنات لا تهدأ، والخوف من الخطر والتهديد وفقد الوظائف لا يستكين. لكن ما أود الحديث عنه هو فعل الإبداع ذاته، أيًّا كان، كحاجة إنسانية خالصة، كفعل تشافٍ وتعافٍ واستقرار نفسي ونمو قيمي ومعرفي وثقافي مستمر.. الاستسلام لتفوّق النتاج الإلكتروني مهما بلغ، يشكّل كارثة حقيقية في هذا الجانب الفائق الحساسية والأثر. ثم إنني لا أدري عن غيري، لكن الشيء يفقد قيمته في نظري، واستشعره بلا روح ولا حياة، إذا كان من صنع الـ AI؛ لا أرغب في قراءة مقال أو رواية أو كتاب – أيًّا كان موضوعه – من هذا النتاج. أنظر إلى الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا إجمالًا كوسيلة فعّالة ومساندة، لا كمصدر تهديد وإحلال أو "احتلال".. بالذات وأكثر في الجانب الإبداعي، الذي هو وسيلتنا لنقول إننا بشر ولدينا إحساس وشعور وأسئلة وقلق وجودي يُترجَم على هيئة فن وبصمة وفعل وجداني وقول في كافة فروع الأدب ودوائره. أسّس والدي في العاصمة أبوظبي مطلع السبعينات مصنعًا رائدًا للنسيج وحياكة البشوت، استورد لأجله…
الأربعاء ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: ليس مقدّرًا لهذا المقال أن يكون ذا نبرة حيادية، لا يعلو فيه صوتي ويهبط ويتكسّر مثل موجة على شاطئ.. ذاك لأنني أتحدث عن تجربة ذاتية مع النهايات.. نهاية العام تحديدًا؛ الأسابيع الأخيرة منه، تلك التي قُدّر أن تجتمع فيها مناسبات حزينة موجعة ينفطر لها الفؤاد، وأخرى سعيدة مشوبة بالفخر والاعتزاز.. دعوات رسمية، وفعاليات، وأنشطة، ومهرجانات… وامتحانات أيضًا؛ حرفيًّا لا مجازًا، امتحانات فصل دراسي حاسم، وإجازات لها عناوين رئيسية وفرعية، ومخططات وحقائب وحجوزات وتذاكر وبرامج حافلة. وكأن كل هذا لا يكفي، لتطالعنا أيضًا تخفيضات هائلة تحمل أسماء أيام بعينها من الأسبوع مقرونة بألوان بيضاء وسوداء وبنفسجية! وحُمّى شراء وخوف من الفوات، إن لم يُصبك أصاب باقي أفراد العائلة. ثم تمامًا كما لو أن كل العزّاب تنبّهوا إلى أن ثمة قطارًا خاطفًا سيفوتهم، فتسابقوا إلى ركوبه في اللحظات الأخيرة، وليتهم فعلوا ذلك من دون إقحامك في حفلات خطبة وعقد قران وتوديع عزوبية وزفاف لا يكتمل بدونك؛ أنت الفقير إلى الله وإلى راحة بالك، وإلى حقّك في أن تشعر ببعض الفراغ والملل. الطقس أيضًا يقرّر الاحتفال بنسمات باردة، وجوّ بديع يفتح شهية حفلات الشواء والنُّزَه العائلية على مصراعيها. سأضيف إلى هذا كله حالة الشجن التي تنتابني على وجه الخصوص: أوراق جافة صفراء وبرتقالية تتساقط بكمّ هائل من الذكريات والحنين…
