الخميس ٣٠ أبريل ٢٠٢٦
أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة مبكراً خطورة جماعات الإسلام السياسي، وتعاملت معها بوصفها مشروعاً إرهابياً يستهدف الدولة الوطنية ويعبث بوعي المجتمعات. فجاء الموقف الإماراتي استباقياً، صريحاً، وحاسماً، وانطلق في ذلك من مسؤولية حماية الوطن وحفظ الدين من عبث التنظيمات المؤدلجة. وما هذا الإدراك إلا ثمرةُ قراءةٍ بعيدةِ المدَى لطبيعة مشروع تلك الجماعات، ووعيٌ عميقٌ بتحولاته. وإن النظرَ في تاريخ الإسلام الحركي لكَفيل بكشف جذور هذا المسار منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين ظهر الأب الروحي للتنظيمات الإرهابية جمال الدين الأفغاني، وربط الدين بالمشروع السياسي، وجعل من الخلافة أصلاً من أصول العقيدة، وخاصة بعد سقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة سنة 1924. ثم جاء الشيخ محمد عبده، فنقل كثيراً من تلك الأفكار إلى المجال الفكري العام تحت أوهام (التجديد) و(التنوير)، قبل أن يتلقفها محمد رشيد رضا، وحينئذ ترسّخت فكرة السلطة الدينية الجامعة بوصفها الإطار الحاكم لوحدة المسلمين كما يزعمون. ويمكن القولُ إن المسارَ النَّاظمَ لهذا التاريخ عرف تدرّجاً في التحولات الفكرية التي…
الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٦
في خطوة تعكس «الانتقال الواعي» من منطق الالتزام الجماعي التقليدي إلى أفقٍ أرحب من «السيادة المرنة»، جاء قرار الإمارات بانسحابها من منظمة أوبك وتحالف «أوبك+»، وذلك بعد عقود من التعاون البنّاء. فمنذ انضمام أبوظبي إلى «أوبك» في ستينيات القرن الماضي، ثم استمرارية العضوية بعد قيام الاتحاد، شكّلت الإمارات ركناً ثابتاً في معادلة الاستقرار النفطي، وأسهمت في بناء توازنات دقيقة بين المنتجين والمستهلكين. غير أن العالم اليوم قد تغيّر، ولم تعد خرائط الطاقة تُرسَم في غرف التنسيق الجماعي فحسب، بل أيضاً في مختبرات الابتكار، وفي استراتيجيات التنويع، وفي قدرة الدول على التكيّف السريع مع صدمات الجغرافيا السياسية. ومن هنا، فإننا نقرأ القرار على أنه لا يعني بأي حال انقطاعاً عن إرثٍ ممتد من المسؤولية، بل إعادة تعريفٍ لهذا الإرث، بما يواكب تحوّلات سوقٍ لم تعد تحكمه معادلات الأمس وحدها. فالإمارات اليوم، وبهذا القرار، لا تنسحب من المسؤولية بل تنتقل إلى صيغةٍ مختلفة منها، صيغة تمنحها مرونة أكبر في إدارة إنتاجها واستثماراتها،…
الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٦
مما لا شك فيه أن المناهج التعليمية والتربوية تلعب دوراً مهماً ومؤثراً للغاية للناشئة، حيث تسهم بشكل فاعل ومهم جداً في زيادة مستوى التفكير وتشكيل الوعي الإدراكي، الحسي والذهني والإبداعي، بالإضافة إلى درجة التفوق الدراسي للتلاميذ. ومن منطلق عبارة: «من هو العدو الأول لإيران؟»، هناك إجابة صادمة في مناهج إيران الدراسية بعد عام 1979 وتولي الملالي زمام الحكم للدولة الإيرانية، حيث إنه لا يوجد ذكر العداء لإسرائيل مطلقاً، بينما يتصدر العداء للعرب في المرتبة الأولى يليهم العثمانيون ثم الروس. ويتفق أصحاب الرأي والساسة والمؤرخون أن إيران حرصت دائماً على تمييز نفسها عن العرب، النهج الذي بلغ ذروته مع ملحمة الفردوسي الشهيرة «الشاهنامة» التي كرس أغلب أبياتها للإساءة إلى العرب وتمجيد الفرس، وهي كراهية تكرسها أيضاً سياسة إيران التعليمية الحالية والتي تمارس من خلالها أكبر عملية تضليل وتزوير وتشويه منظمة للحقائق الخاصة بالعرب، ضمن أهداف ثورة الخميني ذات النزعة الاستعلائية التوسعية، حيث يتخرج الطالب الإيراني مشحوناً ضد العرب، وقد بينت الدراسات…
الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦
في أوقات الأزمات، لا تكفي متابعة الأخبار لفهم ما يجري؛ بل تصبح الحاجة ملحّة إلى مراجع فكرية تقدّم تفسيراً أعمق للسلوكيات والتحولات. وفي هذا السياق، يبرز كتاب «إيران والخليج: البحث عن الاستقرار» بوصفه أحد أهم الأعمال التي تساعد على قراءة المشهد الراهن في الخليج والشرق الأوسط من منظور استراتيجي متماسك. صدر هذا الكتاب لأول مرة في عام 1996 عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، في مرحلة مفصلية أعقبت حرب الخليج الثانية، لكنه لم يكن مجرد استجابة ظرفية لتلك اللحظة التاريخية، بل محاولة علمية لاستشراف أنماط السلوك الإيراني في المنطقة على المدى الطويل. وما يمنح هذا العمل قيمة إضافية أنه ليس كتاباً تقليدياً لمؤلف واحد، بل هو نتاج جماعي يضم أوراقاً بحثية لنخبة من الباحثين من إيران والعالم العربي وخارجه، من بينهم معالي الدكتورأنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، ما يضفي عليه ثراءً في المقاربات وتعدداً في زوايا النظر. ينطلق الكتاب من فكرة محورية مفادها أن سلوك…
الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦
ربما بدا المشهد - الذي سأقُصُّه عليكم - مركَّبًا، ويتضمَّن مبالغاته، لكنه ليس خياليًّا، ويحدُث من حولنا كل يوم، ولنا أيضًا، لذا سأقوم بسَرده: "بعد منتصف الليل، يصحو أحدهم مفزوعًا بسبب قنبلة أو مسيَّرة أو بقايا صاروخ سقطت فوق بيته، يهرول في اتجاه غُرف أولاده، ليَجِد أحدهم قد فارَق الحياة، أو جميعهم، كما تم تدمير منزله "سكنه وأمْنه". شخص آخر يذهب إلى عمله، فيُطلب منه مقابَلة المسئول عن الموارِد البشرية؛ ليُفاجَأ بأنهم ينهون خدماتِه لخفْض الميزانيات، وتقليص العمالة في معظم المؤسَّسات. شخص ثالث سيجد الشركة أو المؤسَّسة التي كان يعمل بها قد أضيرت، وخرجت عن الخدمة لوقت غير معلوم. الكثيرون يذهبون لمَد سياراتهم بالوقود؛ فيجدون ارتفاعاتٍ هائلةً للأسعار، تلتهم ميزانياتهم، ويتفاقم الوضع عندما يتوجَّهون للسوبر ماركت، فقيمة الفاتورة زادت لثلاثة أضعاف في الغالب، يتأمل الإنسان في يومه وغده شاردًا، حزينًا على ما فقَد، ويقف في مكانه حائرًا، قلِقًا من استمرار وجوده. ليقفز السؤال الأهم: لماذا يكتوي البسطاء باشتعال تلك الصراعات…
الخميس ٢٣ أبريل ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ما زال الفكر الظلامي يترصّد لبلادنا، مستهدفًا أمنها واستقرارها، عابثًا بوعي أبنائها، ساعيًا للتغرير بهم وجرّهم لمستنقع الخيانة والإرهاب! إلا أن انكشاف التنظيم الشيعي السري الإرهابي، الذي تم تفكيكه وتوقيف أعضائه مؤخرًا، يرسّخ يقيننا بمتانة منظومتنا الأمنية وكفاءة منتسبيها. ومع تواتر ردود الفعل الداخلية حول هذا الحدث، استنكر الكثيرون على بعض أعضاء ذلك التنظيم الذين كانوا يعيشون معززين مكرمين في الدولة، ونعموا بأمانها وخيرها، وهذا يذكّرنا بالتنظيم السري للإخوان المسلمين الذي تم تفكيكه ومحاكمة من ثبتت عليهم الإدانة، حيث اجتمع كلاهما على جحد النعمة ومقابلة الإحسان بالإساءة. والحقيقة أن هذه هي خلاصة الآيديولوجيا الدينية المنغلقة والمتطرفة؛ عقيدةٌ إرهابيةٌ لا يهمها أمان ولا رفاه ولا استقرار، يستوي في هذا السني والشيعي وغيرهما من المذاهب والملل والأديان. ولعلي أذكر في هذا السياق حركة (جيش الرب للمقاومة) المسيحية المتطرفة الإرهابية في أوغندا، والتي سعت لإقامة حكم ديني يعتمد على الوصايا العشر،…
