سعود البلوي
سعود البلوي
كاتب سعودي

“الجنادرية” متنفسا

آراء

قبل يومين افتتح المهرجان الوطني للتراث والثقافة في دورته السنوية التاسعة والعشرين، الذي تنظمه منذ ثلاثة عقود وزارة الحرس الوطني. هذا المهرجان كان طوال هذه الفترة متنفسا مهما للمجتمع، ولا سيما لسكان العاصمة الرياض.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية وجدنا تصرفات غريبة أرادت النيل من بعض الفعاليات الثقافية ومنها هذا المهرجان؛ بهدف تحجيمه كمناسبة وطنية وتقليصه كمتنفس اجتماعي، بحجج ومبررات غالبا تجعل المرء يفكر أن وراء الأكمة ما وراءها.

اليوم بدأنا نفهم أن دعاوى الاعتراض والاصطفاف التي كان يقوم بها بعض الأفراد خلال السنوات العشر الماضية في المناسبات الثقافية بطريقة “كتائب الفوضى”، لفرض رؤية بمبررات “الإنكار”، غير أن الأمر اتضح له خيوط طويلة وعريضة، إذ بدأت تفوح منه رائحة التحزبات والحركات السياسية الصحوية التي تريد نشر الاضطراب، ومحاولة تقليص سلطة الدولة مقابل حصولها على سلطة اجتماعية عبر خلق حالة من التسلط الاجتماعي.

إن حالة الوعي المضطردة في المجتمع السعودي اليوم لا تسمح باستمرار الوصاية عليه، من خلال التجمعات في المناسبات الثقافية الوطنية، وتعدّ محاولات إظهار الثقافة على أساس أنها مضادة للدين إشكالية حقيقية انطلت على المجتمع عبر العقود الماضية، التي بقي فيها المجتمع شبه معزول عن العالم، وتعود أحداث الماضي إلى الأذهان عندما يهاجم بعض المتزمتين ـ دون أن يحملوا مسؤولية رسمية ـ المناسبات الثقافية ليثيروا الفوضى ويشغلوا الناس بممارستهم الوصاية، التي هي في حقيقتها محاولة فرض سلطة وإثبات وجود.

لا يمكن للثقافة أن تتطور حين تزداد حدة وتطرفا في رفض التنوع والثراء؛ ونتيجة لذلك يكون مبدأ فرض الوصاية تقويضا للثقافة، وسلبا لإرادة المجتمع عبر استلاب أنشطته واهتماماته الثقافية، وهنا يقع بعض الأفراد المتحمسين فريسة الفكر المتطرف، من خلال اقتناعهم بوجود عدو داخلي؛ مما يؤدي إلى استلهام نظرية المؤامرة.

لا بد أن نعي أن الثقافة ليست ملكا لأحد دون أحد، ولا يمكن لها أن تكون نمطا واحدا، ولا يمكن لها أن تعبر عن رؤية فئة دون أخرى من الفئات التي تشترك بالثقافة ذاتها، إلا أن تصرفات البعض في الأنشطة ذات الطابع الدولي مسيئة إلى حد بعيد، فإذا لم نؤمن ونقتنع بأننا شركاء في وطن قبل أن نكون شركاء في ثقافته فلن تتطور الثقافة والمجتمع؛ ولهذا تصبح مجمل المحاولات التخريبية وجها آخر للإرهاب.

وإذ لم تُنتقد الوصاية فسيتكوّن في المجتمع مرض عضال يقوم عليها، ولا سيما أن من يقوم بالأعمال التخريبية هم فئة الشباب المتحمس، الذين يكونون في الواجهة ومعهم بعض القيادات الهامشية، لكنهم في حقيقة الأمر أحجار على رقعة الشطرنج، إذ إن القيادات المؤثرة التي على الإثارة بطريقة صب الزيت على النار، غالبا ما تتوارى عن الأنظار، وتكون بعيدة عن مجال الحدث!
إذن، ثمة إعادة إنتاج للأزمات الثقافية، وإذا ما كان الأمر كذلك فإن فرض القانون بوجود اختلاف الرغبات والهوايات والأفكار والآراء كأمر طبيعي سوف يحد من هذه الرؤية السوداوية على الحاضر والمستقبل، ويمكن الاحتكام إلى التاريخ، فالصور والمواقف التاريخية التي يبرز فيها الرفض والإلغاء والإقصاء كثيرة جدا، لكنها مضت على أي حال وبقيت المواقف الثقافية والإنسانية العقلانية التي أعطت للإنسان قيمته.

ويمكن من خلال ذلك الاحتكام للتاريخ، فالصور والمواقف التاريخية التي برز فيها الرفض والإلغاء والإقصاء كثيرة جدا، لكنها مضت على أي حال، وبقيت المواقف الثقافية والإنسانية العقلانية، فأصبح من غير الممكن رفض هذا الاختلاف نتيجة رغبة البعض في رفضه حفاظا على مصالح معينة تشبه الاستثمارات التجارية، إذ يتصرف المدافعون عن استثماراتهم بطريقة هجومية في مناسبات ثقافية يفترض أن تكون منبرا لتجسيد التنوع والاختلاف الثري… ولذلك نحتاج إلى أكثر من “جنادرية” مستقبلا.

المصدر: الوطن أون لاين