د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد
د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد
كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

المُعلِّم والتعليم

الجمعة ١٣ أكتوبر ٢٠١٧

يحتفل العالم بيوم المعلم احتفال تكريم وتقدير لمن ينشِّئُ الأجيال، ويبني المستقبل، ويجعل الإنسان بالمستوى اللائق بتكريم الله تعالى له، فقد كان العلم مناط تكريمه، وسبب تميزه في الأرض المستخلَف فيها، حتى على الملائكة الأكرمين، فالعالَم يعرف هذا، ويعرف أن تقدم الشعوب والدول رهن بيد المعلم، لأن الإنسان خلق وهو لا يعلم شيئاً، فجعل فيه خالقه سبحانه خاصية تعلم المعارف المختلفة، لذلك أمره بأن يتعلم بصيغة «اعلموا» و«اعلم» ونظائرهما في المعنى، ليعرف الإنسان بعلمه ما له وما عليه، وما وظيفته في هذه الحياة، فإن الله تعالى لم يخلقه عبثاً، بل لحكمة أرادها خفيت على الملائكة الكرام. وقد أودع الله تعالى بعض أسرار كونه في معارف معيَّنة، دعا الناس إلى كسبها والاستزادة منها، وأنهم مهما بلغوا من العلم والمعارف فإنها تعتبر نزراً يسيراً بجانب ما يخفى عليهم، والذين يرشدون إلى تلك المعارف هم العلماء المعلمون الذين يفتحون أسرار العلوم للناس جيلاً بعد جيل. وقد وصلت المعارف اليوم إلى حال لم يكن مثلها في السابق، من حيث الاستكشاف وتحقيق نتائج باهرة ظاهرة، جعلت العقلاء يخرون للأذقان سجداً لله تعالى على عظيم خلقه، وبديع صنعه، وتسخير كونه لعباده. والمعلم هو مفتاح كل خير، وباب كل رُقِيٍّ، فحُق له أن يكون في المحل اللائق بين تلاميذه وجميع مجتمعه، وقد نوَّهت الشريعة الإسلامية بمكانته تنويهاً…

وظيفة العشر

الجمعة ٢٥ أغسطس ٢٠١٧

هلّت علينا عشر ذي الحجة العظيمة عند الله تعالى، والكثيرة البركة، لما فيها من خير وفير، وأجر كبير، يشترك فيه الحجاج والقاطنون، فهذه مِنَّة كبيرة على الموفقين من العباد، وقد نبه الله تعالى عباده لفضلها بأن أقسم بها تفخيماً لشأنها، وإشادة بذكرها، فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، والفجر هو فجر كل يوم، حيث ينشق عن نور النهار ليصحو العباد من سباتهم، ويقبلوا على ربهم، وينتشروا في أرضه، والعشر هي عشر ذي الحجة، والشفع هو يوم العيد، والوتر يوم عرفة. • سُئل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الأضاحي فقال: «سنّة أبيكم إبراهيم عليه السلام»، قالوا: ما لنا فيها من الأجر؟ قال: «بكل قطرة حسنة». وبيّن سبحانه أن هذه الأيام أيام ذكر وشكر لله تعالى، فقال جل شأنه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾. كل ذلك ليجتهد العباد باستغلالها بما ينفعهم فيما خلقوا لأجله من الإيمان به وعبادته سبحانه، وقد يسر لهم اغتنامها بأن جعل سائر الأعمال الصالحة محبوبة لله تعالى، وأنها أفضل من أي عبادة في سائر العام، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله،…

عام 2018.. عام زايد الخير

الجمعة ١١ أغسطس ٢٠١٧

يرتبط اسم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، بالخير، فلا يلقب إلا بزايد الخير؛ لكثرة ما كان يحرص على فعله من الخير، وهذا أسلوب عربي شهير، فليس ادعاء ولا تقولاً عليه، وكما قالوا: الناس أكيسُ من أن يحمَدوا رجلاً ... حتى يروا عنده آثار إحسانِ فقد أجرى الله تعالى ألسنة الخلق بالثناء عليه، وهم شهداء الله في الأرض، فمن أثنوا عليه خيراً وجبت له الجنة، كما صح في الحديث. وقد أراد ابنه البار وخليفته المبارك صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، رئيس الدولة - أمد الله في عمره بلطف وعافية - أراد أن يزيد أباه خلوداً بالذكر، ووفرة بالأجر، بجعل العام المقبل 2018 عام زايد الخير، كما كان قد جعل هذا العام 2017 عام الخير، ليكون الخير صفة راسخة في شعب الإمارات، كما كان صفة ثابتة في المغفور له بإذن الله الشيخ زايد. وبناءً على هذا التوجه فإن الخير سيتفعَّل بالبرامج المتنوعة، وليس فقط بالعطاء - مع أهميته وكثرة فائدته وكبير نفعه - بل أن تكون هناك أنشطة خيرية أخرى باسم صاحب العام، وذلك بمختلف وجوه الخير. فلنجعل من عام زايد للخير ما يلي: 1- عاماً للتعليم الخيري: أساسياً ومتوسطاً وثانوياً وجامعياً ودراسات عليا، وذلك للإسهام في تعليم الناس الذين لديهم قدرات فكرية يمكن أن تسهم كثيراً في…

