عائشة سلطان
عائشة سلطان
مؤسسة ومدير ة دار ورق للنشر في دبي وكاتبة عمود صحفي يومي بجريدة البيان

إنسان الحداثة.. إلى أين؟؟

السبت ٠٩ ديسمبر ٢٠١٧

«إن مجتمع الحداثة الفائقة مجتمع يتميز بالحركة والتدفق والمرونة والاستهلاك بلا حدود: الاستهلاك لأجل المتعة. فضلاً عن أنه يبتعد عن المبادئ العظيمة التي هيكلت الحداثة أكثر من أي وقت مضى. وفي حين أن الفرد الفائق الحداثة يجري توجيهه نحو اللذة الدنيوية والمتعة، إلا أنه أيضاً يمتلئ بنوع من الخوف والقلق الذي يتأتى من العيش في عالم ينزلق بعيداً عن التقاليد ويواجه مستقبلاً غامضاً» هذا ما يؤكده عالم الاجتماع الفرنسي جيل ليبوفيتسكي. ينخر القلق في عظام أفراد الحداثة الفائقة، ويفرض الخوف نفسه على متعهم، كما ويفسد حرياتهم، كل شيء يدق ناقوس الخطر فوق رؤوسهم فيزدادون رعباً كل يوم، فتتصاعد صناعة أنظمة الحماية وكاميرات المراقبة، كما تزداد أفلام الرعب والجريمة، والحركات الشوفينية المتطرفة، وحالات العزلة والشك وأمراض الاكتئاب والوحدة، وتكثر جرائم الانتحار في بلدان لم تدخر وسعاً لتوفير أقصى سبل الراحة لمواطنيها! عندما دعا نيتشه إلى التحرر من الدين، دافع الكثيرون عنه واعتبروه مفكراً يبحث عن خلاص الإنسان من القيم العدمية التي تقيّده وتمنعه من الانطلاق والحركة الخلاقة، لقد ارتبط هذا الانعتاق من قيود القيم بإلغاء فكرة التدين وتعاليم الكنيسة في أوروبا، وإعلاء فكرة الإنسان المتفوق الذي لا توجهه قوة، ولا تحدّه حدود! فهل تحرر الإنسان هناك فعلاً من عدميته وأصبح أكثر فاعلية؟ أم أن أوروبا دخلت دوامة عدمية أخرى باختراع الإنسان…

رواية المدينة

السبت ٠٢ ديسمبر ٢٠١٧

كجيل عايش تلك الأيام البعيدة من سنوات نهاية الستينيات، فإن علينا أن نكتب تفاصيل تلك الأيام بجدية أكثر وبحرص أكبر، نكتبها سرداً وقصصاً وموسيقى، نكتبها أبحاثاً وأساطير، نكتبها لأنها ذاكرتنا، وذاكرة مجتمع بأكمله، خاصة وأن التفاصيل فيه غنية جداً ومليئة بالتناقضات والمشاهد والصور، بالأسماء والظواهر والأحياء، مليئة بالحرف والمهن والطبقات، هذه التنويعة الثرية لمجتمع كان بكل المقاييس صغيراً ومحدوداً لولا انفتاحه على البحر والأسفار والمهاجرين، تمنح الأدباء والكتّاب فرصة كبيرة لكتابة روائع الروايات والقصص والمسرحيات، إن أحسنّا البحث والتنقيب في عروق الذاكرة الشفاهية للكبار من جيل الأجداد والجدات والأمهات. هذا الوطن الجميل جداً، الذي نتباهى به كواحد من أكثر بلدان العالم تقدماً وثراء واستقطاباً للأحلام، والذي يتحدث عنه العالم باعتباره المكان الحلم للحياة والتنقل والعيش الكريم، لا يقف في الفراغ، ولا يضع أقدامه في رمال متحركة، حتى وإن كان رأسه يطاول السحاب، فالإنسان يعيش على الأرض دائماً، والأرض تستمد شرعيتها وثباتها من تاريخها، ومما تتالى عليها من أحداث وحضارات. فلو تتبع أحدنا خيط المدينة منذ أول حي من أحيائها، منذ بدايات تركز وإقامة التجمعات والأسر المعروفة، ثم أول المدارس، وأول الأسواق فيها، أول الحوانيت، وأول القادمين من خلف البحر الكبير، أول المشافي، وأول المعلمين، وأول دكان باع للتلاميذ الدفاتر والأقلام والفلافل والكيك، وأول «مطاوعة» تدريس القرآن، أحياء الصيادين، وورش النجارين،…

الأوطان حين تكون «غير» صالحة!

