محمد النغيمش
محمد النغيمش
كاتب متخصص في الإدارة

علمياً.. وجاهة السبب تُقنِع أحياناً

الخميس ٢٨ يوليو ٢٠١٦

شغلت باحثة شهيرة في جامعة هارفارد، فكرة لماذا يقتنع بعض الناس بسرعة وبجهد بسيط، بينما لا يتطلب الأمر الجهد نفسه مع أشخاص آخرين؟ فعكفت أستاذة علم النفس الاجتماعي إلين لانجر على إجراء دراسة كان يُطلب فيها من أحد المشاركين حمل بضع أوراق والتوجه إلى الشخص الذي يستخدم آلة التصوير ليقول له: من فضلك لدي 5 أوراق، هل يمكنني استخدام آلة التصوير؟ فكانت نسبة الموافقة 60%. ثم توجه الباحثون إلى آخرين لكنهم غيروا من صيغة السؤال فقالوا: من فضلك لدي 5 أوراق، هل يمكنني استخدام آلة التصوير لأنني في عجلة من أمري؟ فارتفعت نسبة القبول إلى 94%. وكان الفارق الوحيد أن الباحثين ذكروا سبباً وجيهاً لطلبهم فلقي قبولاً ساحقاً. وهذا ما يجري على أرض الواقع. فلا يعقل أن تجد مسافراً يرفض أن يُقَدِّم عليه موظف خطوط طيران بالمطار مسافراً آخر حان موعد إقلاع رحلته. ولا يعقل أن نرفض تأجيل عمليتنا الجراحية البسيطة في سبيل إفساح المجال لعملية جراحية حرجة لمريض آخر. وكم من مرة تنازلنا عن دورنا أو ضحينا بكرسينا لمسن منكسر. فنحن بطبيعتنا نتفهم ظروف الناس إن كانت قاهرة ونرفض من يتلاعب أو يستخف بعقولنا. وهذه الفطرة السليمة يمكن استخدامها بالوقت المناسب في تبرير أعمالنا وأقوالنا وإقناع الآخرين بما نريد. ويعد تبرير القرارات أو الطلبات المستعصية قضية مهمة في القيادة…

«مشية المجرمين» المشبوهة!

الخميس ٢١ يوليو ٢٠١٦

من ثمار ابتعاث دولة الإمارات لمواطنيها لدراسة علم حديث، وهو البصمة الحركية أو «المشية» في بريطانيا، أن عناصرها الأمنية نجحوا في الكشف مؤخرا عن هوية متهم من «طريقة مشيته» وذلك حينما تعرض لامرأة ولم تتمكن كاميرات المراقبة من تصوير قسمات وجهه. ومن محاسن الصدف أن د. حمد منصور العور، المختص في البصمة الحركية في الإدارة العامة للأدلة الجنائية وعلم الجريمة في دبي الذي ابتعث خصيصا للقاء عَلَم من أعلام بصمة الحركة د. مارك نيكسون قد التقى مصادفة بالباحث السعودي د. عماد جاها الذي بعثته بلاده لدراسة تقنية جديدة يعد السعودي أول من يطرحها في العالم وهي «بصمة الملابس». يقول لي د. عماد إن د. العور سُر حينما علم أن هناك عربياً يعكف على دراسة نقلة جديدة في التعرف على المجرمين. ما لفتني حقيقة أن د. نيكسون، من جامعة ساوثهامبتون البريطانية، كان مترددا في أن يشرف على رسالة دكتوراه د. عماد لتوقعه بأنها ستكون عديمة الجدوى. غير أن «النتائج كانت مفاجئة»، كما قال، وهو ما دفعه إلى عمل أربعة أبحاث علمية مع المبتعث السعودي لتنشر في الدوريات العلمية المرموقة. وأهمية هذا الموضوع تكمن في أنه رغم حداثته إلا أنه قابل للتطوير مثلما حدث بداية مع بصمة الإبهام التي أصبحت الآن أكثر إتقاناً، ولا يخلو منها مطار أو مؤسسة أمنية في العالم.…

