توفيق السيف
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

لولا الخلاف في الدين لضاع العلم والدين

الأربعاء ٢٩ ديسمبر ٢٠٢١

ذكرتُ في مقال سابق، أنَّ فقهاءَ الشريعة، تختلف آراؤهم في الموضوع الواحد، كما تختلف أحكامُ القضاة في القضية الواحدة. وهكذا الأمر عند مفسري القرآن وعلماء الطبيعيات والهندسة، بل كل علم يعرفه الإنسان. لولا الخلافُ في المواقف لسادت الأحادية، وتحول المجتمعُ البشري إلى ما يشبه مجتمع النحل. ولولا تقبلُ العقلاء الاختلافَ في الرأي والاجتهاد، لانجبر الناس في طريق واحدة، ومات العلم. الخلاف والاختلاف هما الماء الذي تحيا به شجرةُ العلم. هل ينطبق هذا المبدأ على علوم الدين أيضاً؟ نعم، بطبيعة الحال. لكن لماذا هذا السؤال؟ السبب الأول للسؤال هو الاختلاط المشهود بين ما هو علميٌّ بحت وما هو مقدس؛ الأمر الذي يجعل البحثَ العلمي المحايد في غاية العسر. ولهذا يواجه دعاةُ الإصلاح والتفكير الديني الجديد عنتاً شديداً، حين يحاولون استعمال المناهج الجديدة في البحث العلمي، وهي مناهج تتعامل مع قضايا العلم وأدلتها من زاوية تقنية أو وظيفية بحتة، ولا تعبأ بالجانب المقدس في موضوع البحث. من عوامل التأخر في علوم الشريعة، الخوفُ من خرق المقدسات. وهو قد يكون خوفاً صحيحاً، أو ربما مجرد وهم. أما السبب الثاني، فهو اعتقاد كثيرٍ من عامة الناس، بأنَّ ما يسمعونه من الخطيب أو الفقيه، وما يقرأونه في كتب الفقه، هو نفس ما قاله النبي أو صحابتُه الذين سمعوا منه. وإذا كان ثمة اختلافٌ، فهو قصر…

هكذا نتغيَّر… مختارين أو مرغمين

الأربعاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢١

سألني أحدُ الأعزاء عن تأثير التكنولوجيا على الهوية الفردية: ما طبيعة هذا التأثير وكيف يحدث، وهل لنا يدٌ في تحديد اتجاهاته وانعكاساته؟ وكنت قد لاحظت في كتابة سابقة أنَّ هذه المسألة تُعامَل بنوع من الاستخفاف. ولذا فهي لا تُدرس بعناية، ولا تُعامل من جانب الباحثين المحليين كتحدٍّ جديٍّ أو داهم. هناك أيضاً من يحصر المسألة في تأثر الشباب بسلوكيات المجتمعات التي يتواصلون معها ثقافياً، من خلال الإنترنت أو الإعلام المرئي أو السفر، ولا ينظر إلى التحول الذهني الذي يحفر في العمق. حسناً. دعنا نضع النقاط على الحروف: من حيث المبدأ نحن لا نتحدَّث عن تطور تكنولوجي منفرد، أو معزول في جوانب معينة من الاقتصاد. صحيح أنَّ علاقتنا بالتقنية مقصورة على استعمال منتجاتها، فنحن لا نشارك في إنتاجها أو تطويرها. مع ذلك فإنَّ هذا الاستعمال لا يجري في فراغ، بل هو جزءٌ من نمط معيشي/ اقتصادي جديد، وهو يشير إلى قدر من المعرفة بطبيعة هذه التقنية وحدودها، واستعداد (نفسي) للتنازل عن التزامات، كانت تبدو في الماضي ضرورية جداً. ومثالها البسيط هو تقبل امتلاك الشاب والفتاة لهاتف خاص لا يخضع لرقابة العائلة، وهو أمرٌ لم يكن متاحاً في الماضي، سيَّما بالنسبة للفتيات (الواقع أنَّه ما زال مشكلة وسبباً للنزاع في وسط العائلات الأشد تحفظاً). إنَّ التقنية لا تأتي منفردة. فهي تعبيرٌ عن…

