السبت ١٩ مارس ٢٠١٦
في وجه العاصفة الهوجاء، وتحت زخات المطر المهيبة، كان شباب الوطن، مشمرين مؤزرين بالشجاعة والصدق والوفاء. يعاونون إخوتهم من رجال الشرطة الأجلاء، في إزالة الأشجار الساقطة في صدور الطرق، وينظمون حركة السير، وبلباسهم الأبيض المبتل من رحيق السماء، ترى فيهم صورة الملائكة، ترى فيهم النبل وشهامة النجباء، يتحركون تحت زخات المطر، كفراشات تعبق المكان بالمنظر الخلاب، هؤلاء هم أبناء زايد في الملمات رجال، وفي الخطوب أنصال، وفي لحظات الجد تجدهم ليوثاً صارمات حازمات حاسمات لا ترضى لضيم ولا تخنع لغيم. شباب أثبتوا أنهم رجال المواقف الصعبة، واللحظات التاريخية الحرجة، فلم نجد في بلد من بلدان العالم مثل هذه المشاهد المشرفة، لم نجد سواهم، فهم الذين اليوم يعلمون العالم دروساً في الانتماء والإخاء والوفاء، هم الذين يضربون الأمثال في ساحات الوغى، كما في ساعات الظروف الصعبة. لم يقصر رجال الشرطة في تأدية الواجب، بل كانوا حاضرين بكل حزم وجزم، وفي قلب الحدث، ولكن ما قدمه شبابنا لهو النموذج، والدرس كانوا في…
السبت ١٩ مارس ٢٠١٦
الأدب لغة العالم، وإن اختلفت اللغات وتباينت اشتغالاتها شعراً ورواية وقصة، اشتغالات تستقي روحها من صدق المشاعر ونبلها، من أمانة الرسالة التي تنطق بها ورقيها وسمو هدفها الإنساني، ومن كل ما يمتُّ بصِلة للجمال بتجلياته المختلفة. نعم هو الأدب.. ترجمان القلوب الذي يقوّمنا بعد انحناء، ويكتبنا بعد انمحاء، ويطهّرنا مما يشوب أرواحَنا من هوس المادة وصخبها اللامتناهي، به نبصر المخبوء خلف سماوات قلوبنا الطافحة بالمعاني، به يعود المرءُ إلى صوابه بعد سفره في متن كتاب فيه من عبق المعنى ما فيه! فيا له من فعل راقٍ، وَيَا له طير يحلّ بنا في فضاءات ليس ثمة أجمل منها. ومن بوابة الأدب ندخل دنيا الأديب الذي هو نسيجٌ وحده، بتناقضاته، بجنونه وتعقّله، بتمرّده المحمود لأنه تمردٌ معرفي، لا هتك فيه أو جرح، وإن وجدنا مبدعاً عبّر ونَقَدَ فتعبيره مصقولٌ ورزين.. فما الذي يعنينا حقاً سوى الصدق؟ الصدق الذي يقوم عليه أدب الأديب ذاته، وهي مزيّةٌ لها دورها الفاعل في وصول المادة الأدبية…
السبت ١٩ مارس ٢٠١٦
عندما تلتقي قيادتنا الخليجية فلابد أنها تجتمع على الخير وللخير ولمصلحة أوطانها وشعوبها وأمتها العربية والإسلامية ولخير الإنسانية، وبالأمس زار الإمارات ضيفها الكبير صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر الشقيقة، ووفد رفيع المستوى، ليلتقي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وحضر هذا اللقاء عدد من كبار المسؤولين في الدولة، ولم يكن هذا اللقاء الذي شهدته العاصمة أبوظبي لقاءً عابراً، وإنما كان لقاء العمل المشترك والرؤى المستقبلية للبلدين ولدول المنطقة، فالإمارات وقطر تضعان يديهما بيد بعضهما بعضاً من أجل خير المنطقة وأمن دولها واستقرارها.. الذين يراهنون على قطع الجسور بين أي دولة وأخرى من دول مجلس التعاون الخليجي يخسرون الرهان دوماً، والذين يريدون الصيد في الماء العكر يخطئون الهدف دوماً، لأن مياه الخليج جارية وليست راكدة، والجسور بين دول الخليج العربي ليست من ورق ولا حتى من صخور وفولاذ، بل هي جسور الدم الواحد والتاريخ الواحد…