الخميس ٢٣ أبريل ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: نستلهم مبادئ الولاء الحق والوفاء الصادق والانتماء العابر للجغرافيا والحدود، تبعاً لميل القلوب وهوى النفوس، من قيم الرسائل السماوية والأفكار والفلسفات والعقائد الروحية. وفي ظلّ الحرب الناشبة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والعدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج العربية، وانطلاقاً من الحديث النبوي الشريف "مَن غَشَّنا فليسَ مِنَّا"، علينا أن نحذر من أن نغشَّ أنفسنا والآخرين، بالولاءات المشبوهة والأجندات الخبيثة والأفكار المتطرفة الهدّامة، وعلينا أن نقف موقف الحقّ ولو على أنفسنا، لنقول إنّ للإمارات، كما لدول الخليج العربية كلّها، علينا نحن أبناء أمة العرب خاصةً، من بلاد المشرق العربي حتى المغرب، حقَّ الوفاء لا الغدر، والولاء لا الخيانة، والانحياز للحقائق لا للشعارات الزائفة والخطب الرنّانة الفارغة. لا يكونُ جزاء إحسان الأوطان علينا إلا الإحسان، والخيانةُ نقضٌ لعهد التزام صادق، على المستوى الجمعي لا المستوى الشخصي فحسب، وبها تتهدّمُ الأوطان لا الأُسَرُ والبيوت فقط، فكيف إذا كان هذا الوطن…
الخميس ٢٣ أبريل ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: يقولون إن الأمور تُعرَف من أضدادها.. فما الذي يحاول الخوف أن يخبرنا عنه؟ ما هو المعنى الذي فقدناه حتى ظهر لنا ضده، ألا وهو الخوف؟ فلعلّه جاء رسولًا صادقًا، لا يحاول مجاملتنا أو التربيت على أكتافنا بأن لا داعي للقلق، وأن الأمور على ما يُرام، وهي ليست كذلك. من المعروف أن الإنسان تُحرّكه المشاعر، بل إن كل ما هو موجود وحاصل هو بفعل نوايا خلقتها مشاعر معيّنة. هناك من يُحرّكه الحب، وهناك من يُحرّكه الجشع، وهناك من يُحرّكه الحسد، وهناك من يُحرّكه النبل. وتأتي الأحداث السياسية اليوم كي تعلّمنا، بعد أن كبرنا، أن هذه الدوافع لا تحصل فقط في أفلام الكرتون كما كنا نظن صغارًا، ولا في علاقاتنا وبيئاتنا الصغيرة عندما كبرنا قليلًا، بل هي الوقود الحقيقي الذي تشكّلت على أساسه شركات ودول! فلكل شركة عالمية نوايا ورؤية حدّدتها مشاعر قيادتها، وهناك جيوش أُعدّت، وحروب شُنّت ما قامت إلا لتحقّق رغبات قياداتها؛…
الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: لماذا تخون الوطن؟ .. هذا السؤال ليس مجرد استفهام عابر، بل هو صرخة في وجه كل من سوّلت له نفسه أن يكون خنجراً مسموماً في خاصرة بلاده. إن انسلاخ الإنسان عن شرفه وقسمه تجاه الأرض التي تحميه هو أقصى درجات الضياع القيمي، فكيف يرضى لنفسه أن يكون غصناً خبيثاً في شجرة إماراتنا العظيمة المليئة بالثمار الطيبة والظلال الوافرة؟ ، إن هذا السلوك يعكس خللاً عميقاً في في تركيبة الولاء والانتماء، فحين يتحول البعض إلى عناصر وأدوات أيديولوجية لترهيب الناس الذين لا يبحثون إلا عن الأمن والأمل والحياة المستقرة. ما الذي يدفعك لتكون جزءاً من آلة الخراب وأنت تعيش في كنف وطن أعطاك ما لم تحلم به؟ إن الإمارات لم تقدم لأبنائها والمقيمين على أرضها إلا سبل العيش الكريم والرفاهية التي يتمناها القاصي والداني، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ إن الدين الإسلامي الذي يدّعي البعض السير على نهجه بريء من أفعالهم براءة الذئب من دم يوسف، فهل…
الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦
في لحظة تتصاعد فيها التوترات في الخليج مجددًا — مع اضطراب الأوضاع في مضيق هرمز وتعثر المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران — لا يزال كثير من التحليل ينظر إلى المشهد من زاوية القوى التقليدية والتحالفات المعروفة. غير أن هذا الإطار يغفل تحوّلًا مهمًا: الهند، التي طالما اعتُبرت شريكًا اقتصاديًا خارجيًا، أصبحت اليوم طرفًا ذا تأثير متزايد في معادلة الأمن في غرب آسيا. ليس من خلال القوة العسكرية، بل عبر عناصر قد تكون أكثر استدامة: الانكشاف الاقتصادي العميق، والتشابك الاستراتيجي، والقدرة المتنامية على التأثير في شروط الاستقرار. أكثر من 60% من واردات الهند من النفط الخام تأتي من غرب آسيا، ما يجعل تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز ليس مجرد أولوية استراتيجية، بل شريانًا اقتصاديًا حيويًا. ومع تزايد التهديدات للممرات البحرية، باتت هشاشة هذا الاعتماد أكثر وضوحًا. بالنسبة للهند ودول الخليج على حد سواء، لم يعد التصعيد مجرد أمر غير مرغوب فيه، بل أصبح غير قابل للتحمل اقتصاديًا. انهيار الجهود الدبلوماسية…
الإثنين ٢٠ أبريل ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: لمحاربة أي أفكار غير مرغوب بها، أو أي أيديولوجيات تُشوّه تطور ونمو المجتمع البشري ليكون أكثر مدنية، قانونية.. ليكون أكثر تطورا وانفتاحا، لا يكفي أن نتحدث عن دول تحكم بالحديد والنار، ولا عن أنظمة تعتقد أنها قادرة بالقوة وحدها على السيطرة على وعي الناس وثقافتهم. الفكرة أعمق من ذلك بكثير.. فالأفكار لا تُحل بتكميم الأفواه، ولا بالسجون، ولا حتى بالسيطرة على الإعلام… فقط .. لأن هذه القيم والأيديولوجيات لا تُفرض فقط من الأعلى، بل كثيرا ما تُبنى وتُعاد صياغتها يوميا داخل المجتمع نفسه، بصمت وبشكل غير واعٍ أحيانا، وفي حقبات زمنية معينة، يكون التأثير الخارجي هو العامل الأبرز في تشكيل الداخل.. ولا يمكن إنكار ذلك.. حيث تأتي الثقافة من الأعلى وتُرسّخ في المجتمع. مثلا قبل ثلاثين عام تقريبا.. تم استبدال منظومات فكرية كاملة في الشرق الأوسط، كانت ممثلة براية حمراء “شيوعية”..بفراغ كبير. هذا الفراغ امتلأ سريعا برايات خضراء وسوداء، أي بمنظومة دينية محافظة، وأحيانا متطرفة، لا تشبه…
الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦
في أعقاب إعلان الرئيس دونالد ترامب عن وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين مع إيران، لا يتمثل القلق الرئيسي في الخليج في كيفية انتهاء هذه الحرب، بل في احتمال أن تنتهي مبكرًا أكثر مما ينبغي. بالنسبة لكثيرين خارج المنطقة، قد يبدو إعلان ترامب وكأنه نهاية للصراع. أما بالنسبة لنا ممن نعيش ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، فإن مثل هذا التطور قد يمثل بداية مرحلة أكثر خطورة: اليوم التالي. إن إعلانًا أمريكيًا مبكرًا بالنصر قد يترك دول الخليج مكشوفة أمام جار غاضب وأكثر جرأة — جار أثبت بالفعل استعداده للتصعيد إلى ما هو أبعد من الحدود التقليدية. ويزيد من هذا القلق الطابع غير المتوقع لترامب، إذ تشير سوابقه إلى أنه يتعامل مع الحروب ليس كالتزام استراتيجي طويل الأمد، بل كعرض سياسي يُعلن فيه النصر سواء تم حل التهديدات الأساسية أم لا. تتضاعف المخاوف: ماذا لو انتهت الحرب دون تحييد قابل للتحقق لمخزون إيران من اليورانيوم؟ ماذا لو بقي مضيق هرمز…