جمال الشحي
جمال الشحي
كاتب و ناشر من دولة الإمارات

ماذا يتبقى من الإنسان حين ننزع أسلاكه؟

الخميس ٠٨ يناير ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست: حين نطفئ الأجهزة ليومٍ واحد، تظهر حقيقتان قاسيتان: الأولى، أن وجودنا لم يعد يُرى بلا شاشاتنا. والثانية، أن الزمن سلعة تُشترى لمن يملك ثمنها.      هناك من يطلب سيارة فتصله خلال ثلاث دقائق، ومن ينتظر الباص أربعين دقيقة تحت الشمس. هناك من يضغط زرًا فيصل الطعام إلى بابه، ومن يقضي ساعتين في المواصلات ليصل إلى عمله. هذا ليس "تقدمًا تقنيًا" فقط، بل إعادة صياغة للطبقية نفسها. التكنولوجيا لم تُلغِ الفوارق؛ بل أعادت توزيعها على الزمن. من يملك التطبيقات يملك السرعة، ومن يملك السرعة يملك جزءًا أكبر من حياته. أما البقية، فيدفعون عرقهم وتعبهم ثمن راحة غيرهم.      كان الانتظار يومًا جزءًا طبيعيًا من الحياة. ننتظر الباص، ننتظر الطعام، ننتظر الرد. لم يكن الانتظار إهانة، بل زمنًا مفتوحًا للتأمل، للحديث، للملل. اليوم، أي انتظار يتجاوز دقيقتين يُعد فشلًا تقنيًا. لكن الانتظار لم يختفِ؛ لقد تغيّر موقعه. لم يعد تجربة مشتركة، بل عقوبة طبقية لا يعيشها إلا من لا يستطيع شراء السرعة.      أصبح الإنسان المعاصر كائنًا هجينًا بالمعنى الحرفي؛ نصفه عضوي ونصفه تقني. لم يحدث هذا الاندماج بقرار واعٍ، بل تسلل بهدوء حتى تماهت هويتنا مع أدواتنا. حين يقول أحدهم "هاتفي مات"، فهو يستخدم لغة الموت البيولوجي لوصف جماد. اللغة لا تخطئ هنا؛ فنحن…

الطبقية التي لا نعلنها

الخميس ٢٥ ديسمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست:      في أحد المطاعم الفاخرة، رأيت رجلًا يتحدث مع النادل. لم يكن يصرخ، ولم يكن فظًا. لكن كان هناك شيء في طريقته: مسافة غير مرئية، نبرة تحمل تعليمات لا حوارًا، ونظرة تمر عبر الإنسان دون أن تراه. ثم أدركت أنني أفعل الشيء نفسه مع الآخرين. أحيانًا، لا أشعر برغبة في الحديث مع بعض من يعملون معي، كأن الوظيفة تكفي لتعريفهم. أتعامل باحترام، لكن دون فضول حقيقي، ودون محاولة لرؤيتهم خارج إطار العمل. وحين يخبرني أحد الموظفين أن له طفلًا لم يره منذ سنتين، أومئ برأسي بلطف، ثم أعود لهاتفي. لا قسوة في المشهد، فقط تجاهل مهذّب. هذه هي الطبقية التي لا نعلنها.      الطبقية ليست نظامًا اقتصاديًا فقط، بل طريقة نتعامل بها مع عالم معقّد. في مجتمعاتنا، نعيش وسط تراتبيات تضع البشر في خانات شبه ثابتة بناءً على أصولهم، لهجاتهم، أو مهنهم. هذا التعقيد يرهقنا، فنختصر ونبسّط. نضع كل إنسان في خانة جاهزة تريحنا من عناء رؤيته كاملًا. صاحب "الأصل" ينظر لابن المدينة، وابن المدينة للقادم من الأرياف، والجميع ينظرون للعمالة الأجنبية. سلسلة من الاستعلاء الهادئ لا تنتهي.      الطبقية ظاهرة عالمية، موجودة في معظم المجتمعات. لكنها في بعض المجتمعات الغربية أقل حدّة في شكلها التقليدي، ليس لأن البشر هناك أفضل أخلاقيًا، بل…