هكذا تحسب مقدار سعادتك

الخميس ٠٧ يوليو ٢٠١٦

عندما يبتهج كل من حولك في الأعياد والمناسبات الاجتماعية وتبقى وحيداً مُقَطِب الحاجبين قد يكون «التوقع» أحد أسباب المشكلة. ذلك أن عدم شعورنا بالسعادة، تجاه أمر ما، قد يعود للمبالغة في رفع سقف توقعاتنا، فيأتي الواقع مخيباً للآمال. تماماً مثل من ينتظر السفر إلى بلد كان تواقاً لرؤيته ثم تأتي صدمة الواقع السلبي فور زيارته. إن معايير قياس السعادة عدة. وقد خصصت دول قليلة منها دولة الإمارات وزارة متخصصة في قياس سعادة الناس. غير أنني هنا أتحدث عن معيار أو معادلة بسيطة جداً للسعادة يمكن استخدامها كمؤشر في يومياتنا. وتتلخص في التالي فحينما تتوقع الحصول في اختبار ما على 9 من 10 ثم تكون النتيجة 4 فإن مقدار تعاستك أو صدمتك هو 5 درجات بالسالب (أي 4 مطروحة من 9)، والعكس صحيح، حينما تتوقع الحصول على 4 درجات فقط، وتكون النتيجة المفاجئة حصولك على 9 درجات، فإن مقدار سعادتك هو 5 درجات بالإيجاب (9 مطروحة من 4). بعبارة أخرى مقدار رضا أو سعادة المرء يكون بطرح الواقع من التوقع. وربما هذا ما دفع نجمة أميركية إلى أن تقول عبارة جميلة، علقتها على جدار مكتبي، وهي أنك «لن تكون أسعد مما تتوقع، لتغير مقدار سعادتك غير مستوى توقعاتك». وربما ينطبق هذا على ما نشاهده من أفلام وبرامج كنا ننتظرها بفارق الصبر،…

العرب وعقدة من القائل

الخميس ٢٣ يونيو ٢٠١٦

لا يكفي البعض أن تكون حجتنا دامغة، فما إن يعلم مصدر المعلومة أو الحكمة، حتى يكابر ويرفضها، متناسياً أن الحكمة ضالة المؤمن. هؤلاء ينسون أن من سطر أروع الأمثال الشائعة، والأبيات الشعرية الخالدة، كانوا أناساً لم يخلوا من عيوب، لكنهم كسائر الخلق، لا بد أن تنطق أفواههم بكلمة حق، أو مقولة تثري النقاش، أو تدفع المتحاورين للنظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة. وهذا ما انتبه إليه المعهد الملكي للشؤون الدولية، الشهير باسم »تشاتام هاوس«، الواقع في قلب لندن منذ عام 1927، حيث ابتكر نظاماً جميلاً لتنظيم النقاشات المثيرة للجدل وإثرائها، وهي »قاعدة تشاتام هاوس«، التي تسمح للمشاركين بالمناظرات والنقاشات السياسية والاجتماعات الداخلية بحرية، باستخدام معلوماتهم، من دون الحاجة للكشف عن هوية أو انتماء المتحدث. وتهدف هذه القاعدة الإنجليزية، إلى إفساح المجال للمتحاورين، بإخفاء مسمياتهم أو أسمائهم أو انتماءاتهم أو الجهة التي ينتمون إليها. وهذا المناخ الصحي من السرية، يدفع المشاركين إلى البوح بأريحية بآرائهم وأقوالهم، حتى وإن تعارضت مع توجهات أحزابهم، مثلاً. يا لها من فكرة رائدة، تحتاجها شعوبنا العربية لتفضفض عن مكنوناتها، بعيداً عن سيف الرقيب، أو من يمعنون في تصنيف الناس، وكرههم قبل أن يصغوا جيداً إليهم. أذكر أن اسماً مستعاراً أشغلني في تويتر باسترساله في نقاش وأفكار مثمرة، فقلت له لم، لا تكشف عن اسمك، ونتحاور معاً…

احمل رصاصة في جيبك!