جمال خاشقجيكاتب سعودي ويشغل حالياً منصب مدير قناة "العرب" الإخبارية
السبت ١٩ مارس ٢٠١٦
الاقتصاد السعودي في حاجة إلى عملية تجميل، فهو غير متناسق، مثقل بالدهون في بعض جسده إلى درجة التشوه، رشيق في منطقة أخرى، لذلك لا بد من عمليات جراحية لشفط تلك الدهون التي تثقله وتشوه محياه الجميل في قطاعات أخرى. يبدو أن الدولة في صدد إجراء تلك العملية، فقبل أيام صدر قرار لم تنتبه إليه الصحف، يقضي بسعودة قطاع بيع وصيانة الهواتف المحمولة. بالطبع الخبر غير مهم إذا كان القرار معنياً فقط بهذا القطاع، الذي لا يمثل نسبة مهمة في الاقتصاد الوطني، فالعاملون فيه لا يتجاوزون 20 ألفاً، وبضعة آلاف أقل من المستثمرين، ولكن إذا كان كما يتردد في أروقة وزارة العمل والتخطيط، فإنه «البداية» لسعودة قطاع التجزئة بالكامل، فهذا سيعمل فرقاً هائلاً في بنية الاقتصاد السعودية، وبيئة العمل ومحفزاته، بل سيغير تفاصيل الحياة الاجتماعية للمواطن بتقليص المدن، وتخفيف الازدحام، وتنظيم ساعات العمل، واختفاء مئات الآلاف من المتاجر الفائضة عن الحاجة، والتي جعلت مدينة كالرياض تفوق مدن العالم في نسبة الأمتار…
الجمعة ١٨ مارس ٢٠١٦
أعرف جيداً أنه من رجال الأعمال المشهود لهم بالخير، ومن عائلة سخية، ولهم مساهمات خيرية وإنسانية متعددة، لم تعجبه كلمة «كثيرون»، تلك الكلمة التي جاءت في سياق وصفي لعزوف الشركات الكبرى عن المساهمة المجتمعية، حيث قلت في مقال سابق «كثيرون منهم مازالوا بعيدين عن المجتمع، لا يسهمون فيه، ولا يشاركون في تنميته وتطويره»، ورغم إصراري على ذلك، أصر هو على عكس ذلك، وقال، كيف عرفت أنهم «كثيرون»؟! وأضاف «كثيرون هم من يسهمون في الخير، وللخير»، لكن دون الإعلان عن تلك المساهمات! عموماً لا خلاف بيني وبينه في المضمون، لكنّ هناك خلافاً جوهرياً واحداً في الشكل، هذا الخلاف ليس بيني وبينه، ولا بيني وبين التجار الذين لم يعجبهم الحديث عن ضرورة المشاركة بفاعلية في تحمل مسؤولياتهم تجاه المجتمع، الخلاف في فهم معنى المسؤولية المجتمعية، والخلط بينها وبين الالتزامات الدينية كالصدقة والزكاة، تلك الالتزامات التي يفضل البعض عدم الإعلان عنها، باعتبارها عملاً دينياً بين الإنسان وربه، قد تفسد الثواب، وتتجه ناحية «الرياء»…
الجمعة ١٨ مارس ٢٠١٦
قبل أسابيع أعطى جورج طرابيشي مقابلة إلى مجلة «أثير» بعنوان «ست محطات في حياتي». وفي إحدى هذه المحطات يقول إنه ترجم شابًا أعمال سيغموند فرويد عن الفرنسية، وليس عن الأصل الألماني، والآن يرغب في العودة إلى تنقيحها بعدما تحصل عبر السنين الماضية على مزيد من العلم والمعرفة! تلك صورة عفوية عن رجل أمضى عمره يحفر في ثقافات العالم، مثل عالِم آثار، لا يترك حبة رمل أو حجرًا أو حرفًا للصدف. اختار طرابيشي الجزء الأكثر صعوبة في العمل الأدبي: الفكر والبحث والجدل. واختار، صامدًا، الجزء الأقل شعبية في العمل الثقافي، كاتبًا ومترجمًا. واختار، خصوصًا، الجزء الأكثر علمًا والأقل شعبية ودخلاً. ومن بين نحو 300 كتاب في التأليف وفي الترجمة، لم يخرج عن القاعدة يومًا. رأى البعض أن المفكر السوري، الذي نفى نفسه إلى باريس منذ أربعة عقود، أضاع كثيرًا من الوقت في متاهات لا ضرورة لها، منها النزاع الفلسفي الحاد مع المفكر المغربي محمد عابد الجابري. وقد أخذ الجابري الخلاف إلى…