الإعلام الذي نملكه… ولا نفهمه

الثلاثاء ٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست: مشكلة الإعلام اليوم ليست أنه سيئ، بل أنه ناجح بالطريقة الخاطئة. وهذا ليس حكمًا بقدر ما هو توصيف لحالة. ماذا نريد من الإعلام اليوم؟ هل نكتفي بنجاح الأرقام، أم نبحث عن المعنى؟      الخلاف لم يعد حول التمويل أو الدعم—هذه متوفرة اليوم أكثر من أي وقت مضى. التحوّل الحقيقي حدث حين انتقل الإعلام من كونه رسالة تُقاس بقدرتها على التأثير والبقاء، إلى قطاع مُنتِج يُدار بمنطق السوق ويُقاس بمنحنيات المشاهدة. هذا التحول، في حد ذاته، ليس خطأ. الخطأ أن يحدث دون إعادة تعريف واضحة لمعنى النجاح.   المشكلة أن هذا النجاح صار وهمًا مريحًا.      برنامج يحقق ملايين المشاهدات، يُحتفى به في اجتماعات التقييم (اجتماعات طويلة، بالمناسبة)، ثم بعد شهرين لا تتذكر اسمه. لكن حين تُطرح أسئلة عن الأثر، يُدافع عن هذا النجاح باستماتة. لماذا؟ لأنه نجاح في التنظيم، في الأرقام، في الإدارة، لكن ليس بالضرورة في المحتوى أو في المعنى. ربما لا يعكس الإعلام مستوانا الأعلى الذي نحب أن نراه في أنفسنا، لكنه يعكس مستوانا الأكثر شيوعًا، والأكثر قبولًا، والأكثر أمانًا—في لحظة تُكافأ فيها النتائج السريعة أكثر من الأسئلة العميقة. وهنا المعضلة: هل نريد إعلامًا يُرضي الجميع، أم إعلامًا يصنع هوية حتى لو كلّف ذلك بعض الخسارة؟      إذا أردنا أن نفهم…

جيراننا الذين لا نعرفهم

الجمعة ١٢ ديسمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست:  “في الشرق حين نريد أن نفهم جيراننا، نسأل الغرب.”      قبل أشهر، وجدتُ نفسي في نقاش مع صديق حول العلاقات الخليجية-الهندية وأهمية الهند الاقتصادية المتصاعدة. كنا نتحدث بثقة عن "السوق الهندية" و"الفرص الاستثمارية"، حتى سألني سؤالاً بسيطاً: "هل قرأت كتاباً واحداً لمفكر هندي معاصر؟" صمتُّ. لم أكن أملك جواباً. كنا نحلل دولة بأكملها دون أن نعرف شيئاً عن عقلها.      نعرف لندن أكثر من نيودلهي، ونتابع واشنطن أكثر من إسطنبول. القرب الجغرافي للدول لا يعني قرباً معرفياً؛ الجيران الذين هم على بُعد ساعات، لكننا نعاملهم كأنهم في قارة أخرى.      تخيل أنك تعرف أصوات جيرانك وروائح أطعمتهم، لكنك لا تعرف ملامح عقولهم ولا ما يقلقهم. هذه حكايتنا مع الهند وإيران وتركيا وباكستان وأفغانستان. شعوب تربطنا بها شبكات معقدة من التجارة والجغرافيا، بعضها حليف وبعضها خصم. ومع ذلك، حين نسأل: "ماذا نعرف عنهم فعلاً؟"، يصير الجواب محرجاً.      نحن نعيش مفارقة غريبة. قد تجد من يتابع الانتخابات الفرنسية ويحفظ أسماء مراكز الأبحاث الأمريكية، لكنه يقف عاجزاً أمام سؤال بسيط: من هي أرونداتي روي، الروائية الهندية التي هزت العالم بكتابها "إله الأشياء الصغيرة" وأصبحت صوتاً مؤثراً في السياسة والبيئة؟ من يقرأ أميتاف غوش، المؤرخ والروائي الذي وثّق تاريخ المحيط الهندي وعلاقته بنا؟ من يلتقط…

