الإثنين ١٢ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ليست الأحداث التي تشهدها إيران اليوم الأولى من نوعها، فقد عرف الشارع الإيراني على مدى عقود موجات متكررة من الاحتجاجات والاضطرابات، إلا أن ما يميز المرحلة الراهنة هو حدّتها واتساع رقعتها، والأهم عمق أسبابها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في وقت تبدو فيه قدرة النظام على الاحتواء أضعف من أي وقت مضى. منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، تبنّى النظام سياسة قائمة على تصدير أيديولوجيته خارج حدوده، ليس بهدف التنمية أو بناء الشراكات الإقليمية، بل عبر دعم جماعات مسلحة وميليشيات في عدد من الدول العربية، تحت شعارات دينية وطائفية، كانت نتائجها الفعلية تخريب الدول، وإضعاف مؤسساتها، وإطالة أمد الصراعات. العراق، اليمن، لبنان، وسوريا، شواهد حيّة على هذا النهج، حيث تحوّلت هذه الدول إلى ساحات نفوذ وصراع بالوكالة، يدفع ثمنها المواطن العربي قبل غيره. في المقابل، كان الثمن الأكبر داخل إيران نفسها. فقد حُرم الشعب الإيراني من أبسط حقوقه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لصالح…
الإثنين ١٢ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في زمنٍ تُقاس فيه المجتمعات بمعدلات النمو، وتُختزل فيه فكرة التقدم في جداول الإحصاء ومنحنيات الناتج المحلي، بات السؤال الجوهري غائباً أو مُهملاً فيما تعنيه التنمية، وكيف بالتالي يقاس تحققها؟ إن هذا الاختزال التقني للتنمية حوّلها من مشروع حضاري إلى عملية حسابية، ومن رؤية إنسانية إلى سباق مؤشرات، تُراكم الثروة أحياناً، لكنها تُفرغ المعنى، وتُهمّش القيم، وتُضعف الإنسان بوصفه غاية التنمية لا وسيلتها. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بما يُنتَج، بل بما يُصان. لا تُختبر بكمّ الطرق والمباني، بل بنوعية العلاقات، وعدالة الفرص، وانتاجية العمل،ونزاهة القرار ،وكرامة الإنسان. هنا تتقدّم الأخلاق لا بوصفها خطاباً وعظياً أو ترفاً فكرياً، بل باعتبارها البنية العميقة التي تمنح التنمية معناها واستدامتها. فحيث تغيب الأخلاق، تتحول التنمية إلى قشرة براقة تخفي هشاشة الداخل، وتصبح الأرقام بديلاً مضللاً عن العدالة، ويغدو النمو الاقتصادي مصحوباً بتآكل الثقة، واتساع الفجوات، وضمور الشعور بالمسؤولية العامة. إن الأخلاق ليست إضافة خارجية لمسار التنمية، بل…
السبت ١٠ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ثمة أقوال "مأثورة" تنسب على وسائل التواصل الاجتماعي لغير قائليها، لكن ذلك قد لا يحدث ضرراً يذكر، وقد تجد صعوبة في البحث في كل كتب الكاتب لتتأكد من صحة القول، إنما يصبح الأمر ممكناً لو أنه كتاب واحد، ويستحق البحث لو أن الموضوع يخص شؤون حياتك والآخرين من حولك. لنتخيل أن كاتباً عظيماً ألف كتاباً واحداً، وضع فيه خلاصة ما يريد قوله، وأرسله إلى الناس متمنياً أن يقرأ بتعقل وتدبر، وأن تفهم مقاصده ومن ثم الالتزام بما جاء به، ولنفترض أننا رغم اهتمامنا بالموضوع لم نقرأ هذا الكتاب مباشرة، أو أننا قرأناه آلاف المرات إنما دون تمعن، واكتفينا بما قيل عنه، أو ما وصلنا من شروحات له، وبنينا كل تصوراتنا وردود أفعالنا وفق هذه الشروحات والأقوال لا على النص نفسه، هل سنكون قد أعطينا الكتاب حقه؟ هل سنكون واثقين بما فهمناه؟ ربما سنقول أن من سبقونا بتلقي الكتاب هم أجدر منا بفهمه،…