نموذج مجتمع النحل

الأربعاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢١

أظنُّ أنَّ مفهومَ «بناء الدولة» مألوفٌ لدى غالبية دارسي العلوم السياسية، وربما غيرهم أيضاً. وفيما مضى كنت أحسب أنَّ محور هذه الفكرة، هو إقامة جهاز إداري متماسك وفعَّال، كي يستثمر مصادر قوة الدولة أو يعيد تأهيلها أو يخلق مصادر جديدة. لكن أستاذي البروفسور جون كين، كان مرتاباً جداً في هذه الفكرة. وهو يقول إنَّ النظام الاجتماعي الذي يقام على هذا الأساس، أقرب إلى هرم مقلوب، يعتمد ثباته على القوة الشخصية للزعيم. خذ مثلاً جوزف ستالين (1878 - 1953) الذي أعاد بناء الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية، وحوَّله إلى دولة عظمى. خذ أيضاً مثال ماوتسي تونغ (1893 - 1976) الذي حوَّل الصين من بلد يموت مئات الآلاف من سكانه بسبب الجوع في كل عام، إلى بلد هو الأسرع نمواً في العالم. ويمكن أن نضرب مثلاً بأدولف هتلر، والعديد من الزعماء الأقوياء الذين نجحوا في إحداث تحولات عميقة جداً في بلدانهم، خلال فترة قصيرة. يعتقد البروفسور كين أنَّ هذا النموذج الباهر، قصير الأمد. البناء الذي أقامه ستالين تفكك وانهار خلال خمسة عقود. ونموذج ماوتسي تونغ نجح اقتصادياً، لكنه حوَّل المجتمع الصيني إلى شبه معسكر مترامي الأطراف. ولذا سرعان ما تنكَّر له خلفاؤه. مشكلة هذه النماذج تكمن في إيمانها بمثال «مجتمع النحل»، حيث يسود النظام الكامل الشامل، الذي لا يتخلّف عنه أحد.…

جدل اليوم وكل يوم

الأربعاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢١

أكثر الجدالات سخونةً في العالم العربي اليوم، يتناول دور الدين في الحياة العامة، وعلى الخصوص في إدارة الدولة وعملها اليومي. لكل بلد عربي قائمته الخاصة من الأزمات الصغيرة أو الكبيرة، من الفقر إلى البطالة واضطراب الأمن وتعثر النمو، وضعف المشاركة السياسية وغياب الحريات المدنية...إلخ. ومع كل هذه المشكلات، فإن ما يسمى «الإسلام السياسي» بشعاراته وشخوصه وجماعاته وتاريخه، ما زال مادة أثيرة للجدل، بل لا أبالغ لو قلت إنَّه يفوق كل الأزمات الأخرى، في جاذبيته لاهتمام الجمهور ونخبته على السواء. وإن أردت التحقق من صدقية هذا القول، فانظر مواقع التواصل الاجتماعي في أي قطر عربي، أو انظر صحافته، وسترى أنَّه نادراً ما تخلو صحيفة من أخبار أو نقاشات تتصل بـ«الإسلام السياسي». تضخم اهتمام الناس على هذا النحو، لا يعني بالضرورة أنهم يشبعون الموضوع بحثاً وتحليلاً، بل على العكس تماماً: فهذا نوع من القضايا التي كلما زاد الكلام فيها، زاد غموضها واختفت معالمها، وتعددت مذاهبها، فلا يمكن لخبير طرقها، من دون أن يقابل من يعرقل سعيه أو يستشكل عليه بما يصح وما لا يصح، فضلاً عن اتهامه في مكنونات نفسه ونواياه. ومن هنا بات النقاش فيها أقرب إلى السير على الشوك. وقد لفت نظري هذا الأسبوع ما قاله الأستاذ يوسف أبا الخيل، الكاتب السعودي المعروف، فقد كتب أولاً على «تويتر»، منصة التواصل…

