خاص لـ هات بوست:
بحسب علم النفس فإن الشخص الذي يشعر بعدم الكفاية أو الدونية يلجأ أحيانًا إلى التعويض المتطرّف، فبدلًا من العمل على تطوير ذاته، يحاول موازنة الكفة عن طريق هدم الآخر. في نظره، كلما تضاءل شأن المحيطين به، خُيِّل إليه أنه أكثر رفعة، متوهمًا أن النيل من المتقدمين عليه سيواري سوأة تراجعه!
هذه هي خلاصة لقاء بودكاست (الحل إيه) الذي أجرته الدكتورة رباب المهدي مع الدكتور عبدالخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية، وهو اللقاء الذي عُرِض منذ بضعة أيام محققًا أصداءً واسعةً ونسبةً عاليةً من المشاهدة، في ظل وضعٍ حساس تمر به منطقتنا الخليجية، رغم أنه سُجِّل قبل الحرب وبدء العدوان الإيراني على دولنا.
حوار أم محاكَمة؟!
دخلت الدكتورة رباب المقابلة محمَّلَةً بكل الاتهامات (المعلّبة) التي ألِفنا توجيهها لبلادنا، في جلسةٍ بدت كمحاكَمة مُسبَقَة الحكم بالإدانة! فمن مصر للسعودية مرورًا باليمن والسودان، وصولًا لعلاقة الإمارات بإسرائيل والتي وصفتها الدكتورة بـ (حصان طروادة)، اقتباسًا من مقال أحمد التويجري – صاحب الفكر الإخواني – في تناقضٍ عجيب مع السؤال الافتتاحي: “هل تسعى الإمارات لقيادة المنطقة؟!”، فكيف يقبل الساعي للقيادة أن يكون أداةً وظيفيةً – حسب ادعائها – في يد غيره؟!
ولم يتوقف الأمر عند سؤال المقدمة، إذ حفلت الحلقة بأسئلة استنكارية أُريدَ بها تثبيت تهمٍ مزعومة أو التقليل من أثرٍ إماراتيٍّ مشهود! وما الفقرة الخاصة بدعم الإمارات لمصر – دبلوماسيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا واستثماريًّا – منذ 2013، والذي استخفّت به الدكتورة بطريقة ساخرة متخمة بالجحود إلا مثالًا شديد الوضوح على هذا! أما السقوط الحقيقي فكان في زعمها أن يد الإمارات في غزة (تمد بالمساعدات، واليد الأخرى تمد بالبندقية)!، فلم يكن هذا القول مجرد نكرانٍ فجّ، بل هو اتهامٌ صريحٌ يستوجب المساءلة!
لحظة الإمارات:
لحظة الخليج، أو – في تقديري – لحظة الإمارات، هي مرحلةٌ طبيعيةٌ في حركة الحضارات والدول، وهذا ليس توصيفًا عاطفيًّا أو انحيازًا شوفينيًّا، بل هو استحقاقٌ تاريخي تمليه معطيات الاستقرار والتخطيط الاستراتيجي والعمل الجاد، فعلى مر العصور صعدت دولٌ وتراجعت أخرى لأسبابٍ عديدة، والتاريخ يخبرنا أن الريادة لا تدوم لراكدٍ أو متقاعس، وأن الإرث التاريخي – مهما كانت عظمته المستحقَّة – لا يمنح ريادةً مستدامة إن تخلت عن مقومات بقائها، والذكاء هو أن تقف الدول المتراجعة وقفة محاسبة صادقة مع نفسها، بدلًا من مكايدة محيطها الناجح بأمجاد ماضيها.
نعم، هي لحظة الإمارات، وقد قدم الدكتور عبدالخالق عبدالله عرضًا وافيًا لأبعادها الاقتصادية والسياسية واللوجستية، تدعمه شواهد حيّة على الثقل الإماراتي في ملفات القضايا الكبرى والمنابر العالمية، ورغم ذلك أزعم أن الإمارات لا تسعى لـ (قيادة) المنطقة بالمنطق التقليدي، بل تسعى لـ (إلهامها) عبر تقديم نموذجٍ واقعي يؤكد أننا كلنا نستطيع وضع بصمة مميزة في المسيرة النهضوية، وتشهد على ذلك دعوة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، منذ تسعينيات القرن الماضي، لكل الدول العربية لتعزيز معايير الابتكار لمواجهة المنافسة الدولية، وما تبع ذلك من نهجٍ إماراتيٍّ أخويٍّ رصين وضع إمكانيات بلادنا وخبراتها أمام كل دولة تحتاج دعمًا ودفعًا، إيمانًا منها بأن نهضة المنطقة هي الضمانة الحقيقية لاستدامة ازدهارها.
شخصيًا لا أحب الارتهان لفكرة الغيرة أو الحسد، فمنطق العقل ينشد الموضوعية دائمًا، إلا أن إصرار البعض على تبني ادعاءاتٍ باطلة واتهامات لا دليل عليها، والقفز المتعمد فوق الحقائق والتصريحات الرسمية المعلنة، مع السعي المحموم للتقليل من ثقل الإماراتي العالمي، لا يترك لنا خيارًا سوى الإيمان بأن خلف هذا (العمى السياسي) دوافع نفسية لا تخطئها العين.
أما توجيه النقد إلى زلة الدكتور عبدالخالق وتجاوز ما سواها من حقائق وتفنيدات واقعية، فهو سلوك المترصّد لا سلوك الموضوعي الذي ينشد الحقيقة في سياقها الكامل.
وآخر القول..
إنكار واقع الإمارات المستنير لا ينفيه.