السبت ١٠ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: من كان يصدّق هذه الخاتمة لتحالفٍ كنا نتغنّى بقوّته وصلابة عوده، وبتماسكه وصموده أمام محاولات التفكيك وبث الفرقة؟! لكن .. حدث ما حدث! ولست هنا في معرض التحليل أو الدفاع، فثمّة من هم خيرٌ وأجدر بذلك على المستوى الرسمي، لكنني أنظر لتبعات ما يحدث في الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، ويزداد يقيني بأننا شعوبٌ عاطفية تفتقد الحكمة والرويّة أشدّ ما يكون الافتقاد! وأن هذه المنصات بيئةٌ خصبة لكل نافخٍ كير، ومرتعٌ لكل مزوّرٍ للحقائق، وحاشدٍ للغوغاء! انقلبت المواقف فجأة؛ فأُشهِرت سيوف الألسن، وانطلق رصاص الكلمات، وأصبح شعار المرحلة هو: العداء والتخوين! وبات أغلب روّاد مواقع التواصل الاجتماعي يتفننون في رصد المستجدات وتحليل الوقائع وتوزيع الاتهامات على وجه الجزم، وكأنهم يجلسون في غرفة العمليات! يستوي في هذا أصحاب الهوية الوهمية والهوية الحقيقية! حتى بعض العقلاء انحرفت بوصلتهم، ووقعوا في فخ هذا الهياج! ووسط كل هذه…
الجمعة ٠٩ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: قبل حوالي عشر سنوات، جاءتني صغيرتي، البالغة بالكاد ست سنوات، ساخطةً ومنزعجةً: ماما، انظري ماذا يقول أخي، يقول إن الماء الذي نشربه ربما مشت فيه الديناصورات! ناديت شقيقها، البالغ حينها بالكاد عشر سنوات: لماذا تزعج أختك بمثل هذا الكلام؟ أجاب بدهشة: لأنها الحقيقة، الماء هو ذاته منذ نشأة الأرض. قلت: كيف تقول هذا؟ هناك كل هذه البحار والأنهار والمحيطات والسحب، والأمطار التي تهطل من السماء! نظر نحوي تلك النظرة المتأدبة المشفقة عليَّ من محدودية ذكائي، وأردف: لكنه نظامٌ مغلقٌ داخل الغلاف الجوي، لا ماء يأتي من الخارج ولا يتسرّب. ذات الماء يتبخر ويتكثف ويهطل ويُنقّى ويُخزَّن.. والشيء ذاته بالمناسبة ينطبق على الهواء أيضاً.. دورة مغلقة داخل الغلاف الجوي، وخارجه فضاءً… فراغاً فقط! درسنا هذا الكلام مراراً وتكراراً، وقرأناه وشاهدناه في برامج علمية، لكن يبدو أن دماغي يمارس نوعاً من الدفاع الذاتي بتجاهل هذه الحقيقة الصارخة.. يصعب…
الخميس ٠٨ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: حين نطفئ الأجهزة ليومٍ واحد، تظهر حقيقتان قاسيتان: الأولى، أن وجودنا لم يعد يُرى بلا شاشاتنا. والثانية، أن الزمن سلعة تُشترى لمن يملك ثمنها. هناك من يطلب سيارة فتصله خلال ثلاث دقائق، ومن ينتظر الباص أربعين دقيقة تحت الشمس. هناك من يضغط زرًا فيصل الطعام إلى بابه، ومن يقضي ساعتين في المواصلات ليصل إلى عمله. هذا ليس "تقدمًا تقنيًا" فقط، بل إعادة صياغة للطبقية نفسها. التكنولوجيا لم تُلغِ الفوارق؛ بل أعادت توزيعها على الزمن. من يملك التطبيقات يملك السرعة، ومن يملك السرعة يملك جزءًا أكبر من حياته. أما البقية، فيدفعون عرقهم وتعبهم ثمن راحة غيرهم. كان الانتظار يومًا جزءًا طبيعيًا من الحياة. ننتظر الباص، ننتظر الطعام، ننتظر الرد. لم يكن الانتظار إهانة، بل زمنًا مفتوحًا للتأمل، للحديث، للملل. اليوم، أي انتظار يتجاوز دقيقتين يُعد فشلًا تقنيًا. لكن الانتظار لم يختفِ؛ لقد تغيّر موقعه. لم يعد تجربة مشتركة، بل عقوبة طبقية لا يعيشها…
الثلاثاء ٠٦ يناير ٢٠٢٦
قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بمناسبة مرور 20عاماً على تولي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، رئاسة حكومة الإمارات: «في مناسبة مرور عشرين عاماً على تولي أخي ورفيق دربي الشيخ محمد بن راشد رئاسة الحكومة الاتحادية، نحتفي بقيادة استثنائية ملهمة، ومسيرة حافلة بالإنجازات الوطنية، ورؤية تنموية رائدة لا تعرف المستحيل وتتوجه دائماً نحو المستقبل. حفظ الله بو راشد وبارك في عمره لنواصل العمل معاً من أجل تحقيق طموحات الإمارات التي لا تحدها حدود في التقدم والتنمية، وصنع المستقبل الأفضل والأجمل لشعبها». كلمات صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، جاءت معبرة بعمق عن هذه المرحلة، وأن ما تحقق خلال عقدين يعد مشروعاً وطنياً متكاملاً صنع تحولاً نوعياً في مسيرة الإمارات. اليوم يقف الوطن بكل فخر وامتنان أمام مسيرة قيادة استثنائية، أعادت تعريف العمل الحكومي، ورسخت مفهوماً جديداً للتنمية يقوم…
الإثنين ٠٥ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في كتاب كثيف يضمّ ثلاثمائة وسبعة وستين صفحة، أطلقت الشيخة بدور القاسمي إصدارها أثرًا مَجَازيًّا استعاريًّا يُتلى بلسان أنثويّ مُبين. وقد وَسَمَت الكتاب بـ"أخبروهم أنّها هنا: بحثًا عن ملكة مليحة". وقُسِّمَ الكتاب إلى أحدَ عشرَ فصلاً وخاتمة ومرفقات أخرى والتمهيد والمقدمة. وقد استهلّت الكتاب بفضاء مجازيّ مُكثَّف يستعيرُ أصابع الضوء وصورا مُبتكرة ويَهمسُ في أذن الوجود. فتنساب الحكمة الأولى من رحم الأرض ويتسعُ الممكن للأصوات القادمة من البعاد وتتصاعد في الأحقاب ذاكرة وأبديّة. يَشدّك هذا الفضاء منذُ البداية، إذ يجدُ القارئ نفسه أمام تمهيد أشبه بالسير بين العوالمِ يُعلنُ منذُ البدء أنّ البدء ما عليه الكتاب. وهو "نسيج نورانيّ" حاكتهُ بخيوط الذّاكرة والأسطورة. هي لعبة أتقنها أسلافنا القدامى ببراعة الأبرار، وأفلحَ في رَتْق مقاليدها أبناء الوجود. تقول: لا بدّ من الإصغاء للحكايات القديمة والصور والاستعارات وأصداء الآلهة المعرفة المُتشعبة والمُتشابكة. ألم يقل لنا أرسطو حكمة مفادها: " أنْ تكونَ بارعًا…
الإثنين ٠٥ يناير ٢٠٢٦
في اللحظات المفصلية من تاريخ الأزمات، لا تبحث الدول الواثقة عن التصفيق، بل عن القرار الصحيح.. وهنا تتجلى قيمة القرار الإماراتي حيال التطورات الأخيرة جنوب اليمن. إنه قرارٌ كتب بلغة السيادة، وبمداد الحكمة، ويحفظه الإماراتيون في ذاكرة الإنجاز الوطني، وينظر إليه العالم باعتباره أحد ملامح حكمتنا وواقعيتنا. إنه قرار يُجسِّد خلاصة مسارنا الناضج، ويعكس نهجنا الثابت، الذي اتخذ من اختيار التوقيت وحسن التقدير عنواناً للقوة، لا موضعاً للتبرير. قرار يستمدّ وزنه من سجلّ مشهود، لا من ردودٍ عابرة، ويُقرأ بوصفه امتداداً طبيعياً لحضورٍ أدّى واجبه كاملاً، ثم أنهى دوره بثباتٍ واتزان. فبعد سنوات طوال، جاء سحب القوات الإماراتية القليلة المتبقية في اليمن، استجابة لطلب رسمي، وفي توقيت دقيق، وبعد حضور مشرف.. حضور لم يكن عابراً ولا هامشياً، بل فاعلاً وحاسماً ومسؤولاً، تحمّل الكلفة، وأدّى الواجب كاملاً. حضورٌ ترك أثره، ثم أنهى دوره بثقة نابعة من عقيدة دولة تعرف إلى أين تذهب، ومتى تتقدّم، ومتى تقف.. كل ذلك دون ضجيج أو…
