خاص لـ هات بوست:
قدمت اللغة العربية عبر تاريخها الطويل جهوداً فاعلة في نقل المعرفة وتكوين الوعي الحضاري، وشكّلت وسيطاً معرفياً لتداول العلوم والفلسفة والدين ومختلف الثقافات، وأسهمت في بناء نسق فكري تفاعلي بين الإنسان ومحيطه، كما أن بنيتها العميقة مكّنتها من التكيّف مع المتغيّرات الثقافية والتاريخية، والاستمرار في أداء وظيفتها التكوينية في بناء الذات العربية، ولهذا فإنه”كلما تعمق المرء في دراسة العربية تجلت له أمور جديدة، واتسعت أمامه الآفاق وثبت له أن القرون الوسطى لم تعرف الأمم القديمة إلا بواسطة العرب، وأن العرب هم الذين مدنوا أوروبا في المادة والعقل والخلق”.
ومثّلت اللغة العربية إحدى أبرز اللغات الحية في العالم، ولهذا فإنّ ” انتشارها يُعد من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، كما يعد من أصعب الأمور التي استعصى حلها”، وشكّلت تأثيراً محورياً في نقل الثقافة عبر العصور، حين ازدادت التحديات الناتجة عن التنوع الثقافي، كما برزت أهمية اللغة العربية لكونها وسيلة لتعزيز التفاهم والتسامح بين الشعوب، بما تحمله من تراث غني يعكس قيماً عالمية مشتركة مثل السلام والحوار والتعاون.
وترتبط اللغة العربية بتاريخ طويل من التواصل الحضاري وتشكيل الوعي الجمعي للأفراد والمجتمعات، وأسهمت -منذ تشكّلها المعجمي والبياني المبكر-في بناء فضاءات دلالية تُعلي من شأن القيم الأخلاقية، وفي مقدمتها التفاهم والتسامح، فالنصوص التأسيسية للثقافة العربية، من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف إلى التراث البلاغي والفلسفي، شيدت رؤية لغوية-إنسانية تجعل اللغة أداة لتأكيد العلاقات الاجتماعية، وإنتاج خطاب يوازن بين الاختلاف والائتلاف.
وتعد اللغة العربية من أهم اللغات التي أسهمت في تعزيز التفاهم الثقافي عبر التاريخ، فقد شكّلت فاعلاً مركزياً في العصر الذهبي الإسلامي حيث ترجمت العديد من الأعمال العلمية والفلسفية من اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية، مما أثرى التفاعل بين الحضارات، كما مثلت العربية جسراً معرفياً أدى إلى تكوين تراث مشترك أسهم في بناء الحضارة الإنسانية، كما أن دعم تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها شكل حجر الزاوية في تعزيز مكانتها العالمية، وأسهم في تقليل النزاعات الثقافية وتعزيز التواصل الفاعل بين الشعوب، ولهذا فالواجب تضافر الجهود من خلال تقديم برامج تعليمية مبتكرة تشمل الثقافة العربية بأبعادها الإنسانية، لتشكّل وسيلة نافعة ومباشرة لنقل القيم التي تنادي بالتسامح والتعاون بين الشعوب.
وذهبت اللسانيات الاجتماعية إلى أنّ اللغة بنية قيمية تُسهم في تشكيل السلوك الاجتماعي، وأكد عالم الاجتماع هابرماس أنّ الخطاب اللغوي يُنتج (عقلانية تواصلية) قوامها الفهم المتبادل، وهذا المفهوم ينسجم مع الرؤية العربية التي تؤكد أن اللغة ممارسة أخلاقية تتجاوز الوظيفة الإبلاغية إلى وظيفة بناء المعاني المشتركة.
وتؤكد الدراسات السوسيولغوية الحديثة أنّ المجتمعات التي تمتلك خطاباً لغوياً إيجابياً قادرة على بناء مساحات أكبر للتسامح والتقبل، وبما أنّ اللغة العربية حفظت في عمقها الأخلاقي هذا النوع من الخطاب، فإنها -لا شك- تسهم في بناء شخصية اجتماعية تميل إلى المودة والاحترام.
من هذا المنظور، تصبح العربية-بما تمتلكه من ثراء معجمي وتراكيب حجاجية-فضاءً لإنتاج خطاب يُرسِّخ ثقافة التسامح ويُحسن إدارة الاختلاف، ناهيك عن أنّ اللغة العربية تمتلك -بما تحمله من عمق دلالي، ورؤية أخلاقية، وتاريخ من الحوار-قدرة فريدة على تعزيز التفاهم والتسامح بين الأفراد والمجتمعات، بحكم أنها تُعد أفقاً حضارياً يُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان والآخر.
وإذ تواجه المجتمعات العربية اليوم تحديات التوتر الثقافي، يصبح الاستثمار في العربية ضرورة حضارية وثقافية وتاريخية ملحة، وما ذاك إلا لكونها تمثّل لغة الحوار والتفاهم، قادرة على إعادة بناء المعنى المشترك، وتأسيس مستقبل قائم على التعايش واحترام التنوع والاختلاف، ناهيك عن أنّ قوة العربية تكمن في قدرتها على الاستمرار رغم التحولات، وعلى التجدّد دون فقدان بنيتها الحضارية العميقة، ومن ثمّ فإن تعزيز حضورها في المجتمع المعاصر يتطلب الدمج بين التمكين الاجتماعي والسياسات اللغوية، وبين تثمين الإرث الثقافي وتحديث أدوات التعبير.
