الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦
في خضمّ الاستعداد لحفل تخرّجي في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بمناسبة حصولي على درجة الدكتوراة، وجدتني أفكر في معنى هذه اللحظة، وفي المسافة الطويلة التي قطعتها منذ مقاعد الدراسة الأولى حتى اليوم. تذكرتُ محطاتٍ ووجوهاً وأمكنة وأحداثاً، لكن الغريب أن أول ما استدعته ذاكرتي لم يكن كتاباً قرأته، ولا شهادة حصلت عليها، ولا أستاذاً تتلمذت على يديه، بل زجاجة عطر لا أزال أحتفظ بها منذ سنوات بعيدة. زجاجة عطر أهدتني إياها أمي يوم نجاحي في أحد صفوف المرحلة الإعدادية. لا أذكر اليوم تفاصيل ذلك النجاح، ولا الدرجات التي حصلت عليها، لكنني أذكر فرحة أمي. وربما لم أكن أدرك آنذاك أن أمي، وهي تقدم لي هديتها، كانت تمنحني شيئاً سيبقى معي طوال العمر؛ كانت تربط في وجداني بين النجاح والفرح، وبين الاجتهاد والتقدير، وتزرع في نفسي رغبةً في أن أعود إليها بنجاح جديد، لأرى الفرحة نفسها في عينيها. مرت السنوات، وتوالت النجاحات…
السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست : في السياسة، قد تختلف الحسابات، وتتباين التحالفات، وتتبدل الأولويات وفقاً للمصالح والظروف. لكن ثمة مبادئ يفترض ألا تخضع لهذه التقلبات، وفي مقدمتها سيادة الدول وحقها في الأمن والاستقرار، ورفض الاعتداء عليها، أياً كانت هوية المعتدي أو الدولة المستهدفة. فما الذي يجعل الاعتداء على دولة عربية تهديداً للأمن القومي يستدعي التحرك، وربما الاستعداد للتدخل دفاعاً عنها، بينما يتحول الاعتداء نفسه على دولة عربية أخرى إلى مسألة تحتمل الصمت أو التبرير أو البحث عن الأعذار، وفي أحسن الأحوال، الاكتفاء ببيان تضامني لا يتجاوز حدود الكلمات؟ السؤال هنا ليس عن حق الدول في تحديد أولوياتها الأمنية، ولا عن مشروعية التضامن مع دولة شقيقة تتعرض لتهديد خارجي. فهذا التضامن مطلوب، بل ضروري. إنما السؤال يتعلق بالمعايير التي تحكم المواقف، وبالحد الفاصل بين السياسة بوصفها إدارة للمصالح، والسياسة حين تتحول إلى انتقائية في تطبيق المبادئ. لقد أثبتت التجارب أن الخطر الذي…
السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: على مر السنين، جوبهت مساعي تجديد الفكر الإسلامي وإعادة قراءة التراث الفقهي بمقاومةٍ شديدةٍ وهجومٍ عنيف، تتصدرهما تياراتٌ تظن أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وتتقن أساليب الجدال وتحوير النقاش والتلاعب الحواري والنفسي، وتوظفها في الترصّد لكل تجربة تنويرية جادة بغية إسقاطها. قد أفهم عداء جماعات الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة والإرهابية، لأن مشروع التجديد يفكك بعض المرتكزات التأويلية التي استندت إليها تلك الجماعات في تسويغ العنف والتطرف وتبرير جرائمها وانحرافاتها. لكنني أتوقف أمام المسلم العادي، الذي لا يقيده فكرٌ أيديولوجي، ولا تربطه بتلك الجماعات مصلحةٌ ولا انتماء، ويقلقه لفظ التجديد، ويلتبس عليه مفهوم التنوير في سياقه الإسلامي والعربي، حتى إن كانت بلاده ذاتها ترفع راية التجديد أو تدعو إليه أو تتبنّى مخرجاته عبر مؤسساتها الرسمية وبالاستناد إلى اجتهادات مؤسستها الدينية ومختصّيها في العلوم الشرعية! ونحن لا نشك في ولاء هذا المسلم لوطنه ولا في محبته لبلاده وقيادته ومؤسساته، لكنه…
