د. أماني فؤاد
د. أماني فؤاد
كاتبة مصرية

لماذا يظل الأدب احتياجًا حيويًا؟

السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٠

هل لو قرأ لاعب الكرة المتحرش، أو المخرج، أو الكاتب، أو رجل الدين، أو السياسى، أو رجل الشارع الأدب بأنواعه: الشعر والرواية والقصة والمسرحية والمقال- هل سيمارس التحرش، وهل يمكن أن يكرره البعض منهم على هذا النحو الفج لو اعتادت ذائقتهم الجمال النابع من الأفكار والخيال وأساليب اللغة، لو تغلغلت فى نسقهم الثقافى العام القيم التى ترد فى هذه الأنواع الأدبية، هل كان سيمارس بعضهم ساديته بانتهاك الأضعف وعدم احترام حريته، أو استغلال سلطته بالتعدى على إرادة الآخرين؟ هل قارئ الأدب تصل به مناطقه المعتمة وتجبره حد هروب ذويه ولجوئه السياسى لأحد البلدان الغربية مختارا حريته وعدم التعدى على كرامته بالضرب أو بتحديد الإقامة؟ أحسب أننى لا أملك إجابة جازمة، ربما نعم، وربما لا، فالبشر عوالم مغلقة على عجائبها. الأمر الذى أعتقده ويصل لدرجة التأكد أن قارئ الأدب أكثر احتراما وتقديرا لحرية الآخرين وإرادتهم، أكثر تهذيبا وتطويرا لرغباته وغرائزه، أكثر احتراما للاختلاف، يدرك أن التنوع ميزة تثرى الحياة البشرية، قارئ الأدب ومنتجه ينفران من العنف، لا يستهويهما الطغيان ولا استغلال السلطة والنفوذ. لماذا يظل الأدب حيويًا ومهمًا فى الحضارة البشرية مهما ازداد التقدم العلمى والتكنولوجى؟ ــ فى الوقت الراهن تنحو العلوم إلى التخصص الدقيق فى المعرفة والتكنولوجيا، وهو ما يتضمن فوائد كثيرة، حيث يسمح بتجارب تعتمد على البحث الرأسى لا…

تلك المواجهات حتمية وليست ترفًا

السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٠

فى واقعنا العربى الإسلامى يتراكم- مع الوقت- عدد من المشاكل الضخمة، التى بحاجة إلى مواجهات جذرية وفاعلة، تصدٍّ حتمىّ من السلطة السياسية وكل قُوَى ومؤسسات المجتمع لهذه الأوضاع والمستجدات القلقة، وإلا سنعانى جميعًا من اضطرابات عنيفة، تهدد أمن بلداننا فى العقود القادمة. قرأت، منذ عدة أيام، تحقيقًا حول التخوفات التى تواجه حكومات تونس ومصر والسعودية والعراق وسوريا وبعض الدول العربية الأخرى، فيما يخص مجموعات النساء والرجال العائدين من تصفية بعض عناصر دولة الخلافة الإسلامية «داعش»، حيث يفرض وجودهم السؤال الأهم: كيف لحكومات هذه الدول- وقواها الثقافية المؤثِّرة، من مؤسسات أو أفراد- أن تواجه، وتعيد تأهيل شخصيات، هى أقرب إلى «الأحزمة المتفجرة» التى تتحرك بيننا، كيف لها أن تعيد صياغة أذهانهم فكريًا وعقائديًا ونفسيًا، هل ستعزلهم فى محابس خاصة؟ هل ستوفر لهم مَن يستطيع فتْحَ مناقشات مُوسَّعة معهم؟ وهل ستضمن استمرار صدْق مَن ادَّعى منهم توبته، أو رجوعه عن تلك الأفكار فيما يسمى «المراجعات»؟ أم هل ستتركهم لنشْر الأفكار التى عادوا بها، وتشكلت على نحْوِها عقولهم وممارسات حياتهم؟ هناك إذن مشكلة لابد من الالتفات إليها. على مستوى آخَر، هناك مجموعات من الأحزمة المتفجرة الأخرى، التى تتجسد فى الشباب والشابات، الذين تربوا فى مخيمات اللاجئين من الفلسطينيين أو السوريين أو اليمنيين أو العراقيين أو بعض الجنسيات العربية الأخرى، هؤلاء الذين يملؤهم السُخط…