الخميس ٠٢ أبريل ٢٠١٥

كنت في حوار مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط» الأسبق طارق الحميد، حول إحدى مقالاته، كما أفعل عادة مع الزملاء العرب. سألته: لماذا لم تضف في مقالك «كذا وكذا»؟ فقال: لم أنسَ، ولكنني «دائمًا أحتفظ برصاصة في جيبي»! وهي كناية عن أنه يدخر بعضا من الحجج ليستخدمها لاحقا ضد من يهاجمونه. وهذه المقولة ذكرتني بأمور كثيرة نمارسها في حياتنا تندرج تحت المفهوم نفسه. ففي الإقناع مثلا يفضّل دائمًا أن يحتفظ المرء بحجة دامغة ليفاجئ بها خصمه في نهاية الحوار. فكما أن الحرب خدعة كذلك الحوار والإقناع. وليس من الحكمة أن «تحرق» كل أوراقك، فلا بد من شيء تدخره مثل الوقود الاحتياطي في الطائرة الحربية والسيارات الحديثة. وكذلك يفعل المتسابقون في حلبات السباق ومضمار الجري يبقي المتفوق منهم شيئا من طاقته للحظة الأخيرة ليباغت الجميع. والمتابع للأفلام الوثائقية المهنية يجدها تختم فقراتها بعبارة بالصميم لترسخ في الذهن، وهي الطلقة الأخيرة التي يبقى صداها عالقا في الأذهان. الحال ينطبق على البرامج التلفزيونية، ففي ختام الفقرة يذكر المذيع أمرا يثير الاهتمام ثم يقول: «نناقش ذلك بعد الفاصل»، وهو أسلوب احترافي في تشويق وإقناع المشاهد بأن البرنامج مستمر في مادة تهمك. ونفعل ذلك أحيانا نحن معشر كتاب الأعمدة لتكون الخاتمة أوقع على القارئ. وفي ميادين العمل التي تحفل عادة بالبيع والشراء ومحاولات استمالة الناس نحو…

من هو القائد الحكيم؟

الجمعة ٣٠ يناير ٢٠١٥

سُئِل سقراط: «لماذا تم اختيارك كأحكم حكماء اليونان؟»، فقال: «ربما لأنني الرجل الوحيد الذي يعترف بأنه لا يعرف». والمتأمل لهذه العبارة يجد أنها بالفعل إحدى صفات القائد الحكيم، وهي أنه لا يتباهى بمعارفه بل يضعها رهن إشارة السائل، ولا تتدفق درره ومعارفه إلا وقت الحاجة. والقائد الحكيم يؤمن بأن «الأفعال أبلغ من الأقوال»، ولذا يدرك أهمية ممارسة أسلوب القدوة الحسنة أو «Leading by example». والقائد الحكيم هو الذي يفرق بين «السرعة» في اتخاذ القرار حينما تكتمل أركانه، وبين «التسرع» الذي يجانبه الصواب في أحيان كثيرة. ومن علامات الحكمة حينما نرى في خضم النقاشات الصاخبة والعقيمة كيف يفرق القائد في مداخلاته بين الرأي والحقيقة. فالحقيقة مسلمات قلما تكون مجالا للنزاع.. أما رأينا فصواب يحتمل الخطأ كما قال الشافعي. وسميت الحكمة بذلك لأنها تأتي من «حَكم» الشيء أي أجاد إحكامه، ومن تعريفاتها معرفةُ أفضل الأشياء بأَفضل العلوم.. وهذا أحد الأسباب التي تدفع بالقائد الحكيم لأن يحيط نفسه بأفضل المستشارين البارزين في مجلاتهم ويصغي لهم ويحترمهم بنفس الدرجة التي يزدري فيها المنافقين والمطبلين من حوله. كما أن ارتباط الحكمة بالعلم كما قلنا يجعل القرارات الحكيمة قابلة للاستيراد، وذلك باستشارة أصحاب الخبرات. وكما قال الشاعر: «فخذوا العلم على أربابه.. واطلبوا الحكمة عند الحكماء». وقال أيضا: «إذا كنت في حاجة مُرْسِلا.. فأرسل لبيبًا ولا توصهِ..…

