خالد الحروب
خالد الحروب
كاتب وأكاديمي عربي

كيف سيُكتب تاريخنا؟

الثلاثاء ٣٠ يونيو ٢٠١٥

كيف سُتكتب في المُستقبل حقبة التاريخ المعاصر التي نحياها الآن؟ وأي الروايات ستكون هي السائدة؟ إذا كنا نحن الناس الذين نعيش هذه الحقبة ونتابعها يومياً، وننعم بوسائل إعلام وتغطيات لم تكن موجودة سابقاً، نقرأ الشيء ونقيضه، ونرى "حقائق" ثم نقرأ "تفسيرات" لا علاقة ببعضها بعضا، وكأن "الحقائق" تحدث في كوكب آخر. لنتخيل مثلاً أن طالباً يدرس التاريخ في الجامعة سنة 2200 يريد أن ينجز بحثاً عن التحولات الإقليمية في المنطقة العربية بين سنوات 2010 و2020، فماذا سيجد على رفوف المكتبة (... الإلكترونية غالباً!). سيجد كتب "تاريخ" متنوعة المنطلقات يركز كل منها على جانب أو جوانب مُختارة من الأحداث التي وقعت في تلك الفترة، ويخلص كل منها إلى خلاصات مختلفة. سيجد كتاب المؤرخ الشهير "سين" وفيه سيقرأ أن حقبة 2010 -2020 شهدت قيام حرب كونية على مجموعة الدول والحركات التي كانت تقود "المقاومة"، وأن تلك الحرب تم التمهيد لها بما سُمي حينها "الربيع العربي"، والذي كان الهدف منه، كما تم "انكشاف" ذلك لاحقاً، اسقاط نظام المقاومة في سوريا، ومحاصرة نظام المقاومة في إيران. سيحشد المؤرخ فلان شواهد و"حقائق" عديدة، أهمها انبعاث "الحركات التكفيرية" التي استهدفت الشيعة وأرادت إثارة حرب طائفية إقليمية، كما ويسلط الضوء على تفسيرات مُنتقاة تؤيد وتدعم وجهة نظره. وبالتأكيد سيكون من ضمن تلك الشواهد، مثلاً، اقتباسات كثيرة لمسؤولين…

خضوع الفقيه.. وتسييس الدين!

الإثنين ٢٢ يونيو ٢٠١٥

«ما استل سيف في الإسلام مثل ما استل على الإمامة»، هكذا قال الشهرستاني، كما يقتبس وجيه كوثراني في كتابه «الفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في تجربتين تاريخيتين، العثمانية والصفوية». ويمكن ببساطة افتكاك مقولة الشهرستاني من سياقها الخاص بإعادة صوغها كالتالي: «ما استل سيف في تاريخ البشر مثل ما استل على الحكم». أُس مسألة السياسة واجتماع البشر، إذن، وجذرها المُتحفز للتفجر يكمن في السلطة والسلطان. ليس هذا حصراً في فضاءات العرب والمسلمين بل هو ديدن البشرية على اختلاف شعوبها وأديانها وثقافاتها. ظلت السلطة هي المغرية الدامية والمُدمية، من أجلها وفي سبيل السيطرة عليها قامت حروب وأبيدت جماعات وأُهلكت دول وأمصار. إذا تم الوصول إلى صيغة ما يمكن عبرها إدارة الصراع سلمياً على السلطة، عندها تنحسر الصراعات وينخفض منسوب الدم، وبدون ذلك فإن دورة العنف لن تهدأ. بيد أن جوهر ذلك الصراع يدور حول خلاصة واحدة، ظل المهمومون بالسياسة من ثيوسيدس إلى الماوردي وصولا إلى ميكافيلي وهوبز يكررونها: كل الوسائل مشروعة في سبيل السلطة. وفي قلب تلك القصة يقع الفصل الأكثر إثارة وهو أن السلطان، وحتى يومنا هذا، لم يجد وسيلة أكثر نفاذاً وفعالية من الدين لتوظيفه في الاستحواذ على السلطة. في كل ديانات وسياسات العالم، انهمك السلطان في السيطرة على المعتقد ليقول لعامة الناس إنه حامي ذلك المُعتقد، وإنه الممثل الشرعي…