الرزق الحلال

الجمعة ٢١ يوليو ٢٠١٧

يعرِّف العلماء الرزق بأنه «ما ينتفع به» أياً كان مصدره، حلالاً كان أم حراماً، كما قال اللَّقاني في جوهرته: فيرزق الله الحلالَ فاعلما ويرزق المكروه والمحرَّما وقال: والرزق عند القوم ما به انتُفع وقيل لا، بل ما ملك وما تُّبع أي اتبع به وجه الحق في الكسب، وهذا قول ضعيف، ولذلك عبر عنه بـ«قيل». وهو من مباحث العقائد، لأن مما يجب على المرء اعتقاده في الله تعالى أنه سبحانه الرزاق ذو القوة المتين، وأنه متكفل برزق عباده ومخلوقاته؛ لأن ذلك من مقتضيات ربوبيته سبحانه، فيعطيه البار والفاجر، والمسلم والكافر، على حد سواء، كما قال سبحانه وتعالى في حواره مع نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، أي ومن كفر فأرزقه كذلك. وحقيقة الرزق أنه ما تقوم بها حياة الخليقة من ضروريات وحاجيات وكماليات، أي ما يستهلكه المرء دون ما كان زائداً عن حاجته، مما يكسب ويدخر وينتفع به الكاسب، فإنه قد يكون رزق غيره وهو لا يشعر. كما قال بعضهم: صنع من الله يعطي ذا بحيلة ذا هذا يصيد وهذا يأكل السمكا وقد تكفل الله تعالى به لخليقته كما قال سبحانه: {وَمَا…

الشباب والسلم والتنمية في عالم متضامن

الجمعة ١٤ يوليو ٢٠١٧

الشباب والسلم والتنمية في عالم متضامن هو محور الدورة الرابعة والأربعين لوزراء خارجية الدول الإسلامية، التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، التي انعقدت في أبيدجان بساحل العاج في 10-11 من يوليو، وهو أهم موضوع تجعله المنظمة كبرنامج عمل للدول الإسلامية، وهو مهم لكل الدول المشاركة، كما دلت عليه كلمات رؤساء الوفود المشاركة، حيث عبّر كل منهم عن مدى أهميته لبلده، والخطوات التي يتخذها بلده حيال قضايا الشباب تعليماً وتوظيفاً وتيسيراً للأعمال، وتحقيق أماني الشباب الرياضية والفكرية والحضارية وغيرها، وذكروا من أعداد الشباب العاطل الجاهل البائس ما يثير الاستغراب، وكلٌ كان يغني على ليلاه، وليلى ترى أنها لم تسمع فلم تطرب كما قالت الحكمة الأدبية:وكلٌ يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تُقرُّ لهم بذاكحقاً إن الشباب هم العدد والعدة المتوقد ذكاءً وحيوية، يرى أنه بعيد عن الطرح النظري فلا ينفعه التغني بهمومه، فهو يعيش البؤس والبطالة والجهل والضلالة، ولذلك هو يخرج ثائراً قاطعاً ناهباً سارقاً. إن الشباب هو الدولة والتنمية والحضارة والقوة والمستقبل وكل شيء، ولكنه لم يُعطَ شيئاً يذكر إلا أماني، وكما قال زهير: فلا يغرك ما منّت وما وعدت إن الأمانيّ والأحلام تضليل إن حق الشباب على دولهم كبير وكثير، حقهم أن يتعلموا حتى لا يبقى منهم جاهل، فأين المدارس الكافية والراقية؟ وأين المعاهد المتخصصة القوية والمتعددة؟ وأين الأماكن المخصصة لهم في…

