ميرة الجناحي
ميرة الجناحي
كاتبة إماراتية

درع اليقين

الثلاثاء ٠٣ مارس ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      بضع ضرباتٍ متلاحقة، رافقها اهتزاز بسيط في زجاج النافذة. صوتٌ سمعته ابنتي لأول مرة في حياتها، فأربكها! قلت لها بهدوء: ابتعدي عن النافذة واطمئني.      ولا أشك أن هذا كان لسان حال كل مواطن ومقيم هنا، فلئن كانت الحرب وضعًا طارئًا لم نختبره من قبل، فإن ما ألِفْناه جيدًا ونعلمه يقينًا أن قيادتنا ومؤسساتنا الرسمية لا تألو جهدًا في سبيل رعاية مواطني الدولة والمقيمين فيها وحمايتهم. قوةٌ وثباتٌ وشفافية:      تعرضت بلادنا لهجماتٍ شرسةٍ متتالية، هي الأكبر ضمن الهجوم الإيراني العام على دول الخليج والمنطقة، فلم تهتز، ولم ترتبك، بل واجهت بقوة، وردت على الاعتداءات بثبات، وأعلنت عن إحصائيات الوقائع بكل شفافية.      حتى كتابة هذه السطور وصل عدد هجمات المسيّرات والصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة إلى 1006 هجمةٍ، تمكّنت دفاعاتنا الجوية من اعتراض وصدّ وتدمير 935 منها، مع إصابات بسيطة ناجمة عن اعتراض الصواريخ التي فشلت في إصابة أهدافها، كيف لا ونحن نمتلك نظام ردعٍ إماراتي عالي الكفاءة! وسماؤنا محميّة بعدة طبقات دفاعية قوية!      ومع ذلك، لم تتوقف الحياة، ورغم بعض الإصابات البسيطة، فقد مضت وتيرة عمل الدولة بانتظامها المعهود في كافة القطاعات، مع إجراءاتٍ احترازيةٍ ضمانًا لسلامة الجميع. مكانةٌ عالميةٌ راسخة:      على الصعيد الخارجي تجلّت مواقف…

تضحياتٌ خارج الحسابات

السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦

 خاص لـ هت بوست:      شاهدت مقطعًا مرئيًّا قصيرًا لأحد المحامين يقترح فيه منح الزوجة جزءًا من أموال زوجها أو ممتلكاته بعد سنوات من الزواج، تُقدر بنسبةٍ تتناسب مع فترة الزواج، وذلك نظير التضحيات المعتبَرَة التي قد تكون قدمتها، كالتنازل عن الدراسة أو العمل، والسبب - كما يشرح - أنها في حال وقوع الطلاق وانقضاء عدتها وانتهاء حضانتها ستجد نفسها خالية الوفاض، تعاني إما مِن ضعفٍ ماديٍّ أو عَوَز.      وقد ذكّرني هذا بكلمة فضيلة شيخ الأزهر الشريف في البيان الختامي لمؤتمر (تجديد الفكر الإسلامي) الذي عُقد في مصر 2020 بمشاركةٍ فاعلة لبلادنا، حيث أكّد على حق الزوجة في أن يكون لها نصيبٌ مقدَّر من مال زوجها إذا أسهمت في تنميته، وهو ما يُعدُّ إحياءً لمفهوم الكدّ والسعاية الذي أقرّه بعض الفقهاء من باب الاجتهاد الذي يروم إنصاف المرأة ويراعي مستجدات الواقع.      وفي تقديري، فإن الجمع بين الرأيين هو عين الصواب ومقتضى العدل، فإذا كانت المساهمة المادية المباشرة تمنح الزوجة حقًا مشروعًا في هذا السياق، فإن تنازلها عن دراستها أو مسارها الوظيفي - اللذين يمثلان رأس مالها البشري – يُعَدُّ شكلًا من أشكال الدعم غير المباشر الذي يهيئ للزوج بيئةً مستقرةً ومحفزةً على النماء والترقّي، وبناءً عليه، يصبح تنازلها عن طموحها ومنفعتها الشخصية ركيزةً أساسيةً في…

الأخلاق .. الرُّكن المنسي!

السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست: قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "إنَّ المُفلس مِن أمّتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، ويأتي وقد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكلَ مال هذا، وسَفَكَ دم هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حسناته، وهذا مِن حسناته، فإن فَنِيَت حسناتُه قَبْل أن يُقْضَى ما عليه، أَخَذَ مِن خطاياهم فَطُرِحتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار." وقد أُثِرَ عن عمر بن الخطاب قوله: "لا تنظروا إلى صلاة امرئٍ ولا صيامه، ولكن انظروا إلى صِدْقِ حديثه إذا حدَّث، وإلى وَرَعِه إذا أَشفى، وإلى أمانته إذا ائتُمِن." وقال بعضهم: "أدركنا السلفَ وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة، ولكن في الكفِّ عن أعراض الناس." وقبل هذا كله، كان "الخُلُق العظیم" أسمى ثناءٍ من الله على رسوله الكريم. والقرآن يقدم لنا ركائز في غير موضعٍ لضبط البوصلة الأخلاقية، حيث يزخر بذمّ الأذى والسلوكيات التي تعتدي على الناس قولًا أو عملًا، وبيان مآلاتها الوخيمة يوم الحساب، حيث ذمّ الفظاظة، والغِلظة، والكِبْر، والغَيبة، والنميمة، والتجسس، والسخرية، والهمز، واللمز، والفسوق وقذف المحصنات، بل إنه حثّ على ألا تحملنا العداوة على ظلم من نعاديهم! توجيهاتٌ واضحةٌ، وتحذيرٌ بيّن، بأن العبادات لا تكفي وحدها إن لم ترافقها الأخلاق. ورغم ذلك، فإننا نرى العجب على مواقع التواصل الاجتماعي؛ آياتٌ قرآنيةٌ ورواياتٌ نبويةٌ يُستَعرَض…

صورةٌ جميلةٌ أم جوهرٌ متماسك؟!

الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       الزواج حلال، والطلاق حلال. مفهومان بسيطان في أصلهما لا يحتاجان كثيرَ شرحٍ أو تأويل، وقد نظمهما القرآن الكريم بنسقٍ إنساني واقعي ورصين، لا يبخس طرفًا حقه، ولم يجعل من أحدهما ميزةً تعلي شأن صاحبها، ولا الآخر منقصةً تَصِم من وجد فيه حلًّا أو ملاذًا، بل كلاهما وضعان اجتماعيان طبيعيان. عندما تدخلت الأعراف المجتمعية بأحكامها أصبح الزواج مرغوبًا في العرف العام باعتباره هو الحلال، وأصبح الطلاق/الخلع هو المُبغَض، استنادًا إلى رواية ضعيفة، حتى اقترب في ذهن البعض من حافة الحرام، وللأسف لم تكن هذه الثنائية بعيدة عن ثنائية (الرجل والمرأة)؛ فأصبح زواج الرجل حلالًا مهما تزوج أو عدّد، وطلب الزوجة الطلاق/الخلع مذمومًا، حتى يكاد يكون محرَّمًا لدى البعض، مهما كانت وجاهة مبرراتها، والعكس إن انقلبت الأدوار؛ فلا أحد عادةً يحاكم الرجل المطلِّق، لكنهم ينظرون - غالبًا - للمرأة الراغبة في الزواج نظرةً خالية من الأريحية تصل أحيانًا للمحاكمة! ‏        على مدى فترةٍ زمنيةٍ طويلة، جرى الاستخفاف الشديد بدوافع المرأة للطلاق، استخفافٌ مجتمعي وجد في الفكر الفقهي القديم ما يتكئ عليه؛ عندما أعلى من شأن الروايات التي تنتقص من عقل المرأة، وتذم طالبة الطلاق أو الخلع، فاتهمتها بالنفاق وحرمتها الجنة! كان هذا - في رأيي - حجر الأساس في تشكيل هذه النظرة للمرأة عمومًا، ولمن تطلب…

هل يفوت الأوان؟!