الجمعة ٠١ ديسمبر ٢٠١٧

قرأت، كما قرأ العالم كله وتابع، خبر انتحار مجرم الحرب الكرواتي أمام المحكمة بتجرعه السم حين ثبّتت المحكمة ضده حكماً بالسجن عشرين عاماً، وكأنه كان ينتظر وساماً أو حكماً بالبراءة مثلاً، ثم شاهدت لقاءً مصوراً أجري مع مجرم حرب لبناني سابق، ممن تورطوا في جرائم الحرب الأهلية اللبنانية، كما اعترف بنفسه، وكما صوّر ذلك الاعتراف وتمت إذاعته على وسائل التواصل: «لقد قمت بأعمال قتل وقنص وتفخيخ سيارات وتسميم أشخاص، وكل ما يمكن تصوره وما يمكن ارتكابه في الحرب»، هكذا اعترف، والغريب أن يجد هذا السفاح من يدافع عنه ويمنحه مظلة أخلاقية ضد الهجوم، لأنه «تاب واعترف بذنوبه، وهذا بحد ذاته عمل عظيم، قليلون من يقدرون عليه»! ما الفائدة من إجراء لقاءات كهذه، لمنح السفاح فرصة ممارسة فعل التطهر أمام الملأ بضمير مرتاح، لمن يقدم بعض الإعلاميين هذه الخدمة بالضبط؟ السؤال الأهم: ماذا عن الضحايا الذين ذهبوا دون أن يعرف لهم أحد مكاناً، دون أن يجدوا قبراً يقرأ عليهم ذووهم آيات الترحم وطلب الغفران، دون أن تجد جثامينهم ما تستحقه من التكريم؟ ماذا عن كل من قتلهم هؤلاء السفاحون وفخخوهم وسمموهم وقنصوهم كطيور البرية، وضحكوا كثيراً وهم يعدون جثثهم ويركلونها بأحذيتهم الثقيلة الملطخة بوحل الطرقات؟ يتحدث القاتل (الذي تاب) عن ضحاياه، وكأنه يقول: لقد شربت ولعبت ورقصت، هكذا وهو يبتسم، في…

الإرهاب.. الوحش في مواجهة الإنسان

الإثنين ٢٧ نوفمبر ٢٠١٧

إن الخير والشر، وكل ثنائيات الحياة المتناقضة، ستبقى هكذا تتصارع في الإنسان وعلى الإنسان، حتى ما لا نهاية، طالما الإنسان يطور أسلحة قتله وأدوات قمعه، وطالما يعمل بجدية منقطعة الغباء، لإعلاء الأنانية، ورفع صوت الوحش في داخله، تحت شعارات خالية من المضمون، ومثيرة للخوف أحياناً، والتشكك كثيراً، كحقوق الإنسان، والانفتاح، والفوضى الخلاقة، والثورات الإنسانية، والسوق الحرة، والشركات العابرة للقارات، الدفاع عن الدين، وسائر الهذيان المتبجح باسم الدين، والدين بعيد تماماً عن مهرجانات القتل التي تقام باسمه. لقد ارتكب باسم الدين، وعبر الزمن، ما لا يتصوره عقل، ليس الدين الإسلامي فقط، فالغباء والتوحش حين يستحكم بممثلي الأديان، أو من يدعون بأنهم مفوضي الله على الأرض، يصبحون جميعهم قتلة، متوضئين بمقولات الدين، ومجاهرين البشرية بالسكاكين والرصاص، ولنتذكر تحت أي شعارات تمت تصفية آلاف المسلمين زمن الفتنة الكبرى، وزمن حروب الحجاج، وزمن الحركات الفاشية، كالحشاشين والقرامطة؟. ولنتتبع سفن المستكشفين الممتلئين بالأطماع والأحلام، وهم يحثون سفنهم باتجاه العالم الجديد، ولنتذكر تلك الأعلام وما كان يرسم عليها، وسكان قارتي أميركا الشمالية والجنوبية، الذين أبيدوا تحت تلك الرايات زمن الاستعمارات والكشوفات الكبرى؟، ولنسأل تحت أي أعلام انطلقت الحملات الصليبية، تخوض في دماء المسلمين؟، وكيف أصبحت حروب الاسترداد والتطهير في إسبانيا مقبولة ومبررة، لأنها تمترست بالدين؟، لذلك فلا غرابة أن يتواصل الانحطاط نفسه اليوم، تحت الرايات السود…