ثقافة الدم «الداعشية»

الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠١٥

لعل الخطوة الأولى في العلاج الطويل من «الداعشية» المقيتة التي عششت في بعض جوانب حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية هو الاعتراف بوجودها. «الداعشية» ليست «داعش» فحسب، فهذه الأخيرة إنما هي التمظهر الأبشع للمرض السرطاني. «الداعشية» هي الفكر المتطرف والإقصائي والاستئصالي الذي يمتد من المناهج المدرسية في بعض البلدان العربية، متجسداً في انتشار فكر «ذهنية التحريم» التي تشل العقل والإرادة وتحول الملايين من الناس إلى إمعات وتابعين عميان لهذا المفتي المتوتر أو ذاك. علينا أن نعترف بأن التعاطف الضمني أو العلني مع «داعش» موجود لدى البعض، وربما لم يزحزحه بشكل قوي إلا الجريمة البشعة التي أقدم عليها الأخير بحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة. «كيف وصلنا إلى هنا»؟ هو السؤال الذي ينبغي ألا يتركنا ننام، وكيف صار القتل والدم وإزهاق الأرواح جزءاً من «ديننا ودنيانا» بحسب فهم المتطرفين المنحرفين، نتجادل في مقدار الدم وكيفية الذبح! بعد الاعتراف بمظاهر «التدعش» في حياتنا التي ظلت تنتشر كالوباء المدمر خلال العقود الماضية، علينا أن نستأصل الأصول والجذور الفكرية والثقافية والدينية لـ«الداعشية»، وعلى رأسها الفكر المتعصب ومناهج بعض فقهائه الراهنين والقدماء. لا يتبع مجرمو «داعش» ما أُوثر عن النص القرآني أو النبوي أو الراشدي في عدم قتل الأسرى أو التمثيل بالموتى، ولا محاربة متصومع هنا، أو مترهبن هناك، بل وحتى التأنف عن إيذاء الشجر والنبات، فضلاً عن…

خلط الديني.. بالسياسي

الجمعة ٢٣ مايو ٢٠١٤

إن تشبيك الدين بالسياسة يعد أكبر خطأ مفاهيمي وعملي في آن واحد لأنه يفسد الأمرين معاً، وخاصة عندما يتبجح البعض بضرورة إصلاح الدين للسياسة وهنا مكمن الإشكال الذي لا يمكن معالجته إلا بعملية فك الاشتباك والفصل بين ما هو ديني وسياسي في الشؤون العامة للمجتمعات. ينبغي إبعاد الدين ومتطلباته عن المجال السياسي في المجتمع نظراً لقدسية الأول وسماويته ومتعلقات السياسة البعيدة عن مثالية الأخلاق لأنها ترتكز على المصالح التي ترسي مبادئ العمل السياسي بين الأفراد أو المجتمعات والدول. منذ دخول العالم العربي إلى نفق «الربيع العربي» المظلم وتولي جماعات الإسلام السياسي في بعض الدول دفة الحكم فيها زاد هذا الخلط بين ما هو ديني بحاجة إلى إصلاح أيضاً، خاصة في جانب ضيق الأفق وصعوبة إنزال المفهوم على الواقع المتغير، ومسائل الحكم التي هي بحاجة ماسة إلى مساحة كبيرة من مرونة الحركة نحو الأمام بدل التعلق بقضايا الماضي الذي لا يمكن إعادة إحيائه فقط بمجرد تولي «الإسلاميين» مقاليد الحكم في أجزاء من عالم العرب أو المسلمين. إن ممارسة الحكم شيء وممارسة شعار الدين وطقوسه شيء آخر وليست هناك حكومة في العالم تقف حائلاً دون ممارسة أي إنسان لتفاصيل معتقداته، فهذا ينطبق على كل الجهات الأربع وهو أمر مدرك لدى الجميع، إلا أن الإشكالية تقع عندما يدعو بعض أصحاب ممارسة التعاليم الدينية…

