جمال الشحي
جمال الشحي
كاتب و ناشر من دولة الإمارات

ساعتك الثمينة وخدعة الزمن

الأربعاء ٢٧ نوفمبر ٢٠١٩

ما قيمة الزمن إذا أردت أن تشتري لحظات مع مَنْ تُحب أو تحترم؟ سؤال يغويك بإجابة على طريقته، فللأسئلة أحياناً سطوة تفرض علينا أجندتها، وتقدم لنا الحقيقة في السؤال والإجابة في علامة الاستفهام. إذا كان الوقت أغلى ما نملك، فنحن متأخرون عن اللحاق به أو حتى مجاراته، لأننا لا نملك الرصيد الكافي لنشتري لحظة قصيرة مُضافة إلى العمر، يتفق معي في هذه الفكرة الكثير من الناس، الأثرياء، ومتوسطو الدخل، ومعدومو الدخل أيضاً! لسنا هنا في صدد الحديث عما يستطيع المال شراءه، فحتى الثراء الشديد يتعثر بأشياء صغيرة، والسبب ببساطة هو عدم القدرة على التحكم فيه، لأن الزمن خارج نطاق سطوة البشر وسيطرتهم، بل هو الذي يتحكم فينا، ويتولى القيادة، بيده مقود الوقت والطريق، لا تستطيع أن تنزل قبل محطتك، ولا تقدر على أن تؤجل موعد نزولك، ولو قمت برشوة الزمن، وهل يستطيع أحد منا أن يرشو الزمن؟ وذلك من أجل البقاء قليلاً ولو إلى محطة إضافية ليستمتع بالحياة؟ ويجبرك هذا السؤال على إجابة مفصلة على مقاسه أيضاً. يقول صاحبي: كيف نستطيع أن نحارب الزمن ونتغلب عليه؟ قلت له: ربما العلم يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال الملغم مستقبلاً! لكن عندما تحارب أحداً، وتريد أن تنتصر عليه، يجب أن تستخدم أسلحته نفسها، أو أقوى منها، فما الأسلحة التي سيستخدمها العلم لوقف…

أين يختبئ الأطفال؟

الأربعاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٩

هل المنظومة التعليمية والأخلاقية السائدة حالياً قادرة على مساعدة أطفالنا على فهم ومواكبة المتغيرات التي تقود العالم؟ وهل أطفالنا مستعدون لتحديات المنظومة القيمية والتعليمية التي يحملها المستقبل؟ تبادرت إلى ذهني هذه الأسئلة وأنا أرى الفجوة بين عالم أبنائنا وعالمنا، رغم أننا نعيش العالم ذاته. نرى أبناءنا يختبئون عنا في زوايا مجهولة، مظلمة لنا، ومنيرة لهم. في أحيان كثيرة، نجدهم يحلقون في تطبيقات نجهلها، أو ألعاب تتحكم فيها الرياضيات، أو محتوى يحوي منظومات أخلاقية غريبة عنا. في هذين العالمين اللذين يعيش فيهما كلانا، قد نلتقي في بعض المحطات، لكننا نفترق في الكثير منها. وللإيضاح أكثر، يمكن القول إن الجيل الجديد من أبنائنا يعيش المستقبل، ويتعامل مع تفاصيله يومياً في أفكاره ومعتقداته وأحلامه وطموحاته، بينما نعيش نحن الوقائع الحاضر، ونتعكز على الماضي الذي نعتقد أو نتوهم بأنه قادر على تقديم جميع الحلول لمشكلاتنا. لذا نعمل على إجبار الجيل الشاب، الذي لم يُخلق لعصرنا، من خلال إصرارنا على الإيمان بأنه يشبهنا تماماً، وسيبقى كذلك على الدوام! ونتصور أنه سيعيش تفاصيل تجاربنا نفسها، لذلك لا نهتم للغد الذي يطرق أبوابنا كل يوم، وفي الموعد نفسه. هذا المستقبل الذي لم نلتفت إليه، قد غزا بيوتنا، وهيمن على جزئيات حياتنا. وأكثر من ذلك، أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا وحياة أبنائنا. وهذا ما يحتّم علينا أن…

