ناصر الظاهري
ناصر الظاهري
كاتب إماراتي

آهات من بحر الرمل

الخميس ٢٨ أبريل ٢٠١٦

الفرح في عاصمة الظبي الجميل، لا يأتي وحيداً، يأتي مخفوراً بالحب، وأصوات الأصدقاء، ولهفة الشوق، وما تخبئ حقائب الورّاقين من طروس ولفائف ورُقم، وعناوين كتب، يأتي، وأتذكره قبل خمسة وعشرين عاماً، مترادفاً وذكريات من مطر خجول، كان يبلل الخيام المغروزة في قصر الحصن القديم، يحوطه نخيل من تعب الصحراء، وحرقة ملح البحر، كان أسبوعاً كسوق عكاظ، كما تحكي لنا قصص العرب، وخراريف وادي عبقر، فيه.. وله، يقبل جهابذة اللغة، والقابضون على أسرارها، ومكنون بلاغتها، ينشدون قصائد من ماء، ومن لهب، يحضر القصاصون والرواة، والحكائون مخزّنين الدهشة، وسر الجنّيات في حكايا الليل، وما يمكن أن يغزله السرد والنثر من لغة تقتحم أسوار النشيد، وتعتلي بحوره، كاملاً، ورجزاً، ووافراً، ومديداً، وغيرها مما تعرفون، كان أسبوعاً مختلفاً، عارماً بالمحبة، واللقاء، وانتظار ما يخبئون، أولئك القادمون من بقاع العربية، ليعرضوا بضاعتهم التي لا ترد عليهم، ولا إليهم، قاصدين معرض أبوظبي القديم، وكأنه بيتهم، ومضافتهم التي تنوخ عندها ركائبهم من عام لعام. اليوم.. مضت سنوات طوال وغدا معرض أبوظبي الدولي للكتاب، مبهجاً، ويأتي ببهرجة، ورهجة، لعله الزمن الجديد، ولعلها حركة الحياة الواثبة نحو الرقمية والتلاقي عن بعد، والتواصل عبر شبكات غير مرئية، وتلك الأناقة التي تفرضها مكاتب الزجاج، والموظفون اللامعون، غاب الحمّال الأفغاني الذي يمكنه أن يعتل خمسين كيلو جراماً نتعاً، وربما قال هلّ من…

الصداع السياسي

الأحد ٢٤ أبريل ٢٠١٦

يتعرض الزعماء السياسيون لصداع يومي، وإنْ اجتهد المقربون، وحاول المساعدون امتصاص حبوب المسكنات عنهم، ليخففوا من وجع رؤوسهم، إلا أن هذا الصداع قد يتحول لمزمن، بعض من هذه الصداعات يزول الزعيم السياسي، ولا تزول، بل يورّثها للبلد، من صداعات الزعماء السياسيين: ظهور مجلة في بريطانيا قدمت جائزة لمن يكتب قصيدة هجاء في «رجب أردوغان»؛ لأنه يطالب بمحاكمة فنان ألماني «بومرمان» نظم فيه قصيدة هجاء، تحمل إسقاطات جنسية، ملف السب والقذف بحق «أردوغان» منذ أصبح رئيساً فقط، حمل نحو ألفي قضية مختلفة، أي خلال العامين المنصرمين، بمعدل قضيتين ونصف كل يوم، وهي تكفي لأن تسبب له صداعاً مزمناً! أما «الرئيس» اليمني المخلوع، الذي يصرّ أن يبقى رئيساً لليمن وللحزب وللوحدة، وللتحالف الجديد مع الحوثيين، الذي يتوسد 60 مليار دولار، أي ما يساوي الناتج المحلي الإجمالي اليمني السنوي - خلال سنوات حكمه الطويلة - جمعها من مساعدات، ودعم، وخيرات اليمن، فيبدو أن صداعه لن ينتهي؛ لأن البلدان والبنوك صكت في وجهه، وفي وجه أمواله، حيث جمدت، وصودرت، وأكلت منها الحرب الضروس! رئيسة البرازيل «ديلما روسيف» تبدو أنها تعاني الأمرّين جراء مشكلات، وصداعات وتصدعات في البرازيل لم تنته في حكم من قبلها، ولا حكمها، ولا حكم من بعدها، فهل تفضل أن تنهي صداعها اليومي، وتقرّ بهزيمة سياسية، أم تقاوم وتتحمل أوجاعها حتى انتخابات…

