محمد الحمادي
محمد الحمادي
رئيس تحرير صحيفة الرؤية

الإسلام السياسي وخديعة «تطبيق الشريعة»

آراء

في خضم ما يعيشه العالم العربي هذه الأيام وفي ظل صعود تيار الإسلام السياسي الذي أصبح حاضراً في المشهد السياسي اليومي، صار مهماً أن يثار الحوار والنقاش حول مسألة «تطبيق الشريعة الإسلامية» وبعد ذلك مسألة «عودة الخلافة الإسلامية»… فما تدغدغ به جماعات الإسلام السياسي مشاعر العامة من المسلمين في الدول العربية هو إطلاق وعودها بتطبيق شرع الله على الأرض… وإنهاء القوانين الوضعية التي تفرق بين البشر وتسبب الفساد في الأرض -على حد قولهم- فهل تطبيق الشريعة ممكن وكيف؟ ولماذا فشل «الإخوان» في مصر بعد عام من حكمهم في أن يطبقوا شيئاً من الشريعة؟ بل لماذا تجاهلوا الشريعة في كل ما قاموا به؟ وفي تونس أيضاً لماذا وضعت الشريعة الإسلامية على جانب بعيداً عن فكرة تطبيقها؟ وما سر بحث «حزب النهضة» عن المبررات لعدم تطبيق الشريعة، وهو الذي كان يطالب بتطبيقها قبل صوله إلى الحكم؟!

من المهم في هذه الفترة أن يتم البحث في هذا الموضوع وما تم فيه، وما يجعل البحث سهلاً فيه أن هناك تجارب تمت لتطبيق الشريعة على أرض الواقع، فهناك نموذج أفغانستان «طالبان»، وهناك باكستان، وكذلك إيران، وهناك تجربة الصومال والسودان… تجارب كلها أثبتت فشلها والأهم من هذا ما يقوله من ينظّرون لتطبيق الشريعة ويروجون له ويسعون من أجل تحقيقه وقد تكون أهم تجربة في ذلك هي التجربة الكويتية المتمثلة في «اللجنة العليا لاستكمال تطبيق الشريعة»، وهي المؤسسة الرسمية الوحيدة الدائمة التي تعمل على تقنين وتطبيق الشريعة في العالم الإسلامي حالياً، والتي يرأسها الدكتور خالد المذكور أستاذ الشريعة في جامعة الكويت. فبعد 22 عاماً على عمل هذه اللجنة، يعترف رئيسها أنها طوال تلك الفترة لم تعدل من القانون المدني الذي يضم 1080 مادة سوى 40 مادة، إذ وجدت أن بقية المواد لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية. وفي فكرة تطبيق الشريعة، يقول المذكور إن المسلمين غير مهيئين الآن لتطبيقها لأن الشريعة تحتاج إلى إنسان وبيئة صالحة لتطبيق ذلك… كما يعتبر أن توفير الأمن والأمان والحرية للشعوب مقدم على تطبيق الشريعة… وهذا كلام مهم يستحق التأمل من شخص تخصص في القضية وأصبح ملماً بجميع تفاصيلها.

والحقيقة أن فشل تطبيق الشريعة في تلك الدول يرجع بشكل أساسي إلى انفصال من يريدون تطبيق الشريعة عن واقع الناس والعصر الذي يعيشون فيه والاعتقاد بأن تطبيق الشريعة هو «استدعاء» لأحكام صدرت قبل مئات السنين ويمكن تطبيقها اليوم، متخلين بذلك عن الاجتهاد الذي يقوم عليه أكثر من 95 في المائة من أحكام الشريعة وهو متروك لمصالح الناس وللكليات الخمس كما يذكر المذكور.

جماعات الإسلام السياسي روجت لمظاهر ولشكل الشريعة الإسلامية ولم تمارس الاجتهاد، لذا فإنها عندما أصبحت في السلطة وأمام الأمر الواقع انكشفت للجماهير وتبين أن أصحاب تلك التيارات لم يكونوا سوى مستغلين للشريعة والادعاء بتطبيقها كان من أجل الوصول إلى السلطة وعندما جلسوا على كراسي الحكم لم يختلفوا عمن سبقهم في مسألة تطبيق الشريعة، فكانت صدمة للجماهير العريضة التي كانت تنتظر منهم تطبيق الشريعة!

لم يتوقف أتباع تيارات الإسلام السياسي عن الدعوة إلى تطبيق الشريعة، ومن الواضح أنهم يدركون أن من المستحيل تطبيق الشريعة الإسلامية، لكنهم يصرون دائماً على هذا المطلب، فلماذا يرفعون شعار «الإسلام هو الحل» لكل القضايا وهم لا يستطيعون تطبيق الإسلام باعترافهم بذلك؟!

الذي نكتشفه هذه الأيام مع أجواء ما يسمى «الربيع العربي» أن جماعات الإسلام السياسي و«الإخوان» بالتحديد كانوا يدركون منذ البداية صعوبة تطبيق الشريعة الإسلامية لكنهم عملوا على إخفاء العوائق التي تمنع تطبيق الشريعة حتى لا يكشفوا أنفسهم أمام الجماهير ويسقط مشروعهم الذي ينادون به منذ عقود.

وفي تحقيق صحفي نشر في «الاتحاد» خلال الأيام الماضية، أكد المفكر الإسلامي والفقيه الدستوري الدكتور أحمد كمال أبو المجد أن الغالبية العظمى من القوانين الفرنسية لا تتعارض مع أحكام الإسلام لأن مصدرها إسلامي، وهو فقه الإمام مالك، وكل ما له علاقة بالحريات -باستثناء القوانين المتطرفة- ومعظم المعاملات مستمدة من الفقه الإسلامي، لكنهم عزلوها من مرجعيتها الإسلامية ونسبوها إلى أنفسهم. وهذا ما أكده المذكور عندما قال: نحن درسنا القوانين الفرنسية واكتشفنا أن معظمها مأخوذ من الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية بشكل عام.

وإذا كنا ندرك أن كثيراً من القوانين في الدول العربية مستمدة من القانون الفرنسي، فهذا يعني أن القوانين في الدول العربية ليست بعيدة عن الشريعة في الحدود الممكن تطبيقها، وبالتالي فإن الشعوب العربية ليست بحاجة إلى شعارات التيارات الإسلامية التي تدعي بأنها ستطبق الشريعة وموادها موجودة أيضاً في القوانين الحالية وكثير منها يطبق.

المسؤولية اليوم على المواطن العربي والمسلم الذي خدعته تلك الجماعات بشعارات تدغدغ مشاعره الدينية وليست حقيقية لا هدف من ورائها إلا الحصول على تأييد شعبي وأصوات يحتاجونها في الانتخابات من أجل الوصول إلى الحكم. فكما أن فهم «الإخوان» للديمقراطية لا يتجاوز صندوق الاقتراع للحصول على الأصوات فإن هدفهم من الدعوة لتطبيق الشريعة لا يتجاوز كسبهم لمؤيدين أكبر ولا يهمهم بعد ذلك إن تم تطبيق الشرع أم لا.

المصدر: صحيفة الاتحاد