المثقف حين يرتدي ثوب الإدارة

الأربعاء ٢٥ سبتمبر ٢٠١٩

ما الدور الذي يمكن للمثقف أن يمارسه عندما يقود إدارة المؤسسات الثقافية؟ هل يستطيع أن يحقق التوازن بين دوره كمثقف وقرارات الإدارة؟ خطط بعض المثقفين أو «الفاعلين في الساحة الثقافية» للفوز في انتخابات أحد مجالس إدارة مؤسسة ثقافية بمقاعد المجلس وإدارة المؤسسة للفترة المقبلة، وقد استطاعوا بعد القيام بترتيبات واجتماعات معينة إزاحة المنافسين، والظفر برئاسة المجلس. إن معظم المشاركين في هذا الحدث أسماء معروفة، لها إنتاجها الفكري والأدبي في الساحة الثقافية، وقد حرصوا على البقاء بقرب منظومة الإدارة في جميع الفترات السابقة، وأثناء النقاشات مع الأصدقاء والمهتمين بهذا الموضوع، برزت آراء مختلفة وعديدة حول ما حصل في تلك الانتخابات. قال أحدهم: هل يمكن أن نطلق على هذا الموضوع مؤامرة؟ لكن الأمر كان مختلفاً، حيث لم تكن هناك أية أجندات مسبقة، وكان باب الترشيح مفتوحاً، وللجميع حق مكفول للترشح إذا اقتنع المترشح بأن ترشحه سيضيف محتوى مهماً لهذه المؤسسة والمجتمع. وفي جميع انتخابات الجمعيات ذات النفع العام، تصاحب نيّة الترشح ترتيبات واجتماعات لإقناع الناخبين بأحقية هذا الفرد بالترشح، ورؤيته الثقافية المزمع تنفيذها. وأضاف: «أنا لا أؤمن بنظرية المؤامرة، رغم الاسم الجميل الذي تحمله هذه المؤسسة الثقافية، لكنها لا تقود فعلياً العمل الثقافي إجمالاً في الدولة، وأداؤها من وجهة نظري أقل من مستوى المتوسط، فلماذا نعطي كل هذا الاهتمام لقطاع غير منتج…

صناعة البذاءة

الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩

من الذي يصنع البذيء، (أيّ بذيء القول والفعل)؟ عادة ما يتوارد إلى ذهني هذا السؤال وأنا أتصفح التعليقات والردود، وكذلك المشاركات في وسائل التواصل الحديثة، حيث يتدفق كمّ هائل من التعليقات السلبية والمبتذلة، التي لا تساعد على الهدف الرئيس من تنمية الحوار أو النقاش. ثم أسأل نفسي ثانية: هل نحن نواجه أزمة لغوية أو أخلاقية؟ منذ ظهور وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت شرخاً عميقاً في المجتمع، وفي كثير من الأفراد من مستخدميها، وبرزت تناقضاتهم وضحالة فكرهم في العالم الافتراضي، وظهر للعيان الوجه الآخر لمجتمع مختلف، حاولنا لسنين أن نتجاهله، وأصبح علينا أن نتعامل مع البذاءة وصناعة التفاهة بصفة يومية، ضريبة علينا دفعها، ولم نتسبب فيها! نتفق جميعاً على الحقيقة العلمية القائلة: إن الإنسان لا يولد بذيئاً، بل تتشكل معه هذه الصفة المكتسبة والمتراكمة، التي تؤثر في نفوس الأفراد، ما يجعل البعض يذهب إلى أبعد من ذلك في تحليل هذه الظاهرة، ويصفها بأنها جزء من آلية دفاعية يلجأ إليها البعض، ليحموا أنفسهم حتى وهم يتأهبون وراء أجهزة الاتصال، ويختبئون في الظلام بأسماء مستعارة. وفي دراسة لعلم النفس الاجتماعي، أنجزتها إحدى الجامعات الأميركية، عن ردود أفعال الأفراد، من خلال تعريضهم للتنمّر أو الشتيمة من قبل أشخاص عابرين في الشارع، فقد أثبتت الدراسة أن ردة الفعل تكون أكثر تفاعلية، وربما قاسية، إذا كان الفرد…

