ياسر حارب
ياسر حارب
كاتب إماراتي

اختبار المرآة

الأربعاء ٠٨ نوفمبر ٢٠١٧

كان مشهداً مؤثراً عندما وقف رئيس شركة سامسونغ بعد مشكلة احتراق بطارية هاتف «نوت 7»، وقال ما مختصره: «إنه خطؤنا»، مُقرّاً بالمشكلة التي أصابت هواتفهم، ومعتذراً للعالم عمّا حصل. وقال أيضاً رغم إنهم اشتروا بطاريات من شركة أخرى في محاولة إصلاح الهاتف الفاشلة، إلا أنهم هم المخطئون، لأن المواصفات أتت من سامسونغ. ثم عادت الشركة بعد عام وأطلقت هاتفها الجديد الذي حقق نجاحاً مُنقطع النظير، وكسبت عملاءها من جديد، لأنها كانت صادقة معهم. ولقد كتبتُ مقالاً تحدثتُ فيه عن دراسة أجريت في إحدى الجامعات، وكانت تلك أول مرة لا أقرأ فيها المرجع العلمي الذي استخدمتُه، واكتفيتُ بالنقل عنه من موقع آخر، واكتشفتُ بعد نشره بأن الجامعة غير موجودة! كانت مفاجأة سيئة، لكنني اعترفتُ بالخطأ والتقصير مباشرة في «تويتر»، واعتذرتُ للقُرّاء، وسحبتُ المقال. لامني أحدهم لاعتذاري، وقال إن الصمت والاكتفاء بسحب المقال كان أفضل، فقلتُ له: «وكيف سأنظرُ إلى نفسي في المرآة؟». وعندما سألني عن قصدي، أخبرتُه عن كلام جلال الدين الرومي، الذي يقول فيه: «أتدري لماذا لا تُنبِئ مرآتُكَ؟ لأن الصدأ لم يُجْلَ عن وجهها»، ويتحدث مولانا هنا عن تراكم الصفات السيئة في داخلنا، مُشبهاً إياها بالصدأ المتراكم على نفس الإنسان التي شبهها بالمرآة، ولهذا فإنه كلما اكتظّت تلك الصفات في داخل أحدنا، صار أقل صدقاً مع نفسه ومع الناس…

لماذا فارقنا قطر؟

الثلاثاء ٢٧ يونيو ٢٠١٧

كلنا نعرف حادثة حمد بن خليفة آل ثاني مع الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، عام 1990، لكن هناك حادثة أخرى وقعت أثناء انعقاد القمة الخليجية في عُمان، في ديسمبر عام 1995، حيث انسحب الشيخ حمد إلى جناحه في الفندق بعد خلافات مع بعض القادة، فصعد إليه الشيخ زايد - رحمه الله - مساء، محاولاً تهدئة الأمور، وإقناعه بالعودة إلى القمة، فما كان من الشيخ حمد إلا أن رفض طلب الشيخ زايد ولم يرجع إلى الاجتماع، رغم فارق السن بينهما، ورغم صعود الشيخ زايد إلى جناحه شخصياً. بعد تلك الواقعة بأقل من عام انطلقت قناة الجزيرة، التي لم يكن همّها حينها إلا التشنيع على القيادة السعودية، واحتضان المنشقين والإرهابيين، وعلى مر السنوات أثبتت الجزيرة أنها شركة العلاقات العامة لتنظيم القاعدة، ولابد أنكم تذكرون اللقاء الشهير لمراسلها تيسير علّوني الذي كان يخاطب فيه أسامة بن لادن بلقب «شيخ»، ومن بعدها صارت تصريحات زعماء القاعدة تُبث حصرياً على الجزيرة. واستمر حمد بن خليفة في مناكفة القيادة السعودية على مر عقدين من الزمن، ومن يعرفه حقاً لم يستغرب التسريبات الأخيرة لمكالماته مع القذافي، وتصريحه بأنه يريد التخلص من آل سعود، يعضده في ذلك حمد بن جاسم كما هو معروف. ولقد استطاع هذا الثنائي خلق فوضى في مصر، وليبيا، وسورية، واليمن، ومحاولة زعزعة البحرين،…

