الأحد ٠٢ أغسطس ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ليست هذه قراءة نقدية لفيلم الأوديسة للمخرج كريستوفر نولان، بقدر ما هي تأمل في الكيفية التي لا تزال بها ملحمة كُتبت قبل ما يقارب ثلاثة آلاف عام قادرة على مخاطبة جمهور اليوم، ولماذا استطاعت، رغم امتدادها إلى نحو مئة وستين دقيقة، أن تستحوذ على انتباه جمهور شاب حتى اللحظة الأخيرة. ففي زمن أصبحت فيه القدرة على التركيز لفترات طويلة أكثر صعوبة، لا سيما لدى الأجيال التي نشأت في ظل منصات البث، ومقاطع الفيديو القصيرة، ووسائل التواصل الاجتماعي، يحقق الفيلم إنجازاً نادراً؛ إذ يعيد هوميروس إلى الحاضر، ويمنحه لغةً يفهمها الجيل الجديد دون أن ينتقص من جلال النص الأصلي. ويكمن جانب مهم من هذا النجاح في السيناريو نفسه. فعلى خلاف كثير من الاقتباسات السينمائية للأعمال التاريخية والكلاسيكية التي تلجأ إلى لغة إنجليزية بريطانية قديمة، فتخلق مسافة غير ضرورية بين النص والمتلقي الشاب، يختار الأوديسة لغة معاصرة وسلسة، تحافظ في الوقت نفسه على العمق…
الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: استعداء الدول والشعوب ليس من الوطنية في شيء! فالترصّد لكل كلمةٍ ولكل منشورٍ، وتحويره للوصول إلى استنتاجٍ مسبّقٍ في ذهن صاحبه، ليس فطنةً ولا ذكاءً. نعم، هناك كارهون ومضلِّلون وخبثاء، لكن البعض يصل به الأمر إلى مرحلةٍ سامةٍ من التوجّس والوهم. ومنصاتُ التواصل الاجتماعي بيئةٌ خصبةٌ لمثل هذا السلوك! فالمُشاهَد أن البعض غارقٌ في حالةٍ من السخط المستمر وتخوين الآخرين، مما يُفقد الخطاب العام عقلانيته، فيغدو عبئًا على المجتمع بدلًا من أن يكون حائط صدٍّ له. إن الوعي الفكري الناضج يعني الفهم العميق للواقع والتحديات، مع الحفاظ على الاتزان النفسي والعقلاني. أما تحويل كل كلمةٍ أو موقفٍ عابرٍ إلى "مؤامرةٍ" ونيّةٍ مبيّتةٍ للإساءة، فهو هدرٌ للطاقات، واستنزافٌ للجهد الوطني في جبهاتٍ وهميةٍ لا طائل منها. يحدث هذا عندما يدخل الشخص إلى منصات التواصل بحكمٍ مسبَقٍ مفاده "أنه مستهدَفٌ وأن الآخر عدوٌّ بشكلٍ أو بآخر"، مما يجعله فريسةً سهلةً للانحياز التأكيدي، وما يرافقه من حساسيةٍ…
الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٢٦
في النفس البشرية قاعاتٌ كبرَى وكهوف ودهاليزُ لا تهدمها الزلازل الفجائية؛ بل تنحتها برودة الأيام والسنوات، وتصهرها الآلام أو الشعور بالظلم؛ فكل الأشياء العظيمة التي نظنها أبدية، وكل الروابط التي نحسبها أُسِّستْ على صخرة الاستمرارية، لتَظَل معنا طيلة الحياة، إنما هي في حقيقتها كائنات حيَّة رقيقة، تتغذَّى على قِيَم الحُب والاحترام والعطاءات، وتتنفس في فضاء التقدير، والابتعاد عن الأنانية، وتذبُل شيئًا فشيئًا حين تُقابَل بسوء المعامَلة وجفاف المشاعر. فالإنسان بطبيعته يلتقط مشاعرَ مَن حوله، ويمتلك رادارًا داخليًّا دقيقًا، يقيس به مسافة الأمان الوجداني؛ وحين يكتشِف أنه يُستنزَف، أو أن وجودَه يُقابَل بالاستخفاف، أو تعمُّد الأذى الموجَّه إليه، تبدأ روحه في الانكماش الهادئ، ويمد المسافاتِ بينه وبين الآخَر؛ لينتصر فيها لكرامته وإنسانيته، ويطوِّع ذاتَه على الانسحاب من ساحة المعركة، محمَّلًا بخساراته الداخلية الصاخبة، التي تزلزِل كيانه، يبتعد ليتحرَّى الحفاظ على ماء وجْهه؛ لتقبُّل خسارة أبدية لا رجْعة فيها. 1ــ حتى "الأمومة" - أعظم العواطف وأنقاها - تتوارَى …