مصر.. عاصمة القرار العربي

الجمعة ٢٤ نوفمبر ٢٠١٧

في الأحداث الأخيرة التي سادت المنطقة وخلقت أجواء متوترة بين أكثر من بلد، على خلفية الصراعات القائمة بين السلطة الفلسطينية وحماس، والتصعيد غير المسبوق وغير المقبول الذي قام به الحوثيون ضد المملكة بإطلاق صاروخ إيراني الصنع عليها، وأخيراً الحدث الأبرز الذي شغل العالم والناس على أثر استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة في لبنان، حيث كادت هذه الاستقالة أن تقود لبنان لأزمة فراغ سياسي وتوترات طاحنة بين القوى السياسية الفاعلة فيه، وهو لما يكاد يخرج من أزمة الفراغ الرئاسي الذي استمر قرابة السنتين! في كل أزماته يراوح العالم العربي في المنطقة نفسها التي يقف فيها منذ سنوات طويلة، وفي كل هذه الأزمات تقف دول الخليج بقيادة المملكة مع مصر دائماً لدفع الأمور إلى منطقة الحلحلة السياسية حفاظاً على الاستقرار في منطقة لا تنقصها التوترات المتلاحقة. ونظراً لما لمصر من مكانة كبرى في تاريخ العرب، كان لا بد لها من أن تستعيد دورها الذي فقدته لسنوات طويلة ولأسباب مختلفة، دورها كعاصمة للقرار العربي، وكحافظة للتوازنات في المنطقة بسبب عدم تورطها في أية خلافات سياسية أو مذهبية مع أي طرف. لذلك ظلت طوال التاريخ العربي المعاصر عاصمة قرار العرب، والنقطة التي يلتقي عندها كل الفرقاء قابلين بواسطة القاهرة، وبقراراتها وحلولها، هكذا كان دور مصر في الحياة السياسية العربية: المرجعية حين يختلف العرب،…

تحدي الرواية الحقيقية في الإمارات

الإثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧

أتأمل في العدد الكبير من الروايات والقصص التي كتبها كثير من الشباب الإماراتيين المجتهدين في الثلاث أو الأربع سنوات الأخيرة، والتي أنتجتها بكل حماس دور النشر الإماراتية المختلفة، وقد تابعت بعضها فوجدتها تعبر عن محاولات جادة باتجاه حركة تأليف حقيقية، بينما الكثير منها لم ينضج بما يكفي، كما أنه غير قادر على إقناع النقاد ومحكمي الجوائز الأدبية، لذلك فإن بذل المزيد من الجهد والمحاولة أمر حتمي لهؤلاء ليصبحوا أصواتاً أدبية واضحة وقوية في ساحة لا تفتقد المنافسة الشرسة! هناك أقلام واعدة ومحاولات محترمة، وأسماء تمتلك نفساً وصوتاً روائياً واضحاً من بين روائيي شباب الإمارات، يبقى الأمر المهم، أن تجد هذه الأعمال الجيدة طريقها لأيدي النقاد أولاً، النقاد الحقيقيين الذين يحتكمون لأدوات النقد الأدبي المنهجي، لا هؤلاء الذين يكتبون عن الأعمال الأدبية بطريقة الانطباعات العاطفية الوصفية التي لا تقود لأي حكم صحيح خالٍ من المبالغة والمزايدة أو من التحامل والثرثرة المجانية، وللأسف فإن هذا ما يقع فيه معظم من يكتب حول تقييم الأعمال السردية بشكل عام! أما ثانياً فإن على الحركة الأدبية، بكل نتاجها ومؤلفيها وجوائزها والمهتمين بها الانتباه إلى نوعية ومستوى الأعمال السردية التي تطرح، فنحن في نهاية المطاف لا نكتب لمجموعة من المراهقين وطلاب المدارس فقط، صحيح أن هؤلاء جزء من القراء ولكنهم ليسوا كل القراء، أما الأمر المهم…