لا تشاهد فيلم ليون

الخميس ٣١ أغسطس ٢٠١٧

لا أعرف إن كان من قبيل المصادفة في طريق العودة من الصين ونحن نعبر الأجواء الهندية أن أختار مشاهدة فيلم درامي يغير الصورة النمطية لأفلام هوليود، ويجعلني أفكر مليًا في كثير من العبث الذي نعيشه بصورة يومية والتي تفرضها علينا حياة قد تكون قاسية وصعبة. يتشابه الأشخاص والمواقف والظروف، وتختلف الأماكن، المعاناة ليس لها عنوان معروف. الفيلم يتحدث عن (سارو) طفل في الخامسة من عمره ينتظر أخاه الأكبر في محطة القطار، وينام مكانه وعندما يصحى من نومه من شدة القلق والخوف يذهب ليبحث عنه في القطار الذي يتحرك حينها، ويأخذ معه الطفل الذي نام من التعب بعيدًا عن قريته بآلاف الكيلومترات، ويخرج من القطار في مدينة "كالكتا" الهندية المزدحمة التي لا يتحدث لغتها، وهو أصلًا لا يتحدث بشكل واضح نظرًا لصغر سنه، لك عزيزي القارئ أن تتخيل ما حدث بعدها، الطفل ذو الخمس سنوات الذي يشبه كل أطفال العالم يضيع في مدينة حسب قصة الفيلم لمدة شهرين، وينام في العراء ويتعرض لكل المواقف الخطرة والمرعبة التي لا يستطيع تحملها رجل راشد، كيف استطاع النجاة ؟ لا أعلم! كثير من المفاجآت في هذا الفيلم وأولها أن القصة حقيقية وأن الكاتب هو بطل فيلم الطفل (سارو) الذي في غفلة من الزمان انتشله شاب بالصدفة من الشارع، وتم وضعه في ملجأ للأيتام وتلعب…

كلاي والذاكرة الجمعية

الأحد ٠٥ يونيو ٢٠١٦

يقول شقيق الراحل، محمد علي كلاي، إنه أوصى أن تُكتب على قبره مقولة للقس الراحل، مارتن لوثر كينغ، يقول فيها: «حاولت أن أحب أحداً.. أن أحب الإنسانية وأخدمها.. حاولت فعلاً أن أطعم الجياع وأكسو العراة». حتى تصل لفهم أفضل للحياة وللمتغيرات من حولك؛ تحتاج أحياناً إلى تجربة عميقة، تجربة تهزك من الأعماق، وتنسف كل ما أنت عليه من مفاهيم أو ما كنت تحسبها قيماً إنسانية نبيلة، فتجعل كلمات، مثل العذاب والفقد أو الموت والغياب الأبدي؛ تعني لك شيئاً مختلفاً، شيئاً مغايراً لِما اعتدت أو اعتادت الجماعة عليه. تقترب منك الحياة وتدنو منها، ترمي لك بطعم، فما إنْ تحاول الإمساك به حتى يبتعد. والقاعدة تقول: حتى تفهم أكثر، لابدَّ أن تحاول ثانية وثالثة حتى تتمكن من الإمساك بالمعنى الحقيقي لذاك الطعم. مات، أول من أمس، أسطورة الملاكمة، محمد علي كلاي، بعد خمسة وثلاثين عاماً من اعتزاله، قضى معظمها يصارع مرض الشلل الرعاش، الذي لا علاج معروفاً له حتى الآن. ويقال إنه عاش بصراع قاسٍ ومرير مع الموت، لكن الواضح أنه كان في صراع مع الحياة. كان يريد أن يفهم بعمق بعض أسرارها ومعطياتها، وكعادتها مع الجميع؛ أعطته فسحة من العمر، كما أعطته الشهرة والأضواء والكثير من المال، وأعطته أيضاً المرض الذي لا علاج له! أن تعتزل وأنت بطل، هذه قصة تستحق…