الإلحاد في الحرم

الجمعة ٣٠ يونيو ٢٠١٧

تتكرر سيناريوهات الإلحاد في الحرم من لدن أبرهة الأشرم إلى «دواعش» العصر، مروراً بالقرامطة والجهيمانيين والصفويين، وفي كل حالة يرينا الله تعالى من عذابه الأليم في أولئك المجرمين ما يزيد القلب إيماناً ويقيناً بأن للبيت رباً يحميه، وأن الركّع السجود هم في حماية الله ولطفه، مهما اتخذ الله منهم شهداء، فإن العاقبة تكون للمتقين. ومما يزيد ذلك جلاءً أن لطف الله بحرمه الآمن كان كبيراً في الإلحاد الأخير، وذلك بالنظر إلى الخطب الجسيم الذي كان سيحدث لو نجح الملحدون في تنفيذ مخططهم الإجرامي في شارع أو ساحة محيطة، فضلاً عن التوغل إلى المسجد الحرام أو صحن الطواف، مع تلك الزحمة البالغة الذروة، فإن نسج العنكبوت هو الذي أفسد عليهم خططهم الخطيرة {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}. عناية الله أغنت عن مضاعفةٍ من الدروع وعن عالٍ من الأُطمِ ويتساءل عامة الناس - مسلمهم وكافرهم - فضلاً عن عقلائهم، عن مأرب الملحدين في استهداف حرم الله وهم يعلمون أن الرب سبحانه بالمرصاد لمن ألحد في حرمه؟ والجواب لعله خافٍ على كثير من المتسائلين؛ ولعلّي أسعفهم بطرفٍ منه؛ وهو أن استهداف حرم الله يعبّر عن مكنون صدورهم البغيض من العداوة لله ورسوله والمؤمنين، فها هي ألسنتهم تنفث غيضاً، تهديداً ووعيداً للمؤمنين، وما تخفي صدورهم…

الحالُّ المرتحل

الجمعة ٢٣ يونيو ٢٠١٧

حلَّ علينا شهر رمضان، شهر العفو والغفران، واستقبلناه بحب وتحنان، ونية صادقة على طاعة الرحمن، وعشنا في أيامه ولياليه في رضا الرحمن، بين صيام وقراءة القرآن، وصدقات وإحسان، ونسأل الله القبول والتوفيق لما بقي من الأزمان، وها هو قد آذن بالرحيل، وما ندري إن كنا فيه من الفائزين، فما كان أحلى أيامه بين سياحة الجسد بالصيام والقيام، وسياحة الفكر بالذكر؟! عشنا فيه صفوة العمر بالطاعة والإنابة، والإقبال على الله تعالى بالكليَّة، عشنا فيه لله مراقبين، ولأنفسنا محاسبين، ولغيرنا محسنين، وللآخرة متذكرين، عشنا في بحبوحة الأمن والأمان في ربوع الأوطان، فوجدنا لذة العبادة، وأحسّسنا بذوق الطاعة، وشكرنا الله تعالى كثيراً. وها هو شهر الصوم والصبر والقيام والإحسان قد أوشك على الرحيل، وسيكون شافعاً للصائمين والقائمين، وسيختم بغفران الله تعالى للمقبولين، وقد كان من السلف من يندب فراقه ندب الثكلى، فكان مما قال: «ما كان أشرف زمانه بين صوم وسهر، وما كان أصفى أحواله من الكدر، وما كان أطيب المناجاة فيه بين وسط الليل والسحر، وما كان أرق القلوب عند انشغالها بالآيات والسور، وها هو قد دنا رحيل هذا الشهر وحان، فرب مؤمل لقاء مثله خانه الإمكان، فودعوه بالأسف والأحزان، واندبوا عليه بألسُن الأسى والأشجان، ويا ليت شعري هل تعود أيامه علينا أم لا تعود، ويا ليتنا علمنا من المقبول منا ومن…