الأحد ٢٣ نوفمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: هل يمكن لحدثٍ رياضيٍّ سنوي فريدٍ واستثنائي واحد أن يجيب عن عدد من الأسئلة الجوهرية حول المرأة في دولة الإمارات؟ ما هي ملامح حلمها؟ وهل تنجح في تحويل الحلم إلى رؤى وأهداف قابلة للتحقيق بأرقى مستوى؟ وهل تفلح في تحقيق استدامة وتطور ونمو ومكانة هذا الحدث الفريد الذي بدأ كحلم؟ ما مقدار ما توصلت إليه من تمكين حقيقي؟ والأهم من ذلك: هل جسدت توجيهات ووصايا سمو أم الإمارات الشيخة فاطمة بنت مبارك؟ ما هي تطلعاتها الفعلية؟ وما الطريقة التي تحقق بها غاياتها؟ هل تستطيع أن تجمع بين الحداثة والأصالة؟ هل تنجح في إدارة حدث بمستوى عالمي وتفلح في التمسك بخصوصيتها وحشمتها وإرثها من القيم؟ هل تستطيع أن تبهر نفسها والعالم بحدثٍ رياضيٍّ اجتماعيٍّ أنيقٍ يُعنى بأدق التفاصيل؟ كل هذه الأسئلة وأكثر لها إجابة واحدة ناصعة هي بطولة الشيخة شيخة بنت محمد بن خالد آل نهيان للتنس SMK التي بدأت في العام 2009 كأكاديمية وبطولة تهدف إلى رعاية وتدريب وتمكين المواهب النسائية الإماراتية في التنس، لتصل بهن إلى مستوى الاحترافية العالمية، في بيئة آمنة تراعي الخصوصية. ولأن البطولة لا تتوقف عند حدود الملعب، وبما عُرف عن الشيخة شيخة من عناية بأدق التفاصيل، ومتابعة مباشرة، ووقوفٍ على عتبة الحلم حتى يتحقق وينمو ويزدهر، كانت الملامح تحكي الكثير: تنظيم…
الجمعة ١٤ نوفمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: ثمة قصة ضمن المجموعة القصصية «القط الأسود» لإدغار آلن بو، تحمل عنوان «الصندوق المستطيل». بطلها ينوي القيام برحلة بين مدينتي تشارلستون ونيويورك، وستكتشف عزيزي القارئ من السطور الأولى وببساطة مربكة، أن رحلة كهذه كانت تستغرق آنذاك عدة أسابيع بالسفينة! بل إن بطل الحكاية يذهب لتفقّد الباخرة قبل يوم كامل من الموعد، الذي يتأخر بدوره أسبوعًا كاملًا بسبب الظروف غير المناسبة! أكدت لي خرائط السيد غوغل أن رحلة كهذه تستغرق اثنتي عشرة ساعة بالسيارة في يومنا هذا، أو ما يربو عنها بساعتين على متن قطار، أو ساعة واحدة بالطائرة ضمن رحلات ميسّرة يوميًّا. يا رب السماوات والأرض، لماذا يبدو أن الزمن كان يحلو له التسكّع والتثاؤب والتمطّي بكسل في تلك الحقبة - رغم أنها مرحلة ما بعد الثورة الصناعية الثانية - ثم جنّ جنونه الآن، وصار اليوم ينتهي قبل أن يبدأ؟! تتصاعد أحداث القصة التي أظنها تدور حول الفضول والتوقعات النمطية، في قبالة الواقع الذي قد يكون أمرَّ من المرار ذاته، وبطريقة صديقي القاص الماكر إدغار، الذي يعرف دائمًا كيف يخدّر حواس القارئ ثم يباغته بخاتمة غير متوقعة. يمسكنا من أيدينا ويركبنا الباخرة ذاتها، يعرّفنا إلى البطل من خلال فضوله الفج تجاه صديقه الرسام وزوجته التي…
الثلاثاء ٠٤ نوفمبر ٢٠٢٥