السبت ٠٧ فبراير ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:       سجّلت نولا أوكس - المولودة عام 1911 - رقمًا قياسيًا في موسوعة جينيس كأكبر خريجة جامعية سنًا بعد أن نالت شهادة البكالوريوس في سن الخامسة والتسعين، ولم يهدأ طموحها حتى أتبعته بالماجستير بعد بضع سنوات وهي على أعتاب المئة.      وفي كينيا تخطّى كيماني ماروغ هيبة سنين عمره، وجلس على مقاعد المرحلة الدراسية الابتدائية وهو في الرابعة والثمانين.     أما آنا ماري روبرتسون موسى فقد بدأت مسيرتها في محراب الفن وهي ابنة ثمانٍ وسبعين.      هذه ليست قصصًا عابرة، بل هي قَبَسات مُلهمة تؤكد أن الشغف لا يعترف بالوقت، وأن العقل يظل متوقّدًا مهما طال به العمر، وأن الحواجز النفسية تتهاوى أمام جسارة الروح.      ورغم حالة الانبهار التي تملؤنا أحيانًا ونحن نستمع لبعض هذه الأخبار، إلا أن كثيرين ربما يتهيّبون تجاوز الأُطُر التقليدية الشائعة؛ فلأسبابٍ عديدة، يضع معظم الناس محطات حياتهم في قوالب زمنية محددة، تفرض مواقيت صلبة للتعليم والزواج والإنجاب والعمل ... إلخ. حتى التفاصيل البسيطة والصغيرة، قُيّدت في الغالب بمراحل عمرية معينة يستهجنها الوعي الجمعي إن هي تجاوزت توقيتها المعتاد!      فما زلت أذكر تلك التي اعتراها الخجل من إقامة عرس لأنها تجاوزت الخامسة والأربعين، ولسان حالها يقول بأسى: "... والعرس لصغيرات السن"! وذاك الذي تخلّى…

روح الإمارات الخيّرة

السبت ٣١ يناير ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      مع اقتراب الرابع من فبراير بعد بضعة أيام، نحتفي بوثيقة الأخوة الإنسانية التي وُلِدَت وانطلقت من بلادنا الإمارات عام 2019، في خطوةٍ تهدف إلى جمع أهل الملل الإسلامية تحت مظلة القيم الإنسانية والأسس الأخلاقية المشتَرَكة، تعزيزًا لمبادئ الحوار البنّاء، وقيم الحرية والتسامح والتعايش السلمي، والعدل والإحسان، والتآلف والتعاون الإيجابي، بما يحقق مصلحة الأفراد، وازدهار المجتمعات ونموّها، وهو ما يمكن وصفه بأنه خطوةٌ تجديدية أعادت النظر في بعض المفاهيم الفقهية السابقة التي أذكت الفجوة والتنافر بين المسلمين وغيرهم، بسيف التصنيف تارةً، وسيف التكفير تارةً أخرى، فسعت لتقريب المسافة بينهم ورأب الصدع الذي كان يعكّر صفو سمائهم، وذلك بالتعالي على الاختلافات ووأد الصدامات، وإيجاد أرضية مشتَرَكة يقف عليها الجميع.      مبادرةٌ من أعظم مبادرات بلادنا وإنجازاتها الإنسانية، بدعوةٍ ورعايةٍ وحضورٍ مباشر من سمو الشيخ ‎محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، كيف لا وهو ابن ‎الشيخ زايد، أدام الله ذِكره،الذي بذر البذرة الأولى عندما قال يومًا: "نحن مسلمون، ولكننا ننظر كذلك للأديان السماوية كافة كلها أنها أديان تقصد عبادة الله والوخشوع لله سبحانه وتعالى الذي خلقها، وكل من في هذه الأرض هو من عباد الله". خطابٌ بسيطٌ ومباشر أسّس لنهجٍ زايديّ كنا وما زلنا ننتهجه ونجني ثماره.      ولم يكن غريبًا على هذا الفكر…

