خاص لـ هات بوست:
يبدو أن أبطال الروايات… لم يعودوا كما كانوا.
ببالغ الأسى، أنعي إليكم أبطال الروايات. أولئك الذين عشنا معهم الرحلة، واجهنا معهم الصعاب، عايشنا مشاعرهم وتداخلنا مع ذاكرتهم فباتوا جزءاً من تكويننا ومن ذاكرتنا. هؤلاء الأبطال.. لم يعد لهم وجود.
كنا نعرف البطل حين نراه. لم نكن نحتاج إلى شرح أو تحليل أو تأويل. يكفي أن نراه في موقفه الأول، فنعرف أنه البطل المنشود، صاحب الرحلة. أما اليوم، فنحتاج أولاً أن نفهم: هل هذا الذي يتحدث هو شخص واحد… أم عدة أصوات تسكن رأساً واحداً؟
لم يعد البطل ذلك الكائن الذي يسير في مسار واضح: يتعثر، ينهض، يخطئ، ويتطوّر، ثم يصل. لم تعد الرواية رحلة بالمعنى التقليدي. في كثير من الأعمال المعاصرة، تحولت إلى حالة؛ غرفة مغلقة، وسقف يتأمله البطل، ووعي متشظٍ ينعكس على الصفحات.
وفي عدد كبير من الروايات الحديثة، يبدو أن الشخصية الرئيسية لم تعد بطلاً بالمعنى الكلاسيكي، بل إنساناً مأزوماً، قلقاً، أو ممزقاً بين طبقات من الوعي والذاكرة والهواجس. وغالباً ما يتحدث بأكثر من صوت، ويتنقل بين أزمنة وأمكنة متداخلة. ببساطة لأن التشظي الما بعد حداثي هو سمة السرد المعاصر، ولتتبوأ لروايتك مكانة في الصف الأول، يجب أن تواكب سمة العصر.
ولا يعني ذلك أن هذا الاتجاه بلا قيمة، بل ربما يعكس قلق الإنسان المعاصر، وتحوّلاته النفسية والفكرية، ومحاولته لفهم عالم أكثر تعقيداً وتشظياً. لكن الإشكال يظهر حين يتحول هذا الأسلوب إلى صيغة جاهزة، أو وصفة متكررة.
أفتقد خالد بن طوبال بطل رواية ذاكرة الجسد، هذا البطل الهادئ الرصين والقوي المتماسك الذي لم يهزمه إلا الحب بعد رحلة فدائية طويلة وتجربة فنية عريقة. أفتقد مصطفى سعيد بطل رواية مواسم الهجرة إلى الشمال وكل ما فيه من سحر. وأفتقد سانتياغو بطل العجوز والبحر، وجان فالجان بطل البؤساء. حتى هولدن كوبرفيلد بطل الحارس في حقل الشوفان، مع أنه مأزوم نفسياً وعقلياً ربما، إلا أنه بطل. بطل حقيقي قادر على حمل ثقل رواية كاملة.
وإن كان التشظي يعني تعدد الرواة بدون تمييز مباشر بينهم، وتعدد الأزمنة والأمكنة وتداخلها بدون أي مقدمات من الكاتب. فيبدو أن الكتّاب وجدوا أسهل طريقة لخلق هذه الأجواء هي عن طريق فصم البطل نفسياً. بحيث تتعدد شخصياته وتتداخل أحلامه بذكرياته بواقعه. ومع بعض الخلط بين الماضي والحاضر تصبح الوصفة السحرية جاهزة. رواية معاصرة.
وأضف إلى ذك، أنه لتكتمل الوصفة نحتاج بعض السوداوية.. والاختناق.. وليضرب القارئ رأسه بالحائط. فزمن القراءة للمتعة ولّى.