الجمعة ١٨ مارس ٢٠١٦
زادنا حيرة، في حديثه لمجلة «أتلانتيك». كيف، ولماذا، تغيرت عقيدته doctrine في سبع سنوات؟ الحقيقة أن الرئيس باراك أوباما كان أكثر زعيم أميركي استطاع كسب محبة العرب والمسلمين، في أصعب وقت للجانبين. فقد افتتح عهده مع منطقتنا بأسلوب حميمي غير مألوف لنا. ألقى خطبتين في قلب أهم مدينتين إسلاميتين تاريخيتين، القاهرة وإسطنبول. وكانت كلمته في جامعة القاهرة قطعة أدبية رائعة، باح فيها برؤيته للإسلام والسلام، وعن تجربته في جاكرتا، وأصوله الأفريقية والمسلمة جزئيًا. كسب محبة كثيرين من الثلاثمائة مليون عربي، الغاضبين عادة من أميركا. لا شك أن أوباما، الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة، كان أول زعيم أميركي يصل إلى قلوب المسلمين. غلطته الكبرى هي سوريا، حيث لا أحد يفهم لماذا رئيس أقوى دولة في العالم يرفض أن يساعد شعبًا، قُتل منه نصف مليون إنسان؟ في حديثه، نشعر أن الرئيس، بعد أن أفرغ ما في صدره، أنه، على الأرجح، بدل كثيرًا من رؤاه. ففي بداية رئاسته ظهر علينا أوباما دافئًا، متحمسًا،…
الجمعة ١٨ مارس ٢٠١٦
عن 77 عامًا ودّع المفكر السوري النادر الطراز جورج طرابيشي عن هذه الفانية الأربعاء الماضي. مفكر عميق الغور، شديد الحرص، دقيق البحث، وافر الهمة، يقرأ كتبًا من أجل تقرير فكرة معينة قد لا تستغرق من كتاب يقع في 44 صفحة إلا صفحتين. بدأ الرجل مشواره الفكري ونشاطه العام منخرطًا في حزب البعث، ثم غادره وغادر معه بلاده سوريا، وهو الحلبي العتيق، لبيروت. وحين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية القبيحة، غادر آخر عش له في بلاد الشام، واستقر بعاصمة الأنوار باريس بقية حياته، حتى غادر الفانية قبل أيام. أزعم أن كل من قرأ بجد واجتهاد في تحولات العالم العربي، وجدل الهوية، والعلمانية والأصولية، وتكريس الهوية الوطنية بالضد من النزعات الدينية والطائفية، فلا بد له من استيعاب نص طرابيشي. رغم وعورة المسائل التي كان يعاني معالجتها في أبحاثه وترجماته، لكنه تميز بطراوة الأسلوب وإشراق الجملة، ونصاعة البيان، ما يعني أنه كان هاضمًا ومسيطرًا على شبكته الفكرية، يغذي ذلك عُدة لغوية متينة، وثراء قاموسي…
الخميس ١٧ مارس ٢٠١٦
كان الانسحاب الروسي المتدرج من سورية بمثابة المفاجأة لكل المتقاطعين مع أزمة سورية قاهرة ومؤلمة، الدب الروسي ظل يراوغ ويستفز ويناور ويلعب على أكثر من حبل ممكن في المشهد السياسي، كثير من المتفائلين يرون أن هذا الانسحاب يحمل في مكوناته المضي جدياً لصفقة مثمرة بين القوى الكبرى نحو أن تكون سورية بلا بشار في أقرب وقت، وإن كان هذا التفاؤل ذا درجة مضطربة، خصوصاً أن موسكو لم تبد أي نوايا حقيقية لزرع بذور السلام والعمل على تسوية نقية لأزمة هي الأكثر استفزازاً على مر الأعوام الفائتة، حمل هذا الانسحاب جملة من التأويلات والتوقعات، وبعثر في الوقت ذاته جملة من الأوراق المنثورة على الطاولات المكهربة سياسياً، ولا يجب أن ننسى في أن مفاجأة الانسحاب تشابهها في تاريخ مضى مفاجأة في التدخل السريع والصادم لكل الذين ظنوا من روسيا أنها ستقف إلى صف المتعاطفين مع المأساة السورية لا المضاعفين لها والمتاجرين بها ولو على حساب الأبرياء والمقهورين. اقرأ الانسحاب بشيء من «التشاؤل»،…