التنافر الاجتماعي

السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦

  خاص لـ هات بوست:    الأصل في الإنسان أنه كائنٌ اجتماعي؛ فالتواصل مع الآخر جزءٌ أصيلٌ في تكوينه، وأساس وجوده في الأرض. ولعل فكرة منصات التواصل الاجتماعي تعزز هذه الحقيقة بشكلٍ ما، مع ما يقتضيه هذا من تواصل إيجابي وبنّاء.      غير أن المراقب لما يحدث عبر هذه المنصات يصطدم بمفارقة مؤسفة في جزءٍ كبيرٍ منها؛ فلا نكاد نرى منشورًا - بغض النظر عن محتواه - إلا ونجد تحته العديد من الردود الجارحة، والتعليقات الساخرة، والألفاظ النابية، والتصريحات والتلميحات الخادشة. والأسوأ هو التواطؤ الجمعي على هذا القبح، إما بالمشاركة الفجّة أو غض الطرف، في تطبيعٍ مخيف للتنمر والإيذاء الإلكترونيين! حتى باتت الكلمة التي تعيب على هذا المسلك تكاد لا تُرى!      المعالجة القانونية لهذه المشكلة موجودة بالفعل من خلال قوانين الجرائم الإلكترونية في كل دولة، ولكن ماذا عن المعالجة الأخلاقية المعطَّلة؟! ماذا عن الضمير والرقيب الذاتي؟! ماذا عن أخلاق العرب التي نتفاخر بها في المجالس، بينما تتضاءل وتتوارى حتى تكاد تختفي في الفضاء الرقمي؟! ماذا عن نظرتنا لأنفسنا واحترامنا لذواتنا بعيدًا عن عين الرقيب؟! كيف اختفت قيمة الترفّع عن الدنايا والتي هي من صلب الأخلاق العربية؟! كيف أصبحت الأخلاق موسمية، بحيث تُلبَس أمام الناس، طلبًا للرضا المجتمعي، ثم تُخلَع خلف الشاشة، في انفصامٍ قيميٍّ يعكسُ أزمةً أخلاقيةً…

أن تكون مضمونًا

السبت ١٧ يناير ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      في العلاقات الإنسانية، لا يتحقق الاستقرار دون شعورٍ آمِن؛ حيث تُبنى ثقة كل طرف في الطرف الآخر على اليقين، والاطمئنان إلى أن كليهما سيجد صاحبه في المواقف التي يتطلبها وجوده قولًا أو فعلًا، أو حتى ذاك الوجود المعنوي الذي تسكن به النفس.      من هنا، يأتي مفهوم الضمان كلبِنةٍ أساسية في بناء العلاقات، وعاملٍ جوهري في بلورة هذا الاستقرار؛ فأن تكون مضمونًا يعني أن تكون مصدر السلام والثقة، ومنبع راحة البال والاستقرار النفسي. أن تكون مضمونًا يعني أن تحرر الطرف الآخر من قيود القلق والتوجس.      ورغم أن هذا المفهوم بديهي وإنساني وأخلاقي، كما أرى، إلا أننا كثيرًا ما نواجه آراءً ووجهات نظر تضع هذا المفهوم موضع العيب، أو في أفضل الأحوال موضع الضعف، بحيث يُنظَر إلى الشخص المضمون كفريسة سهلة تغري بالخداع والاستغفال! ومن ثَمّ بدأت تتصاعد أصوات بعض منظّري التنمية البشرية والأسرية الداعية لاستبدال هذا المفهوم بآخر يقوم على أساس (الاستغناء) كخيارٍ حاضرٍ دومًا في ميزان العلاقات، بحيث يشعر الطرف الآخر بأن فكرة فقدانك ليست صعبة أو مستحيلة!      والحقيقة أنني لن أجادل في وجود نمط مؤذٍ بالفعل، يستطيع تحويل كل ميزة إنسانية خيّرة إلى خنجر يطعن به صاحبها، وأعلم أن فكرة الضمان تغري البعض لاستمراء الاستخفاف والاستغلال والإساءة…