«عقلية القطيع»

الخميس ٢٢ يناير ٢٠١٥

حينما تسير في شارع مزدحم فيقفز شخص ما أمامك فجأة ستقفز مثله لا شعوريا، ثم تتأكد بعد ذلك عن سبب هذه القفزة، لربما كان يريد تفادي الوقوع في حفرة! هذا التصرف العشوائي يسمى «عقلية القطيع» وهي نظرية أجري عليها عدد من الدراسات التي أثبتت أنها تعكس واقع الحال. فأحيانا، مثلا، تجد نفسك تصفق فجأة مع الجمهور في ندوة مهمة أو مسرحية هادفة رغم أنك سرحت لبُرَهٍ ولم تسمع بوضوح سبب التصفيق! وكذلك الحال ربما تصرخ واقفا على مدرج مباراة كرة قدم مع الجمهور عند تسديد هدف رائع مع أنك لم تشاهد الكرة تدخل فعليا شباك المرمى. إنها عقلية القطيع التي تتحكم في بعض تصرفاتنا. وقد أظهرت بالفعل دراسة لجامعة ليدز البريطانية السبب الذي «يدفع مجموعات من البشر لتقليد البعض بصورة لا واعية تماما مثل ما تفعل الأغنام والطيور»، حيث تبين أن «5 في المائة من البشر يؤثرون على 95 في المائة من توجهات هذه الأغلبية من دون أن تشعر». وفي إحدى التجارب العلمية طلب من مجموعات كبيرة السير في قاعة فسيحة جدا وأن يكونوا على مسافة ذراع واحدة من الآخرين شريطة ألا يُسمح لأحد بالتحدث مع أحد ولا حتى إبداء أي إيماءة جسدية. وتم تزويد مجموعة محددة من المشاركين سرا بمعلومات عن خط سير الرحلة داخل القاعة، ثم تبين أن…

فكّر قبل أن تحكم

السبت ٢٠ ديسمبر ٢٠١٤

هرع أحد الأطباء إلى المستشفى فور تلقيه اتصالا هاتفيا لإجراء عملية جراحية عاجلة. وحينما وصل وجد والد الطفل المريض ينتظره في الممر وقد انتفخت أوداجه فصب على الطبيب جامّ غضبه، وقال بصوت مرتفع: «لماذا تأخرت يا دكتور! ألا تعلم أن حياة ابني في خطر، أليس لديك ذرة شعور بالمسؤولية!». صدم الدكتور، لكنه ابتسم ابتسامة صفراء واعتذر، ثم قال للأب: «لقد كنتُ خارج المستشفى وجئت بأقصى سرعة، فأرجو أن تهدأ وتطمئن حتى أؤدي واجبي على أكمل وجه». رد الأب غاضبا: «أهدأ؟! لو كان ابنك في مكان ابني لما تصرفت بهذا البرود.. ما شعورك حينما يلقى ابنك حتفه وهو ينتظر حضرة الطبيب يصل متأخرا إلى غرفة العمليات!». ابتسم الطبيب مجددا وقال: «لا تقلق، سنبذل قصارى جهدنا لإنجاح العملية، ولا تنس ابنك من صالح دعائك». أطلق الأب تنهيدة غاضبة وهمهم بكلام غير مفهوم نمّ عن امتعاض شديد. استغرقت العملية بضع ساعات. ثم خرج الطبيب وقد تهللت أساريره، وقال للأب: «أبشرك؛ لقد نجحت العملية وصحة ابنك على ما يرام». لم ينتظر الطبيب رد الأب فمضى وهو يقول: «إن كان لديك سؤال فيمكن للممرضة أن تجيبك». الأمر الذي فاقم من غضب الأب، فالتفت إلى الممرضة، وكانت تتابع كل المشهد منذ البداية، فقال لها: «ما هذا الغرور؟! ألا يقف ويتأكد إن كان لدي أسئلة معينة». فاغرورقت…

أنت.. الشرطي الوديع!