السبت ٠٣ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: جاءتني ابنتي منذ بضع سنوات تحمل رغبتها في عمل حسابٍ على أحد مواقع التواصل.. سألتها: ماذا ستنشرين؟ قالت: عادي، أي شي. قلت: لا ما عليه، حددي هدف ومادة تفيد الناس، ثم نتناقش. كان هذا رأيي دائمًا فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي؛ فليس الهدف مجرد إنشاء حساب، وإنما ماذا سننشر عبر هذا الحساب. وهذا يقودني لرصد ظاهرة أستطيع تسميتها بـ (حُمّى الظهور)، والحقيقة أن هذه الحُمّى التي أصابت الكثيرين هي التي أنتجت كل الـ (أي شيء) الذي يطغى على الفضاء الرقمي. وإلا ما الذي يدفع صبيًا في العاشرة إلى أن ينشئ حسابًا جلُّ محتواه وهو يتهيّأ للخروج، فيرافقه متابعوه وهو يلبس ثوبه ويتعطّر ويتعصّم ثم يخرج؟! وما الذي يدفع أحدهم، بعد أن كان يرافق زوجته في مقاطعها على تيك توك، أن يقرر(الاعتماد على نفسه ويبنى ذاته بذاته) فينشئ صفحةً مستقلةً باسمه؟! وما الذي يدفع إحداهن…
الخميس ٠١ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: دخلوا عدن فحرروها من الميلشيات الحوثي، واستشهد من استشهد من أبطال الإمارات، في عملية لا يُقدم عليها غير الرجال الذين وهبوا أرواحهم لنصر من استنجد بهم فلبوا النداء، شكّل الحضور الإماراتي في اليمن أحد النماذج المركّبة للتدخل الذي جمع بين البعدين الأمني والإنساني، حيث لم تقتصر مشاركة القوات الإماراتية على الميدان العسكري فحسب، بل امتد دورها إلى تخفيف الأعباء الإنسانية التي فرضتها الحرب على السكان المحليين. ففي مناطق متفرقة، ترافقت العمليات الأمنية مع جهود إغاثية وتنموية أعادت تشغيل مرافق حيوية وأسهمت في استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة اليومية، في ظل واقع إنساني بالغ التعقيد. وعلى الرغم من تشابك المشهد السياسي واختلاف مقاربات الأطراف المحلية، ظل الحضور الإماراتي مرتبطًا باعتبارات الاستقرار وحماية المجتمعات من الانهيار المؤسسي، وهو ما أفرز أدوارًا تجاوزت منطق التحالفات التقليدية إلى مقاربة أكثر براغماتية تراعي خصوصية الجغرافيا اليمنية وحساسية النسيج الاجتماعي، وفقًا لما تعكسه قراءات متعددة للمشهد. …
الأربعاء ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥
ليست القرارات السيادية في الشؤون العسكرية بيانات عابرة، بل لحظات فاصلة تكشف فلسفة الدولة في إدارة الأزمات، وحدود أدوارها، ومعنى التزامها الإقليمي. ومن هذا المنطلق، جاء بيان وزارة الدفاع ليضع الأمور في سياقها الصحيح، ويؤكد أن الحضور الإماراتي في اليمن كان ولا يزال محكوماً بالمسؤولية، لا بالتصعيد، وبالواجب، لا بالامتداد المفتوح. فمنذ انضمامها إلى التحالف العربي عام 2015، شاركت دولة الإمارات ضمن إطار واضح ومعلن، وهو دعم الشرعية في الجمهورية اليمنية، والمساهمة في الجهود الدولية لمكافحة التنظيمات الإرهابية، والعمل من أجل أمن اليمن واستقراره. وقد قدّمت الإمارات، في سبيل هذه الأهداف، تضحيات جسيمة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار المنطقة مسؤولية جماعية لا تُدار بالشعارات، بل بالفعل المنضبط. وحين أعلنت الإمارات في عام 2019 إنهاء وجودها العسكري في اليمن، بعد استكمال المهام المحددة ضمن الأطر الرسمية المتفق عليها، كانت تؤسس لنهجٍ مختلف في إدارة الأزمات، نهج يعرف متى يبدأ الدور، ومتى يكتمل، ومتى يتعيّن…