موتٌ صغير

الأربعاء ١٩ أبريل ٢٠١٧

عندما التقيتُ لأول مرة بفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيّب - طيّبَ الله طريقه - في مكتبه قبل سنوات، جلستُ صامتاً كوني أصغر الحاضرين سنّاً. وعندما حان وقتي للحديث، قلتُ له: «يجمعنا موتٌ صغير يا مولانا». فضحك لكلامي، وقال: «رحم الله الشيخ الأكبر». فشيخ الأزهر متخصصٌ في فكر مُحيي الدين بن عربي، الذي قال: «الحُبّ موتٌ صغير»، ففهم الإمام من كلامي أنني أقول له، بلغة ابن عربي، إنني أحبه. وقبل سنوات كنتُ في الحج، وبينما كان أعضاء حملتنا جالسين في مِنى بانتظار الخروج لرمي الجمرات، انزويتُ عنهم في طرف المكان أقرأُ في كتاب. فجاءني شيخ الحملة يسألني عما أقرأ، فابتسمتُ في وجهه وقلتُ له إنه لن يُحب ما سيرى، وطلبتُ منه وأنا أمازحه أن يتركني لوحدي؛ فأصرّ على معرفة عنوان الكتاب، الذي كنتُ قد قلبْتُه على وجهه، عندما اقترب مني. وبعد إلحاح أريتُه العنوان، فشهق عندما قرأ «رسائل ابن عربي» وتعوذ من الشيطان ومن ابن عربي، وأنكر عليّ قراءة «هذه الكتب» في الحج، بدعوى أن ابن عربي قد قال بالحلول - أي أن الله يحل في المخلوقات - فابتسمتُ له، وفتحتُ مقدمة الكتاب وقلتُ له اقرأ كلام ابن عربي، فقرأ: «مَن قال بالحلول فهو مَعْلول». أطْرَقَ صامتاً حين أدرك أن ما يعرفه عن ابن عربي ليس صحيحاً.. ثم…

سجناء السعادة

الخميس ٢٦ يناير ٢٠١٧

اشتكى لي طبيب أميركي يعيش في دبي منذ زمن، أنه يعمل كثيراً من دون أن يعرف لماذا، تماماً مثلما كان يفعل في أميركا، لكنه اكتشف الآن أن السنوات الطويلة التي قضاها في عيادته، كانت من أجل أن يشتري ساعة غالية وسيارة فارهة ويذهب إلى أفضل المطاعم! وفي جامعة هارفرد، أجرت مجموعة كبيرة من العلماء إحدى أطول الدراسات في التاريخ عن موضوع السعادة، حيث قاموا في ثلاثينات القرن الماضي باختيار مجموعتين من الأولاد (724 شخصاً)، الأولى من الطبقة الراقية في مدينة بوسطن، والثانية من أفقر أحياء المدينة الذين لا توجد في منازلهم مياه دافئة، ثم أمضوا ٧٥ عاماً في دراسة كل شيء بحياتهم، فحصوا دماءهم وأدمغتهم، وكانوا يقرأون نتائج فحوصهم الطبية حسب الاتفاق الموقّع مع ذويهم. درسوا نفسياتهم، مشكلاتهم، طموحاتهم وأحلامهم، ووضعوا كاميرات في منازلهم ليراقبوا سلوكهم مع أُسرهم، كل ذلك طيلة العقود السبعة ونيّف، حيث تعاقب على الدراسة أربعة أجيال من العلماء. كان من أولئك الأولاد من صار عاملاً في مصنع، والطبيب، والمحامي، وكان من بينهم جون كينيدي رئيس الولايات المتحدة، وكان منهم مدمن الكحول والمخدرات، ومن أصابته أمراض نفسية. اكتشفوا أن السعادة الحقيقية تكمن في شيء واحد «العلاقات الإنسانية الطيبة»، ولا يعني ذلك عدد أصدقائك أو أفراد أسرتك، فقد تشعر بالوحدة وأنت بين الناس، وقد تكون متزوجاً إلا أنك…