الجمعة ٢٨ نوفمبر ٢٠١٤

هناك تكتيك سيكولوجي شهير يلعبه عادة محققان في محاولة منهما لاستنطاق متهم ما أو دفعه للاعتراف بجريمة ارتكبها. فمثلا حينما يعذب أو يعنّف أو يهدد أو يضرب «محقق سيئ» متهما فإنه يتفق مع المحقق «الوديع» ليأتي ويعامل المتهم بلطف ثم يعقد معه اتفاقا كان يقول له: «لا عليك إذا اعترفت أنا سأخرج من هذا المعتقل، أو إذا قلت كذا سأخرجك من السجن الانفرادي إلى آخر مريح». وهذا الدور الوديع ليس مقتصرا على أروقة التحقيقات، فكثيرا ما نحتاج إلى وداعة في التعامل مع الآخرين، لا سيما حينما يأخذ هؤلاء قسطا كافيا من التوبيخ من المسؤول الذي يعلونا جميعا كالمدير العام أو الوكيل وغيره. ولأن الوديع لغة مشتق من «الوداعة»، أي الشخص الهادئ الساكن ذو لين ودعة، فإن الموظف الوديع كثيرا ما يجد فيه الموظف المهموم ملاذه. فهو أذن صاغية وحانية تبدو كالحمل الوديع. لكن هذا الحمل الوديع سرعان ما يتحول في بعض الحالات إلى ذئب يكشر عن أنيابه عندما يريد أن يوقف أحدا عند حده. وهذا هو التوازن المطلوب في العلاقات الإنسانية. ولولا المحقق أو «الشرطي الفظ» (bad cop) الذي يعنّف ويتهم ويهين وينغص على المرء عيشه لما برز دور الشرطي الوديع المتعاطف (good cop). فلا بد من وجود حالة يتعاطف معها شخص فيكسب مودة المتضرر. فمصائب قوم عند قوم فوائد.…

القائد الملهم والتقليدي

الجمعة ٠٧ نوفمبر ٢٠١٤

عندما تأمل عالم الإدارة د. جيمس بيرنز عبر دراساته الشهيرة، القادة، وجدهم ينقسمون إلى نوعين. الأول قائد تحويلي (transformational)، أي لديه المقدرة على إجراء تحول أو تغيير نوعي في المؤسسة وفي أتباعه. ولذا فهو يتمتع بمقدرة كبيرة على تحفيز من حوله لأنه «ملهِم» ومحفز ولديه رؤية ثاقبة ولا يعمل لنفسه، بل لمصلحة المؤسسة. وهذا النوع يذكرني ببعض القادة ممن ينحصر جل اهتمامهم في حماية كراسيهم ربما لأنهم موقنون بضعفهم فتجدهم مثلا يتحاشون تعيين نواب لهم خشية أن «يخطفوا منهم الأضواء». ومنهم من لا يهدأ له بال إلا بإحاطة نفسه بضعفاء يسيرهم كيفما شاء، ولا يعلم أن القائد يستمد قوته من قوة فريقه. ولحسن الحظ، فإن هذه السلبيات لا يفعلها القائد التحويلي المؤثر. أما النوع الثاني فهو القائد الإجرائي (transactional)، أي «التقليدي» الذي ينصب جل اهتمامه على تسيير الإجراءات اليومية. فهو ديدنه التأكد من أن أتباعه أو مرؤوسيه يطبقون الأهداف المكتوبة. ويعاملهم بمبدأ الثواب والعقاب، ولذا فإن علاقته مع الآخرين «تبادلية»، وهو اسم آخر اشتهر به هذا النوع من القيادة. هاتان النظريتان انتشرتا بشكل كبير في عالم الإدارة، وهما من الأنماط الحديثة في القيادة حتى جاء علماء من أمثال الدكتور برنارد باس ورفاقه فتمكنوا عبر نموذج تقييمي من قياس صفات محددة تحدد من هو القائد التحويلي الذي تظهر بصماته الجادة في…

التعليم وغباؤنا!

