مهرة سعيد المهيري
مهرة سعيد المهيري
كاتبة إماراتية

صلابة الخليج في مواجهة حرب إيران

آراء

منذ 28 فبراير(شباط)، دخلت المنطقة واحدة من أخطر مراحلها التاريخية، مع تصاعد الحرب الإيرانية، في صراع مفتوح متعدد الأبعاد.

ورغم أن دول الخليج ليست طرفاً في هذه الحرب، فإن إيران نقلت المواجهة فعلياً إلى أراضيها، عبر هجمات مكثفة ومنظمة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدفت أمنها واستقرارها ومنشآتها الحيوية.

وتكشف تلك الاعتداءات الإيرانية الإرهابية التي تتزايد أرقامها كل يوم، اتجاه بوصلة التصعيد، وتطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا الصراع، وأولوياته، ومن يتحمل عبء تبعاته الفعلية على الأرض.

لكن الرد الخليجي لم يكن انفعالياً أو متسرعاً، بل اتسم بدرجة عالية من الحكمة والانضباط، حيث تم التركيز على الدفاع وحماية الداخل، بدلاً من الانجرار إلى التصعيد.

هذا السلوك يعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً، قائماً على قراءة دقيقة لتداعيات أي خطوة غير محسوبة.

اعتمدت دول الخليج على قدراتها الدفاعية المتطورة في التصدي لهذه الهجمات، حيث تم اعتراض وإسقاط عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة قبل وصولها إلى أهدافها، هذا الأداء يعكس جاهزية عالية، ويؤكد أن الاستثمار في منظومات الدفاع لم يكن خياراً عابراً، بل ضرورة استراتيجية أثبتت أهميتها في لحظة الاختبار.

هذا النهج الدفاعي لم يكن فقط لحماية المنشآت والبنية التحتية، بل كان أيضاً لحماية الأرواح، والحفاظ على الاستقرار الداخلي. وهو ما يعكس إدراكاً بأن الهدف الحقيقي هو تجنب الانزلاق إلى فوضى شاملة، قد تكون كلفتها أكبر بكثير من أي مكاسب محتملة.

فالحكمة هنا لم تكن ضعفاً، بل كانت خياراً استراتيجياً مدروساً، يوازن بين الحزم وضبط النفس.

المواقف الدولية، رغم أهميتها، لم تكن كافية لطمأنة المنطقة، وهو ما عزز الشعور بأن الخليج يواجه هذه التحديات بشكل شبه منفرد، وهذا الواقع كشف حدود التحالفات، وأعاد طرح تساؤلات حول مدى الاعتماد عليها.

وهنا برزت حالة من ارتباك المواقف الدولية وغموضها بشكل غير متوقع، ليس فقط في مواقف بعض القوى الكبرى، بل أيضاً في أداء دول كانت تُصنَّف ضمن دوائر الدعم والمساندة، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى التحدي، لا من حيث وضوح الرؤية ولا سرعة الاستجابة.

وشكّل هذا التباين لحظة مراجعة حقيقية لطبيعة العلاقات الدولية، وكشف حقيقة التحالفات حين تُختبر تحت ضغط الأزمات.

لكن هذه الحالة لم تؤدِ إلى الانقسام، بل على العكس، أسهمت في تعزيز التماسك الخليجي، وأعادت التأكيد على أن الوحدة لم تعد خياراً، بل ضرورة وجودية في مواجهة تحديات متصاعدة.

فقد أدركت دول الخليج أن أمنها لا يمكن أن يُترك رهينة لتقلبات المواقف الدولية، بل يجب أن يُبنى على أساس التعاون الداخلي والتكامل الحقيقي بين دوله.

على المستوى الشعبي، تعززت روح التضامن بشكل غير مسبوق، حيث أدرك المواطن الخليجي أن التحدي واحد، وأن المصير مشترك لا يقبل التجزئة أو التهاون، ولم يقتصر هذا التماسك على المواطنين فقط، بل امتد ليشمل المقيمين من مختلف الجنسيات، الذين أظهروا مواقف لافتة في هذه المرحلة.

ورغم التحديات، أثبتت دول الخليج قدرتها على إدارة الأزمات بعقلانية واتزان، دون التفريط في أمنها أو الانجرار إلى الفوضى، هذا التوازن بين الحزم والحكمة يعكس تطوراً في الرؤية الاستراتيجية، ويعزز من مكانة الخليج كقوة مستقرة في منطقة مضطربة.

وعلى امتداد العقود، لم تكن دول الخليج يوماً منغلقة على نفسها، بل كانت دائماً في مقدمة الداعمين للدول العربية والإسلامية في مختلف الأزمات، قدمت مساعدات إنسانية وتنموية ضخمة، وأسهمت في إعادة إعمار دول متضررة، ووقفت إلى جانب شعوب في أصعب ظروفها.

كما فتحت أبوابها لملايين الباحثين عن الأمن والاستقرار، ووفرت لهم بيئة كريمة وفرصاً للحياة والعمل، دون تمييز، ولعبت دوراً محورياً في دعم الاقتصادات العربية، عبر الاستثمارات والمنح، والمشاركة في الجهود الدولية لمواجهة الأزمات الإنسانية.

هذه المواقف لم تكن ظرفية أو سياسية فقط، بل كانت تعبيراً عن التزام أخلاقي وإنساني يعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية، لكن في لحظات التحدي الراهنة، لم تُقابل هذه المبادرات دائماً بمواقف مماثلة، ما عمّق الشعور بصدمة التخلي لدى الشارع الخليجي.

هذا التباين لا يلغي أهمية العلاقات، لكنه يعزز القناعة بأن الاعتماد الأساسي يجب أن يكون على التماسك الداخلي أولاً.

كما أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة تقييم طبيعة التحالفات، وبنائها على أسس أكثر وضوحاً ومصالح متبادلة حقيقية.

وفي ظل استمرار الحرب، يتأكد أن الخليج لم يعد مجرد متأثر بالصراعات، بل أصبح جزءاً من معادلاتها الأمنية بشكل مباشر، لكن الأهم أن هذه المرحلة أعادت تعريف القوة الخليجية، باعتبارها قوة قائمة على الوحدة، والتماسك الداخلي، والقدرة على ضبط النفس.

وهكذا، تتحول صدمات التخلي من لحظة ضعف إلى نقطة انطلاق، نحو بناء منظومة خليجية أكثر صلابة واستقلالية في مواجهة التحديات.

الخليج اليوم يثبت أن الحكمة ليست تراجعاً، بل قوة، وأن الدفاع المسؤول، القائم على الوحدة، هو الخيار الأذكى في زمن الأزمات والتصعيد.

المصدر: الخليج