الرواية العربية: «الفصاحة الجديدة»

الخميس ١٣ فبراير ٢٠١٤

في تعقيبه على مضمون وشكل الروايات الفائزة بالقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لهذا العام، يلتقط الناقد العراقي عبدالله إبراهيم بروز ما يسميه «الفصاحة الجديدة» في تقنيات السرد الروائي العربي. لا علاقة لهذه الفصاحة باللغة ذاتها وفصاحتها التقليدية، بل هي تصف الآلية الروائية ذاتها، الصنعة، الأدوات والحيل، التمثيل الصادم، والتوظيف المفاجئ لأدوات خارجة عن التوقع، مُضافاً إلى ذلك الخيال الجامح. انخرط إبراهيم مع أربعة آخرين في لجنة تحكيم الجائزة لهذا العام مما اضطره لقراءة 156 رواية تنافست للوصول إلى القائمة الطويلة أولاً (16 رواية) ثم القائمة القصيرة (6 روايات) والتي أعلن عنها يوم العاشر من فبراير الجاري في عمان. تؤدي هذه التجربة الغنية والمكثفة والتي يجب أن تنجز تحت ضغط الوقت، في خمسة أشهر تقريباً، إلى تكثيف لحظة الاطلاع على خلاصات المنجز الروائي العربي ومقارنته ببعضه البعض، والوصول إلى خلاصات نقدية تفتح مساحات جديدة للنقاش. معنى ذلك أن آلية أية جائزة أدبية، إن اتسمت بالتماسك والديمومة والصرامة، لا تفرز لنا أعمالا أدبية متفوقة ومبدعة وحسب، بل تدفع أيضاً بعملية النقد الأدبي والثقافي إلى آفاق جديدة. وربما يمكن تقديم اقتراح هنا يتمثل في ضرورة الاستفادة من تجربة لجان التحكيم في الجوائز الأدبية، مثل البوكر وغيرها، في تعميق الجدل والنقاش في ميدان النقد الأدبي عبر الاستفادة من أعضاء لجان التحكيم إن…

هل ينهي استبداد الأردوغانية «النموذج التركي»؟

الإثنين ١٢ أغسطس ٢٠١٣

الافتتان بكرسي الحكم والاستبداد بالسلطة مجبولان في جينات البشر. تكاد تتحول هذه الظاهرة، التي لا تني تثبت نفسها أياً كان الزمن والظرف، إلى قانون رياضي يخرجها من نطاق الظواهر الاجتماعية إلى نطاق العلم الامبريقي والفيزيائي. جوهر سيرورة تحول حاكم راشد إلى مُستبد تستنسخ نفسها: ظروف ما، غالباً ما تكون فشل حكم سابق أو فساده تقود هذا الحاكم إلى كرسي الحكم، معبراً عن رغبات غالبية شعبية. في بداية حكمه يقدم الحاكم الجديد نموذجاً مختلفاً عن سابقيه، وينجح في تقديم بديل ما. خلال نجاحه النسبي أو الكبير يكون «كرسي الحكم» قد بدأ يشتغل بطريقته الخاصة في التأثير على الحاكم، وتتحول علاقة الكرسي بالحاكم إلى ظاهرة مدهشة بحد ذاتها. فإن لم تكن هناك آليات دستورية ورقابية تقيد هذا الحاكم يصير الكرسي «الملعون» هو الحاكم الحقيقي وليس من يجلس عليه. يتحكم أول ما يتحكم هذا الكرسي بالحاكم نفسه ويفقده رشده وحصافته. رجب طيب أردوغان حاكم تركيا اليوم هو أحد أهم المُنتسبين الجدد إلى تلك السيرورة التاريخية – يدخلها بقوة وطيش واندفاع. من روبرت موغابي في موزامبيق إلى علي عبدالله صالح في اليمن تفيض الشواهد يساراً ويميناً كل منها يقدم تجربة خاصة و «إضاءة» ما تزيد مما هو مكشوف أصلاً من ظاهرة استبداد كرسي الحكم بمن يجلس عليه. يقول لنا التاريخ الماضي والقريب إن هناك…