المليونير العربي

الإثنين ٢٨ مارس ٢٠١٦

لا أعرف ما هو السبب في تعلق العربي بالعدد الصحيح، لا المكسور، فكثيراً ما يجبر الرقم الذي يحمل كسوراً، ويبلغه للعدد الصحيح، من تلقاء نفسه، ودون أن يطلب منه أحد، فالنعاج التي يملكها، والبالغة تسع وتسعين نعجة، يزيدها نعجة مكتملة النمو، ليصبح عدد النعاج مائة، كرقم صحيح، وطمعاً في المزيد، ووقت المواعيد والانتظار عنده، إما خمس دقائق أو عشر ومضاعفاتها. وهناك شغف عند العربي بالرقم الذي يحمل ستة أصفار، وبالذات المليون، فما من رجل أعمال، وحينما تتضخم ثروته، إلا وتجده في المقابلات التي تعدها مجلات «أدفع للنشر، وأدفع لصورة الغلاف»، يبكي، وينوح، ويتذكر بحسرة أول مليون جمعه، وهو أمر كاذب، فالمليون الأول أسهل من الملايين الأخرى التي تحتاج لجهد أكبر، وتنازلات أكثر، لكن لكي يطمئن الفقراء: «أن لا يأس مع الحياة»، المهم عليهم تجميع المليون الأول، أما كيف هي الطريقة، فلا يتعدى قوله إن أباه أعطاه ورقة نقدية بمائة درهم، لتبتدئ معها رحلة كفاحه المرير، والمليون عند العربي، كأنه تاج من ذهب، رغم أن هناك أرقاماً أخرى أكثر منه، وأجمل. تقوم حشود من المتظاهرين، فيدعوها الزعيم والمتزعم العربي بـ«المليونية»، جائزة الأسواق الحرة، تصر على المليون، سواء بالعملة المحلية أو الأجنبية، «المولات» التجارية أقل جائزة سيارة، ومليون، والبنوك صاحبة بدعة «مليونير الشهر»، وهناك برنامج «من سيربح المليون»؟ و«شاعر المليون» و«شارع المليون»،…

ننظر للأمور من خلالنا

الأربعاء ١٦ مارس ٢٠١٦

نحن نتخيل الحقيقة.. لا نعرفها، لو أن امرأة جميلة وضعت شاشاً قطنياً على إحدى عينيها وأنفها، ووقفت خمس دقائق فقط على مدخل أي مركز تجاري، ترى كيف سيقرأ الناس وجهها المضمد؟ - أول رجل سيمر بسرعة، وحين يتخطاها سيكزّ قليلاً، وبشكل مفاجئ، وكأنه نسي شيئاً ما، ثم سيواصل سيره بمهل أكثر، وقلبه يحدثه بحكايات مشوشة، لكنه خجل من إعادة النظر إليها، سيمضي حاملاً تعاطفاً من نوع ما! - الفتاتان الذاهبتان للسينما، ستهمسان لبعضهما كعصفورتين، وحين تتجاوزانها، ستبدأ الأولى الضعيفة منهما ضاحكة: «خيبه شكلها داعمة جدار»، وسترد عليها الثانية مكملة الضحك: «لا.. شكله ريلّها دابغنها»! - سيمر بجانبها رجل خجول وطيب، وسيتأسف في داخله عليها حد الكدر، ويتمنى لو كان يقدر أن يساعدها لتتجاوز محنتها، سيمر كالريح الباردة جنبها، مع ارتباكة غير مفتعلة، والتفاتة سريعة دون أن يطيل، متمنياً لو أنه يقدر أن يفعل شيئاً! - المرأة المتينة ستحدثها نفسها بأمور بغيضة، وأن تلك الضمادة نتيجة خلاف زوجي مستمر، وهي بالتأكيد في طور الطلاق، وطامح من بيتها، وساكنة عند أهلها! - ثلاثة شبان من المتسكعين، مزودين بستة هواتف ذكية، سيمرون مع واجب الدعم والتشجيع لها: «خطاك الشر.. ليته في عدوك، واللي يبغضك.. والله ما تستاهلين»! - امرأة عيونها مدولبة، وذات حركة سريعة، ستمر جنبها مثل البرق، ثم ستعود راجعة على مهل،…