المنشغلون بأنفسهم.. والمشغولون بغيرهم

الأحد ١٥ مايو ٢٠١٦

في خضم جدولك اليومي المزدحم، هل يمكن أن تأخذ موعداً مع نفسك؟ يُنسب إلى أفلاطون أن سقراط الحكيم هو أول من استعمل اقتباس «الانشغال بالذات»، حينما كان أهالي مدينة أثينا القديمة منشغلين بالأمور السياسية والاقتصادية، ولم يكن لهم عين الاهتمام بذواتهم وشؤون معيشتهم، فدعاهم للعودة إلى أنفسهم. ما أراده الفيلسوف الأكبر هو مسألة ترتيب الأولويات في حياتنا، ذلك لأن الكثير من انشغالاتنا في هموم وأمور الحياة المختلفة تحدد تكوين الشخصية، وترسم الاتجاهات المستقبلية والفكرية للفرد، هذا بالإضافة إلى أنها تأخذ حيزاً كبيراً من تفكيرنا، ومن الطبيعي أن تنهك أرواحنا، إذ عندما نحمل الآخر فوق أكتافنا حينها تتباطأ حركتنا، وتتركز طاقتنا على الانشغال بالأثقال الجاثمة على كواهلنا، فننسى في تلك الزحمة أنفسنا. هناك فرق بين مشاغل الحياة الضرورية، وبين الانشغال بأشياء هامشية، نعطيها أكبر من حجمها وتأخذ الكثير من وقتنا. وكما يقول أهل الفلسفة: «هناك فرق بين الأنا والآخر». لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نستطيع أن نكون بمعزل عن قضايا الناس وهموم الآخرين؟ وهل تستحق أنفسنا كل اهتمامنا؟ أعجبتني مقولة غاندي: «كن أنت التغيير الذي تريده في العالم»، لكن كيف نستطيع أن نغير أنفسنا إذا لم نهتم بها ونوليها حقها من العناية والرعاية؟ في عالم الثقافة المحلية نجد أن الكثير من المثقفين أو من يطلقون على أنفسهم هذا اللقب، منشغلين…

أعراس الثقافة

الأحد ٢٤ أبريل ٢٠١٦

بعد أيام قليلة تحتضن عاصمتنا الحبيبة معرض أبوظبي للكتاب، الذي يشارك في فعالياته أكثر من 1200 ناشر وعارض من مختلف دول العالم، وستشهد أيامه السبعة أحداثاً ثقافية كبرى، توزع خلالها جوائز عدة، بعضها صار على أهمية بالغة، بحيث باتت محط أنظار الجميع، ويترقب نتائجها الكثير من المتابعين والمشاركين على مستوى العالم، وتصبح حديث الإعلام على مدى أيام المعرض، وربما يتواصل صداها بضعة أسابيع أو أشهراً أخرى، لكن الدورة الحالية من فعاليات معرض أبوظبي للكتاب هذا العام تكتسب أهمية استثنائية، كونها تأتي بالتزامن مع إعلان دولة الإمارات عام 2016 عاماً للقراءة، وهي خطوة غير مسبوقة في التنوير أو التثوير المعرفي على المستوى العربي، على أقل تقدير. لا ريب في قيمة ومكانة جائزة الشيخ زايد العالمية للكتاب، وجائزة الرواية العربية (البوكر)، وإلى جانبهما جائزة الإمارات للرواية، وجائزة شخصية العام الثقافية، ومن محاسن الصدف أن شخصية هذه الدورة من جائزة الشيخ زايد للكتاب في عام القراءة هي الروائي العربي العالمي أمين معلوف، وهو تكريم مستحق بامتياز، لِما يتميز به أدب معلوف من إضافة جديدة للفن الروائي، وبعد إنساني شفيف، يجعله نموذجاً فذاً لثقافة التسامح والانفتاح على الآخر. هذا إلى جانب حضور هذه الكوكبة الجميلة من الكُتَّاب والناشرين العرب والعالميين المشاركين في المعرض، إضافة إلى اليانعات الباذخات من أمهات الكتب في الأدب والفن والفلسفة…

