د. أماني جرار
د. أماني جرار
أستاذة جامعية وباحثة ومستشارة دولية أردنية

البيئة وحقوق الإنسان في عصر الصدمة الكونية: مقاربة أخلاقية تربوية

السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      في عصرٍ تتكاثف فيه الأزمات البيئية وتتجاوز حدود الجغرافيا والسيادة، لم تعد البيئة إطاراً طبيعياً محايداً لحياة الإنسان، بل غدت فضاءً أخلاقياً كاشفاً لاختلالات عميقة في منظومة القيم الإنسانية المعاصرة. فالصدمة الكونية التي أفرزتها التغيرات المناخية المتسارعة، وتدهور النظم البيئية، واتساع فجوة العدالة البيئية، لم تقتصر آثارها على الطبيعة بوصفها مجالاً مادياً فحسب، بل امتدت لتطال جوهر الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان باعتبارها حقوقاً مترابطة وغير قابلة للتجزئة. وفي هذا السياق، بات من المتعذر فصل الحق في بيئة سليمة عن الحق في الحياة، والصحة، والأمن، والعيش الكريم، مما يستدعي إعادة قراءة العلاقة بين البيئة وحقوق الإنسان ضمن أفقٍ أخلاقي تربوي أشمل.      إن الصدمة البيئية الراهنة لا تمثل أزمةً تقنيةً أو اقتصاديةً عابرة، بل تكشف عن أزمة وعي حضاري عميقة، حيث يعيد الإنسان اكتشاف هشاشته أمام الطبيعة التي أساء التعامل معها، واستنزف مواردها بمنطقٍ نفعي قصير الأمد. هذه الصدمة، بما تحمله من قلقٍ وجودي وتفككٍ في اليقين التنموي السائد، تضع الإنسانية أمام اختبارٍ أخلاقي حاسم، يتمثل في القدرة على إعادة بناء علاقة متوازنة بين الإنسان والبيئة، علاقة تقوم على المسؤولية المشتركة، والعدالة بين الأجيال، واحترام حدود الطبيعة، لا على منطق الهيمنة والسيطرة والاستغلال غير الرشيد. وفي هذا الإطار، يبرز البعد الأخلاقي بوصفه مدخلاً تفسيرياً…

التنمية التي لا تُقاس بالأرقام: الأخلاق أساس النهضة الحقيقية

الإثنين ١٢ يناير ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      في زمنٍ تُقاس فيه المجتمعات بمعدلات النمو، وتُختزل فيه فكرة التقدم في جداول الإحصاء ومنحنيات الناتج المحلي، بات السؤال الجوهري غائباً أو مُهملاً فيما تعنيه التنمية، وكيف بالتالي يقاس تحققها؟ إن هذا الاختزال التقني للتنمية حوّلها من مشروع حضاري إلى عملية حسابية، ومن رؤية إنسانية إلى سباق مؤشرات، تُراكم الثروة أحياناً، لكنها تُفرغ المعنى، وتُهمّش القيم، وتُضعف الإنسان بوصفه غاية التنمية لا وسيلتها. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بما يُنتَج، بل بما يُصان. لا تُختبر بكمّ الطرق والمباني، بل بنوعية العلاقات، وعدالة الفرص، وانتاجية العمل،ونزاهة القرار ،وكرامة الإنسان. هنا تتقدّم الأخلاق لا بوصفها خطاباً وعظياً أو ترفاً فكرياً، بل باعتبارها البنية العميقة التي تمنح التنمية معناها واستدامتها. فحيث تغيب الأخلاق، تتحول التنمية إلى قشرة براقة تخفي هشاشة الداخل، وتصبح الأرقام بديلاً مضللاً عن العدالة، ويغدو النمو الاقتصادي مصحوباً بتآكل الثقة، واتساع الفجوات، وضمور الشعور بالمسؤولية العامة. إن الأخلاق ليست إضافة خارجية لمسار التنمية، بل شرطها البنيوي. فهي التي تضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين السوق والإنسان، وبين القانون والضمير. ومن دونها، تفقد السياسات فعاليتها مهما بدت محكمة، وتتعطل المؤسسات مهما بلغت كفاءتها الشكلية. فالتنمية التي لا تُؤسَّس على قيم النزاهة، والإنصاف، والعمل العام، سرعان ما تنتج اختلالات أخطر من الفقر ذاته، لأنها تُطبع الظلم،…