جنون الاستعداء

السبت ١٠ يناير ٢٠٢٦

خاص لـ هات بوست:      من كان يصدّق هذه الخاتمة لتحالفٍ كنا نتغنّى بقوّته وصلابة عوده، وبتماسكه وصموده أمام محاولات التفكيك وبث الفرقة؟! لكن .. حدث ما حدث!      ولست هنا في معرض التحليل أو الدفاع، فثمّة من هم خيرٌ وأجدر بذلك على المستوى الرسمي، لكنني أنظر لتبعات ما يحدث في الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، ويزداد يقيني بأننا شعوبٌ عاطفية تفتقد الحكمة والرويّة أشدّ ما يكون الافتقاد! وأن هذه المنصات بيئةٌ خصبة لكل نافخٍ كير، ومرتعٌ لكل مزوّرٍ للحقائق، وحاشدٍ للغوغاء!      انقلبت المواقف فجأة؛ فأُشهِرت سيوف الألسن، وانطلق رصاص الكلمات، وأصبح شعار المرحلة هو: العداء والتخوين!      وبات أغلب روّاد مواقع التواصل الاجتماعي يتفننون في رصد المستجدات وتحليل الوقائع وتوزيع الاتهامات على وجه الجزم، وكأنهم يجلسون في غرفة العمليات! يستوي في هذا أصحاب الهوية الوهمية والهوية الحقيقية!      حتى بعض العقلاء انحرفت بوصلتهم، ووقعوا في فخ هذا الهياج!      ووسط كل هذه الفوضى تضيع الحقائق؛ فلا أحد يبحث، ولا أحد يتثبّت، والغالبية يتشبثون بالرواية التي تخدم سرديتهم وتدغدغ عواطفهم وتريح ضمائرهم! إن ما يحدث ليس إلا دليلًا على أن الإنسان لا يبحث عن الحقيقة، بل على ما يدعم اعتقاده بأنه على حق.      وبموازاة ضياع الحقائق ضاعت الأخلاق، وأطلَّ سوء الخُلق…

حُمّى الظهور

السبت ٠٣ يناير ٢٠٢٦

     خاص لـ هات بوست:      جاءتني ابنتي منذ بضع سنوات تحمل رغبتها في عمل حسابٍ على أحد مواقع التواصل.. سألتها: ماذا ستنشرين؟      قالت: عادي، أي شي. قلت: لا ما عليه، حددي هدف ومادة تفيد الناس، ثم نتناقش.      كان هذا رأيي دائمًا فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي؛ فليس الهدف مجرد إنشاء حساب، وإنما ماذا سننشر عبر هذا الحساب.      وهذا يقودني لرصد ظاهرة أستطيع تسميتها بـ (حُمّى الظهور)، والحقيقة أن هذه الحُمّى التي أصابت الكثيرين هي التي أنتجت كل الـ (أي شيء) الذي يطغى على الفضاء الرقمي.      وإلا ما الذي يدفع صبيًا في العاشرة إلى أن ينشئ حسابًا جلُّ محتواه وهو يتهيّأ للخروج، فيرافقه متابعوه وهو يلبس ثوبه ويتعطّر ويتعصّم ثم يخرج؟! وما الذي يدفع أحدهم، بعد أن كان يرافق زوجته في مقاطعها على تيك توك، أن يقرر(الاعتماد على نفسه ويبنى ذاته بذاته) فينشئ صفحةً مستقلةً باسمه؟! وما الذي يدفع إحداهن لفتح بث حيّ تتجادل فيه مع هذا وتصرخ على ذاك؟!      ويبقى السؤال الأهم؛ ما الذي يدفع هؤلاء لهذا الهوس لدرجة أن يكون أقصى طموح بعضهم ومبلغ إنجازهم هو إنشاء صفحة أو حساب على وسائل التواصل؟!      وما الذي يجعلهم يعتقدون أن يومياتهم البسيطة، وربما التافهة، هي شيء…