الوقت ليس بجانبي

الأحد ٢٠ مارس ٢٠١٦

فرقة «رولنغ ستون»، التي تأسست بداية الستينات الماضية، قدمت أغنيتها المشهورة آنذاك، بعنوان «الوقت مازال بجانبي». والقصد أنه يوجد متسع من الوقت، للقيام بكل ما يتمنى أو يشتهي المرء القيام به. مع احترامي وتقديري لكاتب الكلمات والمغني الرئيس مايك جاغر، ومعه فرقته العالمية «رولنغ ستون»، فالوقت ليس بجانبنا أبداً، ولم يكن معنا أصلاً، حتى نعتقد ضمناً أنه بجانبنا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل فعلاً يوجد متسع من الوقت للقيام بالأشياء الجميلة، التي كنا نحلم بها في حياتنا؟ المؤكد أن الوقت ليس طوع بناننا، ولا هو بمتناول رغباتنا؛ ذلك لأن للحياة تصاريفها، التي تفاجئنا بأسرارها وخفاياها، التي لم تكن يوماً بحسباننا، بمعنى أن للأقدار مشيئتها، حيث تدفع بنا إلى مسارات ودروب لم نتصور يوماً أننا سنختارها، وأننا سنضيع قسطاً من عمرنا في متاهاتها ودواماتها، التي لا يمكن وصفها إلا بالضياع هباءً منثوراً ومنشوراً على السطوح «كمان وكمان»، هذا إذا ما حسبناها بحسبة أحلام النفس وطموحاتها، أو ما كنا نتمنى ونشتهي، إلا أنها بحسبة الواقع أو العقل والمنطق، تبقى محطات ثمينة وغنية بدلالاتها، والمؤكد أنها تركت بصماتها على الروح قبل العقل، وهي التي أسهمت أو لعبت دوراً مميزاً في كل ما صرنا إليه. وهذا هو ديدن الإنسان في كل زمان أو مكان، حيث لا يقنع المرء ولا يرضى بكل ما بين…

هل نستحق السعادة؟

الإثنين ١٤ مارس ٢٠١٦

بحفل افتتاح «عالم ديزني» في مدينة «أورلاندو» بولاية فلوريدا عام 1971، وقف شقيق والت ديزني أمام قصر «سندريلا» في مملكة السّحر، وأعرب عن أمله للجموع المحتشدة، أن «يجلب عالم ديزني الفرح والإلهام لكلّ من يقصد هذا المكان السّعيد». لم يكن ديزني المؤسس وصاحب الفكرة الأولى موجوداً يومها، كان قد رحل قبل ذلك بسنوات. مضى ولم يترك للبشرية قنبلة أو سلاحاً مدمّراً أو حتى جائزة مزيّفة تخلّده، وإنما ترك لنا صناعة مدهشة، عنوانها «الفرح والمسرّة». انتقدني أحد الأصدقاء عندما زرت «ديزني لاند» ذات يوم، ولم أكن أدري حينها، لماذا تُستكثر عليَّ نعمة السّعادة، التي دفعت ثمن تذكرتها عند باب الدخول؟! وضميري العاقّ، الذي يفترض أن يكون في صفّي بدأ يؤنّبني، ويكرّر عليّ ما يشبه معزوفة ذاك الصديق: «ألا تفكّر بالفقراء والمحرومين وضحايا الحروب؟ أنت ترقص وتغنّي وتلعب، وغيرك يتشرّد ويجوع ويتعب!». فوجدت نفسي أقول مدافعاً: «نعم لعبت وغنّيت، ولكنّني لم أرقص»!. إلا أنّ دفاعي لم يكن مجدياً حينها، إذ حالاً بدأ هرمون السّعادة يقلّ، وراحت فرحتي تتلاشى، وأخذت بسمتي تزوي على صفحة وجهي. لماذا يلعب معي ضميري الحيّ، ويختار أجمل الأوقات؛ ليبثّ رسائله المقيتة؟! ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ وهل ما أفعله غير أخلاقي؟ أقصد هل محاولتي أن أفرح بلا حدود غير لائقة، أو ليست شرعيّة أو غير قانونيّة؟ وأنا غارق…