الخميس ١٧ مارس ٢٠١٦
بنى السلطان المملوكي حسن بن محمد بن قلاوون المسجد الذي يحمل اسمه بين عامي 1356 و 1363 ميلادية. وكان المسجد كبيرا للغاية بحيث ان المؤرخين يحدثوننا بأنه أوشك على إفراغ الخزينة المملوكية الكبيرة، كما يعتقدون باحتمال استخدام بناة المسجد لحجارة جلبت من أهرامات الجيزة. بدأت عمليات بناء المسجد عام 1356، وأخذت مكانها على أحد أكثر المواقع بروزاً، والذي يواجه الساحة الممتدة أمام القلعة. وأمر السلطان حسن ببناء مسجد بأربعة إيوانات مستقلة، تحصر بينها أربع مدارس لمختلف المذاهب الإسلامية، والتي كانت معقودة في زوايا البناء، إلى جانب ضريح ضخم مقبب، يقع وراء القبلة، فضلاً عن سوق على مستوى منخفض، وبرج مائي. يقدر طول مسجد السلطان، الذي يعد أحد أكبر المساجد في العالم، بنحو 150 متراً، ويغطي مساحة قدرها 7,906 أمتار مربعة. ويصل ارتفاع جدرانه إلى 36 متراً، فضلاً عن أن أعلى مآذنه تشمخ 68 متراً. ويروي لنا المؤرخون أنه كان من المعتزم بناء مئذنة في كل زاوية من زوايا المسجد، ولكن…
الخميس ١٧ مارس ٢٠١٦
تمنيت لو قال الرئيس الأميركي باراك أوباما كلامه العاصف لجيفري غولدبيرغ الأخير في مجلة «أتلانتيك»، قبل خمس سنوات، ربما كانت آثاره مختلفة. هذه المرة صراحته أغضبت أصدقاءه وفي الوقت نفسه هناك القليل الذي يمكنه أو يمكنهم عمله في الفترة المتبقية لإقناعه بخطأ رأيه أو تغيير مواقفهم. بعد سبع سنوات رئاسية، اكتشفوا أن الرئيس يحمل رأيًا مختلفًا لم يبح به لهم من قبل. وكما قال لي أحدهم إنه مثل أن تكتشف آراء زوجتك بعد عمر طويل من العلاقة. ومع أنني أتفق مع الرئيس أوباما في كثير من الأشياء، بما في ذلك نقده لنا حول قصورنا في معالجة التطرّف، وأهمية تمكين المرأة في المجتمع، فإن هناك أيضًا الكثير مما يستوجب الجدل حوله. حديث أوباما طويل جدًا، ومرهق، لأنه ليس نصًا تقليديًا يمكننا أن نفهمه في سياق واحد. وهذا يعود ربما لأن محاوره، جيفري غولدبيرغ، التقاه عدة مرات، وسافر معه في بعض رحلاته، وجمع أحاديثه في صياغته الأخيرة التي نشرها. وغولدبيرغ يعرف أوباما…
الخميس ١٧ مارس ٢٠١٦
في أحد الأيام استوقفني أحد القراء ودار حديث طويل حول ما يكتبه الكتاب عن مشكلاتنا الاجتماعية وهل تجدى تلك الكتابات أمام المسؤولين أم (حرام) فيها الحبر الذي تستهلكه. ولا أريد الحديث عما استكملنا به الحديث، وإنما أردت نقل جملة قالها ذلك القارئ الفاضل، قال: أتعرف ما الذي ينقصنا؟ كنت صامتا ولم أشأ أن أحرز ما الذي يود قوله، فقاطع صمتي: الذي ينقصنا الإخلاص.. ولو أن كلا منا كان مخلصا في ما يعمل لما تعطل أي شيء في حياتنا. نعم، خصلة الإخلاص يمكنها أن تقودنا جميعا إلى أداء كل شيء بإتقان ومن غير تباطؤ. وكل منا يعرف جزءا من الداء الذي حل أطنابه بيننا، ومعرفتنا بهذا الجزء يوجب علينا بسط المعضلة بيننا بكل شفافية وصراحة. وسوف انطلق مما قاله الأمير خالد الفيصل في تدشين حملة (وطننا أمانة): «أن القرآن والسنة النبوية ركيزتان مهمتان، ولو طبقهما الجميع ونفذ ما فيهما، لما احتجنا لمؤسسات مراقبة أو مكافحة للفساد». الانطلاق من أننا جميعا على…