متحف اللوفر في أبوظبي

السبت ١١ نوفمبر ٢٠١٧

أخيراً افتتح متحف اللوفر العالمي كما كان مخططاً له منذ عشر سنوات عندما وقّعت حكومة أبوظبي اتفاقية اللوفر مع الحكومة الفرنسية، نحن اليوم بعد سنوات من العمل الدؤوب والخطط والتصاميم وفرق الاستشارات والمشاورات عالية المهنية والدقة والتنفيذ، نقف جميعاً فخورين جداً أمام مشروع حضاري ضخم وملهم وشديد التأثير، إنه المتحف العالمي الأشهر صاحب الأعمال الأقوى والأعظم والأكثر أهمية على مستوى العالم. لقد نجحت الإمارات، وها هم قادتها وأبناؤها وزوارها وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي، وقفوا جميعاً لتحية الإمارات وللثناء على دورها ومكانتها، ليهدوا هذا الإنجاز للعالم كله كرسالة محبة إماراتية خالصة. وكما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في كلمته التي افتتح بها المتحف الكبير (نجتمع اليوم في متحف اللوفر، في منطقة يحاول أصحاب الفكر الظلامي أن يرجعوا حضارتها إلى عصور الجهل والتخلف، هذا المتحف الذي يمثل قدرتنا على محاربة الظلام بالنور ومحاربة الجهل بالفنون ومحاربة التطرف الفكري بالجمال الفني) وبذلك يختصر الشيخ محمد الرؤية والرسالة والهدف، فلا شيء يحارب الجهل أكثر من الثقافة والفن والعلم، لا شيء يحصن الأمم ضد التطرف وفكر الخراب إلا إشاعة النور عبر الانفتاح على ثقافات العالم والتواصل معها وفهمها واحترام اختلافاتها. بافتتاح اللوفر، فإن الإمارات تسعى لما هو أبعد من إقامة متحف للفن والثقافة، حيث يسعى اللوفر أبوظبي إلى أن يكون مركزاً جامعاً وقاعة…

أكثر من مجرد قناعات

الأحد ٠٥ نوفمبر ٢٠١٧

يقال إن الزعيم غاندي، كان في زيارة لإحدى المدارس، فتقدمت منه إحدى الطالبات، وطلبت أن يكتب لها كلمة في دفتر صغير كانت تحمله بحرص بين يديها، لتكون هذه الكلمة ذكرى عزيزة، تتباهى بها بين زميلاتها، الزعيم الذي سارت حياته وفق منطلقات ومبادئ أخلاقية وقيمية عالية جداً، أمسك بدفتر الفتاة وكتب فيه: (لا تعطِ لأحد وعداً وأنت تعلمين بأنه لا يمكنك أن تنفذيه، فمهما طال بك الزمن وجاء الوقت الملائم، فإن عليك أن تنفذي وعدك ذاك، حتى إن كانت حياتك هي الثمن). بعدها قيل بأن شاعر الهند الكبير طاغور، قرأ، أو ربما سمع عن هذه الحادثة، فكتب (لو اكتشفت يا صغيرتي أنك وعدت أحداً وعداً خاطئاً أو مستحيلاً، فانسِه تماماً، ولا تدفعي حياتك ولا غير حياتك ثمناً)، هنا نحن أمام قضية أخلاقية مختلف عليها بين زعيم طوباوي وبين فيلسوف وشاعر ومسرحي وسياسي ومصلح اجتماعي وديني ومفكر كبير على مستوى الهند والعالم، لم ينل شهرته من فراغ، ولا استحق جائزة نوبل عبثاً، لكنه كان صاحب أفكار عظيمة، تراوحت بين الرومانسية والواقعية والإصلاح والعمق الشديد. لم يختلف طاغور مع غاندي في هذه القضية، قضية الالتزام والمقدرة، ولكن حتى في الموقف من الاحتلال البريطاني وطريقة مقاومته، والتي انتهج فيها غاندي طريق الزهد والمقاومة السلمية، كسلاح رأى فيه طاغور تسطيحاً لقضية المقاومة، وهكذا تتفاوت القناعات…