جدلية الفقر

السبت ١٢ مارس ٢٠١٦

من الصعب معرفة أول فقير على ظهر هذه البسيطة، والأصعب أن نعطي مواصفات لآخر فقير عليها، مسألة الفقر نسبية، وتختلف من مكان ومن زمان، هل الأصل في الأمور والأشياء هي الفقر، والغنى أمر لاحق؟ ربما، والإنسان وحده يدّب على تلك الأرض اللينة في أول خطواته التي يرى فيها أثره، كانت يومها المعادلة متساوية بين الفقر والغنى، فقير للوحدة، وقلة الإمكانيات، فقير للتجربة، وفي الوقت نفسه غني، فكل الأرض مشاع له، وكل الأمور طوع يديه، والأرض رحبة له، ولا محدودية للتملك، متى بدأ خط الفقر، وخط الغنى يظهر، أول ما ظهر حينما عرف الإنسان الأنانية، والغيرة والحسد، وعرف حب التملك، وعرف كيف يقتل، بعدها من كان يملك قطيع ماشية، كان غنياً بعرف ذاك الوقت، ثم أصبح من يملك سلاحاً يحارب به ويصطاد به، ولديه كهف هو الغني، ثم جاء زمن الغني يميز عن الفقير بمقدار ما لديه من القوة والسلطة، والنساء والذرية، ثم اختلفت الأمور بتغير الزمن، فغدا الغني الحقيقي من يملك السحر، وسطوة الدين، وما يبثه في نفوس الناس، من ترغيب أو ترهيب، حتى استأثر بمأمورية الحاكم بأمر الله، ثم تطور الإنسان في بعض الحضارات فصار الغني، من لديه المعرفة والحكمة، والفقير هو الجاهل، من هنا انقلبت الموازين من جديد فصار الغنى المادي والغنى المعنوي، لكن اكتشاف المعادن، والتخلي عن…

تذكرة.. وحقيبة سفر -1-

الجمعة ٣٠ أكتوبر ٢٠١٥

هي صورة قديمة اتخذت لنا، نحن مجموعة من السياح ذات نهار عند قلعة «هايدلبيرغ» الألمانية، الواقعة على نهر الـ «نيكر»، وعلى سفوح جبل «Königstuhl»، أو «كرسي الملك»، والذي استغرق بناؤها من عام (1400 - 1619)، ويوجد في قبوها أكبر برميل للنبيذ في العالم، يصل حجمه إلى 220 ألف لتر. تبدو اليوم الصورة باهتة قليلاً، وتميل للبني الفاتح، والتي حظي كل منا بنسخة منها مقابل «ثلاث ماركات» في حينها، وبالاتفاق بين الشركة السياحية، ومصور الساحة، والذي يدفع ضريبته بانتظام للبلدية، كان وقتها في الستين ويزيد، ويستعمل كاميرا ألمانية بالتأكيد «هاسلبلاد»، وفلماً من المقاس العريض. جلوساً من الجهة اليمنى ياباني وزوجته، وأبوها الذي كان يعتمد على كرسي متحرك، وأجزم أنهما ما زالا يهرمان مع بعضهما، بعدما ودعها أبوها بعد تلك الرحلة بسنوات، أو دخل دار العجزة باختياره، تاركاً لهما متنفساً في البيت العائلي الذي بالكاد يفي بالحد، زوجان من أميركا اللاتينية، يبدو الرجل متزوجاً متأخراً بفتاة تصغره، ويبدو أنه زواجه الثاني، بعد فشل واضح من الزواج الذي كان معتقداً أنه عن حب، ثمة خيانة مخفية في المسألة، بدليل استعلائه على الزوجة الجديدة، وتعامله معها بفحولة كاذبة، وحقيقة لا أعتقد أنهما معاً حتى الآن، فلا الفتاة كانت مقتنعة كثيراً، ولا هو كان ينشد بيتاً عائلياً، باكستاني شاب مع زوجته الجميلة، المتحنية، والوحيدة التي…