الجمعة ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: يمكننا القول إن مجموعة من العوامل ساهمت في تشكّل هذه الظاهرة المحيّرة، التي من الجائز أن نسميها، مع بعض التحفّظ: متلازمة الهوية المزيفة. ويأتي على رأس تلك العوامل: الخواء النفسي والفكري المدعوم بذوات هشة متضخمة، الوفرة المالية، وهم الإنجاز، غياب الرقابة والمحاسبة، التربة المتعطشة لكل جديد، ومواقع السوشال ميديا وما تعرضه وتلفّقه وتزيّنه. يقرر أحدهم بين ليلة وضحاها أن يحترف التصوير، فيجلب له كل أدواته، من كاميرات احترافية وعدسات ومكبّرات وإضاءة وحوامل وحقائب... ثم يزهد في هذا كله خلال أيام، ويحتفظ لنفسه بلقب مصوّر محترف. والآخر يشتري سيارة دفع رباعي مقاومة للمنزلقات والمنحدرات، وأدوات تخييم كاملة على أعلى مستوى، وتلسكوبات لمراقبة النجوم، ولا يذهب في رحلة صحراوية واحدة. نجد من يصف نفسه بأنه رسام وفنان تشكيلي، وهو لم ينجز أعماله الفنية إلا في ورش ودورات للرسم، حاكى فيها ونسخ بلا أدنى حس فني ولا إبداع ذاتي،…
الجمعة ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦
قبل عدة سنوات في برلين، سألتني ابنتي روضة، وكانت تبلغ حينها اثني عشر عاماً، عن كنيسة مهدمة في وسط المدينة، أبقت ألمانيا برجها المحطم شاهداً على الحرب العالمية الثانية. كانت كنيسة القيصر فيلهلم التذكارية، التي أصابها القصف عام 1943، وأقيمت بجوارها لاحقاً كنيسة حديثة، بينما بقي الجرح القديم مفتوحاً أمام العيون. سألتني ونحن ننظر إليها: «لماذا لم يعيدوا بناءها يا أبي؟». قلت لها: «هي شاهد على بشاعة الحروب. ألمانيا تقول لأجيالها القادمة وللعالم إن بيوت الله قد تُستباح حين يفقد الإنسان إنسانيته». عادت روضة لتسأل: «من قصف الكنيسة؟ هل كانوا مسيحيين؟». أجبتها: «نعم». وبدا على وجهها الاستغراب والحزن معاً. بقي سؤالها معي. الأطفال لا يعرفون التعقيدات التي نصنعها لتبرير القتل، يرون بيتاً للصلاة، ويسألون كيف يهدمه إنسان يؤمن بالله. والحرب العالمية الثانية لم تكن حرباً دينية، لكن سؤال روضة تجاوز أسبابها إلى معنى أعمق: ماذا يبقى من إيمان الإنسان حين لا يأمن الآخر منه،…
الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
تتعدد اليوم محركات اقتصاد دبي وتتشابك فيما بينها، فالتجارة العالمية تسندها شبكة من الموانئ والمطارات والخدمات اللوجستية، وتتلاقى السياحة والضيافة مع العقارات والتطوير العمراني، فيما تتسع مجالات الاستثمار في الخدمات المالية والصناعة والتكنولوجيا. من هذا التكامل تستمد المدينة جانباً كبيراً من قوتها الاقتصادية، وقدرتها على النمو والتكيف مع تحولات الأسواق العالمية. هذا التنوع ثمرة رؤية بعيدة المدى، وقرارات استشرفت المستقبل وفتحت أبواباً جديدة للفرص، لكن حين قرأت الرسالة الثامنة من كتاب «الرسائل» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، الموجهة إلى شباب دبي، اكتشفت أن وراء هذه الرؤية حكاية موجعة؛ حكاية تستعيد من ذاكرة دبي زمناً عرفت فيه قسوة أن يرتبط مصير مدينة كاملة بأحداث تجري بعيداً عنها، وأن يصل أثرها إلى أبواب البيوت، وإلى موائد أهلها. يعود صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى سنوات انهارت فيها تجارة اللؤلؤ، وفقدت عائلات كثيرة مصدر رزقها، وبدأ الناس يهاجرون بحثاً عن العمل…
الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
لا فرحة تعادل أن تدرس في جامعة تحمل اسماً عزيزاً على قلبك، ولا فخر يضاهي أن تقدّم أطروحة تتناول أحد أهم عناصر إرث المؤسس، بكل ما يحوي من أسسٍ واستراتيجيات، وقيم نبيلة راسخة، وقوة خطابية، وإقناعية. أقول ذلك، وقد تشرفت مع ثلة من أبناء وطني بالتخرّج، ضمن دفعة الدكتوراه، في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، عن أطروحتي «الخطاب السياسي الإماراتي». ويدرك المتابع للشأن الإماراتي، أن بلادنا، ومنذ نشأتها، راهنت في مسيرتها الحضارية على «الوعي» باعتباره مكوناً أصيلاً لمشروعها التنموي بمحتواه الإنساني، وهو ما أنتج خطاباً سياسياً كان تعبيراً مباشراً عن إنسان هذه الأرض، ونموذجها العقلاني، الذي رسّخ سمعتها بقوة في المشهد الدولي شراكات رئيسية ومؤثرة. ثم جاءت مؤسساتنا البحثية، ومنها جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، لتؤطر لهذا المكوّن الأصيل، الذي يشكّل اليوم قوة تضاهي القوة العسكرية، بل وحجة تبرّر لمن يثير التساؤل حول سرّ وحدتنا، وسرّ التفافنا حول قيادتنا الرشيدة. وما بين أروقة الجامعة، وشغف الدراسة، كانت تجربة…
الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في مشهد عميق الدلالة خلال «ملتقى محمد بن راشد للقادة»، طلبت إحدى السيدات من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أن يوقّع لها على كتاب «الرسائل»، فأجابها سموه بأنه لا يكتب إلا باللون الأخضر. تأملت هذا الرد، وأخذني اللون الأخضر بعيداً عن حبر التوقيع إلى ما يحمله من معانٍ في حياتنا. فالأخضر لون الأرض حين ترتوي، والزرع حين ينمو، والشجر حين يثمر. هو لون البدايات التي تحمل في داخلها وعداً بالمستقبل، ولون الأمل الذي يرافق الإنسان في رحلته نحو ما يتطلع إليه. وللأخضر حكاية أقدم من أعمار المدن، فقد كان منذ القدم علامة يستدل بها الإنسان على وجود الماء والحياة، وحيثما وجد الماء اخضرّت الأرض، واستقر الإنسان، ونشأت الحضارات. واليوم، ونحن نعيش ما أسميه «حضارة الإمارات»، أجد في هذا اللون امتداداً لذلك المعنى الأصيل، غير أن الماء الذي…
الأحد ١١ أكتوبر ٢٠٢٦
ليست أخطر لحظات الخلاف حين تختلف الحكومات، بل حين يتعامل الناس مع خلاف الحكومات كأنه خصومة بينهم.. عندها تتجاوز المسألة حدود السياسة والمصالح، وتدخل البيوت ومجالس الأصدقاء وشاشات الهواتف، فيصبح كل تعليق اختباراً للولاء، وكل خطأ فرصة للشماتة، وكل دفاع عن الوطن مبرراً للهجوم على وطن آخر. التباينات بين دول الخليج ليست جديدة، وليس مطلوباً من العواصم أن تتفق على كل شيء.. فلكل دولة حساباتها ومصالحها وأولوياتها، ومن الطبيعي أن تختلف التقديرات.. لكن شيئاً تغيّر في طريقة ظهور الخلافات: لم تعد محصورة في السياسة ودوائرها المعروفة، بل صارت حاضرة في فضاء عام ترفع فيه المنصات الرقمية الصوت الأكثر حدة، وتمنح الاستفزاز انتشاراً أسرع من الحجة. وأعتقد، بل أكاد أجزم، أن أغلب أبناء الخليج لا يرتاحون إلى هذا التحول. لا أستند هنا إلى استطلاع يجيز لي وضع رقم على هذا الشعور، بل إلى ما يظهر في أحاديث الناس وتعليقاتهم: كثيرون لا يريدون أن تتحول العلاقة…
السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: هل يمكن أن يتحول قرار يُتخذ باسم القضية الفلسطينية إلى فرصة سياسية يستفيد منها أكثر خصومها تشدداً؟ هذا السؤال يفرض نفسه بعد ثلاث سنوات على هجوم السابع من أكتوبر، حين قرر يحيى السنوار نقل المواجهة مع إسرائيل إلى مستوى غير مسبوق، من دون أن تتضح خطة سياسية قادرة على احتواء التداعيات التي ستترتب عليه. لم يكن السنوار يعمل لمصلحة بنيامين نتنياهو، ولم يكن الرجلان حليفين. لكن التاريخ لا يحاكم القرارات بالنوايا وحدها، بل بنتائجها أيضاً. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن هجوم السابع من أكتوبر أتاح لنتنياهو فرصة لتعزيز بعض خياراته الأمنية والسياسية، فيما وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام كارثة إنسانية ووطنية هائلة. قبل الهجوم، كان نتنياهو يواجه انقسامات داخلية حادة في إسرائيل، واحتجاجات واسعة على مشروع التعديلات القضائية. وعلى المستوى الفلسطيني، اتُّهمت حكوماته باتباع سياسة تُبقي الانقسام بين غزة والضفة الغربية قائماً، بما يضعف السلطة الفلسطينية ويُبعد احتمالات التوصل إلى…
السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ما إن تداولتْ بعض وسائل الإعلام الخارجية معلوماتٍ عن جنسية مساعد الطيار المتهم في حادثة طائرة "فلاي دبي"، قبل تأكيدها رسميًّا، حتى انبرت حساباتٌ على مواقع التواصل الاجتماعي للتبرؤ منه، وإلحاقه قسرًا بدولٍ أخرى، وُلِد أو نشأ أو أقام فيها! وكأن ثبوت التهمة يعني إدانةً مباشرةً لدولته، أو أن السلوك الفردي المنحرف ينعكس تلقائيًا على السمات الوطنية للبلد. وهذا تفكيرٌ تبسيطي وتسطيحٌ مُخِلٌّ يختزل أسباب التطرّف ودوافعه المعقَّدة، فالانحراف الفكري قد يكون نتاجًا لتفاعل عوامل نفسيةٍ واجتماعيةٍ وأيديولوجيةٍ معقّدة، وليس خصلةً جينيةً مرتبطةً بالعِرق أو الجنسية. فالجنسية رابطة انتماء، وليست شهادةً على سلامة الفكر أو انحرافه. والمسؤولية عن الجريمة فردية، لا تُورَّث للأوطان ولا تُحمَّل للشعوب. إن التطرّف والانحراف الأيديولوجي لا يمثّلان الهوية الوطنية للفرد، ولا يعبّران عنها بحال. ولا ننسى أن بلادنا الإمارات ذاتها - رغم تاريخها الطويل وعزمها الراسخ وجديتها الصارمة في مجابهة الفكر المتطرّف، ومحاربة الجماعات الإرهابية،…
الجمعة ٠٩ أكتوبر ٢٠٢٦
أطرح فى هذا المقال الرابع، حول «منظومة التعليم واللغة العربية»، قضيةً محورية لا تَقِل خطورة عن طبيعة المنظومة الإدارية والتمويلية فى التعليم المصرى، والتى يتعيَّن إعادة النظر فيها، كما طرحتُ فى المقالات السابقة. القضية التى تشغلنى هى أحوال معلِّم اللغة العربية، فإذا أردنا بحق الحفاظ على الهُوَية، والثقافة، والذائقة الجَمَالية، والتاريخ، والفِكر، والفنون المصرية والعربية؛ علينا الاشتغال على إعداد نموذج معلِّم اللغة العربية من جوانبَ شتَّى. حيث لا يمكن الحديث عن نهضة حقيقية للُّغة العربية فى المدارس المصرية، ولا عن الثقافة العامة للمجتمع، دون رد الاعتبار الحقيقى لمعلِّم اللغة العربية، الذى يُعَد الركيزة الأساسية فى أيِّ منظومة تطوير. يعانى معلِّمو اللغة العربية - فى المدارس الحكومية، فى مصرَ - من تدنِّى الأجور، مقارَنةً بحجم الأعباء المعيشية، مثلهم مثل معلِّمى المواد الأخرى فى المدارس الحكومية، مما يضطر الجميع للبحث عن مصادر دخْلٍ بديلة، وتحديدًا «الدروس الخصوصية»، أو العمل فى بعض المِهَن الأخرى، التى…