ماذا ستفعل وزيرة تنمية المجتمع؟

الخميس ١٩ يناير ٢٠١٧

عندما تسمع اسم وزارة تنمية المجتمع، يخطر ببالك «المعونات الاجتماعية»، ورغم أن الوزارة معنية، كحال مثيلاتها في مختلف دول العالم، بـ«تنمية المجتمع»، فإن وزارتنا في السنوات العشر الماضية كانت منشغلة بالمعونات أكثر من أي شيء آخر. وفي لقاء جمعني بالوزيرة الجديدة نجلاء العور، في ديوان الوزارة قبل أيام، سألتها عن دور الوزارة، ولم أكد أكمل سؤالي حتى انطلقت تتحدث عن التحديات التي تواجهها، كمسؤول جديد في مؤسسة تعتبر إحدى ركائز تقدم واستقرار المجتمع في أي دولة. «أم فاطمة» كانت صريحة جداً، تحدثت عن مشكلات الوزارة بشفافية تامة، ورغم تقديرها لجهود كل من سبقوها فإن الواقع الذي نلمسه في تراجع دور الوزارة، يفرض عليها أن تكون جادة في الإقرار بالمشكلات أولاً، ثم العمل على إيجاد حلول ثانياً. من المشكلات التي تواجهها «أم فاطمة» غياب السياسات الحاكمة للفئات المستفيدة من الوزارة، كالأرامل مثلاً، أو المطلقات اللائي تتكاسل كثيرات منهن عن البحث عن وظيفة، ويكتفين بالمعونات التي يحصلن عليها من الوزارة. مثل هذه الحالات، وكثير غيرها، لا تجد سياسات تدفعها لتغيير أوضاعها إلى الأفضل. أضف إلى ذلك غياب برامج المتابعة والتأهيل لكثير من المستفيدين من الوزارة، لمساعدتهم في الحصول على وظيفة، أو فرصة في الحياة. فلربما يكون أحد المستفيدين من فئة «العاجز مادياً» غير قادر على أن يحصل على وظيفة، لأنه يفتقر إلى…

«فومو»

الثلاثاء ١٠ يناير ٢٠١٧

الساعة الآن الثامنة مساءً، أنتَ جالس في بيتك، ترتدي ثياباً منزلية مريحة. أعددتَ وجبة دافئة، اخترتَ فيلماً جديداً، ضغطتَ على زر التشغيل، وبينما يقوم جهاز «أبل تيفي» بتحميل الفيلم تفتحُ هاتفك، فترى صوراً لأصدقائك في مقهى جديد، وتحت الصور دعوة لك للحضور.. تنظرُ إلى وجبتك، فيلمك الذي بدأ، دون أن تشعر، تُرسلُ اعتذاراً في «جروب الشباب»، فيلحّون عليك بالحضور، وهم يقولون «فاتك».. حينها تدخل في أزمة نفسية، وتفقد الأمسية متعتها! هذه الحالة تُسمّى فومو FOMO، وتعني Fear of Missing Out، أي الخوف من أن يفوتنا شيء. نخاف من ألّا نعرف «الكوفي شوب» الذي افتُتِحَ في شارع جميرا قبل أيام. نخاف من ألّا نتذوق الحلوى الجديدة التي وصلت إلى «دبي مول» أخيراً. نخافُ من ألّا نحضر كل شيء، ونجرّب كل شيء، ونرى كل شيء، وربما نعرف كل شيء. صار جلوسك في بيتك بعطلة نهاية الأسبوع دليلاً على مقدمات الاكتئاب، هذا ما يقوله لك أصدقاؤك. أما الذهاب في رحلة برية، والمبيت في خيمة وسط الصحراء، فيعتبر عملاً خاصاً بكبار السن «الكلاسيكيين» الذين لم يجلسوا يوماً في مقهى بـ«وسط منطقة دبي» أو «داون تاون» اختصاراً. «فومو» أو «فاتك» بتعبير اليوم، ليس ظاهرة اجتماعية محلية أو عربية، بل ظاهرة كونية تجتاح العالم كله، ورغم أنها ليست بجديدة، إلا أنها صارت مهيمنة بسبب «السوشيال ميديا».…