أسبوع الإمام البخاري

الجمعة ١٩ مايو ٢٠١٧

أقامت دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي أسبوعاً ثقافياً، جرياً على سَنن عادتها في إقامة الأسابيع الثقافية في السنين الخوالي للأئمة الفقهاء الأربعة، وكان أسبوع هذا العام عن أمير المؤمنين في الحديث، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي (ت 256هـ) صاحب «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه» المعروف اختصاراً بـ«صحيح البخاري» الذي قال فيه الإمام ابن خزيمة رحمه الله: «ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري»، وقال عنه الحافظ ابن حجر: إنه جبل الحفظ وإمام الدنيا في فقه الحديث، والذي شهدت له الدنيا بأسرها بالإمامة المطلقة في الحديث رواية ودراية، وأجمعت على قبول مصنفه الصحيح، لما جمع فيه من أحاديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بشروط قاسية في الرواية، مع إمامة في الحفظ والإتقان، وفقه تام لما يروي، وأطلقوا عليه أنه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى. هذا الكتاب الذي حظي بالعناية الفائقة من علماء الإسلام من لَدُن أظهره مؤلفه للناس في بداية القرن الثالث الهجري إلى يومنا هذا، فكم من مستدرك عليه، وشارح له، ومستخرج على رواياته، ومتتبع لمروياته، ومنتقد له، ومدافع عنه ؟! عدد لا يحصى، فالمكتبة الإسلامية تغُص بنسخ صحيحِه وشروحِه، والكتب المؤلفة فيه لما ذكرتُ من أنواع، وكما قال المثل المشهور: الموردُ العذب شديدُ الزحام..…

قراءة في «تأملات في السعادة والإيجابية»

الجمعة ٣١ مارس ٢٠١٧

يقول المثل الشهير«الكتاب يُقرأ من عنوانه» أي أن العنوان يعطي صورة مختصرة عن مضمون الكتاب، ولذلك يتعين على المؤلف أن يكون حصيفاً في وضع عنوان كتابه، لأنه سيكون داعياً لقراءته أو مزهِّداً فيه، والكتاب، عنوان المقال، أعطى صورة واضحة عن مضمون الكتاب من أنه يبُث الطاقة الإيجابية لقارئه، ويبعث في نفسه السعادة الغامرة. لا جرم فهو يقرأ عقلاً راجحاً، وتجارب جبارة، ونجاحاتٍ متواصلة، وطموحاتٍ غير متناهية، وأفكاراً خلاقة.. إنه محمد بن راشد الذي يسطّر عبقرياته في كتاب يبثّه للقاصي والداني، وكأنه مشروع نجاح لا يقبل الفشل. لقد تصفحت الكتاب وكنت أعايش الكاتب، قرأت أسطره فعشت مع أسطورة الإيجابية والسعادة، وقرأت فصوله فعلمت أنها أبواب تفتح الآفاق، وعلمت أنه يحمل هم أمة وليس شعباً فقط، ويحمل هم حضارة بادت، همُّه أن تعود، بيّن ذلك من أول فصول كتابه حين قال: «لا توجد منطقة في العالم بحاجة إلى السعادة والإيجابية أكثر من منطقتنا»، إذاً هو يحمل هم أمته العربية والإسلامية التي فشا فيها الفشل الذريع، والخوف المُريع، والفساد الفظيع، فهو يريد أن يعيد لهذه الأمة ثقافتها في الإيجابية التي هي معين الثقافة الإسلامية، وسعادتها المرضية التي هي منهج الإسلام العظيم، فتذكرت قول المتنبي وهو يصف نفسه: أنا في أمة تداركها اللــــــــــــــــه غريبٌ كصالح في ثمود إلا أن الشيخ محمد بن راشد بدأ…

التسامح هو منهج الإسلام العظيم

الجمعة ١٨ نوفمبر ٢٠١٦

لم تعرف البشرية تسامحاً كريماً عظيماً كما عرفته في الإسلام؛ لأنه دين الله الخالص الحنيف القيم، الذي ارتضاه لنفسه فبه يُعبد، وخلقه به يتعاملون، لذلك أقام هذا الدين على أسس التسامح العقدي والعبادي والتعاملي، وجعله أحد معايير الأخلاق العظيمة، وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: «إني بعثت بالحنيفيِّة السمحة، ولم أبعث بالرهبانية البدعة، فكلوا اللحم، وائتوا النساء، وصوموا وأفطروا وقوموا وناموا؛ فإني بذلك أُمرت»، والسمحة هي السهلة في الأخذ والتعامل، وهي ضد الغلو في العقائد أو العبادات، وضد التشاح في المعاملات، حتى يكون المسلم يفيض رحمة وحناناً وإحساناً على نفسه وغيره، ومعنى كونه بعث بذلك أن من لم ينهج منهجه فإنه يكون في طرف الغلو المنهي عنه. وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: «السماحة والصبر»، فقيل: فأي المؤمنين أفضل إيمانا؟ قال: «أحسنهم خلقاً»، فقيل: فأي المسلمين أفضلهم إسلاماً؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده». ومن هذا الأساس كانت شريعتنا وسطية فلا إفراط فيها ولا تفريط، ولا تنافر ولا تدابر، بل تعايش الجميع على مبدأ الإحسان والتعاون على البر والتقوى وتحقيق المصالح المشتركة بين البشر، من غير دنِيَّة في الدين، ولا تعدٍّ على الخصوصية، وقد كان التسامح هو المحور الأول في الدعوة إلى الله، «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي…