حكومة المستقبل

الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧

سجلت الإمارات طوال مسيرتها كمجتمع إنساني أصيل، وككيان سياسي حديث، إنجازات تعتبر بكل المقاييس كبيرة، مقارنة بحداثتها السياسية وعمر التنمية فيها، إلا أن الإمارات كدولة وكقيادة طموحة، لم تركن لأي سبب يؤخر انطلاقتها، وظلت فلسفة «نحن لا نقف إذا توقف الناس، ننطلق، ومن يريد أن يصل سيصل حتماً»، التي أسس لها وأطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قائد التغيير والمبادرات، هي القناعة والاستراتيجية التي تقود خطا الإمارات في كل اللحظات الصعبة والحساسة والحاسمة. منذ يومين، أعلنت الإمارات عن تشكيلتها الحكومية الجديدة، والتي تمثل توجهاً حكومياً متقدماً وملهماً وجديراً بالفخر، ما يثبت بشكل واقعي وقاطع، أن الإمارات ليست نفطاً ومشاريع عقارية، كما يدعي البعض، ولكنها دولة قوية راسخة، تشق طريقها وفق استراتيجيات واضحة ومدروسة، وتشتغل بعزم ووعي من أجل حاضرها ومستقبل أجيالها، وبأيدي شبابها الذين أعدتهم خير إعداد، وها هي تسابق المستقبل بهم. الإمارات تجربة عربية ناجحة بكل المقاييس، وهي تعمل بكافة معطيات الحداثة والتقنية، لذلك، فهي تجربة محل تقدير وتقييم العرب والعالم، لأنها في خضم مراكمة تجربتها التنموية، والمتوائمة مع روح المستقبل، لم تفرط في شبابها وفي خصوصيتها وهويتها، وهي معادلة نجحت فيها الإمارات بشكل لافت. «حكومة الإمارات الجديدة، إصرار ممنهج ومدروس على الذهاب للمستقبل بأيدي شباب وشابات الإمارات»، دون مزايدة أو مبالغة، فنحن الدولة العربية الأولى…

كرة القدم ليست مجرد رياضة

الأربعاء ١١ أكتوبر ٢٠١٧

في كل مرة ينجح فيها منتخب عربي ويحجز تذكرة الذهاب لكأس العالم تتحول الجغرافيا العربية إلى ساحات فرح وزغاريد وتهانٍ ومباركات، ويدخل كبار رموز السياسة ليحيوا ويهنوا أولئك الشباب الذين حققوا إنجازاً حقيقياً لبلدهم لكنه يحتسب لصالح كل مواطن عربي في الحقيقة، ولذلك فإن مشاعر الفخر والابتهاج التي عمت الشارع العربي بصعود منتخب مصر عبرت عن أخوة عربية حقيقية، وعن رغبة في التميز والتواجد كعرب في واحد من أكبر محافل التجمعات الإنسانية ذات القوة النافذة على مستوى العالم : تصفيات كأس العالم والتي ستقام العام المقبل 2018 في روسيا . ينتظر العرب جميعهم نتائج مباريات كل من منتخبي المغرب وتونس تداعبهم أمنيات صادقة بأن يتأهل البلدين معاً إلى روسيا وبذلك يكون للعرب أربعة منتخبات إضافة للسعودية ومصر إن تحقق فوز المغرب وتونس، وهنا فإننا نتوقف قليلاً أمام مباريات كرة القدم اليوم باعتبارها تجاوزت المفهوم التقليدي المتعارف عليه للعبة الرياضية، لنجده يدخل إلى نطاقات ومفاهيم أكثر اتساعاً وبراجماتية ليصل إلى مفهوم القوة الناعمة والتمثيل السياسي للبلد والقوة المؤثرة في الاقتصاد والسياحة والأمن القومي ومزاج الشعبي العام، وبدون مبالغة وبأقل قدر من الحساسية علينا الاعتراف بأن الجماهير في مصر والوطن العربي احتفت وابتهجت واحتفلت بفوز منتخب مصر أكثر من ابتهاجها بأي حدث آخر! لقد خرجت الجماهير سعيدة جداً للشوارع لأجل مصر، تهتف…