الجمعة ١٠ أكتوبر ٢٠١٤

أرسلت لي قارئة صورة ضوئية لاختبار ابنها (7 أعوام) الذي يدرس في مدرسة أميركية بالخليج العربي، وقد وضعت له المعلمة علامة الخطأ على إجابته عندما اختار أن يضع علامة تعجب (!) في نهاية الجملة التالية: «الأب يصنع بسكويت الكوكيز!». فغضب الطفل من إصرار المعلمة على ضرورة أن يختم الجملة «بالنقطة» وليس بعلامة التعجب! والسبب كما قال لأمه أنه لم ير قط أبا يصنع البسكويت في المطبخ. هذا الطفل بالتأكيد ليس غبيا؛ لأنه أعمل عقله وتأمل في واقعه، فكانت إجابته واقعية، على الأقل في منزله أو في مجتمعه، لكن المشكلة في رأيي تعود إلى فكرة «الاختبارات الموحدة» التي تمنح جميع الطلبة، على اختلاف قدراتهم وإبداعاتهم، ورقة صغيرة لنقيمهم معا، وكأننا نحاول إنتاج علب موحدة في مصنع! ذكرتني هذه الحادثة بمقولة العالم أينشتاين حينما قال إن «كل فرد منا فيه عبقرية، غير أنك حينما تحكم على السمكة من خلال مقدرتها على تسلق الشجرة فذلك يجعلها تمضي سائر حياتها معتقدة أنها غبية»! وذلك ينطبق على فكرة الاختبارات؛ إذ إن الاختبارات المدرسية لا تعكس بالفعل مقدرة الفرد الحقيقية. والدليل أن كثيرا منا فوجئ في بيئات العمل بالقدرات المميزة لطلبة لم يكونوا يوما من أوائل الطلبة المتفوقين، لكن قدراتهم الفذة تدفقت حينما انخرطوا في ميادين الحياة والعمل. وهذا ما دفع التربويين، على ما يبدو، لتداركه…

قوة الأرقام في قراراتك

الخميس ٠٢ أكتوبر ٢٠١٤

الأرقام ليست مهمة في القرارات المؤسسية فحسب، بل حتى على الصعيد الفردي. فحينما تقرأ مثلا أن 25 في المائة من الشعب الخليجي مصاب بداء السكري وأن 40 في المائة منه يعانون من أمراض السمنة أو أن الأسباب الثلاثة الرئيسة للوفاة في بلد ما، هو مرض كذا وكذا فمن البديهي أن تتوقع أن يشمل أي برنامج عمل للحكومة خطوات أو حلول عملية تستفيد من هذه المعطيات الرقمية. وما يميز المؤسسات في العصر الحديث عن العصور السابقة أن بيوت الاستشارات ومراكز الإحصاء تقدم لها على مدار العام معلومات دقيقة تسهل وتدعم عملية اتخاذ القرار. وهذا يذكرني بمقترح أطلقه قبل أيام أحد نواب برلمان بإغلاق كلية بكاملها في جامعة عربية عريقة بحجة أن مخرجاتها لا تفيد سوق العمل، فثارت ثائرة المعارضين فطالب العقلاني منهم أن يُدَعّم هذا الاقتراح على الأقل بدراسة. والدراسات العلمية المحايدة خير من إلقاء المقترحات جزافا. مثال آخر، يظهر قوة الرقم في اتخاذ القرار المؤسسي هو توافر معلومات رقمية عن عدد الجرائم وأنواعها وأوقاتها، ونسب عالمية ومحلية تظهر مستوى التعليم والصحة وغيرهما وتقارنها مثلا بمؤشرات أداء عالمية. هذه المعلومات تسهل مهمة تفاعل المسؤولين وحتى مؤسسات المجتمع المدني والشركات معها فيستفيد كل منهُم بدوره من تلك المعلومات. وحتى الباحثين يمكن أم يستندوا إلى هذه الإحصائيات. وهنا تجدر الإشارة إلى الفارق بين…