قانون القراءة لأمة «اقرأ»

الجمعة ٠٤ نوفمبر ٢٠١٦

شيوخ الإمارات كعادتهم يسابقون الزمن في الفضائل، ويخطفون الأبصار في مبادراتهم المختلفة، وإن كانت في مجالات صناعية أو تطويرية فذلك أمر معهود منهم، لكن أن يكون التسابق في إنشاء الفكر الراقي؛ فذلك ما هو فريد في نوعه، ولا يأتي غيرهم بمثله. إنه «قانون القراءة»، لأن القراءة أهم مميزات الأمة الإسلامية، والناس يعيشونها كثقافة تقليدية، وهي موكولة إلى قوانين التعليم العامة في الوزارات والمؤسسات التعليمية المعنية، ويرى الناس فيها الكفاية، وأنها تؤدي الغرض المطلوب، ولا يقلل أحد من شأن هذه المؤسسات في تنشئة جيل يقرأ ويفهم ويُبدع، إلا أنه لا بد لها من رافد أساس من خارج الوزارات المعنية، فكان هذا القانون الحديثَ في نشأته، العظيمَ في دلالته، الوحيدَ في مصفوفات القوانين عالمياً.. فلله دره من قانون من ذوي همم عالية، وأفكار بديعة، وحرص كبير على نفع البشرية! لقد وقف العالم العربي وغيره إجلالاً للشيخ محمد بن راشد على مبادرة تحدي القراءة التي تنافس فيها شباب الأمة العربية وغيرها على قراءة 50 مليون كتاب خلال العام، وكان الفائزون مضربَ المثل في تنافسهم البديع، ونبوغهم الفكري بسبب القراءة، ليس فقط ذلكم الطفل الجزائري «محمد جلود» الذي دل فوزه على أنه سيكون نابغة العصر إن شاء الله تعالى، بل كل الذين قبلوا التحدي ودخلوا حَلَبة التنافس. وقفوا إجلالاً له؛ لأنه اهتم بتنمية الفكر،…

التعليم والتنوير يعيدنا إلى الإسلام والإبداع

الجمعة ٢٨ أكتوبر ٢٠١٦

عقد وزراء خارجية الدول الإسلامية في منظمة التعاون الإسلامي مؤتمرهم 43 بعاصمة أوزبكستان ــ طشقند - التي كانت تسمى ــ الشاش ــ وهو البلد العريق في الإسلام، إذ دخل أهله الإسلام في القرن الأول على يد قُثم بن عباس رضي الله تعالى عنهما، والقائد المسلم قتيبة بن مسلم، فأنجب البلد رجالاً عظاماً كالأئمة المشهورين البخاري والدارمي والترمذي والقفال الشاشي الشافعي، ومن بعدهم البيروني والزمخشري، وغيرهم كثير، أفردوا بمؤلف ضخم اقتنيته في زيارتي لأحد متاحف البلد. بعنوان «موسعة علماء آسيا الوسطى»، وقد كان شعار المؤتمر «التعليم والتنوير طريق الإسلام والإبداع»، وهو شعار مستوحى من تاريخ الأوزبكيين القديم في الحضارة الإسلامية، وأرادوا من ذلك أن يعيدوا مجدهم الناصع في الحضارة بأسلوبها الحديث، وهو ما عبرت عنه خططهم التعليمية من خلال الجامعات والمعاهد التي سمعنا ذكرها، والآثار التي زرناها، والصناعات التي شاهدناها، والتخطيط الحضاري الذي لمسناه، وهو الهمُّ الذي يحمله البنك الإسلامي للتنمية الذي تسهم فيه بعض البلاد الإسلامية الغنية كالسعودية والإمارات بسهم وافر، وذلك من خلال برامجه التعليمية في البلاد الإسلامية الأعضاء. غير أن العنوان الأجدر هو ما عنونتُ به مقالي، وهو مقترح وزير خارجية الأردن الذي أشار إلى أن التعليم والتنوير هو طريقنا الذي سرنا به قروناً متطاولة، فأنرنا الدنيا بالاختراعات العلمية المختلفة؛ طبياً وفلكياً وجبراً وصناعات مختلفة، فضلاً عن الفكر…