من مكة إلى دبي.. ذاكرة شاهد على ثأر لم ينته

آراء

خاص لـ هات بوست :

     في حج عام 1987 كنت شاباً غِرّاً في مكة المكرمة. وفي السادس من ذي الحجة، بينما كانت الاستعدادات على قدم وساق ليوم التروية وصعود الحجاج بعده إلى عرفة، صحونا على حدث لم يستوعبه أحد في مكة ذلك اليوم، لا السكان ولا ضيوف الرحمن.

     كان قادة في الحرس الثوري الإيراني قد حضروا إلى مكة ليقودوا حجاج بلادهم في مسيرة تبدأ من الحَجُون (قرب مقبرة المعلاة) وتنتهي بمحاولة الوصول إلى صحن الحرم لرفع صور الخميني فيه ورايات “الموت لأميركا وإسرائيل”.

     وبعد يوم من الصدمة التي لم يستوعبها أحد، رأيت حجاج إيران وقادتهم يرفعون الخِرَق والأعلام السوداء على الأبنية التي كانوا يقيمون فيها حداداً على موتاهم، كما قالوا، وعلى فشلهم في تنفيذ وصية المرشد الذي كان ينتظر التباهي باحتلال الحرم.

     وغني عن القول إن سرد بطولات الأمن السعودي في ذلك اليوم يطول، حين حالوا بين البيت الحرام وبين جنود أبرهة العصر بأبدانهم وأيديهم العارية، حتى استشهد العشرات منهم دفاعاً عن حرمة المكان.

     وقد تورطت إيران في عدد من الحوادث المرتبطة بتسييس الحج؛ فبعد مظاهرات مكة عام 1987 التي تحولت إلى اشتباكات وأسفرت عن مقتل أكثر من 400 شخص، جاءت قبلها قضية المتفجرات عام 1986 عندما ضبطت السلطات السعودية مواد متفجرة بحوزة حجاج إيرانيين. كما شهد عام 1989 تفجيرين قرب المسجد الحرام نفذتهما مجموعة مرتبطة بتنظيمات شيعية تابعة لإيران.

     عشت كل تلك التفاصيل، ولا يمكن لمن عاشها، إن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وعقل، أن يقول إن مشروع إيران هو تحرير الأقصى عبر التفجيرات والقتل في الحرم الشريف وعند أستار الكعبة.

     وكان ذلك بلا ريب جزءاً من قناعتي التي عشت بها، وأدركتها أكثر مع تجربتي الصحفية الطويلة، رغم محاولات دول المنطقة، والخليج على وجه الخصوص، ترويض هذا الشيطان ومجاراة أكاذيبه وحباله الطويلة، لكن دون جدوى. حتى أتت ساعة اليوم التي لم تفاجئني قط، بعدما أخرج ملالي الضلال صواريخهم التي بنوا مداها طوال عقود على مسافات ومقاسات عواصم دول المنطقة وبنيتها التحتية.

     كان أول ضحايا إيران هم الشيعة أنفسهم، ومذهب التشيع برمته؛ إذ شوهت ما استطاعت من إرث التشيع في العقيدة والفقه، وشوهت ما أنتجه الشيعة والسنة معاً في المنطقة عبر قرون طويلة، فقطعت حبال ودهم وجوارهم ومصاهرتهم وأنسابهم وكل نسيجهم. وليس فيهم ولا بينهم من يعرف سبب معاداته للآخر سوى روايتين تُستدعيان دائماً: قتل يزيد للحسين وتحرير القدس.

     ولو كانت صادقة في الأولى فنحن أصدق منها؛ فليس بيننا من لم يلعن قتلة سيد شباب الجنة وحبيب المصطفى. ولو صدقت في الثانية فقد سبقت إليها الأمة؛ فالعرب أول من سعى لتحرير القدس وأول من استشهد في سبيلها. اسألوا مصر عن شهدائها، والسعودية نفسها وستخبركم.

     ولا يوجد طرح لغير مناسبة، ونحن في قلب المناسبة. فبعد عقود، ها أنا اليوم مجدداً تطاردني إيران في أحلامي، من مكة حيث نشأت ودرست وانطلقت، إلى دبي وأبوظبي حيث حياتي اليوم. وهنا أيضاً تحاول “تحرير القدس” من دبي بعد مكة، في عصر اختُرعت فيه خرائط غوغل لمن لا يعرف وجهته.

     لكن المفارقة التي لا تخطئها العين أن اختيار إيران لمكة قبل أربعين عاماً لم يكن اعتباطاً. فقد قصدت قلب الأمة النابض، حيث تتجه قبلة المسلمين، في محاولة لتحويل ذلك القلب إلى منصة لثورتها وشعاراتها، ولتجعل من الحرم الشريف منبراً لمشروعها السياسي. واليوم، حين تمتد صواريخها وتهديداتها إلى دبي، فهي تختار هدفاً مختلفاً في رمزيته، لكنه لا يقل إيلاماً لها؛ مدينة نجحت حيث فشلت، وبنت حيث هدمت، وقدمت نموذجاً للمستقبل يفضح كل ما آلت إليه إيران من عزلة وتعثر وانكفاء.

     لكن إيران لم تكن القدس يوماً وجهتها، بل محيطها؛ ليس لاستعادة هيبة الإسلام ولا للجهاد من أجل القدس، بل لسبب نعرفه جميعاً لكننا لا نتحدث عنه كثيراً: ثارات مملكة فارس ممن هدموها وأنهوا وجودها.

     وليس الحزن اليوم على إيران في قصتها ومغامرتها التي نشهد فصولها الأخيرة، بل الحزن على من انخدع بشعاراتها وصدق مسعاها في منطقتنا. ولا أعني بالطبع تجار تحرير القدس ولا المؤمنين بأيديولوجية المرشد الراحل، بل جمهورهم من المضللين الذين صدقوا خطبة كاذبة على منبر، أو مقالاً مدفوع الثمن، أو رايات مضللة.

     فأنّى لي أن أصدق أن في حرق ثاني القبلتين حياةً للأولى.