تساؤلات حول كيفية مواجهة التضليل والبذاءات

السبت ٠٣ أكتوبر ٢٠٢٠

شاهدتُ منذ أيام على إحدى القنوات الموجّهة- التى تذاع من «تركيا»- برنامجًا لأحد المضلِّلين الكبار الذى ينتمى للإخوان، كان يعلق على خطاب رئيس جمهورية مصر العربية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولقد تعجبت من الصمت العام والمستمر أمام هذا الزيف والوقاحة، وترْكهما ليستشريا على هذا النحو؟ ألا توجد جهة دولية يُمكنها أن تُنظم وتضبط كل هذا القدر من الكذب والترهات المتكررة، التى تتردد فى برنامج هذا المذيع وغيره من مأجورين وخونة لمصر؟ جهة تفند المحتوى المغلوط المضلِّل الذى يُقدمونه، ترفض دعواتهم المستمرة كل يوم ولحظة لتقويض نظام الحكم بمصر، وتهديد أمن المصريين، لمجرد أن تلك الجماعة الإرهابية ومن يقف وراءها من دُوَل فشلت فى حكم مصر، وأُقصيت عنه. هذا فضلًا على تقييم ورفض هذه السماجة واللزوجة وقدر البذاءات التى ينطقون بها، كل أنصار الإخوان. أتحدث عن جهة دولية تقف فى مواجهة خيانة الحقائق ولَيِّها، رفْض التدنى فى أسلوب الأداء الإعلامى، وانتشارهما بهذا القدْر لخطرهما الذى يتنامى على التشكيك فى كل معنى وقيمة لدرجة تهديد أمن وكيان دولة بحجم مصر، فى مواجهة الهدم والهبوط بالأخلاق والقيم، كما يكون من اختصاصاتها تقييم أسلوب الأداء وقدر وقاحته التى تتدنى لهذه الحقارة، وتساءلتُ: ما هو القانون الدولى، أو الإجراءات الضابطة للإعلام العالمى أو الإقليمى، التى من شأنها تقييم زيف المعلومات وأخطائها، ومن ثم الحكم…

فى ظل استمرار كورونا نحن بحاجة إلى..

السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٠

أثَّرت الفترة الطويلة التى قضاها التلاميذ بالمنازل سلبًا على مستوى تلقِّيهم لتعليمهم، حيث قلّص عدم التواصل الفعلى والحضور المادى فى المدارس على محصلة المعارف والمهارات التى يجب أن يتلقاها الطلاب، وبجانب صعوبات اللاتواصل الجمة التى وُجدت فى تجربة التدريس «أون لاين»، يحكى كثير من أولياء الأمور أن الفترة تلك أظهرت حالة من اللامبالاة تجاه الاستذكار والحرص على التحصيل العلمى عند التلاميذ، حتى إن بعضهم دخلوا مرحلة من البلادة فى التعامل مع الحياة بشكل عام، فلقد ثبتَ أنَّ منظومةَ المؤسسة المدرسية وانتظام الحضور فيها تعد الوضعية الأمثل فى التعلم. وسواء كان الحضور فى السنة الدراسية التى على الأبواب هجينًا، أو حضور خمسة أيام من الأسبوع؛ فعلينا أن نبحث كيف سنتعامل مع انتظام أولادنا فى العام الجديد بالمدارس، ونحن على أبوابه القريبة للغاية، فلم يزل العِلم يستحث تجاربه ليجد المصل الذى يُنهى أخطار جائحة كورونا ويتركها تاريخَ وباء قد انتهى.. فعند كتابة هذا المقال سجَّلت وزارة الصحة 153 حالة إصابة، رغم التزام الكثيرين بإجراءات التباعُد ومحاولات عدم الاختلاط، كما صرحت منظمة الصحة العالمية بأن شهرى أكتوبر ونوفمبر هما الأكثر ارتفاعا فى معدل الإصابات. نحن بحاجة إذن لمجموعة من المقترحات والمبادرات الفردية، أو من جمعيات المجتمع المدنى لمساعدة المجتمع ككل ووزارة التعليم فى توعية الجميع بشأن كيفية العودة إلى المدارس: الطلبة، والمدرسين، وموظفى…

اللغة التي يعرفها سلام اليوم..