الأسئلة التي تزيدنا جهلاً

الأربعاء ٠٨ سبتمبر ٢٠٢١

قبل تسعين عاماً أصدر الأمير شكيب أرسلان كتابه الشهير «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟». ويذكر في قصة الكتاب، أنَّه جاء استجابة لنقاشات دارت في تلك الأيام، على خلفية التحدي الأوروبي للعالم الإسلامي، في مجال العلم والاختراع والقوة العسكرية والاقتصادية، وغيرها. خلال ربع القرن الأخير وُلدت أسئلة جديدة، وتبيَّن أن سؤال الأمير شكيب أقام سياقاً، هو بذاته مُشكل. ولهذا؛ لم نستفد منه في إثارة نقاش جاد، بل تحول إلى وسيلة تنفيس عن القهر. بيان ذلك: أن سياق النقاش افترض مسبقاً أن التأخر والتقدم مرتبطان بالدين، تبعاً للدعوة الأوروبية إلى العلمانية. وقد ردَّت النخبة المسلمة على هذا الادعاء، بتنزيه الإسلام عن التخلف أو التسبب فيه. وقد بدا لي من دراسة تلك النقاشات، أن موضوع الجدل يومئذ هو «الهوية» وليس «الدين»، أي الإسلام باعتباره عنوانَ انتماءٍ ورابطة بين أتباعه. لم يكن لمسألة التقدم كبير شأن في تلك النقاشات، فقد انحصرت في الرد على دعاوى الغرب ومساعيه للنفوذ في العالم الإسلامي. وتبعاً لذلك؛ تحول موضوع التقدم إلى عنوان للجدل في موضوع مختلف تماماً، هو علاقة المسلمين بالغرب. أدَّى الاختلاط بين هذين النقاشين، إلى إهمال تام لمسألة التقدم كموضوع مستقل، له شروطه وحاجاته وسياقه الخاص. وأظنُّ أنَّ هذا كان من اعظم الرزايا التي ابتُلي بها العرب والمسلمون، في حاضرهم وماضيهم. فحين تهمل مسألة التقدم، فإنَّك…

البلاد بوصفها «مسرح العرائس»

الأربعاء ٢١ يوليو ٢٠٢١

أسهلُ الكلام هو اتهامُ الأفغان بأنهم دمى تحركهم أيادٍ أجنبية، وأن صراعاتهم كلها حروبٌ بالوكالة. ومثله في السهولة اتهامُ السوريين والليبيين. إني لا أنفي وجود أياد أجنبية في أي مكان. ولا أنفي أنها تؤثر، ولولا أنها مؤثرة لما التفت إليها أحد. لعل بعضنا يعرف أن القضاء الأميركي ما زال يحقق في «أياد روسية» حاولت التأثير في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. فإذا وصل الأمر إلى واشنطن؛ فإن كابل أيسر مؤونة. رغم هذا؛ فإن إطلاق القول على هذا النحو مدعاةٌ للسخرية. ولهذا يميز طلبة العلوم السياسية، سيما الذين تدربوا على دراسة الحقل المشترك بين العلاقات الدولية وإدارة الأزمات، بين قيام الأجنبي بـ«خلق أزمة» وقيام الأجنبي بـ«استثمار أزمة؛ نشطة أو خاملة». أعرف حالات قليلة جداً شهدت نجاح الأيادي الأجنبية في خلق أزمات أدت إلى صراع أهلي. لكن معظم حالات الصراع الأهلي تطور عن تأزمات داخلية، فشل أطرافُها في معالجتها على نحو سليم، فنشأ فراغ أمني أو فراغ سياسي، مهد الطريق للتدخل الأجنبي. ما الداعي لهذا الحديث اليوم؟ أعلم أن انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، والتوسع المفاجئ لحركة «طالبان»، سوف يجتذب اهتمام القراء. ولا بد من أنه سيحرك كثيراً من النقاشات. فأردت استثمار المناسبة للكشف عمّا أظنه عيباً جوهرياً في الثقافة السياسية السائدة بين العرب المعاصرين وبعض جيرانهم المسلمين. هذا العيب هو ببساطة «احتقار الذات»،…