نحن من نضفي قيمة للأشياء

الأحد ٠٦ مارس ٢٠١٦

بقايا القهوة في الفنجان شكلت خطوطاً غريبة، بدت لي كأنها صورة لحيوان مفترس. قلت لصاحبي: هل ترى صورة الحيوان المفترس في قعر الفنجان؟ قال لي: لا أرى شيئاً! ما الذي حدث؟ الخطوط العشوائية كانت بلا معنى، وأنا أسقطت عليها انطباعاتي وصوراً ذهنية سابقة لحيوان مفترس من الذاكرة، كنت أراه واضحاً بين الخطوط العشوائية. وكان صاحبي يبحث عنه. والسؤال الآن لماذا لم نرَ كلانا نفس الصورة والتعابير في قعر الفنجان؟ • الحياة لا تنتظر أحداً، ولا تعبأ بأحد أيضاً، كانت قبلنا وسوف تستمر بعدنا، كم حاولنا أن نبطئ من سرعتها بإضفاء معان وقيمة للأشياء من حولنا، ليتها ولعلها تلتفت لنا، كم حاولنا أن نثبت ملكيتنا للأشياء، ولكن الحياة بعد أن نفنى، في النهاية هي التي ترثنا وترث أشياءنا. وعندما حاولت أن أشرح له بتتبع الخطوط، بدأ يتفاعل وينقل انطباعاته وإحساسه، ويُكَوِّنُ صورة ذهنية قريبة. لقد اختلفنا في الرؤية، رغم أننا نشاهد الصورة عينها. لا يوجد تشابه في رؤية المشهد، فكلانا يرى الأشياء من منطلق مختلف، ويحكم عليها أيضاً من منظور آخر. الزمان والمكان مؤثران في رؤيتنا، وكذلك انطباعاتنا وأحاسيسنا وتراكم المشاهد في حياتنا. ما أراه وأفسّره ليس بالضرورة ما تراه أنت؛ رغم أننا ننظر ونرى المشهد عينه. وعلى هذا النسق هناك أشياء كثيرة في حياتنا، نحن من نضيف إليها ألواناً ورائحة،…

دمية روسية

الأحد ٢٨ فبراير ٢٠١٦

«ماتريوشكا»، هو الاسم المحلي للدمية الروسية المعروفة بشكلها اللافت وألوانها المختلفة. هي حارسة التراث الروسي بالنسبة لمواطنيها، كما يُقال. تأخذ هذه الدمية شكلاً بيضاوياً أنيقاً مع قعر مسطح وقسم علوي وآخر سفلي، حالما ينفصلان تجد بجوفها دمية شبيهة بالأصل، لكنها أصغر حجماً. ولا يسعك التوقف، إذ عليك أن تكمل ما بدأته؛ لأن بداخلها دمى أصغر فأصغر، وكلما فتحت دمية أطلت من الداخل أختها. ويُعتقد أن أضخم دمية بلغ ما بجوفها سقف الثمانين، وأصغرها تبدأ من ثلاث دمى. «ماتريوشكا» تقدم المرأة بلباسها التقليدي على رسومات جميع الدمى، حيث تظهر المرأة على كل رسمة بزي تراثي مختلف، فتجمع ثقافات نسوية مختلفة، تعود لإثنيات عرقية متعددة، تمتد من حدود الصين مروراً بوسط آسيا، وصولاً إلى وسط وشرق أوروبا، وهي الحدود السوفييتية سابقاً. ما يعني أن «ماتريوشكا»، أو هذه الأيقونة الثقافية التي باتت رمزاً للثقافة السوفييتية الماضية والروسية الحاضرة، تقدم المرأة بكل هُوياتها الثقافية في هذا الكيان العملاق. وهي تقول بمعنى آخر، إن المرأة هي الملهمة الأولى في فلسفة الاتحاد السوفييتي السابق، وهو تمجيد لعظمة المرأة، ولكنه ينطوي على تمجيد ضمني للاتحاد السوفييتي عينه، كون تعظيم المرأة هي فكرة إنسانية راقية، وكانت في زمن ولادة «ماتريوشكا» سابقة لعصرها. طبعاً هناك نظرية تقول إن فكرة الدمية مستوردة من اليابان، حيث إن صناعة الدمى في تلك…