الجمعة ١١ سبتمبر ٢٠٢٠

عادة ما ينقسم السياسيون إلى فريقين، فريق يستطيع أن يبلور رؤية واضحة للحاضر والمستقبل على خلفية قراءاته لمعطيات الواقع ومقوماته الفعلية التي تتغاير كل حين، وعناصر القوة التي تحكمه، ورصده لتشابك القوى والمصالح العالمية من حوله، وقياسه للدول الفاعلة والمؤثرة في القوى العالمية، ومعرفته إلى أين تتجه حزمة التحالفات، مثلما فعل الرئيس السادات بقراره التاريخي وذهابه للكينست عام 1977 لإنهاء الحرب، واسترداد الأرض، وإقرار السلام. وفعلته أيضًا القيادة السياسية في دولة الإمارات بعد ما يقرب من أربعين عامًا عندما أعلنت مبادراتها للسلام مع إسرائيل، سلام وفق مقتضيات أخرى، فلقد رصدت الإمارات لكل ما سبق بوعي، كما أخذت في الاعتبار التغيرات الجيوسياسية في إسرائيل، وأن الاتجاه للسلم ورفض الحروب أو النوايا التوسعية الاستيطانية سيعلو مع الوقت لطبيعة البنية السكانية في العقود القادمة في تل أبيب، فلقد هَزمت الديمقراطية في الدولة اليهودية الاتجاه اليميني المتطرف، وتشير الدلالات إلى تغلب أصوات التقدميين الإسرائليين، وعرب 48 الذين يرون أن التعايش وحل الدولتين هما الأنسب لاستمرار الوجود الآمن للجميع. لقد تدارس سياسيو الإمارات التاريخ البعيد والقريب للصراعات بين الفرقاء التاريخيين وقدروا إمكانية تغيير هذه العلاقة العدائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين لصالح أنفسهم وشعوب المنطقة، ذلك حين تتزاوج رؤوس الأموال العربية وقدرات ريادة الأعمال، مع القدرات العلمية والعسكرية الإسرائيلية، فترتفع معدلات التنمية وتزداد فرص الاستثمار ازدهارًا، وتقوى…

«نحن وأولادنا».. الحلقة المفقودة

الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠

لقد بات مشهد الجدل والخلافات والاستنكار بين الأبناء والآباء عرضا يتكرر بكثرة فى العديد من الأسر والبيوت المصرية والعربية فى الأجيال المعاصرة، مناوشات مستمرة تندلع كل يوم، معارك ظاهرة أو مستترة لا يصيب اليأس طرفيها أو الرغبة فى الانسحاب، وغالبا ما يكون الصراع حول الحفاظ على قدر من النفوذ والحضور الدائم فى حياة الأولاد من جهة الوالدين، وانتزاع الحرية من الآباء والتخفف من قيودهم ورؤاهم فى كل شأن من جهة الأبناء. هذا الصراع الذى تختلف أسبابه وطرق التعبير عنه بحسب طبقات المجتمع يتسبب فى شيوع حالة من التباعد والرفض المتبادل بين الطرفين للحد الذى يصل إلى التجاوزات اللفظية فى الحوار، أو قد يصل إلى رفض الحوار من الأساس وبقاء العلاقات هشة. يريد الآباء ممارسة سلطتهم عبر مقولات يطلقها معظمنا من قبيل: لماذا تتناسى وجودى وتصر على مخالفة رأيى، لماذا تتحدث إلى على هذا النحو غير اللائق؟ أنا السبب فى وجودك بهذا العالم، وأنا من قمت بتربيتك وتعليمك، لماذا لا تستمع إلى نصائحى؟ وتزداد فداحة الأمر بأذهاننا حين نقارن بين أوضاعنا مع أولادنا، وما عشناه من قبل فى علاقاتنا مع آبائنا، حيث كانت المصادمات أقل وطأة، ضمن حوار أكثر تهذيبا واحتراما. فمن صفات الأجيال الأحدث أنها تعبر عن نفسها بطرق مباشرة حتى لو أنها تسببت فى جرح الطرف الآخر. ويستنكر الآباء…