المسألة القومية واستقلال الفرد

الأربعاء ٠٣ فبراير ٢٠٢١

قصة القومية والوطنية، ومعظم الجدالات الدائرة حولها، هي قصة المسافة بين نظامين اجتماعيين: نظام يقدس استقلال الفرد، ويتجسد الآن في التيار العام لليبرالية، في مقابل نظام يقدس الجماعة ولا ينظر للفرد إلا من زاوية انتمائه إليها. وهو نظام يجسده - ولو على نطاق مصغر - القول الشائع عندنا «وش ترجع؟»، وهو سؤال معناه: إلى أي جماعة تنتمي؟ ويقال عادة بقصد تحديد المسافة بين السائل ومن يتلقى السؤال. الجدل حول مكانة الفرد قديم في الفلسفة. وربما يكون قد بدأ مع مقولة أرسطو الشهيرة «الإنسان حيوان اجتماعي»، أو «حيوان سياسي» كما ذكر في مكان آخر. ومقصود هذا الفيلسوف الكبير أن فضائل الإنسان وقابلياته لا تتبلور ولا تنمو خارج الجماعة. ومن ذلك مثلاً أن اللغة والقابلية للكلام، هي صلة الوصل بين الفرد وعالمه، فبقدر استعمالها ينشط عقله وتزداد قدرته على فهم العالم. ولو اعتزل العالم وعاش في صحراء، أو نشأ بين حيوانات الغابة، فقد ينمو متوحشاً أو شبيهاً بالمتوحشين، ولن يكتشف الطريق إلى الكمال الإنساني. لهذه الفكرة مكان محوري في نظرية أرسطو السياسية، لا سيما توصيفه لمفهوم المجتمع والمدينة، وجوهر الرابطة التي تربط بين أعضائها. لقد ركز أرسطو على محور التكليف، فقرر أن المجتمع الفاضل هو الذي يقوم كل عضو فيه بواجباته، ولا يطالب بتغيير دوره أو مكانته، لأن قيامه بواجباته يسهل على…

أن تنتمي إلى قوم بعينهم

الأربعاء ١٣ يناير ٢٠٢١

إذا كنت قد زرت مدينة لوس أنجليس في الولايات المتحدة الأميركية، فلعلك سمعت بالحي الصيني (أو المدينة الصينية كما تسمى هناك). وإذا أتيح لك المكث برهة في العاصمة البريطانية، فسوف تسمع عن أحياء مثل ساوثهول أو ألبرتون، التي تسمى – تلطفاً - «بومباي الصغرى». ولهذه الأحياء نظائر في معظم المدن الكبرى في أوروبا الغربية. وهو ما يشير إلى انجذاب البشر إلى شركائهم في الثقافة أو الهموم أو أسلوب المعيشة. لا نحتاج للتدليل على أن الانتماء الديني أو القومي يؤلف رابطاً بين أتباعه، مهما اختلفت أمصارهم وثقافاتهم. حين تكون في بلد أجنبي، فيلفت نظرك اسم بعينه أو لباس أو مظهر شخصي، فإن ما لفت انتباهك في الحقيقة، هو مقدار ما يشير إليه ذلك الاسم أو اللباس من علاقة بقومك، أي كونه منهم أو كونه عدواً لهم. وهذا بذاته مؤشر على كون الانتماء إلى قوم بعينهم، واحداً من حقائق الحياة المحددة لمشاعر الإنسان ورؤيته للعالم. في وقت سابق تساءل باحثون: هل هذه الحقيقة دليل على أن الشعور القومي طبيعي، أم هو نتاج للتربية العائلية والاجتماعية؟ الفرق بين هذا وذاك أن الشعور الطبيعي يعني أن الإنسان لا يتدخل في إنشائه أو تحديد مستواه، بل يجد نفسه جزءاً منه، لا يمكنه الانفكاك. بينما ينسبه الرأي الثاني إلى تأثير البيئة المحيطة، تماماً مثل اللغة والمعارف…

