نزار قبيلات
نزار قبيلات
أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

الصّمت استراتيجياً

الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٦

قالت العرب: «ليكن حديثك ترويع وكتابتك توقيع» أي لا تطِل في الحديث ولا تسهب، فقد تفسد حجّتك وتفشل أفكارك في البلوغ، وحينها سينقطع حبل التواصل مع جمهورك فيُساء فهمك، فالخطيب البليغ هو من يجزل الحديث دون إسهاب ما دام ما يمكن تبليغه لا يتطلب شروحاً وتبريرات طويلة ومعقدة، فقد تصل الرسالة وتبلغ حتى دون الحاجة للكلمات والألفاظ واللغة. إذ إن الصّمت بحد ذاته وسيلة بلاغية لا تعني الوقوف أو الانقطاع أو التجاهل، بل هو تقنية تسمح للرسالة بأن تتمدد وتُكرّس على نحو ما، فالصّمت حين يحيط بالقول فإنه يمد من عمر المعنى ويطيل معه زمن احتراقه وتلقيه، فقد قال الجاحظ: «.. ومِن الحكمة أن يَسكُت الرّجل حين لا يصلح القول، فإنّ الصمت أبلغ من الكلام أحياناً» أي إن الصمت يحيط بسياق التواصل وينشط مسافة الانتظار ويبلغ أماكن ومسافات قد لا تبلغها الأقوال، فالصمت شقيق الفعل، فهو أداته حين يكون الإنجاز شاهداً ملموساً وليس مسموعاً أو مقروءاً فحسب، والصمت كما يقال يسبق العاصفة، لذا فهو حالة إرباك للآخر، ووعاء متدفق بعد أن يولّد احتمالات عديدة تفقد الآخر التوقع والاستعداد والتركيز. وسياسياً يصبح الصمت استراتيجية تواصلية حين لا يقصد الفراغ وانعدام الحيلة، بل يقصد تكوينَ فعلٍ إنجازي، فالصمت في لحظته المناسبة يعمل على تأزيم الطرف الآخر، وذلك من خلال إغراقه بدفق عارم…