العقل الجمعي وصناعة القرار: مراكز البحث في قلب السياسة والتنمية

الإثنين ٢٩ ديسمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست:       في المجتمعات التي تسعى إلى بناء مستقبلٍ متماسكٍ وقادرٍ على الاستجابة لتحدّيات العصر، لا تُصنع القرارات الكبرى في فراغ، ولا يمكن اختزالها في إرادةٍ سياسيّةٍ منفردةٍ أو ظرفٍ عابر. فالقرار العام، في جوهره، هو انعكاسٌ مباشر لطبيعة العقل الجمعيّ الذي ينتجه، ولمستوى النضج الفكريّ الذي يحكم العلاقة بين السياسة والمجتمع. وحين يغيب التفكير المنظّم، تتحوّل السياسة إلى إدارةٍ آنيةٍ للأزمات، وتغدو التنمية مجرّد شعاراتٍ لا تجد طريقها إلى الواقع. من هنا، يبرز سؤال العقل الجمعيّ بوصفه المدخل الأعمق لفهم كيف تُبنى السياسات، ولماذا تنجح بعض المجتمعات في تحويل الرؤية إلى إنجاز، بينما تتعثّر أخرى رغم الإرادة ووفرة الموارد. والعقل الجمعيّ ليس مجموع العقول الفرديّة، بل هو الإطار الثقافيّ والمعرفيّ الذي تتشكّل داخله تصوّرات المجتمع عن الدولة، والعدالة، والمصلحة العامّة، والمستقبل. وهو عقلٌ يتغذّى من الخطاب العام، ومن منظومة التعليم، ومن الإعلام، ومن إنتاج المعرفة، كما يتأثّر بدرجة الثقة بين المواطن والمؤسّسات. وفي هذا السياق، تصبح السياسة مرآةً لهذا العقل، إمّا أن تعبّر عن وعيٍ ناضجٍ قادرٍ على الموازنة بين الممكن والطموح، أو أن تعكس حالةً من الارتباك والتجاذب والانقسام.      هنا تحديداً، تتجلّى الأهميّة المحوريّة لمراكز البحث والتفكير بوصفها الفاعل الوسيط بين المعرفة وصناعة القرار. فهذه المراكز لا تقتصر وظيفتها على إنتاج الدراسات…

اللغة ومعنى الإنسان: حين يصبح الجمال أخلاقًا والحداثة مسؤولية

الثلاثاء ٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست:       في لحظات التحوّل الكبرى التي تعيشها المجتمعات الإنسانيّة، لا تعود اللغة مجرّد أداةٍ للتواصل، بل تغدو ساحةً لصراع المعاني، وميزاناً تُقاس به قيمة الإنسان وموقعه في العالم. فاللغة، بوصفها وعاء الفكر ومرآة الوعي الجمعيّ، ليست محايدةً ولا بريئةً؛ إنّها تحمل في بنيتها رؤى الوجود، وتُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الآخر، وبينه وبين الزمن الذي يعيش فيه. وحين تتبدّل الأزمنة وتتصاعد أسئلة الحداثة، يصبح السؤال اللغويّ سؤالاً أخلاقيّاً بامتياز: أيّ لغةٍ نستخدم، وكيف نعبّر، وما القيم التي نمرّرها من خلال الكلمة.      إنّ الجمال في اللغة ليس ترفاً أسلوبيّاً ولا زينةً خطابيّةً، بل هو تعبيرٌ عن انسجامٍ داخليّ بين المعنى والموقف، وعن احترامٍ عميقٍ لعقل الإنسان وكرامته. فالكلمة الجميلة ليست تلك التي تُبهر السمع فحسب، بل التي تُنصف المعنى، وتُقيم العدل في التعبير، وتفتح المجال أمام المحبّة والحرّيّة والمساواة بوصفها قيماً إنسانيّةً حيّةً، لا شعاراتٍ مجرّدةً. ومن هنا، تتحوّل اللغة إلى ممارسةٍ أخلاقيّةٍ، يُختبر فيها صدق الحداثة وقدرتها على الارتقاء بالإنسان لا تهميشه.      وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الحداثة على أنّها قطيعةٌ مع القيم، ولا باعتبارها اندفاعاً تقنيّاً منفصلاً عن المعنى، بل بوصفها مسؤوليّةً معرفيّةً وأخلاقيّةً تُحمّل الإنسان واجب إعادة بناء لغته بما ينسجم مع العدالة والكرامة الإنسانيّة.…

من الإصلاح الشكلي إلى التحول البنيوي: معادلة الدولة والمجتمع

الخميس ١٨ ديسمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست:      يشهد الوطن العربي منذ عقود طويلة جدلًا متكرراً حول مسارات الإصلاح السياسي وحدود التحول الممكن في بنية الدولة والمجتمع. هذا الجدل لم يعد محصوراً في الشعارات أو البرامج المعلنة، بل بات يتصل بجوهر الفكرة السياسية ذاتها، وبالمنطق الذي يحكم العلاقة بين الدولة بوصفها إطاراً مؤسسياً منظماً، والمجتمع بوصفه فضاءً حياً للتفاعل والمشاركة والتنوع. وفي خضم هذا السياق، يبرز سؤال مركزي يتجاوز اللحظة الراهنة، ويتصل بالعمق الفلسفي لمسار التنمية السياسية: هل يمكن تحقيق مشاركة سياسية واسعة دون دولة قوية قادرة مؤسسياً؟ أم أن بناء الدولة الصلبة شرطاً سابقاً لا غنى عنه لأي تحول سياسي مستدام؟      تكشف التجارب العربية المتراكمة أن الاكتفاء بإصلاحات شكلية، مهما بدت جريئة في ظاهرها، غالباً ما يعجز عن إحداث تحول بنيوي حقيقي في بنية السلطة أو في طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فالإصلاح الذي لا يستند إلى مؤسسات فاعلة، وقواعد واضحة، وثقافة سياسية ناضجة، يبقى هشاً وقابلاً للتراجع أو الانفجار عند أول اختبار. وفي المقابل، فإن توسيع المشاركة السياسية في ظل مؤسسات ضعيفة أو غير مكتملة البناء قد يقود إلى فوضى سياسية تُفرغ فكرة المشاركة من مضمونها، وتحوّلها إلى عامل عدم استقرار بدل أن تكون رافعة للتنمية السياسية.      من هنا، تبرز الإشكالية المركزية التي يتعامل معها البحث…