ماذا يشغلك في الحياة؟

الخميس ٢٩ ديسمبر ٢٠١٦

في كل عام تقريباً، تظهر دراسة جديدة حول الجين المسؤول في أجسامنا عن حُبّنا للسكّريات، وهو أمرٌ مُفرح للذين يحاولون تخفيف أوزانهم، إلا أنه لم يوجد دواء أو طريقة قبل سنوات للتحكم في ذلك الجين. لكن أخيراً فقط نجح العلماء في علاج مجموعة من الحالات المصابة بمرض اللوكيميا أو سرطان الدم، ولقد عرضنا في برنامج «لحظة» حالة الطفلة «إيما»، التي استخدم العلماء تقنية جديدة في التعديل الجيني لعلاجها، فقاموا بتعديل جينات فيروس الإيدز، ونزعوا منه خاصية مهاجمة جهاز المناعة، ثم وجهوه لمحاربة الخلايا المسرطنة فقط، وبالفعل نجحت التجربة وشُفِيَت «إيما» من السرطان. وهناك أيضاً الطفلة «ليلى» التي تخلصت من «اللوكيميا» بالتعديل الجيني. ورغم أن هذه التقنية لم يتم التصريح باستخدامها في العالم حتى الآن، فإنها استُخدمت على أكثر من ٣٠٠ حالة، وكانت النتائج مذهلة. ولكثرة قراءتي في علم الجينات أخيراً، وعلم البيولوجيا الجزيئي Molecular Biology - الذي أتمنى أن يتخصص فيه أحد أطفالي بالمستقبل - أعتقد الآن أن كل الأمراض المستعصية ستكون سهلة العلاج كالزكام، خلال العقود القليلة المقبلة. لكن ما يؤخر ظهور هذه الاكتشافات العلمية المذهلة والضرورية هو التمويل المالي. فمشروع الجينوم البشري الذي بدأ العمل به عام 1990، وانتهى تقريباً عام 2001، ثم اكتمل في 2003، والذي أسفر عن وضع خريطة للحمض النووي للإنسان، كلّف ثلاثة مليارات دولار،…

«لا خِلافة في الإسلام»

الإثنين ١٩ ديسمبر ٢٠١٦

منذ مؤتمر ماردين 2006 والشيخ المجدد، عبدالله بن بيّه، يبحث في مسألة دار الإسلام ودار الكفر، وبالأمس طرح رأياً منطقياً في منتدى تعزيز السّلْم في المجتمعات المسلمة، المعقود في أبوظبي، حيث قال في كلمته التأطيرية «إن الأصل أن الشهادة كافية لتحقق الإسلام بالنسبة للمُكلَّف»، ثم أتبع «إن الخروج من الإسلام يتعلق بكل فرد، وليس حُكماً ينسحب على الناس دون تحققه في الأفراد، وتَحقُقه في الأفراد مرتبط بالقاعدة المعروفة؛ إنكار المعلوم من الدين بالضرورة». وهو بهذا يقول إن إطلاق صفة «الإسلام» أو الإسلامية - كما يحب البعض استخدامها - غير منوطَة بالجماعة أو بالدولة، بل بالفرد وحده. وهي إلى جانب ذلك صفة خاصة بالاعتقاد، أي إنه لا يمكن لأي شخص أن يحكم على آخر بخروجه من الإسلام إلا إن أنكر معلوماً من الدين بالضرورة. وبالمناسبة، فإن «المعلوم من الدين بالضرورة» يختلف باختلاف أفهام الناس وثقافاتهم وتأويلهم للنصوص. ولهذا، فحتى إنكار المعلوم بالضرورة من الصعب أن يستخدم في نزع صفة الإسلام عن الناس. وبالتالي، فلا يجوز أن ننزع صفة الإسلام عن دولة ما لأنها لا تُطبّق الحدود كما يدعي المتطرفون والإرهابيون اليوم، فالحكم الشرعي شيء وتنزيله على الواقع شيء آخر، كما يقول الشيخ. وقوانين الدولة حتى وإن اعتمدت على الشريعة، فإن ذلك لا يعني أن تُطبق الأحكام الشرعية كما هي دون مراعاة…