أماني العيد

الخميس ٢٤ سبتمبر ٢٠١٥

* أول الأمنيات نزفها للوطن الإمارات، منبت الخير، والمحبة، ودار الود، والأمان على الجميع، يحق لها في هذه الأيام المباركة أن تهجع لتعيش فرحتها، فقد كانت أياماً صعبة من الصبر، والاحتساب، ومكابدة الألم من أجل أهداف أسمى وأغلى، أمنية العيد أن تبقى أيها الوطن سعيداً بأناسك المخلصين، مواطنين ومقيمين، ولا نفرق، فالجميع تحت سماء الإمارات يرفعون راية الحب، وينبذون الشر، ومعنى الكراهية، وأن يُغدر بالإنسان. * ثاني الأمنيات للقائد صاحب السمو الشيخ خليفة، رئيس دولتنا، وتاج رؤوسنا، به نفخر، وله نلبي، داعين له بدوام الصحة، وموفور العافية، ويمده الله بعونه، ويسدد بالخير خطاه، وأن يرعاه، ويجعل طائره السعد، وضحكته الوعد، وله ومنا صادق العهد. * ثالث الأماني لأصحاب الشرف والسمو، الشيخ محمد بن راشد، والشيخ محمد بن زايد وإخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات، ليعيد عليهم العيد، وهم يرفلون بأثواب الصحة، ونعيم السكينة والطمأنينة، وأن يديم الخير الذي له يسعون، والكرامة للوطن والناس التي ينشدون، لهم التوفيق والرعاية والعون من المولى الكريم، والسند والعضد من أناسهم الذين راهنوا عليهم، وبرهنوا لهم. * رابع الأماني لأهل الوطن الطيبين، أولئك الذين ما زالوا يعني لهم الوطن كل هذه التضحيات، وكل صعاب الوقت، والتعب، وتخطي الملمات، من أجل أن تكون الإمارات هنا.. وهنا، وهناك، عوناً للأخ، وسنداً للشقيق، وذخراً للصديق. * خامس…

خميسيات

الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠١٥

من الأمور التي تضايق الكثيرين تلك الطاولة التي تضلع ما أن تحاول أن تجلس حولها، وتكون قد تكبدت عناء حجزها، واختيار زاويتها ومكانها في مطعم أو مقهى، تقول إنها تظهر للواحد في الحظ، وأعرف صديقاً هولندياً، ممن تعدوا الستين، وممن يعشقون جلسة المقاهي بعد تقاعده، ويتفنن في اختيار مطاعم العشاء، وتثيره مثل تلك الطاولة التي تترجرج، ولا تجلس مستقيمة للحظة، وتظل تهبع كلما وضعت مرفقك عليها، ومرات تظل أنت ومن تجلس أمامك، وحولك تحاولون جاهدين إصلاح الأمور، لكن دون فائدة، فيأتي النادل، ويصلحها بوضع أي شيء تحت رجلها، ولا يعتذر، صديقي الهولندي هذا لا يذهب إلى مطعم أو مقهى دون أن يحمل في جيبه خشبة صغيرة لإصلاح طاولته التي تتمايل، وإن كانت طاولته صحيحة، وطاولة جيرانه في المقهى ترقص، قام وتبرع من نفسه، وأخرج تلك الخشبة من جيب معطفه، وزرعها تحت رجل الطاولة، ولقد تعجب منه، كيف له كل هذا الصبر، ودائماً أقول: «أش كاظنه على هالنشبة»، لكن مرات أقول: «بصراحة أنا ما صادقته إلا علشان تلك الخشبة»! مررت في إحدى العواصم الأوروبية بمجمع سكني جميل، عمارات شاهقة، ومحاطة بالأشجار، والحدائق الغناء، وأشبه بأي حي راق يتمنى الإنسان سكناه، فسألت سائق السيارة، بكم يباع هنا المتر المربع؟ ليس من أجل الشراء، ولكن من باب الفضول، ولكي أتشارك مع السائق في…

