الخميس ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: لم تكن تتوقع أن تتغير ملامح حياتها بهذه السرعة، وأن تجد نفسها أمام اختبار لم تستعد له يوماً. كانت امرأة تحمل أحلاماً وطموحات، وتسعى إلى بناء مستقبل أفضل لها ولأبنائها، حتى جاء المرض ليغيّر إيقاع حياتها، ويضعها أمام تحديات جسدية ونفسية لم تعهدها من قبل. ولم يكن المرض وحده ما أثقل قلبها، بل ابتعاد بعض الأصدقاء عنها دون أسباب واضحة، وكأن المحن لا تكتفي باختبار قدرتنا على الاحتمال، بل تكشف لنا أيضاً حقيقة بعض العلاقات التي اعتقدنا يوماً أنها ستدوم. وعلى الرغم من قسوة ما مرت به، لم تدع المرض يحدّد ملامح حياتها، ولا ابتعاد بعض الأشخاص أن يهزّ ثقتها بذاتها أو ينتقص من عزيمتها على المضي قدماً. اختارت أن تعتني بصحتها جيداً، وتلتزم بعلاجها، وتعيد ترتيب أولوياتها، وأن تواصل رسالتها كأم تمنح أبناءها كل الحب والأمان. لم تكن قوية في كل لحظة، ولم تخلُ أيامها من الخوف والتعب، لكنها أدركت أن الشجاعة لا تعني غياب الألم، بل القدرة على مواصلة الطريق رغم وجوده. إن المرض ليس نهاية الطريق، كما أن قسوة الظروف لا تعني انطفاء الأحلام أو استحالة تحقيقها؛…
الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
تقف امرأة أمام محل تجاري في إحدى المدن الفرنسية، تراقب بعينٍ وحالٍ يملؤهما العجز أشخاصاً يهاجمون المكان لنهبه وتخريبه. حاولت إيقافهم مستنكرة ما يحدث بلا جدوى، ثم ابتعدت بألم! استرجعتُ بسبب تلك اللقطة التي انتشرت عبر وسائل التواصل مؤخراً -بسبب الاحتجاجات التي عمت فرنسا نتيجة المطالبة بإصلاحات-، زوجةَ الطبيب في رواية «العمى» للبرتغالي جوزيه ساراماغو؛ المرأة التي بقيت مبصرة في حين أصاب الجميعَ العمى الأبيض؛ فكانت ترى وتدرك حجم الانهيار الذي يتسع من حولها من دون قدرة على منعه! في تلك الرواية، كنتُ أعتصر ألماً على حال زوجة الطبيب، ووددتُ من كل قلبي لو أن العمى الأبيض أصابها لترتاح من ألم مشاهدة الانهيار الذي أصاب النظام. تذكرتُ ذلك أمام بؤس المرأة الفرنسية وكلي رعبٌ، وكأني مكانها حاضرةٌ الآن، أشهد على تحول كل شيء اعتقدتُه صواباً إلى أمر سفيه وتافه أمام طوفان الخراب الجماعي. رعبٌ من العزلة التي تفرضها علينا المعرفة وتناقض الواقع، ونعيشها بسبب البصيرة. بين الرواية المتخيّلة والمشهد الحقيقي،…
هالة بدريمدير عام هيئة الثقافة والفنون في دبي
الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
سيأتي يومٌ نغادر فيه مكاتبنا للمرة الأخيرة. تُرفع أسماؤنا عن الأبواب، وتنتقل صلاحياتنا إلى آخرين، وتمضي المؤسسات في مسيرتها. وتتوارى مع الأيام تفاصيل قراراتٍ ظننا يوماً أنها ستبقى حاضرةً في ذاكرة الجميع. لكن ما الذي سيبقى منا حين تتوارى الألقاب، وتهدأ ضوضاء المسؤولية، ولا يعود أحدٌ بحاجةٍ إلى توقيعنا أو موافقتنا؟ هل سيتذكرنا الناس لما كنا نملكه من سلطة، أم لما كنا نمنحه لهم من قيمة؟ قبل أيام، عشت موقفاً جعلني أتأمل هذا السؤال على نحوٍ مختلف. في زيارة لإحدى المؤسسات الحكومية التي شهدت تطويراً شاملاً لمرافقها وخدماتها، رافقني المسؤول في جولةٍ للاطلاع على ما أُنجز. كانت التحسينات لافتة، والعناية بالتفاصيل واضحة، والحرص على الارتقاء بتجربة المتعاملين ملموساً. لكن أكثر ما استوقفني لم يكن جمال المكان، ولا حجم ما تحقق من تطوير. كان شيئاً لا يُشترى بالمال، ولا يُصنع بقرارٍ إداري: المحبة الصادقة التي رأيتها في وجوه الناس. فبينما كنا نتنقل في أروقة المؤسسة، كان الموظفون والمتعاملون يبادرون إلى تحية…
الإثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: قدمت اللغة العربية عبر تاريخها الطويل جهوداً فاعلة في نقل المعرفة وتكوين الوعي الحضاري، وشكّلت وسيطاً معرفياً لتداول العلوم والفلسفة والدين ومختلف الثقافات، وأسهمت في بناء نسق فكري تفاعلي بين الإنسان ومحيطه، كما أن بنيتها العميقة مكّنتها من التكيّف مع المتغيّرات الثقافية والتاريخية، والاستمرار في أداء وظيفتها التكوينية في بناء الذات العربية، ولهذا فإنه"كلما تعمق المرء في دراسة العربية تجلت له أمور جديدة، واتسعت أمامه الآفاق وثبت له أن القرون الوسطى لم تعرف الأمم القديمة إلا بواسطة العرب، وأن العرب هم الذين مدنوا أوروبا في المادة والعقل والخلق". ومثّلت اللغة العربية إحدى أبرز اللغات الحية في العالم، ولهذا فإنّ " انتشارها يُعد من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، كما يعد من أصعب الأمور التي استعصى حلها"، وشكّلت تأثيراً محورياً في نقل الثقافة عبر العصور، حين ازدادت التحديات الناتجة عن التنوع الثقافي، كما برزت أهمية اللغة العربية لكونها وسيلة لتعزيز التفاهم والتسامح بين الشعوب،…
الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦
في خضمّ الاستعداد لحفل تخرّجي في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بمناسبة حصولي على درجة الدكتوراة، وجدتني أفكر في معنى هذه اللحظة، وفي المسافة الطويلة التي قطعتها منذ مقاعد الدراسة الأولى حتى اليوم. تذكرتُ محطاتٍ ووجوهاً وأمكنة وأحداثاً، لكن الغريب أن أول ما استدعته ذاكرتي لم يكن كتاباً قرأته، ولا شهادة حصلت عليها، ولا أستاذاً تتلمذت على يديه، بل زجاجة عطر لا أزال أحتفظ بها منذ سنوات بعيدة. زجاجة عطر أهدتني إياها أمي يوم نجاحي في أحد صفوف المرحلة الإعدادية. لا أذكر اليوم تفاصيل ذلك النجاح، ولا الدرجات التي حصلت عليها، لكنني أذكر فرحة أمي. وربما لم أكن أدرك آنذاك أن أمي، وهي تقدم لي هديتها، كانت تمنحني شيئاً سيبقى معي طوال العمر؛ كانت تربط في وجداني بين النجاح والفرح، وبين الاجتهاد والتقدير، وتزرع في نفسي رغبةً في أن أعود إليها بنجاح جديد، لأرى الفرحة نفسها في عينيها. مرت السنوات، وتوالت النجاحات…
السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست : في السياسة، قد تختلف الحسابات، وتتباين التحالفات، وتتبدل الأولويات وفقاً للمصالح والظروف. لكن ثمة مبادئ يفترض ألا تخضع لهذه التقلبات، وفي مقدمتها سيادة الدول وحقها في الأمن والاستقرار، ورفض الاعتداء عليها، أياً كانت هوية المعتدي أو الدولة المستهدفة. فما الذي يجعل الاعتداء على دولة عربية تهديداً للأمن القومي يستدعي التحرك، وربما الاستعداد للتدخل دفاعاً عنها، بينما يتحول الاعتداء نفسه على دولة عربية أخرى إلى مسألة تحتمل الصمت أو التبرير أو البحث عن الأعذار، وفي أحسن الأحوال، الاكتفاء ببيان تضامني لا يتجاوز حدود الكلمات؟ السؤال هنا ليس عن حق الدول في تحديد أولوياتها الأمنية، ولا عن مشروعية التضامن مع دولة شقيقة تتعرض لتهديد خارجي. فهذا التضامن مطلوب، بل ضروري. إنما السؤال يتعلق بالمعايير التي تحكم المواقف، وبالحد الفاصل بين السياسة بوصفها إدارة للمصالح، والسياسة حين تتحول إلى انتقائية في تطبيق المبادئ. لقد أثبتت التجارب أن الخطر الذي…
السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: على مر السنين، جوبهت مساعي تجديد الفكر الإسلامي وإعادة قراءة التراث الفقهي بمقاومةٍ شديدةٍ وهجومٍ عنيف، تتصدرهما تياراتٌ تظن أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وتتقن أساليب الجدال وتحوير النقاش والتلاعب الحواري والنفسي، وتوظفها في الترصّد لكل تجربة تنويرية جادة بغية إسقاطها. قد أفهم عداء جماعات الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة والإرهابية، لأن مشروع التجديد يفكك بعض المرتكزات التأويلية التي استندت إليها تلك الجماعات في تسويغ العنف والتطرف وتبرير جرائمها وانحرافاتها. لكنني أتوقف أمام المسلم العادي، الذي لا يقيده فكرٌ أيديولوجي، ولا تربطه بتلك الجماعات مصلحةٌ ولا انتماء، ويقلقه لفظ التجديد، ويلتبس عليه مفهوم التنوير في سياقه الإسلامي والعربي، حتى إن كانت بلاده ذاتها ترفع راية التجديد أو تدعو إليه أو تتبنّى مخرجاته عبر مؤسساتها الرسمية وبالاستناد إلى اجتهادات مؤسستها الدينية ومختصّيها في العلوم الشرعية! ونحن لا نشك في ولاء هذا المسلم لوطنه ولا في محبته لبلاده وقيادته ومؤسساته، لكنه…
الجمعة ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: يمكننا القول إن مجموعة من العوامل ساهمت في تشكّل هذه الظاهرة المحيّرة، التي من الجائز أن نسميها، مع بعض التحفّظ: متلازمة الهوية المزيفة. ويأتي على رأس تلك العوامل: الخواء النفسي والفكري المدعوم بذوات هشة متضخمة، الوفرة المالية، وهم الإنجاز، غياب الرقابة والمحاسبة، التربة المتعطشة لكل جديد، ومواقع السوشال ميديا وما تعرضه وتلفّقه وتزيّنه. يقرر أحدهم بين ليلة وضحاها أن يحترف التصوير، فيجلب له كل أدواته، من كاميرات احترافية وعدسات ومكبّرات وإضاءة وحوامل وحقائب... ثم يزهد في هذا كله خلال أيام، ويحتفظ لنفسه بلقب مصوّر محترف. والآخر يشتري سيارة دفع رباعي مقاومة للمنزلقات والمنحدرات، وأدوات تخييم كاملة على أعلى مستوى، وتلسكوبات لمراقبة النجوم، ولا يذهب في رحلة صحراوية واحدة. نجد من يصف نفسه بأنه رسام وفنان تشكيلي، وهو لم ينجز أعماله الفنية إلا في ورش ودورات للرسم، حاكى فيها ونسخ بلا أدنى حس فني ولا إبداع ذاتي،…
الجمعة ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦
قبل عدة سنوات في برلين، سألتني ابنتي روضة، وكانت تبلغ حينها اثني عشر عاماً، عن كنيسة مهدمة في وسط المدينة، أبقت ألمانيا برجها المحطم شاهداً على الحرب العالمية الثانية. كانت كنيسة القيصر فيلهلم التذكارية، التي أصابها القصف عام 1943، وأقيمت بجوارها لاحقاً كنيسة حديثة، بينما بقي الجرح القديم مفتوحاً أمام العيون. سألتني ونحن ننظر إليها: «لماذا لم يعيدوا بناءها يا أبي؟». قلت لها: «هي شاهد على بشاعة الحروب. ألمانيا تقول لأجيالها القادمة وللعالم إن بيوت الله قد تُستباح حين يفقد الإنسان إنسانيته». عادت روضة لتسأل: «من قصف الكنيسة؟ هل كانوا مسيحيين؟». أجبتها: «نعم». وبدا على وجهها الاستغراب والحزن معاً. بقي سؤالها معي. الأطفال لا يعرفون التعقيدات التي نصنعها لتبرير القتل، يرون بيتاً للصلاة، ويسألون كيف يهدمه إنسان يؤمن بالله. والحرب العالمية الثانية لم تكن حرباً دينية، لكن سؤال روضة تجاوز أسبابها إلى معنى أعمق: ماذا يبقى من إيمان الإنسان حين لا يأمن الآخر منه،…
الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
تتعدد اليوم محركات اقتصاد دبي وتتشابك فيما بينها، فالتجارة العالمية تسندها شبكة من الموانئ والمطارات والخدمات اللوجستية، وتتلاقى السياحة والضيافة مع العقارات والتطوير العمراني، فيما تتسع مجالات الاستثمار في الخدمات المالية والصناعة والتكنولوجيا. من هذا التكامل تستمد المدينة جانباً كبيراً من قوتها الاقتصادية، وقدرتها على النمو والتكيف مع تحولات الأسواق العالمية. هذا التنوع ثمرة رؤية بعيدة المدى، وقرارات استشرفت المستقبل وفتحت أبواباً جديدة للفرص، لكن حين قرأت الرسالة الثامنة من كتاب «الرسائل» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، الموجهة إلى شباب دبي، اكتشفت أن وراء هذه الرؤية حكاية موجعة؛ حكاية تستعيد من ذاكرة دبي زمناً عرفت فيه قسوة أن يرتبط مصير مدينة كاملة بأحداث تجري بعيداً عنها، وأن يصل أثرها إلى أبواب البيوت، وإلى موائد أهلها. يعود صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى سنوات انهارت فيها تجارة اللؤلؤ، وفقدت عائلات كثيرة مصدر رزقها، وبدأ الناس يهاجرون بحثاً عن العمل…
الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
لا فرحة تعادل أن تدرس في جامعة تحمل اسماً عزيزاً على قلبك، ولا فخر يضاهي أن تقدّم أطروحة تتناول أحد أهم عناصر إرث المؤسس، بكل ما يحوي من أسسٍ واستراتيجيات، وقيم نبيلة راسخة، وقوة خطابية، وإقناعية. أقول ذلك، وقد تشرفت مع ثلة من أبناء وطني بالتخرّج، ضمن دفعة الدكتوراه، في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، عن أطروحتي «الخطاب السياسي الإماراتي». ويدرك المتابع للشأن الإماراتي، أن بلادنا، ومنذ نشأتها، راهنت في مسيرتها الحضارية على «الوعي» باعتباره مكوناً أصيلاً لمشروعها التنموي بمحتواه الإنساني، وهو ما أنتج خطاباً سياسياً كان تعبيراً مباشراً عن إنسان هذه الأرض، ونموذجها العقلاني، الذي رسّخ سمعتها بقوة في المشهد الدولي شراكات رئيسية ومؤثرة. ثم جاءت مؤسساتنا البحثية، ومنها جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، لتؤطر لهذا المكوّن الأصيل، الذي يشكّل اليوم قوة تضاهي القوة العسكرية، بل وحجة تبرّر لمن يثير التساؤل حول سرّ وحدتنا، وسرّ التفافنا حول قيادتنا الرشيدة. وما بين أروقة الجامعة، وشغف الدراسة، كانت تجربة…
الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في مشهد عميق الدلالة خلال «ملتقى محمد بن راشد للقادة»، طلبت إحدى السيدات من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أن يوقّع لها على كتاب «الرسائل»، فأجابها سموه بأنه لا يكتب إلا باللون الأخضر. تأملت هذا الرد، وأخذني اللون الأخضر بعيداً عن حبر التوقيع إلى ما يحمله من معانٍ في حياتنا. فالأخضر لون الأرض حين ترتوي، والزرع حين ينمو، والشجر حين يثمر. هو لون البدايات التي تحمل في داخلها وعداً بالمستقبل، ولون الأمل الذي يرافق الإنسان في رحلته نحو ما يتطلع إليه. وللأخضر حكاية أقدم من أعمار المدن، فقد كان منذ القدم علامة يستدل بها الإنسان على وجود الماء والحياة، وحيثما وجد الماء اخضرّت الأرض، واستقر الإنسان، ونشأت الحضارات. واليوم، ونحن نعيش ما أسميه «حضارة الإمارات»، أجد في هذا اللون امتداداً لذلك المعنى الأصيل، غير أن الماء الذي…