إعادة بناء العقل النحوي في البيئة الذكية

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     تخيلوا معي طالباً يسأل أستاذه: لماذا نصبتَ كلمة (زيداً) في قولك: إنَّ زيداً قائمٌ؟ فيجيبه الأستاذ: لأنها اسم (إنَّ)، وإنَّ وأخواتها تنصب الاسم وترفع الخبر كما تقرره قواعد النحو العربي، ثم يطرح الطالب السؤال نفسه على أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي، فيحصل خلال ثوانٍ على الإعراب، والقاعدة، والأمثلة، والتدريبات، -هنا- يبرز سؤال منطقي: حين تغدو الآلة قادرة على تقديم القاعدة والإعراب والشرح، فما الذي بقي لك يا معلم النحو؟ الإجابة -في نظري- ليست في الاستغناء عن المعلم، ولا في التسليم المطلق للآلة، وإنما في الانتقال من تعليم النحو المعتمد على مجموعة من الأحكام الجاهزة إلى تعليمه ليشكل نظاماً للتفكير والتحليل والتفسير والاستدلال وإعمال الذهن بطرائق إبداعية، فالذكاء الاصطناعي ربما يخبرنا أن الكلمة منصوبة أو مرفوعة أو مجرورة، لكنه لا يضمن أن المتعلم قادر على التعليل أو فهم السياقات المختلفة، أو أنه أدرك اختلاف النحاة، أو استوعب العلاقة بين التركيب والمعنى، ومن -هنا- فإنه ينبغي في تعليمنا النحو أن نركز على نقل المتعلم من الاهتمام بحفظ القاعدة إلى متعلمٍ يناقشها ويختبرها ويكتشف حدودها، ليجمع بين التنظير والممارسة الهادفة إلى التعلم.

     تتجلى الأزمة الحقيقية إذن في الفجوة بين (معرفة القاعدة)، و(القدرة على توظيفها)، فالطالب-مثلاً- يتلقى القاعدة في صورة مجردة، يعرف أن (نائب الفاعل مرفوع) و(المفعول منصوب) و(الحال لا يكون مرفوعاً) و(البدل يتبع المبدل منه) وهكذا، لكنه لا يدرك كيف يُبنى المعنى في هذا التركيب داخل خطاب مباشر، ولهذا يقع غالباً في أخطاء في الإعراب، واضطراب في تركيب الجملة، وضعف في استعمال الروابط بين المكونات، أي أنه رغم معرفته النظرية لم يصل إلى مرحلة (المهارة) في التطبيق، وهذا ليس قصوراً فردياً، بل نتيجة مباشرة لنمط تعليمي يفصل بين القاعدة وسياقها التداولي والواقعي.

     دعني أعود لأركز على ما بدأتُ به فأقول: ماذا يحدث للنحو العربي حين تصبح الآلة قادرة على إعراب الجملة في ثوانٍ، بينما يحتاج الطالب إلى سنوات حتى يتقن هذا الإعراب وربما لا يظفر منه إلا بشيء يسير؟ هل يعني ذلك أن المعرفة النحوية قد فقدت قيمتها؟ وهل أصبحت القدرة على الإعراب مهارة يمكن الاستغناء عن تعليمها؟ أو أن هذه التحولات تضعنا أمام فرصة تاريخية لإعادة اكتشاف ما ينبغي أن يكون عليه تعليم النحو؟

     الإجابة عن هذه الأسئلة تستدعي أن نميز منذ البداية بين أمرين كثيراً ما يجري الخلط بينهما حتى بين المتخصصين: المعرفة بالحكم النحوي، والمعرفة بكيفية بناء هذا الحكم، فحين نقول -مثلاً- إن هذه الكلمة مرفوعة لأنها فاعل، أو منصوبة لأنها مفعول به، أو مجرورة لأنها مسبوقة بحرف جر، نقرر -هنا- حكماً نحوياً مبنياً على واقع التركيب وعلاقات ألفاظه، ولكن حين نسأل عن أدلة الفاعلية، أو المفعولية، وعن علاقة اللفظ بالمعنى، وعن إمكان توجيه التركيب وإعرابه بصورة أخرى ، وعن الدليل الذي يمنع وجهاً ويجيز غيره، فإننا حينئذ ننتقل من مستوى المعرفة التقريرية إلى مستوى التفكير النحوي الإبداعي، الذكاء الاصطناعي لا يهدد النحو العربي من حيث هو علم، ولكنه يضع بعض طرائق تدريسه أمام اختبار جاد، لأن التعليم الذي يكتفي بطلب إجابات تستطيع الأنظمة الذكية إنتاجها بسهولة يحتاج إلى مراجعة أهدافه وأساليب تقويمه.

     ومع ذلك فإني أرى أنه لا ينبغي أن نبالغ في قدرات هذه الأنظمة، إذ أظهرت دراسات عدة استمرار جوانب قصور مهمة في أداء عدد من النماذج اللغوية، وهذا يقتضي أن يكون توظيفها التعليمي قائماً على الاختبار والتحقق، لا على افتراض العصمة التقنية (التحقق أولاً).