رسالة باولو كويلو إلى الشيخ محمد بن راشد

الأربعاء ٢٦ أكتوبر ٢٠١٦

بالأمس كنتُ أتحدثُ مع الروائي العالمي، باولو كويلو، الذي كان يُتابعُ «تحدي القراءة العربي»، منذ أن أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قبل عام، ولإعجابه بمنجزات البرنامج في دورته الأولى، طلب منّي نشر الرسالة التالية في عمودي الأسبوعي: «عزيزي الشيخ محمد لطالما تمعنتُ في سِرّ الحياة، حالي في ذلك كحال كثيرين قبلي وكثيرين سيأتون بعدي، وكلما تساءلتُ أكثر شعرتُ بالحيرة تلفّني من كل صَوْب، هذا التساؤل دفعني للبحث والقراءة كثيراً، ورغم أنني أعترف بأني لم أصل إلى نتيجة حتميّة، لكني عرفتُ مهمتي الآن، وهي أن أكتب. إن مُحاولة اكتشاف الذات هي من أصعب المهام وأكثرها متعة، هي المغامرة الوحيدة التي تُعطي لحياتنا قيمة، ولإنجازها هناك طريقتان: القراءة وخوض التجارب. وربما لا يكون أحدنا محظوظاً ليخوض تجارب كثيرة في حياته، إلا أن معظم الناس اليوم يستطيعون أن يقرأوا. لقد قرأتُ مرة هذا المثل وأظنه عربياً: «شيئان لا يُمكن للإنسان أن يُخبّئهما، العِطْرُ والمعرفة»، واسمح لي أن أقول إن القراءة هي عِطْرُ المعرفة، فالقارئ وحده مَن يَبقى عَبَقُه في كل مكان يمرّ فيه. إنه الزّهرة التي لا نكتفي باستنشاق طيبها، بل نُحدق فيها طويلاً، لا نعرف لماذا، ولكننا نعرف جيداً أنها تمنحنا شعوراً سعيداً. إن ما قمتم به في تحدي القراءة العربي يُرسل رسالة للعالم العربي، وربما للعالم كله،…

نشْر الأدعية لا يكفي

الأربعاء ١٢ أكتوبر ٢٠١٦

عندما عُرضَت حلقة «الموسيقى» في برنامجي الرمضاني العلمي «لحظة»، وصلتني أكثر من 1000 رسالة أو «منشن» في «تويتر» تنتقد فكرة الحلقة، وتستشهد بفتوى الشيخ فلان والشيخ علان حول حُرمة سماع الموسيقى. لكن الحلقة لم تتطرق للجانب الشرعي للموسيقى، بل تحدثت عن آخر الاكتشافات العلمية حول تأثيرها في الأعصاب والدماغ والذاكرة والهرمونات، وعرضتُ فيها بعض التجارب التي قام بها العلماء على مرضى الزهايمر وغيره. كانت معظم الرسائل تقول إن القرآن أفضل من الموسيقى، وهذا مما لا شك فيه، فهو كلام الله، ولكن مقارنة القرآن بالموسيقى هي في الحقيقة إهانة لهذا الكتاب العظيم الذي لا تجب مقارنته بأي شيء. وفي الحقيقة فإن هذا الكلام نتيجة للجهل القابع على عقول كثير من مجتمعاتنا الإسلامية، كأن يقول أحدهم إن «ديننا فيه كل شيء ولا نحتاج إلى العلوم، ولو بحثنا في القرآن والسنة لوجدنا أسرار كل الاكتشافات العلمية!».. وبهذه العقلية ننسحب من الحياة العلمية والتساؤل والاكتشاف، وندّعي أننا لو تمسكنا بالدين فسنصبح أعظم أمة، والأكثر تقدماً بين الأمم الأخرى! وفي كل جمعة تصلني رسائل على «واتس أب» و«تويتر» تحمل أدعية كثيرة لا تصل إلا في المناسبات «الدينية»، أما في بقية الأيام فإن معظم هؤلاء المرسِلين يُغرِقون هواتف الناس بالرسائل الفاضحة، والنكت السخيفة، والنميمة والشائعات التي يتسلّون بها، دون أن يُشعرهم ذلك العمل بأي ذنب، آخذين…