لا أنتظر من الكلمات أن تكون مطواعةً عندما يتعلّق الأمر بكمّ المشاعر والحنين ودفق الذكريات التي يأتي بها مجرّد ذكر معرض الشارقة الدولي للكتاب؛ ذكرياتٌ لها لونٌ برتقاليٌّ وهاج، تختلط فيها رائحة الكتب بالقهوة وحلوى غزل البنات، وضحكاتٌ وضجيجُ أطفالٍ يحتضنون كتابهم الأوّل، وزحامٌ محبّبٌ لثقافاتٍ ولغاتٍ ولهجاتٍ وسُحناتٍ يجمعها حبّ الحرف والكلمة والكتاب. المعرض الذي ارتبط في ذهني برحلاتٍ مدرسيّةٍ إلى الإمارة الباسمة، تستقبلنا عبارتها: «ابتسم، أنت في الشارقة». يعلو قلبي ويهوي مع منحنيات جسورها، مشهد الزخارف الزرقاء في السوق الإسلامي، وروحانية منارات المساجد الوضّاءة، وخُضرة المنتزَه البهيج، ومياه الخليج الصافية التي تُكمل جلال اللوحة. هو كلّ هذا وأكثر؛ فحتى وإن كان في بدايات الثمانينات مجرّد قاعةٍ ضمّت عددًا محدودًا من دور النشر، فقد كان من الواضح والجليّ أنّه مشروعٌ مكتمل الأركان، وُجد ليبقى ولينمو، وليحقّق أهداف ورؤى سموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي قالها واضحة: «الثقافة هي الأساس في بناء الحوار الإنساني، وخلق التفاهم والوئام بين شعوب العالم كافّة، بغضّ النظر عن العِرق أو الدّين أو الجغرافيا». وها هو اليوم أحد أكبر ثلاثة معارض للكتاب على مستوى العالم، بمشاركة آلاف الناشرين من أكثر من مئة دولة، وبملايين الكتب والعناوين بلغاتٍ تتجاوز حدود الخريطة. لكن القيمة الأجمل لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بما يتركه هذا الحدث من…
الأربعاء ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: طوال أسبوعٍ كاملٍ أرقّني سؤالٌ واحد: هل حقًّا يشغلنا الغياب أكثر من الحضور؟ وإذا كانت الإجابة في حالاتٍ عديدة: نعم، فما الأسباب الكامنة وراء ذلك؟ يبدو، بطريقةٍ ما، أن في فطرة الإنسان نزعةً خفيةً تجعله لا يرى قيمة الأشياء إلا حين تفلت من يده. وكأننا لا نتقن التقدير إلا من زاوية الغياب، حين يتحوّل الحضور إلى ذكرى، ويصبح ما كان مألوفًا استثنائيًا لمجرد أنه لم يعد موجودًا. وتلك ظاهرةٌ نفسيةٌ قبل أن تكون سلوكية؛ تُرجعها دراسات علم النفس إلى ما يُعرف بـ«تكيّف المتعة» Hedonic Adaptation، وهو ميل الإنسان إلى التعود السريع على النعم والمكتسبات حتى تفقد تأثيرها العاطفي مع مرور الوقت. هل تذكر تلك اللوحةَ الرائعة الجمال التي سعيتَ لامتلاكها، وأفردتَ لها زاويةً أثيرةً في منزلك؟ كم مضى من الوقت قبل أن تغدو وتروح بجوارها دون أن تشعر بوجودها؟ وماذا عن ذاك المنتجع السياحي الذي حلمتَ بقضاء عطلتك الصيفية فيه؟ شهقتَ لجمال الإطلالة، للخُضرةِ اليانعة والمياه الرقراقة والطيور المحلّقة، لكن ما إن أمضيتَ فيه بضعةَ أيامٍ حتى ألفتَه، بل صرتَ تتأفّف من طبيعة الجو ومن طنينِ بضعِ حشراتٍ تتطاير حولك وتزعجك. كما أن ألمَ الخسارةِ أقوى نفسيًّا من متعةِ المكسب؛ أي أن فقدانَ شخصٍ أو فرصةٍ يترك أثرًا مضاعفًا مقارنةً بفرحةِ الحصول عليه في الأصل، وهو…