     ولذا فإن مستقبل تعليم النحو العربي ليس في الانتقال من النحو البشري إلى النحو الآلي، وإنما في الانتقال من تعليم الأحكام إلى تعليم صناعة الأحكام (التفكير والتحليل)، وحين نعود إلى تاريخ النحو العربي، نجد أنفسنا أمام تجربة علمية بالغة العمق، إذ ركزت على جوانب دقيقة: كيف تُستنبط القاعدة؟ وما حدود القياس؟ ومتى يقدم السماع؟ وكيف تُفسَّر الظواهر الخارجة عن الغالب؟ وبأي دليل يُرجَّح مذهب على آخر؟ هذه الأسئلة تكشف أن النحو العربي كان -في أحد أبعاده الأساسية- علماً يعتمد على الاستدلال والتفكير النقدي البارز.

     الواقع الحالي يُشير إلى أن بعض الممارسات التعليمية الحديثة قد اختزلت هذه البنية الاستدلالية(التراثية) العميقة في حشو أدمغة الطلاب بالقواعد والتقسيمات وحفظ المصطلحات، فالطالب -مثلاً- يعرف أن الفاعل مرفوع، لكنه قد يعجز عن تمييز الفاعل حين يتقدم عليه المفعول به، ويعرف أن الحال منصوبة، لكنه قد يتردد في التفريق بين الحال والتمييز حين تتقارب بعض صورهما، ويعرف أنواع المفاعيل، لكنه لا يستطيع التمييز بينها في النصوص المطولة، وسؤالي الآن:

     هل المشكلة في صعوبة النحو، أو في أننا نركز على ما آل إليه التفكير النحوي من قواعد وقوانين، ولا يهم معرفة طرائقه؟، لست أقصد من كلامي هذا التقليل من أهمية حفظ القاعدة، فالضبط المعرفي ضرورة، والمصطلحات والأحكام أدوات لا غنى عنها، وإنما أقصد أن حفظ القاعدة ينبغي أن يكون ضمن برامج التعلم، لا نهايته.

     يبدو لي أن الذكاء الاصطناعي في بعض تطبيقاته قادر على ممارسة أنشطة تشبه عمل النحوي، فهو يعرب الجملة، ويذكر القاعدة، ويستحضر أمثلة، ويعرض أحياناً أكثر من وجه جائز في الإعراب أو الصياغة، لكن التشابه في المخرجات لا يقتضي التطابق في طبيعة العملية المعرفية، وهذه نقطة منهجية أساسية وعلامة فارقة، لأن النحوي حين يبني حكماً يستطيع أن يحتج بالسماع، وأن يناقش القياس، وأن يستدل بنظائر التركيب، وأن يجيب عن الاعتراضات، أما النموذج اللغوي التوليدي، فينتج إجابته اعتماداً على تمثيلات وأنماط وتشابهات تقريبية تعلمها أثناء التدريب والتطوير، وربما كانت إجابته صحيحة أو مقاربة للشائع الجائز، أو الجائز على لغة دون غيرها، لكن التفسير الذي يولده لا ينبغي أن يُعد موثوقًا دون فحص وتثبت، نحن نحتاج-إذن- من الذكاء الاصطناعي أن يقدم لنا: حكماً صائباً، وتعليلاً دقيقاً، وكلاماً موثوقاً، ربما أعرب لنا كلمة إعراباً صحيحاً، لكنه قد يقدم تعليلاً غير منطقي، وقد يقدم لنا حكماً وتعليلاً دقيقاً، ثم ينسبه إلى نحوي ليس من مذهبه هذا الكلام، أو لم يُعهد عنه مثل هذا التوجيه، وقد يقدم وجهاً إعرابياً صحيحاً، لكنه يصفه بأنه الوجه الوحيد في المسألة، مع وجود أوجه أخرى يجيزها السياق، وربما تكون أنسب وأقوى مما ذكر.

     هذا التمييز مهم للغاية في تدريس النحو للطلاب والمتعلمين، لأن الطالب قد يعجبه بلاغة التفسير وجودة سبك الآلة، فيظن أن تماسك العبارة دليل على صحة الحجة، ولهذا أصبحت إحدى المشكلات التعليمية الجديدة هي الفجوة بين صحة الجواب والثقة بالناقل.

     لذا فواجبنا إعادة صياغة مهمة الأستاذ الجامعي، إذ لم يعد عمله مقصوراً على تقديم المعلومات التي يفتقر إليها الطالب، بل أصبح مطالباً بتعليمه كيف يفحص المعلومات التي تصل إليه، وكيف يفرق بين النقل الموثق والنص المصنوع، ولا يعني هذا أن ذلك لم يكن من واجباته قبل الذكاء الاصطناعي، وإنما يعني أن الحاجة إليها أصبحت أشد إلحاحاً مع سهولة توليد النصوص، وهكذا يتحول الذكاء الاصطناعي من منافس (ظاهري) للمعلم إلى فرصة لتأكيد الوظيفة النقدية للتعليم الجامعي.

     في الختام لا أشك أن مستقبل تعليم النحو العربي إنما يحصل في تعليمٍ يجمع بين أصالة المعرفة النحوية وفاعلية الأدوات الحديثة، كما أن غايتنا ليست في أن يتعلم الذكاء الاصطناعي كيف يُعرب ويُؤسس ويضع القواعد المنظمة للكلام نيابة عن النحوي أو المعلم، وإنما أن نتعلم نحن كيف نوظفه لبناء متعلم قادر على التحليل والتعليل والاستدلال، والنقد الهادف الرصين.