عصْر الشك

الإثنين ١١ يوليو ٢٠١٦

كانت الحقبة السابقة لعصر النهضة في أوروبا تتسم بالإيمان الجماعي، والتسليم المطلق لتعاليم الكنيسة، التي لم تسيطر فقط على عقول الناس، بل حتى على السلطات السياسية في أوروبا. وكانت الآراء والأفكار الفردية مرفوضة، وتهاجَمُ مِن الناس قَبْل رجال الدين، وكان رجل الدين وحده من يمنح الخلاص الروحي والعقلي، أما الذين تشجّعوا وقالوا آراءهم بصراحة فقد اتُّهِموا بالهرطقة، تماماً مثلما يوصف بعض المفكرين في عالمنا الإسلامي اليوم بالليبراليين أو العلمانيين، لمجرد أنهم ردوا على رجل دين، أو اختلفوا معه. كان الصراع في تلك الحقبة في أوروبا محتدماً بين الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، واللوثريين (أتباع مارتن لوثر)، والكالفينيين (أتباع جون كالفن)، فأصيب الناس بحَيْرة روحية وتساءلوا مَن مِن هؤلاء على صواب؟! لم توجد إجابة شافية حينها، خصوصاً أن رجال الدين كانوا يدفعون الناس للحروب أكثر مما يدعونهم للسلام والتسامح، ولهذا انتشر المذهب الشكوكي (مذهب فلسفي قديم لكنه عاد وانتشر في تلك الفترة)، وبدأ الإلحاد يتسرّب إلى قلوب المؤمنين، إلا أن الفيلسوف الفرنسي رينييه ديكارت لم يرضخ لظلامية رجال الكنيسة، ولا ليأس الشكوكيين، فقرر أن يُعْمِل عقله ويفكر. أراد ديكارت أن يصل إلى حقائق أو بديهيات مُطْلَقة، حتى ينطلق منها في التفكير والحكم على الأشياء، فبدأ بتأسيس منهج جديد في التفكير هو مبدأ «الشك المنهجي»، الذي استعمله الغزالي قبله، لكن بطريقة تختلف أدواتها وغاياتها،…

اللحظة الأخيرة

الإثنين ٠٤ يوليو ٢٠١٦

غداً تُعرض آخر حلقة من برنامج «#لحظة» الذي استمر طيلة أيام هذا الشهر المُبارك. وصلنا للحظة الأخيرة، بعد أن قطعنا شوطاً في اكتشاف آخر مستجدات العلوم والتكنولوجيا، أو بالأحرى في اكتشاف المستقبل. بحثتُ مع فريق عمل رائع طيلة عام كامل، في عشرات المصادر العلمية المُعتبرة، عن الجوانب العلمية لأشياء لم نظن يوماً أن لها تفسيراً علمياً، كالحُب، والتأمّل، والنوم والأحلام، وغيرها. سألني بعضُ الأصدقاء كيف انتقلتُ من إعداد وتقديم برنامج اجتماعي - يقصدون «ما قل ودل» - تحدثتُ فيه خلال خمس سنوات عن معاني وجوانب تنموية وإنسانية ومجتمعية، إلى الحديث عن العلوم والأعصاب والدماغ والهرمونات والفضاء والذرّة والجسيمات والتكنولوجيا، وغيرها من المجالات العلمية التي لم أتحدث عنها يوماً! وجوابي أنني جلستُ يوماً أقرأ بعض مقالاتي، وأشاهد بعض حلقاتي القديمة، وقلّبتُ بعض الكتب في مكتبتي المنزلية وتساءلتُ: «هل هناك فائدة مما أقوم به؟ هل استفاد الناس من المقالات والحلقات والكتب؟»، لم أصل لإجابة شافية، وعندما نظرتُ حولي وحاولت أن أفهم ماذا يهم الجيل الجديد، وكيف يمكن للعقل العربي أن يخرج من براثن الصراعات الطائفية والسياسية، ومن تفاهات المظاهر والبذخ والتباهي بالمقتنيات، وجدتُ أن تعليمنا وقراءاتنا التي نتبجّح بها، يصب أغلبها في مصلحة دغدغة الخيال، وملء الحصيلة اللغوية، وتسليحنا بحُجَج جدليّة نُفجّرها في كل نقاش نخوضه في إحدى هذه الموضوعات الثلاثة: الدين،…