أسئلة اليوم غير أسئلة الأمس

الأربعاء ٢٣ ديسمبر ٢٠٢٠

  مرت علينا هذا الأسبوع الذكرى الأولى لرحيل العلامة محمد شحرور، المفكر المفسر الذي أطلق موجات ضخمة من النقاش حول مفاهيم استقرت قرونا متوالية. غرضي ليس تبجيل المرحوم شحرور، مع أنه جدير به. قد يؤدي تمجيد الأشخاص إلى تصنيمهم، بحيث يمسي عسيرا تجاوز آرائهم. إن قيمة المفكر رهن بما يفتح من آفاق جديدة، تمكن المتلقي من تجاوز موقعه في تاريخ المعرفة. كما لا أنوي تكرار الآراء القيمة للمرحوم، فهي منشورة ومشهورة. ما يهمني حقا هو تفصيح الفكرة التي ربما لم يصرح بها، لكنها تلوح للمتأمل بين السطور أو في النهايات غير الواضحة. لقد أشرت في مقالات سابقة إلى ما ظننته عناصر رئيسية في تفكير المرحوم شحرور، وبينها باختصار شديد: أ) إن الحياة تجربة، وب) إن الدين يعالج جانبا من قضايا الحياة، كما إن العلم يعالج جانبا آخر، والفن يعالج جانبا ثالثا، وكذا الأخلاق والأسطورة. وت) إن الإنسان – كل إنسان – شريك فاعل/ متفاعل في تلك التجربة، في تطوير مساراتها ونتائجها. ربما أعود إلى هذه المسائل في مقالات لاحقة إن شاء الله. لكنني أريد تخصيص ما تبقى من مساحة، لتوضيح سؤال تكرر كثيرا في الأشهر التالية لوفاة شحرور، سؤال: كيف توصل شحرور إلى هذه الآراء، مع أن المئات من مفسري القرآن وعلماء اللغة وغيرهم لم يقل بها قبله. وهذا يستبطن…

في انتظار عيد الميلاد المجيد

الأربعاء ١٦ ديسمبر ٢٠٢٠

الأسبوع الأخير من العام الميلادي هو الأسبوع العالمي للسعادة والسرور. المسيحيون يحتفلون بذكرى ميلاد السيد المسيح، وغيرهم ‏يحتفل بالعام الجديد. وبقية الناس يتفرجون على هذا الحراك البهيج، مسرورين بهذا المهرجان الكوني.‏ أنا واحد من أقلية صغيرة على مستوى العالم، اختارت هذه المناسبة على وجه الخصوص، كي تشغل نفسها بتكرار الجدل القديم الذي عنوانه‏: هل يجوز تهنئة النصارى بيوم الميلاد وسائر الأيام التي يتخذونها مناسبات للسعادة العامة؟ إني واثق تماماً أنكم ستسمعون من يذكركم بهذه المسألة العتيقة في الأسبوع القادم. هذه عادة ابتدعناها ثم استأنسنا بتكرارها في نهاية كل عام. وقد زاد التأكيد عليها خلال نصف ‏القرن الأخير، حتى بات الواحد منا يظن أن أسلافنا ما كان يشغلهم شيء في مثل هذه الأيام، سوى التأكيد مجدداً على الحدود الفاصلة ‏بينهم وبين جيرانهم المسيحيين.‏ أما الداعي لهذا الحديث، فهو رغبتي في دعوة القراء الأعزاء للتخلي عن هذه العادة التي رسختها نزاعات السياسة، حتى غدت ديناً أو شبه دين. والصحيح أن العلاقة بين بني آدم ليست مسألة دينية على الإطلاق. بل هي مسألة أخلاقية بسيطة، يدرك كل العقلاء موقعها من سلم القيم وحكمها الأخلاقي. كلنا نفهم بالفطرة أن الله خلق البشر كي يتعارفوا ويتعايشوا بالمعروف. وحين يكون جارك مختلفاً عنك، فالأولى أن تداريه وتحسن إليه، مهما كان دينه أو عرقه أو لونه. وإذا…