الخميس ٣٠ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: وقفتُ عند لافتة "ممشى السعديات" أقرأ الاسم أكثر من مرة، وأتساءل: لماذا يستوقفني حرف عربي بسيط في مكان يستقبل زواراً من كل أنحاء العالم؟ ثم أدركت أن السؤال نفسه هو الإجابة. فمن ممشى السعديات إلى منارتها، ومن دار الفنون إلى مراسيها، اختارت الجزيرة أن تتحدث بلغتها، لا أن تستعير لغة غيرها لتبدو عالمية. تسمية المرافق العامة قد تبدو للبعض تفصيلاً شكلياً، لكنها في الحقيقة قرار ثقافي. فالاسم يحمل ذاكرة ورسالة، وهو جزء من الشخصية التي تريد المدينة أن تقدمها لسكانها وزوارها. ولم يكن اختيار هذه الأسماء العربية عفوياً، بل يعكس وعياً بأن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل وعاء للهوية والانتماء. واللافت أن هذا الحضور العربي لا يأتي في مشروع محلي منغلق، بل في قلب واحدة من أكثر الوجهات الثقافية العالمية انفتاحاً. فالجزيرة تحتضن متحف اللوفر أبوظبي، وتستعد لاحتضان جوجنهايم أبوظبي، وفي الوقت نفسه تحرص على أن تبقى أسماء ساحاتها وممشاها ومنارتها عربية بامتياز. وكأن أبوظبي…
الأربعاء ٢٩ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: الأصدقاء الافتراضيون ليسوا أولئك الذين التقيناهم خلف الشاشات فحسب، بل هم أحيانًا أصدقاؤنا الحقيقيون؛ أولئك الذين تقاسمنا معهم الأيام، والمقاعد، والحكايات فعلًا، ثم اختُزلوا بفعل الزمن والمسافات، وضمن شبكة من الخيارات اليومية المتراكمة، في مجرد “وجود رقمي” باهت. التكنولوجيا هنا لم تكن وحدها الفاعل، بل غدت الملاذ السهل الذي يُلجأ إليه طواعيةً للاكتفاء بالحد الأدنى من الاستثمار العاطفي المتبادل. الأصدقاء الذين حفظنا نبرات أصواتهم، وضبطنا إيقاع ضحكاتهم، وقرأنا ملامحهم في تعبهم وفرحهم، أصبحنا نقتفي أثرهم اليوم عبر “الستوري”، بقرار كسلٍ عام وغير مكتوب. نطمئن عليهم بلمحة من صورة، أو تحديث عابر، دون حديث حقيقي، ودون ذلك الدفء القديم الذي كان ينبض في العلاقة ليجعلها حيّة؛ وكأن الجميع ارتضى هذه الهدنة الباردة، واختار ترشيد طاقة المبادرة. المفارقة أن وسائل التواصل لم تُلغِ الآخرين من حياتنا، بل وفّرت الغطاء والمبرر ليغادروها جزئيًا، أو لنغادرها نحن. علقنا جميعًا في ذلك البرزخ الرمادي؛ حضور خفيف يشبه الظل، موجودون بما يكفي…
الأربعاء ٢٩ يوليو ٢٠٢٦
لطالما نظرت بفضول يشوبه حزن إلى المقتنيات التي يتخلى عنها أصحابها ويلقون بها خارجاً وكأنها قمامة. وباستمرار تنتابني رغبة في التقاط تلك الأشياء.. والاعتذار منها! كنتُ أُحْرَجُ من ميلي الغريب هذا، ولكن مع الوقت أدركت معنى لمشاعري وفهمت دوافعها، وتوقفت عن الشعور بالخجل الذي يجب أن يكون شعور أولئك الذين يتخلصون من أشيائهم بهذه السهولة! نتعامل مع أشيائنا وكأننا يجب أن نكون أقوى وأكثر أهمية وأطول عمراً منها، بينما الواقع يؤكد باستمرار أن الأشياء تمتلك سيرة أطول من سيرة أصحابها، وهي ميزة تجعلها أبقى! وما نراه في المتاحف ما هو إلا تأكيدٌ لذلك. لقد بدأت سيرتها منذ زمن طويل قبل لحظة امتلاكنا لها، ولا تنتهي بمجرد انقضاء أهميتها بالنسبة لنا. قد تكون وظيفتها انتهت لدينا -كما نعتقد- لكن قيمتها ستبقى للأبد، تلك القيمة التي تجعل لها وظيفة أخرى لنا أو لغيرنا.. وهكذا للأبد! ألا تستحق هذه الأشياء أن نتأملها بعين مختلفة! فلنحاول الإنصات إلى ما تقوله عن ماضيها، وعن الحياة…