محمد شحرور .. جدلٌ لم ينتهِ

السبت ٢٧ ديسمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست:       مرَّت منذ بضعة أيام الذكرى السادسة لرحيل الدكتور محمد شحرور رحمه الله. وكما كان في حياته، لا يزال الرجل محل جدل، والسجالات بين مُحبيه ومنتقديه لا تنتهي؛ بل ظلت تراوح مكانها، تخبو تارةً وتشتعل تارةً أخرى.      على الصعيد الشخصي، أحمل لهذا الرجل الكثير من الامتنان وأعترف بفضله عليّ؛ فقد كان منذ سنوات واحدًا ممن وسّعوا مداركي، ونبهوني إلى فضيلة إعمال العقل التي غابت عن أذهان معظمنا في مرحلةٍ ما من مراحل حياتنا.      ورغم أنني لم أنطلق في رؤيتي له من باب الاتباع، ولم أعتبره قدوةً مطلقةً في كل ما طرحه من أفكار، ولكن الذي لا جدال فيه أن الدكتور محمد شحرور شكّل إضاءة ناصعة وحجرًا ثقيلًا في بركة الركود والركون الفكري الذي كنت أعتقد أنني مطمئنة فيه.      ومن خلال متابعتي أستطيع أن أجد هذا الأثر لدى البعض؛ حيث إنه فتح الأعين وأعاد توجيهها للنص القرآني تفكّرًا وتدبّرًا، وهو ما يتوافق مع أصل النهج المطلوب من كل مسلم مُكلّف. بل لعله أعاد البعض لجادة الإسلام ذاته.      الأساس الذي قام عليه فكر الدكتور محمد شحرور هو رؤيته للنص القرآني باعتباره حيًّا متحركًا مع حركة الحياة وتتابع العصور، ومن هنا رأى ضرورة تجاوز التراث الفقهي السابق وتقديم رؤى وتأويلات…

التنوير كما يجب أن يكون

السبت ٢٠ ديسمبر ٢٠٢٥

خاص لـ هات بوست:       يذهب الكثيرون إلى أن تجديد الفكر الإسلامي جاء - حصرًا - لمواجهة الفكر المتشدد والتنظيمات الإسلاموية المتطرفة التي وظّفت بعض التأويلات والروايات لخدمة مشروعها التخريبي، والحقيقة أنني أرى الأمر أبعد من هذا؛ من حيث أنه يطال عموم المسلمين كافة في كل مناحي الحياة وأشكال المعاملات، ومن حيث أنه يحقق الأصل الذي يجب أن تقوم عليه رؤيتنا وفهمنا للدين تعقّلًا وتدبّرًا.      كان التنوير في نظر البعض من بني جلدتنا محل جدل؛ فالتشكيك فيه من ناحية والتوجّس منه من ناحية أخرى، واستدعاء تطبيقاته الغربية على الرغم من اختلاف السياقات التي ظهر فيها! في حين أن التنوير بمعناه البسيط - كما أفهمه - هو تفعيل العقل وتوظيفه بشكلٍ بنّاء ينعكس على حياة الفرد والمجتمع، ومن صور هذا التفعيل إعادة النظر في بعض الآراء والاجتهادات والتأويلات بالقدر الذي يراعي واقع اليوم المختلف عن واقع الأمس القريب والبعيد.      بعبارةٍ أخرى: "عدم الاكتفاء بالوقوف أمام ما جاء به النص، بل التمعن فيما جاء من أجله من مقاصد وغايات."      وقد تُرجِمَت هذه الرؤية الإماراتية التنويرية في أشكالٍ عدة: * المساواة بين الرجل والمرأة في الدية، اعترافًا بقيمة النفس الإنسانية مطلقّا. * قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين وغير المسلمين، والتي تراعي الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية. * السماح…