قراءة في النجاح المزعج

الخميس ٠٤ ديسمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست:  في الشرق الأوسط، ليست الفوضى هي ما يثير الغضب… بل الدولة التي تنجو منها.      منذ سنوات وأنا أراقب الحملات المستمرة على الإمارات، وأسأل نفسي: لماذا كل هذا التركيز على دولة قررت ببساطة أن تعمل بجد وبهدوء؟ لماذا يتحول نجاحها إلى مصدر إزعاج؟      المسألة بالعموم ليست لغزًا. نحن نعيش وسط صراع بين مشروعين لا ثالث لهما: مشروع “الدولة” بمؤسساتها وقانونها، ومشروع “اللا-دولة” الذي يقتات على الميليشيات والشعارات. الإمارات اختارت بوضوح أن تكون دولة، لا ساحة. وهي تدرك جيدًا أن الفوضى قد تصنع ضجيجًا، لكنها لا تبني مستقبلًا. وهذا يختصر لك مواقفها في كل الملفات الإقليمية تقريبًا.      وفي كل هذه الجغرافيا المضطربة ، ظلّت البوصلة واحدة: دعم منطق الدولة، لا منطق الانهيار؛ مهما اختلفنا في التفاصيل. ومع الوقت، تحول السؤال في المنطقة من “ماذا تفعل الإمارات؟” إلى “من تكون هذه الدولة؟”.      كيف لبلد صغير بالجغرافيا أن يسبق دولًا عريقة بقرون؟ أتذكر صديقًا عربيًا قال لي وهو يتأمل متحف المستقبل: “هنا أشعر أن المستقبل ممكن”. هذه الجملة ليست مجرد مديح؛ هي تلخيص لوجع الشباب العربي الذي يبحث عن نموذج يحترم عقله وأحلامه، لا نموذجًا يبيعه الخوف. الإمارات قدمت هذا النموذج، ليس بالكلام، بل بالعمل.      وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. نجاح…

الإنسان ليس كما يبدو… الإنسان كما يُخفي

السبت ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٥

 خاص لـ هات بوست: «أعمق الأشياء في الإنسان لا تُقال.» — نيتشه       ما يشغلني في الإنسان ليس ما يقوله، بل ما يصمت عنه. هناك شيء عميق في دواخلنا ليس في استطاعته الخروج إلى النور، لا لأنه عار أو خطيئة، بل لأنه هشّ وقابل للكسر إلى درجة أننا نخشى عليه حتى من الكلمات ونظرات الآخرين.       مع الوقت فهمت أننا لا نواري كي نخدع الآخرين، بل لأن الصراحة قاسية عندما تُقال بشكل مباشر . ولهذا نرتّب وجوهنا كما نرتّب البيت قبل زيارة مفاجئة: أقنعة جاهزة، مطمئنة، تبدو قادرة على احتمال الواقع و الحياة. لكن في دواخلنا شيء مختلف تمامًا؛ شيء مضطرب ومقلق يبحث عن الاستقرار، كأنه واقف عند باب معلّق؛ لا يجرؤ على طرقه ولا يستطيع الخروج و لا الدخول.      أدركت معنى الخفاء أكثر عندما قال لي طبيب صديق مرة: "أعرف نظرات الموت على المرضى." سألته بفضول : هل تخبرهم؟ فابتسم بهدوء وقال: "من قال لك إن الحقيقة تكون أفضل حين تُقال في هذا المكان والزمان؟  بعض الحقائق تُقال مرة واحدة… ولا يمكن سحبها بعدها."       تذكّرت كانط وقتها، ذلك الفيلسوف الذي كان يرى أن الكذب محرّم دائمًا، حتى حين يكون الصدق قاسيًا أو مدمّرًا. بالنسبة لكانط، الحقيقة واجب مطلق لا يتغيّر،…