حول أزمة الهوية

الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠

هذه تكملة لمقال الأسبوع الماضي، الذي تعرضت فيه لما ظننتُه هوية متأزمة، يعانيها كثيرٌ من المسلمين المعاصرين، لا سيما هؤلاء الذين استوطنوا في أوروبا، حيث الثقافة والأعراف غير ما عرفوه في بلدانهم، أو ما ظنوه أصدقَ تمثيلاً لمرادات الدين الحنيف. كتبت مراراً عن مشكلة الهوية في السنوات الماضية. وظننت أنها باتت مفهوماً واضحاً لغالبية الناس. لكن النقاشات التي اطلعت عليها هذه الأيام، أوضحت لي أن الغموض المحيط بالفكرة ما زال كما تركته قبل بضع سنين. ليس هذا بالأمر الغريب، فمفهوم «الهوية» جديد على الثقافة العربية، ولو راجعت المعاجم القديمة لما وجدت له عيناً ولا أثراً. إنه مثالٌ عن مئات التعابير التي نتداولها ونظنها عربية صميمة. لكنها ليست كذلك، فهي مستوردة من إطار معرفي مختلف. ولهذا فإن حمولتها المفهومية والقيمية متباينة بين شخص وآخر، تبعاً لقبوله بمغازيها. وكنت قد التفت لهذه المشكلة، حين وجدتُ من يدعو الناس لاختيار حرج بين الدين والوطنية والقومية، ووجدتُ الناس مضطرين للقول بأنهم مسلمون فقط أو مسلمون أولاً، خشية أن يكون القول بالهويات الثلاث معاً، خادشاً لصفاء الاعتقاد. هذا الشعور المرتبك يكشف جانباً من مشكلة الهوية التي يعانيها المسلم اليوم. وهي قليلة الخطورة في ظني، مع أنها تثير التباساً غير محمود. إنها مشكلة نظرية، فردية غالباً. أما الجانب الأصعب من المشكل، فيتجسد في حالة المسلمين الذين…

اليوم الوطني… قصة مدينة

الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠

أرى في صديقي الأستاذ فرحان الشمري، نموذجاً صادقاً للسعودية الجديدة، التي تتحرَّك بخطى واثقة، نحو حداثة لا تُنكر الماضي ولا تخجل منه. يعيش فرحان في مدينة الجبيل الصناعية، حيث يتعامل يومياً مع سعوديين من مناطق مختلفة، ومع وافدين جاءوا من كل بلد تقريباً على امتداد الكرة الأرضية. في الجبيل لا يرى هذا الصديق الأغنام التي كانت محور انشغالاته في الماضي، بل يرى المصانع والمحركات وتمظهرات التقنية الحديثة. تنوع البشر الذين يراهم كلَّ يوم، يدعوه للتفكير في مكانه وسط مدينة من هذا النوع، والمحركات التي يسمع ضجيجها كل يوم تدعوه للتأمل في نمط اقتصاد على هذه الشاكلة. إذا رأيت فرحان للمرة الأولى، فسوف يشدُّ انتباهَك ذقنُه الطويل الأشيب، الذي يظنُّه الناظر علامة على التمسك بتقاليد السلف وعاداتهم ومظهرهم. والحق أنَّ الشمري يحمل هوية مركبة، فهو بدوي - حضري، سلفي - متجدد، يحترم التقاليد، لكنه يعيش ويفكر في سياق أقرب إلى الحداثة. لم ينسَ ذكريات القرية الواقعة على حافة الصحراء. لكنَّه أيضاً لا يرغب في العودة إلى نمط العيش الذي كان سائداً فيها. إنَّه يعيد صياغة هويته انطلاقاً من اللحظة الحاضرة. وهو يفكر في مستقبله، أي في صورته الآتية، انطلاقاً من معطيات المدينة التي يريد مواصلة العيش فيها، مع علمه بأنَّ قراراً كهذا سيؤدي بالضرورة إلى تهميش مؤقت أو دائم، للجانب القروي…