لم تعد صديقي القارئ ذلك الانسان المثقف اللطيف الحالم.. الانسان العادي الذي قد يفترش رمل الشاطئ ويمسك كتاباً يقرأه. أو تجلس في حديقة وأطفالك يلعبون حولك وبيدك رواية تقرأها وتسرح مع أحداثها وشخصياتها.
لأن ما يحدث في كثير من الروايات لم يعد اشتغالاً فنياً واعياً على التشظي، وإنما اختزال له في حل سهل: فبدلاً من بناء تعدد أصوات حقيقي، يكسر الكاتب شخصية بطله. وبدل خلق تعقيد سردي مبرر، يُلقى القارئ في فوضى ذهنية لا نهاية لها.
وهكذا تصبح الوصفة جاهزة: بطل مضطرب، زمن مفكك، واقع يختلط بالهذيان، وطبقة كثيفة من السواد والاختناق. والنتيجة: قراءة مرهقة منهكة ورحلة سوداوية قاتمة.
والقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2026 تقدم مثالاً لافتاً على هذا الاتجاه. إذ نجد أن عدداً من الروايات المرشحة تعتمد على شخصيات تعاني من تصدعات نفسية أو ذاكرية، وتتحرك داخل فضاءات سردية متداخلة بين الواقع والخيال.
في منام القيلولة لأمين الزاوي تتوزع الحكاية على ثلاث شخصيات تعيش انقاسامات نفسية واضحة، كل منها يعيش تصدعاته الخاصة، حتى يصبح التفكك النفسي هو المحرك الأساسي للسرد.
ادريس نراقبه من الخارج ولا نعرف دواخله لأنه بحكم الجميع مجنون. أما حليمة وعبد القادر المخ فمفصومان صراحةً وبكل وضوح وتُروى جل الرواية من منظورهما. حليمة الراوية، التي أفرد لها الكاتب أكبر عدد من الصفحات، تعيش التخبط الفصامي الأوضح مع تعدد الشخصيات التي تتخيل وجودها في منزلها وتحادثها أو تتفاعل معها وأنت القارئ لا تعرف متى يتواجد هؤلاء الأشخاص حقيقةً ومتى يغيبون. يقاطع تفكيرها دائماً بكاء توأمها الحسن والحسين، وهما طفلان ذكرت لها جارتها أنها رأتهما في منامها. لا وجود لهما.
أما في رواية فوق رأسي سحابة لدعاء ابراهيم، فالرواية تبدو وكأنها ثقب أسود نعبر من خلاله إلى عقل نهى المريض، لنلمس عن كثب كل التقلبات النفسية والعقلية لضحية سايكوباتية تحولت وحشاً متبلد المشاعر.
البطلة امرأة تتكلم وتمنحك كقارئ كل دواخلها دفعةً واحدة. تصف بدقة متناهية ما يجري معها وتسبغ عليه أفكارها وأحلامها وكوابيسها وذكرياتها دون الفصل بين مستوى وآخر. وتتنقل بسلاسة لم يحدث أن قرأت لها مثيلاً بين قصة وأخرى، وجثة وأخرى، وقتيل وآخر. ويمر بين السطور حواراً مقتضباً، لا تدرك كقارئ أهو بين البطلة ونفسها أم أن غراباً حقيقياً قابعاً على أكتافها يملي عليها أوامره.
أسلوب الكاتبة سريالي عبثي بامتياز، ومع ذلك بمنتهى الترتيب والمنطقية في التكشّف والإيضاح. الرواية متأثرة بنمط كتابة قصص المانجا اليابانية وما فيها من سوداوية أولاً وشخصيات ظلامية بلا دافع ثانياً
وفي رواية غيبة مي لنجوى بركات البطلة سيدة ثمانينية لا تعاني مرضاً عقلياً أو نفسياً حقيقياً إلا أن أن ذاكرتها تخونها بسبب السن، ومع أنها أكثر رواية طبيعية وبعيدة عن تشظي العصر إلا أن موضوعها الأساسي يركز على فقدان القوى العقلية لإمرأة مسنة… تستدعي في مرحلة ما نفسها الشابة وتحادثها.