لماذا القلق الوجودي.. ونحن بخير؟

الخميس ١٣ نوفمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست: « الفهم لعنة، والجهل نوم هادئ » إميل سيوران      كل يوم نشاهد الغروب ونعرف أنه ينسحب ببطء من أمامنا، ومع ذلك لا نفقد دهشتنا. لعل الغروب يشبهنا؛ نعيش بين وعد البقاء وإشارة الوداع. هذه المفارقة تصنع الإنسان. كنتُ أتساءل وأنا أراقب آخر خيط من الضوء: لماذا نتمسك بجمال نعرف أنه يختفي؟ ربما لأننا، رغم إدراك النهاية، نواصل العيش كأن بيننا وبين الفناء هدنة طويلة. نبني بيوتًا سنغادرها، ونضحك مع أحبّة سنفقدهم يومًا. الغريب أن هذا الوعي بالزوال لا يطفئ البهجة… بل يشعلها.      من هنا يولد القلق الوجودي؛ ذلك الثقل الخفي الذي يزورنا بلا سبب واضح. قد نصحو في صباح صافٍ، وكل شيء في مكانه الصحيح، ومع ذلك هناك شيئًا ما يضغط على صدورنا. رغم عدم وجود أي خطر حولنا، فقط الهمسة القديمة: «كل هذا مؤقت». المشكلة ليست فيما نملك، بل في ما نعرف. وهذه المعرفة لا ترحم.      كيركغارد يقول: إن القلق لا يأتي من الخارج، بل يخرج من داخل الإنسان نفسه. فالحرية مربكة؛ أن تعرف أنّ كل شيء ممكن، وأنك وحدك مسؤول عن الطريق الذي اخترته… وعن الطرق التي تركتها. وربما نقلق لأن القلب والعقل لا يحتملان فكرة الخيارات التي لم نعشها.      يظن البعض أن الإيمان ينهي القلق،…

زمن الكتابة قبل أن يكتب الذكاء نصوصنا

الثلاثاء ٠٤ نوفمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست: لم نعد نخوض حربًا، بل نعيش علاقة حذرة بين الكاتب وأدوات الذكاء الاصطناعي. خطوة إلى الأمام، وأخرى إلى الوراء، في مشهدٍ لا يشبه سباقًا بقدر ما يشبه مفاوضةً صامتةً بين الخيال والآلة. في زمنٍ يُكتب فيه النص بلمسة زر، يطل السؤال الذي يؤرق كل كاتب: هل فقدنا أصالة الكتابة؟ وهل أصبح هناك كاتب ما قبل الذكاء الاصطناعي وكاتب ما بعده؟ كان الكاتب القديم يكتب من عمق تجربته، بخيباتها وانتصاراتها، معتمدًا على حصيلته المعرفية وذائقته اللغوية. كان نصّه يحمل بصمة بشرية خالصة، تُضاف إلى الذاكرة الإنسانية لا إلى ذاكرة الخوارزميات. كانت الكتابة آنذاك ولادةً جديدة، لا استنساخًا لما قيل من قبل. أتواصل يوميًا مع عدد كبير من الكتّاب، وألاحظ التغيّر في نصوصهم قبل الذكاء الاصطناعي وبعده، بل واعترافاتهم الخفية بأنهم لا يستطيعون الاستغناء عنه تمامًا. حتى أولئك الذين يكتبون بأيديهم، يدفعهم الفضول لوضع نصوصهم في محادثة رقمية، فقط لمعرفة رأي الذكاء فيها. لأن الكاتب، حين يكتب، لا يكتب لنفسه فقط، بل للآخرين — واليوم صار الذكاء الاصطناعي أحد هؤلاء الآخرين. أما كاتب اليوم، ومع تطوّر التقنيات، فقد أصبح موجّهًا للآلة، يتأرجح بين رغبة الإبداع وهاجس الإتقان. إنه يعيش زمن هندسة التوجيه، حيث تُصبح الكتابة أقرب إلى البرمجة منها إلى الإلهام. ومع هذا الاعتماد المتزايد، تسلّل إلينا نوع…