«البولشوي» في السعودية

السبت ٠٧ أكتوبر ٢٠١٧

التغيير ليس حديثاً في الهواء ووعوداً وشعارات، لقد قطع العالم العربي، أو يفترض به أن يكون قد تجاوز حقبة الوعود والشعارات وسياسات التخبط والمراهنة على حصان الزمن، أنهك هذا الحصان والعرب يراهنون عليه في كل المضامير ليتكفل بحل كل أزماتهم العالقة منذ أن أصبحوا دولاً مستقلة، وبات عليهم أن يديروا شؤونهم بأنفسهم. فتأملوا بكثير من التخبط حتى جاءت خضات فوضى الثورات الأخيرة، فتحوا أعينهم جيداً، وأنصتوا لكل الطبول التي تقرع، كان الصوت صاخباً، المؤامرات والمتآمرون أيضاً راهنوا على سقوط دول العالم العربي كلها بضربة ما أسموها ثورات الربيع العربي.. لكن الله سلم الكثير من الدول من هاوية الفوضى! السياسة الخليجية اختلفت دائماً عن السياسة العربية خارجياً وداخلياً، من ناحية مشاريع التنمية وتوظيف أموال وعوائد الدخول القومية، لقد بنت الدول الخليجية نفسها سريعاً، لم تحرق المراحل ولم تتخبط ولم تتسرع كما اتهمها بعض كتاب العرب، لم تهدر ثرواتها ولم تسرق ولم يعبث بها كما حصل في دول عربية عديدة كانت غنية وكانت واعدة ومبشرة. لكنها انتهت نهاية بائسة بسبب سياسات أنظمتها، بينما كانت سياسات دول الخليج على تفاوتاتها محافظة وهادئة وبعيدة كل البعد عن الشعارات السياسية والأيدلوجية والاقتصادية التي ملأت الجغرافيا العربية! اتهمت دول الخليج وشعوب الخليج بالكثير، وهذا ليس مجال ذكر أو تبادل التهم، لكن لنتأمل المشهد العربي اليوم، ولنجرد…

أوسكار والسيدة الوردية!!

السبت ٣٠ سبتمبر ٢٠١٧

من قال إن الروايات العظيمة هي تلك التي تتكون من مئات الصفحات، وتتناول حياة متسلسلة لأجيال من الشخوص والأبطال، من قال إن عبقرية الراوي تكمن في القبض على تشابكات أحداث عمله عبر تعدد أمكنة وأزمنة متفاوتة، وبغموض وغرابة يحبس بها أنفاس قارئيه، ولينال بها استحسان النقاد والأدباء، إن هذه الرواية التي اخترت الكتابة حولها اليوم واختار لها كاتبها هذا العنوان البسيط والحميم معاً «أوسكار والسيدة الوردية» واحدة من الروايات القصيرة العظيمة التي تسجل انتصاراً حقيقياً في مرمى الروايات القصيرة جداً، ولتنضم إلى روايات تاريخية مثل «الأمير الصغير، حكاية السيد زومر، القط الذي علم النورس الطيران.. وغيرها»! الرواية من تأليف الفرنسي إريك إيمانويل شميدت، وهي لا تتجاوز الـ96 صفحة، تحكي باختصار شديد قصة الأيام الـ12 الأخيرة في حياة طفل «أوسكار» مريض بالسرطان، إنه البطل والراوي في الوقت نفسه، وهو طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره، نزيل أحد المستشفيات، حيث يتلقى علاجاً كيمياوياً لا ينجح في إنقاذه من مصيره المحتوم، وللتخفيف على المرضى تتبرع بعض السيدات بزيارتهم وقضاء وقت معهم، وقد كانت الماما الوردية زائرة أوسكار اليومية ورفيقته في رحلة الـ12 يوماً الأخيرة! وبالرغم من قصر الرواية، وسلاسة أسلوبها وبساطتها باعتبارها تروى على لسان طفل، إلا أن المؤلف ذا النزعة الصوفية قد ضمّنها الكثير من الأفكار الإنسانية العظيمة والعميقة جداً كالشعور بالوحدة،…