علي عبيد
علي عبيد
كاتب وإعلامي من دولة الإمارات العربية المتحدة

إعلامنا في زمن الحرب

آراء

نحن نعيش حالة حرب، وهي حرب دفاع عن الوجود. لا يستطيع أن ينكر هذا أحد، بدليل هؤلاء الشهداء، الذين سقطوا على أرض اليمن الشقيق، ليسطروا صفحات ناصعة في تاريخ الوطن، لأن الشهادة هي أرفع مراتب التضحية، وعندما تكون التضحية من أجل الوطن، يصبح كل غال رخيصاً، وليس ثمة ما هو أغلى لدى الإنسان من الروح.

وفي حالة الحروب يصبح دور الإعلام أكثر صعوبة، وهو دور لا يقل أهمية عن دور الجندي على أرض المعركة، لأنه يحشد الشعب خلف الجنود الذين يقاتلون ويبذلون أرواحهم رخيصة هناك، ويرفع روحهم المعنوية، ويجعلهم يشعرون بالفخر والاعتزاز بما يقدمونه للوطن، وما يقدمونه كثير يجلّ عن الوصف.

وفي دولة الإمارات لعبت عوامل ثلاثة دوراً أساسياً في تسهيل مهمة الإعلام الإماراتي، وأتاحت له العمل بسهولة ويسر لإيصال رسالته إلى الجميع في الداخل والخارج.

أول هذه العوامل هو موقف قيادة دولة الإمارات من الشهداء وأسرهم، وهو موقف بهر الجميع وأثار إعجابهم، وإن لم يكن موقفاً غريباً على قادة دولة الإمارات، الذين كانوا ومازالوا قريبين من شعبهم، لكن الأحداث الأخيرة جعلت من هذه العلاقة العميقة والمتجذرة بين القيادة والشعب حديث الجميع، ليس في دولة الإمارات فقط، وإنما في الدول الأخرى التي خاضت حروباً قبلنا، وتلك التي تخوض هذه الحرب معنا، لكنها لم تشهد مثل هذه المواقف التي شهدتها دولتنا منذ بدء عاصفة الحزم في اليمن، ومع استمرار عملية إعادة الأمل، فقد كانت زيارات أصحاب السمو الشيوخ لمجالس العزاء، ومواساتهم لأسر الشهداء ملحمة رائعة، أكدت مدى التلاحم القائم بين القيادة والشعب، وكانت زيارات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لجرحى القوات المسلحة نموذجاً فريداً لمدى العلاقة بين القائد وجنوده، وتجسيداً لمدى اهتمام القائد بهؤلاء الجنود الذين يخوضون أشرف معركة، وينفذون الأوامر دونما تردد، حتى لو اضطرهم ذلك للذهاب إلى أبعد نقطة على وجه الأرض لإطفاء النيران قبل أن تصل هذه النيران إلى وطنهم.

هذه المواقف كانت أول العوامل التي سهلت على إعلام الإمارات القيام بدوره، وأمدته بالمصداقية التي تحتاج إليها كل وسيلة إعلامية في صياغة رسالتها، وجعلت من هذه الرسالة وثيقة وطنية بامتياز.

أما العامل الثاني فهو موقف أسر الشهداء وذويهم من استشهاد أبنائهم، وهو موقف فريد قلّ أن تجد له مثيلاً في مكان آخر، وقد تجلت هذه المواقف في عبارات التصميم على تقديم المزيد من الشهداء من أجل الوطن، وكانت هذه الأسر قمة في الصدق في التعبير عن الولاء، فهي لا تنافق ولا تزايد، وإنما تعبر عن انتماء حقيقي لهذه الأرض، وعن استعداد تام للتضحية من أجلها مهما كان حجم التضحيات.

ولو عدنا إلى أرشيف زيارات أصحاب السمو الشيوخ لهذه الأسر لوجدنا الكثير من المواقف التي ربما كان تصديقها واستيعابها صعباً لو أننا قرأنا عنها في كتب التاريخ، لكنها مسجلة بالصوت والصورة، لمسناها جميعاً ونحن نزور أسر الشهداء لتعزيتهم ومواساتهم، فوجدناهم هم الذين يواسوننا، ووجدنا كلمات الفخر والاعتزاز بأبنائهم، الذين استشهدوا تنطلق من أفواههم صادقة معبرة، ووجدنا لديهم العزيمة والإصرار على التضحية بأرواحهم جميعاً من أجل الوطن، كما كانت مواقف الجرحى، الذين زارهم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مشرفة وجديرة بالفخر، فقد شاهدهم الجميع على شاشات التلفزيون وهم يرجون سموه أن يمنحهم فرصة العودة إلى أرض المعركة، للانضمام إلى زملائهم هناك للأخذ بثأر الشهداء، وإكمال المهمة التي ذهبوا من أجلها. هذه المواقف كانت العامل الثاني الذي سهل مهمة إعلام الإمارات، وجعل رسالته تصل إلى الجميع بيسر وسهولة.

ويأتي العامل الثالث ليكمل هذين العاملين المهمين، وهو موقف شعب الإمارات بكل فئاته؛ هذا الشعب الذي تفاعل مع الأحدث منذ البداية، ووقف صفاً واحداً خلف قيادته، فلم يخذلها، وإنما كان سنداً لها ولأسر الشهداء وللجرحى.

لقد أثبت هذا الشعب الوفي أنه على قدر عال من الوعي والإحساس بالمسؤولية تجاه وطنه وقيادته، فلم يشك لحظة في قدرة القيادة على تقدير الموقف، واتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب، لأنه واثق بأنها قيادة حكيمة مخلصة لوطنها وشعبها، تتخذ قرارها بعد دراسة عميقة ومتأنية، وتقرأ الأوضاع والظروف المحيطة بها قراءة صحيحة، وتعلم جيداً أن التاريخ لا يرحم المقصرين في حق أوطانهم، ولا المتخاذلين عن حمايتها من أطماع الطامعين، ومؤامرات الخونة والعملاء، الذين يسهل شراؤهم من قبل الجماعات الإرهابية، والدول ذات التطلعات الإمبراطورية القديمة، التي تحاول التهام المنطقة كلها، وتسعى إلى وضعها تحت سيطرتها، باستنهاض النعرات الطائفية القبيحة، واستغلال نظريات وأفكار المظلومية، التي عفا عليها الزمن، وتجاوزتها الأمم والشعوب.

وقد كان هذا العامل مهماً جداً، لأن مصدره الشريحة الكبرى، التي توجه إليها وسائل الإعلام الإماراتية رسائلها، وما لم تكن هذه الشريحة مهيأة لتقبل هذه الرسائل، فإن أي محاولة للتأثير عليها تكون صعبة، بل مستحيلة، فمن المعروف أنه ما لم يكن المستقبل مستعداً لتقبل الرسالة، فإن قدرتها على التأثير فيه عادة تكون محدودة.

ويبقى على الإعلام الإماراتي دور لا يقل عن دور الجنود في ساحات المعارك، فالقتال بالقلم والميكروفون والكاميرا معركة لها ساحاتها وأدواتها، وإعلام الإمارات بكوادره الوطنية المخلصة، وبالثقة التي يضعها فيه قادة دولته، قادر بإذن الله على خوضها، وكسبها بجدارة.

المصدر: صحيفة البيان