خداع الذات: وهم التطهير النفسي

الأربعاء ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات_بوست:      كم مرة صدّقنا كذبة صنعناها بأيدينا؟ لا أبالغ إن قلت إن الحقيقة كانت دائمًا أقسى من أن نحتملها. لنتفق: نحن لا نخدع الآخرين بقدر ما نخدع ذواتنا، كلما حاولنا إنقاذ صورتنا الداخلية من الانكسار. الأمر ليس أننا أشرار. ببساطة، نحن نخاف المرآة. يصبح الوهم هنا ملاذاً مؤقتاً، نوعاً من الهدنة مع قسوة الوعي وعبء الاختيار. وكما قيل، "إننا لسنا ما نقول بل نحن ما نفعل." – جان بول سارتر كان محقاً في ثقل هذه الكلمات. نحن نصنع سرديات صغيرة، ونصدقها حرفيًا، فقط لأن العقل لا يطيق التناقض بين ما نفعله وما نؤمن به. هذه هي "التنافر المعرفي" الذي يتحدث عنه علماء النفس، ذلك الشعور المزعج الذي يضربنا حين نعيش بطريقة تخالف قناعاتنا الجوهرية. ولكي نوقف هذا الصداع، يخلق الإنسان غطاءً نفسياً خفيفاً، يبرر به تصرفاته. يعيد كتابة القصة بالكامل ليبدو فيها بطلاً مضطراً، لا شخصاً خان نفسه. أتذكر كم مرة قلت لنفسي: "الظروف دفعتني، لم أكن أريد جرحه." لكنني أعرف، في مكان ما في قرارة نفسي المظلمة، أنني اخترت الصمت. هذا الغطاء يحمي النظام الداخلي من الانهيار، ويسمح لنا بالنوم، لكنه يضعنا في حرب صامتة مع الشاهد الوحيد الذي يعرف الحقيقة: الوعي. الاعتراف بالخطأ، يا صديقي، يعني مواجهة المسؤولية الكاملة عن كل اختياراتنا. نحن نهرب…

نزعة الارتقاء الطبقي: ثمن الصعود

الخميس ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست: “الإنسان ليس سوى ما يصنع بنفسه” ..جان بول سارتر هل المعرفة والتعليم تذكرة صعود حقيقية؟ وهل تكفي الشهادة وحدها كي نعبر نحو طبقة أعلى؟ السؤال في ظاهره بسيط، لكنه في جوهره يشبه متاهة لا يخرج منها المسافر بسهولة. في أعماقه يختبئ هاجس قديم: مكانك ليس ثابتًا. هناك صوت خفي يذكّرك دائمًا أن قيمتك تُقاس بالمسافة التي تقطعها عن بيتك الأول. من وعد "تحقيق الذات" ولدت فكرة الصعود الطبقي، ليست مجرد ثروة أو وظيفة عليا، بل وهم بالتحرر وخلاص يُمنَح لنا بشرط أن نصعد. الصين قدّمت أول نسخة من هذا الوعد. أتذكر حين زرت معبد كونفوشيوس في بكين، وإلى جانبه الكلية الإمبراطورية التي تحوّلت اليوم إلى متحف يعرض تاريخ الامتحانات القديمة. بين الألواح الحجرية وأدوات الحبر، بدا لي وكأن المعرفة هناك كانت جواز العبور الأول إلى السلطة. كان ذلك إعلانًا مبكرًا بأن الحبر قد يتفوق على الدم، وأن الكفاءة يمكن أن تهزم السلالة. لكن السؤال الأعمق هو: لماذا نريد أن نصعد أصلًا؟ أهو خوف من أن يبتلعنا مكاننا الأول إلى الأبد؟ أم هو توق إلى اعترافٍ لم نحصل عليه ونحن في الأسفل؟ ربما نصعد بحثًا عن أمانٍ نفتقده، وعن تقديرٍ نتوهم أنه لا يتحقق إلا حين نعلو. وأحيانًا نصعد كي نلحق بغيرنا في سباق صامت، وأحيانًا أخرى…