الإثنين ٢٧ يوليو ٢٠٢٦
هل وصل مفهوم الأمن القومي العربي إلى نهايته؟ ربما لم يعد هذا هو السؤال الصحيح، لأنه يفترض أن ما كان قائماً في الماضي لا يزال محتفظاً بالمعنى ذاته. السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل ما زلنا بحاجة إلى هذا المفهوم بالصيغة التي صيغ بها في أدبيات القرن الماضي؟ الإجابة تميل إلى النفي. لا لأن فكرة الأمن المشترك فقدت أهميتها، بل لأنها أصلاً لم تكن حقيقة على الأرض وإن كانت قد وجدت ك "حلم" عربي فإن أدواتها وحدودها ومنطلقاتها قد تغيّرت تغيّراً جذرياً. لم يعد العالم كما كان. لم تعد الجغرافيا وحدها تحدد التحالفات، ولم تعد القومية العربية أو الهوية سبباً كافياً أو إطاراً لبناء منظومات أمنية فاعلة. ما نشهده هو إعادة تعريف شاملة للأمن نفسه. لم يعد محصوراً في حماية الحدود؛ صار يشمل أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والأمن السيبراني والتفوق التكنولوجي، بل والقدرة على إدارة أزمات عالمية معقدة وناشئة، من الأوبئة إلى النزاعات. في هذا السياق، لم يعد القرب اللغوي…
السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: كنتُ في محل عطور ذات يوم. لم أفعل الكثير خلال كلامي مع الموظف، تلطّفتُ في حديثي وابتسمتُ فقط. قال لي قبل أن أخرج: مثلكِ (يحلّي) يومنا المليء بجمود ورسمية الزبائن. وأهداني حينها الكثير من الدعاء الطيب. موقفٌ عابرٌ وغير استثنائيّ - حدث منذ بضع سنوات - ومثله مواقف عديدة ومختلفة يتجاوزها بعضنا بمجرد انتهائها. لكن، هل فكرنا أن نتوقف قليلًا ونتمعن فيها وفي هؤلاء العابرين؟ في تأثيرنا عليهم أو تأثيرهم علينا. يحيلنا مفهوم "أثر الفراشة" (Butterfly Effect) إلى كيفية قيام لفتاتٍ صغيرةٍ في السلوك أو البيئة بإحداث تأثيراتٍ واسعةٍ وعميقة. ولعلي أستعير هذا المفهوم في المواقف العابرة التي نمر بها مع من نعتبرهم غرباء، والتي تترك أثرًا قد يرافقنا أو يرافقهم لفترة طويلة، ليذكّرنا بانعكاس اللطف، وبأن الإنسانية مساحةٌ مشتَرَكةٌ نتبادل فيها الدفء دون تخطيط، ويُخلِّف كلٌّ منا شيئًا جميلًا في روح الآخر. بعبارةٍ أخرى، نحن نحمل طاقاتنا معنا أينما…
الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست لم يكن المقعد الفارغ مجرد مقعد. كان الشاغر الوحيد في قاعة امتلأت عن آخرها احتفاءً بعيد ميلاد صاحب السّمو الشّيخ محمّد بن راشد آل مكتوم في مكتبة محمّد بن راشد، حيث تزيّنت الأمسية بلوحات فنية لفنانين من أنحاء مختلفة استلهموا دبي وملامح قائدها، قبل أن تتوالى القصائد بصوت كريم معتوق، ونجاة الظاهري، وحمدة المر، لتختتم الليلة بالموسيقى والغناء. لكن حكايتي لم تبدأ على المسرح. بدأت بالمقعد المجاور. كانت تجلس إلى يساري سيدة إماراتية لم أكن أعرفها، بينما كان المقعد الفاصل بيننا قد تركته إحدى الفنانات المشاركات بعدما نهضت لتقف بجوار لوحتها مع وصول كبار الضيوف والمسؤولين. نظرت إلى السيدة وقلت مبتسمة: «ربما علينا أن نحتفظ بالمقعد للفنانة حتى لا تعود فلا تجده.» وضعت نسختي من كتابي "أربعون" على المقعد، وكأنها بطاقة حجز مؤقتة لصاحبته. كان تصرفًا عفويًا. لكنه كان بداية حديث لم أكن أتوقعه. التفتت السيدة إلى الكتاب، وسألتني عنه،…
الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦
الحقيقة أننا نعيش مشروعاً وطنياً كبيراً بدأ منذ قامت دولتنا، وعهداً تؤكده القيادة الحكيمة يتحقق منه المواطن والمقيم كلما خرج من منزله ليومه، وذلك عبر التزامها ونجاحها في تحويل الصحراء إلى حدائق نابضة بالحياة. ففي الإمارات نسبق الأسئلة قبل أن نبحث عن إجابات، فما يحدث لدينا في أصله يعد استثماراً في صحة الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض، قبل أن نعالج ما يصيبه، وهو ما يطلق عليه «جودة الحياة»، أي تعزيز العافية الهدف الأسمى المنشود. وبالفعل ومنذ إطلاقه كاستراتيجية في إمارة أبوظبي، ونحن نشهد توسعاً ملحوظاً في المساحات الخضراء في كل مدن إمارة أبوظبي الجديدة، رافقها تزايد عدد مسارات المشي ومرافق الرياضة العامة المتاحة للجميع. غير أن البحر الذي كان دوماً جزءاً أصيلاً من تكوين المكان وسبب بقائه بما مثله من مصدر رزق وحياة، بقي في معزل عن كل هذه التغيُّرات الحيوية، في وقت كان يجب أن يصبح امتداداً طبيعياً لمشروعنا الحضاري، عبر اعتباره مساحة يومية للصحة والتوازن وجودة الحياة.…
الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦
يرتكز الإعلام السياسي، خاصة في القنوات الإخبارية، على قاعدة مهمة: «ليس الهدف أن يسمعنا الآخر، بل أن يستمع إلينا»، فالسماع قد يحدث دون انتباه، أما الاستماع فهو فعل واعٍ يعكس اهتمام المتلقي وثقته بما يُقدم إليه. لذلك لا يقاس نجاح الوسيلة الإعلامية بمجرد وصولها إلى الجمهور، بل بقدرتها على التأثير في فهمه، والمساهمة في تشكيل قناعاته، وكسب ثقته على المدى الطويل. وإذا فشلت الوسيلة الإعلامية في التأثير، أصبحت رسائلها مجرد محتوى عابر لا يغيّر رأياً، ولا يصنع قناعة، ولا يدفع المشاهد إلى إعادة النظر في موقفه. وقد تحقق انتشاراً واسعاً أو تحصد ملايين المشاهدات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها نجحت في أداء رسالتها، فالمصداقية ليست في ما يُبث، بل في ما يبقى في ذهن المتلقي بعد انتهاء البث. يتكوّن المشهد التلفزيوني الإماراتي من أربعة مكونات رئيسية، لكل منها جمهوره، وأهدافه، ورسائله، ودوره في المنظومة الإعلامية الوطنية. المكون الأول هو القنوات الموجهة لمواطني دولة الإمارات. وتمتلك كل إمارة تقريباً قنواتها…
الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: قرأتُ منشورًا لأحد الأصدقاء، يطرح فكرةً جديرةً بالاهتمام والتفكيك، فحواها أن الصبر هو مقياس الحُبّ والسعادة في العلاقات، كصبر الزوج على زوجه، والأم على تربية أبنائها، والأب على مشاق العمل ومتطلبات الحياة. وضرب الكاتب مثالَين: أولهما حادثة قصعة الطعام التي أوقعتها أمنا عائشة غيرةً، ورد فعل رسولنا الكريم الصبور والمتفهّم، وثانيهما قصة سيدنا موسى والعبد الصالح التي ذُكِرَت في القرآن الكريم، والتي وضع فيها العبد الصالح الصبر شرطًا رئيسًا للسماح لسيدنا موسى باتّباعه. مرتبة الصبر في سلم الأولويات: في تقديري، لا تستقيم الحياة الزوجية بالصبر فقط، فالصبر وحده ليس مقياسًا ولا أولويةً ما لم يرتبط بمعايير أخرى، كرصيد الطرف الآخر، وطبيعة السلوكيات والمواقف التي نواجهها. إن العلاقات الإنسانية تُبنى على التراكم والتبادلية، وحين يبدر خطأٌ أو مسلكٌ مسيءٌ من شريكٍ يملك رصيدًا من المودة، والتفهم، والدعم الممتد، يكون الصبر هنا مظهرًا من مظاهر الوفاء والتقدير لـ "المعدن الأصيل".…