«حديث العرب» وحق الاختلاف

الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٠

فى الجمعة الماضية استضاف البرنامج الحوارى المميز «حديث العرب» بقناة «سكاى نيوز» المفكر والأنثروبولجى التونسى د. يوسف الصديق، ولقد استفاض الرجل يشرح رؤاه الخاصة التى تحدّث فيها حول عدد من القضايا حول «القرآن»، النص الأساسى الذى يُسير حياة الناس فى بلادنا، وذكر أننا كمسلمين، لم نقرأه بعد، ودعا كعادته فى ملتقياته كافة لقراءته مرات، بلا توقف، بطرق عقلانية، وهى ذات الدعوة التى ذكرها الله تعالى فى كتابه وكررها كثيرا. وقال المفكر إن تلك القراءة تتطلب إنسانا مؤهلا، قادرا على البحث. ثم تحدث عن قضايا شغلته فى القرآن مثل: فسخ الترتيب الذى نزلت به الآيات وإعادة ترتيبها بطريقة أخرى، ثم الفترات الزمنية التى مرت قبل التأليف فى قضايا: الناسخ والمنسوخ، وأسباب نزول الآيات. تحدث أيضا عن طريقة كتابة القرآن واختلافها عن النطق، وذكر تخريج «ابن خلدون» فى هذا الصدد، ثم قضايا التنقيط وما يمكن أن يكون قد حدث بها من اختلاط بعض المعانى. كما ذكر أن الصراع العقلى مع النص القرآنى هو اللائق به، وليس سجنه فى الترتيل والاكتفاء بهذا، كما صرّح بعدم اقتناعه بالخطاب الدينى المقدم فى المساجد وانطلاقه من العقلية السحرية، ودعا للنظر إلى الرسول (محمد) فى طبيعته الإنسانية لا المعجزة، وقضايا أخرى متعددة. ولقد لاحظت تدافع المعلقين على مقولات الباحث الذى اجتهد، لم يصبروا على الإلمام بفلسفة رؤية…

كراكيب عقل

الإثنين ١٨ مايو ٢٠٢٠

لماذا لا يخاف المصريون من «كورونا»!؟، هل لأن كل فرد منا يشعر بأنه بعيد عن الخطر بمفرده، وأن الفيروس خارج دائرته ولن يطاله، لا يصدق أن للكارثة يدًا ستقبض عليه في لحظة مباغتة، تصيبه بالاختناق وتعتصر حياته، لذا يتحركون بحرية وكأنه لا توجد مشكلة يمكن أن تطالهم، كأن هناك بالونا كبيرا يحوّط كل شخص، وعلى ضوء فرديته التي يتخيلها تلك يراوده الشعور بابتعاد الخطر عنه. لعقود نشأنا وفى ثقافتنا العميقة يتردد «أنا وبعدى الطوفان»، لا نعرف ثقافة الأثر الجمعى، وأن كل فرد منا معلق بالمنظومة البشرية التي يعيش في دائرتها، فكثيرا ما زرعت القوى الاستعمارية التي توالت على مصر، وكثير من حكامها ثقافة «فرق تسد»، فلقد أعلوا جميعهم الحس الفردى لدى الكثيرين بما يتضمنه من انتهازية، وافتقارٍ للرؤية التي تدرك علاقة الفرد بالجموع وحتميتها، أي علاقة الفرد بخارج محيط ذاته، نحن نفتقر للثقافة التي تشعر كل فرد بمسؤوليته عن المجموع، وأيضا مسؤولية الجموع عن الفرد. استفحل أيضا مفهوم «الفهلوة والعنترية» في طبيعة الشخصية المصرية لعقود، وهما ما لا يجعلانه يتصور أن هذا الفيروس الضئيل الذي لا يُرى بالعين المجردة يمكن أن يتمكّن منه فيقتله، فهو الذي بإمكانه أن يخدع الجميع، كأن هناك خللا في طريقة التفكير، واللاوعى بالعلاقة بين الأسباب والنتائج، وتفاوت مفاهيم القوة وأنواعها. هل لا يخاف المصريون من…