الحكاية تعتمد على تآكل الذاكرة بوصفه آلية سرد، حيث تتحاور الشخصية مع نسختها الشابة في تداخل زمني ونفسي محيّر للقارئ أحياناً. والحقيقية أن مي الثمانينية كانت بحاجة أن تفهم ما حدث لها بعمر العشرين، فاستضافت، مرغمةً، مي العشرينية ودخلت معها في حوار صريح صادق مؤلم امتد لليلة كاملة.
وفي أصل الأنواع لأحمد عبد اللطيف، يتخذ التشظي بعداً ديستوبياً، حيث يتفكك الإنسان ذاته، جسداً ولغةً وشعوراً، في عالم خانق يفقد توازنه، ويسير مهرولاً إلى الفناء. يفقد أبطال الرواية، رام وبشتان ويحيى وفاتن، أصابعهم أو شعرهم أو أعضائهم الحميمة كنوع من التطور العكسي الذي سيؤدي لفنائهم. ويسيرون مع بقية أحياء وأموات المدينة في رقصة الحياة القاتمة بسرد سريالي خانق لا فواصل فيه، حرفياً.
لا ألوم أحمد عبد اللطيف فهو بالنهاية سار على خطى كراسناهوركاي الذي حاز نوبل للآداب لعام 2025 وأهم ما يميز كتاباته هو أنها: غالبا ما تدور عوالم كراسناهوركاي في أجواء رمادية خانقة، حيث تختلط النبوءة السياسية بالهذيان الوجودي، ويتقاطع الجد مع العبث. وفي رواياته، ينهار النظام الاجتماعي كما ينهار الإيمان، ويغدو الإنسان كائناً تائهاً على حافة الكارثة، يبحث عن معنى في عالم فقد توازنه. (العربية.نت، 09 أكتوبر 2025)
أربع روايات من أصل ست، تجعل من التفكك النفسي مدخلاً أساسياً للسرد. هل هذه صدفة؟ لا أعتقد ذلك، وأخالها اتجاه.
والمشكلة ليست في التشظي نفسه، وإنما في اللجوء إليه كحيلة جاهزة وبديل عن بناء درامي حقيقي للرواية.
في المقابل، تبرز روايتان خرجتا من هذا القالب.
رواية الرائي: رحلة دامو السومري لضياء جبيلي، والتي تنحاز إلى مشروع مختلف، حيث السرد ممتد عبر الزمن، وقائم على فكرة الخلود، يعبر الحضارات بدل أن ينغلق داخل ذهن مريض.
ورواية أغالب مجرى النهر لسعيد خطيبي التي تتبنى تعدد الحكايات الاجتماعية والسياسية، حيث يتشكل الصراع من شبكة علاقات ودوافع، تنتهي بجريمة الكل فيها متهم.
للإنصاف، الروايات الست تحمل قيمة أدبية وسردية تستحق التقدير، رغم قتامتها وسوداويتها. والمواضيع المطروحة أغلبها ملحة ومصيرية، حتى تلك القديمة منها. لكن القلق الذي يطرح نفسه هو أن تتحول هذه السوداوية والتشظي إلى ديدن الكتّاب قاطبة، فلا نعود نجد رواية مسلية أو ممتعة. وما بال الكتّأب يحملّون الأدب أكثر مما يطيق؟؟ نعم هو وجد ليحمل ويعكس قضايانا، ولكنه أيضاً موجود للمتعة وللترفيه وللتغني بجمالية اللغة. أين روايات اليوم من كل هذا؟
وكخاتمة، وباختصار.. إذا أردت أن تكتب رواية معاصرة اليوم، فالأمر بسيط. خذ بطلاً، حطّمه نفسياً، اخلط ذاكرته بأحلامه، دع الزمن يتفكك، وأضف طبقة كثيفة من السواد. مبروك! لديك عمل مرشح لجائزة.