هل نعيش حياتنا فعلًا… أم نسخة منها؟

الخميس ١٨ سبتمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست:  “الوجود الأصيل يبدأ حين يتوقف الإنسان عن العيش كما لو أن الآخرين يقررون مصيره.” – مارتن هايدغر   منذ طفولتنا الأولى لا نكتب نحن قصة حياتنا، بل تُكتب لنا. العائلة ترفع سقف التوقعات، المدرسة ترسم الطريق، والمجتمع يوزع علينا قوالب النجاح والفشل. وسط هذا الزحام، نجد أنفسنا نلهث خلف صورة نظنها "مقبولة"، لا خلف حقيقتنا المختبئة. وهنا تبدأ بوادر شرخ خفي: أن تشعر أنك تؤدي حياة لا تخصك. هذا الشعور ليس مجرد انزعاج عابر، بل هو بداية الاغتراب عن الذات. يصف علماء النفس هذه الحالة بأنها فقدان الصلة مع "الذات الحقيقية". نصبح أسرى لأدوار اجتماعية مفروضة. نبتسم. لكن وجوهنا لا تعكس دواخلنا. نسعى وراء أهداف لا تعبّر عنا. ومع مرور الزمن يطلّ علينا تساؤل مُلحّ من دواخلنا: من أنا حقًا؟ نحن في جوهرنا أبناء بيئتنا، نحمل بصمتها كما يحمل الجسد ندوب طفولته. العادات والتقاليد والقبيلة تمنحنا إطارًا من الانتماء والأمان، لكنها في الوقت نفسه تجعل الخروج عن مبدأ الجماعة أمرًا شاقًا. فالمجتمع بطبيعته يميل إلى التشابه، ويجد صعوبة في تقبّل المختلفين. لذلك يتعلم الإنسان منذ صغره أن يشبه الآخرين ليُقبل، وأن يخفي اختلافه كي لا يكون موضع تساؤل. وهكذا نعيش في مفارقة دائمة: نبحث عن الأصالة، لكننا نخشى أن ندفع ثمنها من مكانتنا داخل الجماعة. لكن…

هل نعيش لأنفسنا أم لأبنائنا؟

الجمعة ٠٥ سبتمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست: “نُربي أبناءنا ليكونوا أحرارًا، ثم نتألم حين يستخدمون حريتهم.” – كارل يونغ نحلم بالأبناء في بداية حياتنا، وعندما يأتون تتبدل إيقاعات حياتنا. نصبح أكثر انشغالًا بتفاصيلهم، أقرب إليهم، ونربط سعادتنا بمستقبلهم. ومع مرور الزمن، يحضر السؤال:هل نعيش لأنفسنا حقًا، أم أن حياتنا كلها تتحول إلى رهان على أبنائنا؟ الآباء الشرقيون والغربيون أيضاً يتمنون أن يبقى الأبناء بجوارهم عندما يتقدمون في العمر. هذا الحنين طبيعي، لكنه ليس حقًا مضمونًا ولا التزامًا يُفرض على الأبناء. العلاقة الأعمق ليست عقد أبدي، بل رباطً إنساني و وعدًا غير مكتوب، تُقاس مسافاته بالكلمة الصادقة لا بالوجود الجسدي. الأبوة والأمومة في جوهرهما عطاء، لكن أي عطاء؟ بمقابل أو بلا مقابل؟ هل هو ذوبان كامل حتى نفقد ذواتنا، أم عطاء يمنح الأبناء جذورًا راسخة ليستندوا إليها وأجنحة قوية ليطيروا بها بعيدًا؟ "إريك فروم" ، في الفلسفة الإنسانية، يرى أن الحب ليس تملكًا ولا ذوبانًا في الآخر، بل هو قدرة عامة على العطاء والاهتمام والمسؤولية. الحب الذي يخنق الأخرين يتحول إلى عبئء، بينما الحب الذي يحررنا يمنحنا حياة. الأبناء خُلقوا لزمانهم لا لزمننا. لهم أدواتهم وقيمهم ورحلتهم الخاصة. غيابهم الجسدي لا يعني أنهم غابوا عن قلوبنا؛ فالمحبة الحقيقية تمنح الحرية قبل أن تطلب القرب. الحكمة أن نفهم هذه الحقيقة مبكرًا، لا بعد أن نكبر…