داعش ضد الصليبيين

الثلاثاء ٢٨ أكتوبر ٢٠١٤

عد المباراة المفرحة قبل يومين، قلنا نتسلى مع ريال مدريد، ونترك برشلونة يرتاح من معاناته، ماذا لو أن داعش شكلت فريقاً لكرة القدم؟ وتريد أن تتحدى العالم بأثر رجعي، تاريخي، وتم إقناع ريال مدريد بتلك المباراة التي سيصير ريعها إن فاز للأعمال الخيرية، وتم إقناع داعش بأهمية المباراة كون الفريق، هو بقايا محاكم التفتيش، وإن فازت، فسيذهب الريع لدعم الإرهاب، فاشترطوا أن يكون الحكم تركياً، على أساس أن الأتراك لا يغشون، وأقنعنا «بلاتر» بأن هذه المباراة ستثبت اسمه كرئيس وحيد للـ«فيفا» للأبد، فقط أن يتبنى الاتحاد المباراة دولياً، وأن يسمح للاعبي داعش أن ينزلوا بالسراويل الطويلة، وأرقام فانيلاتهم بالعربية، والتي سيصعب على الحكم التركي قراءتها بوضوح، كونه نسيها الأتراك منذ أيام تتريك أتاتورك، طبعاً لاعبو داعش لن يراقبوا «رونالدو»، ولن يضعوا خططاً تكتيكية للحد من خطورته، باعتبار أن البرتغال خارج اللعبة السياسية، وسيهملون مراقبة الأجنحة البرازيلية، على أساس أنهم من المستضعفين في الأرض، وسيركزون على ذي اللحية الصهباء، والأوشام «راموس»، كونه صليبياً لاشك، وأن أهله عاثوا يوماً في ديار الإسلام، وسينظرون شزراً لـ«بن زيمة»، كونه من المتعاونين مع الإفرنج، طبعاً فريق برشلونة سيشجع النادي الملكي لأول مرة، وآخر مرة في حياته، وسيسمح الحكم بالإشارات للاعبي داعش، دليل التحذير، والحرب النفسية تجاه فريق العدو، كتمرير اليد على الرقبة، والتوعد بسبي زوجات…

كان حبره أسود.. فكيف يرسم قوس قزح؟

الأربعاء ٢٦ مارس ٢٠١٤

فقط أسبوع بين تكريمه في معهد العالم العربي بباريس، والذي جاءه رغم اشتداد مرضه، ونصائح طبيبه، على كرسي مدولب، تدفعه أم ريّا، كأي امرأة صابرة من بغداد، ورحيله مختتماً الثمانين، عافّاً عن قول زهير ابن أبي سلمى من يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم، فقد كان محبّاً للحياة، ودوداً لألوانها، عشق الحرف، فعرف النور والتجلي، استهوته الكلمات، فأدرك معنى الكلم، وما يسطرون، هو شاعر، وأديب، وخطاط، ورسام، مترادفات ليست متفرقة، إنما هي تشكيل حروفي ولوني، لا يمكن أن ينبئك إلا أنه الصكّار، والصكّار وحده، سأفتقد ذلك الحضور للظل البارد الذي يرافقك كلما ضمتنا أمكنة في باريس، سأفتقد تلك الأشعار، والخواطر الإخوانية، والتي تتعب أن تجدها في بطون الكتب، سأفتقد النكتة «الجاحظية» تلك التي تسربّها طرقات البصرة، وحوانيت بغداد، سأفتقد ذاك المتيم في الحياة، والذي قال لطبيبه الفرنسي مرة: إن أغلقت عليّ باباً، سأجد شبّاكاً لأتنفس، فرقّ له الطبيب، وقال له: مثلك من يوعظ الأطباء لكي يغتنموا الحياة، سأفتقد ذاك الوجه الشائخ مثل بشرة طفل لا يكبر، ويداً برقة مسلك الحرير، وإن صافحتك برجفة العمر، غير أنها الدفء والإخلاص، ولم تعرف الخنجر، سأفتقد تلك الرائحة من مسك عربي يحضر قبله، ويبقى في المكان، وفي الذاكرة بعده، سأفتقد بحق إنساناً عاش، ومات، ولم يعرف الأذى! الصكّار.. رحل، ولتكتفي بغداد بالتأبين، ولطم…