الرؤية والأبعاد الحضارية: قراءة في (رسالة إلى أبناء الخليج) لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من الوعي إلى الإنجاز

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     تعد رسالة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نصاً خطابيّاً مفتوحاً يجمع بين السرد والاستنهاض، ويتأسس على لغة وجدانيّة عميقة الأبعاد، تتخللها مفردات الهويّة والانتماء والتاريخ والجغرافيا، والسياق هو اللحظة الخليجيّة الراهنة بكل ما تحمله من إنجازات تنمويّة وتحديّات إعلاميّة وسياسيّة، وما تفرضه من أسئلة حول مستقبل التكامل الخليجي، مما يمنح الرسالة طابعاً فورياً وعلنياً.

     وتنطوي هذه الرسالة على خطاب وجداني ذي نبرة عالية ، يتجاوز الوصفَ العابر إلى إنشاء ميثاق رمزي ممتد في الزمان والمكان والدم والقربى، وتتجلَّى قوّتها في مستويات متشابكة من البناء والبلاغة والدلالة، فمن حيث البنية قامت عبارات سموه على تواز تركيبي محكم، حيث يقف النصُّ موقفَ الحاضر الثابت الذي لا يحتاج إلى إنشاء، وكأنَّ الرسالة قائمة بذاتها، حاضرةٌ لا يُنشئها فعل ولا يحدُّها زمن، أما من حيث التصعيد الدلالي: فتنتقل العبارة من الحلم الذي يشكل المستقبلَ والطموحَ الداخلي، إلى التاريخ بعمقه وجذوره الضاربة في الامتداد، ثم إلى الجغرافيا بوصفها المكانَ والامتداد، ثم إلى الأنساب التي تمثل الدمَ والأصل، ثم إلى القرابة بوصفها الوشائجَ الاجتماعيةَ الراسخة، فكأنَّ سموه يرسم دائرةً لا يُفلت منها طرف، ويُحيط العلاقة بكل أبعادها الزمانية والمكانية والبيولوجية والاجتماعية، كما لا يترك لانفصالٍ ثغرةً، ولا لانقطاع سبيلاً، أما من حيث الصفات: فجاءت غالب صيغها مطلقة: “الأجمل”، “الواحد”، “الممتدة”، “المشتركة”، “الراسخة” لتنفي الشكَّ والتعدُّد والحدود، وتمنح النصَّ إحساساً بالحصانة واليقين، فالحلم “الأجمل” لا يُقارن، والتاريخ “الواحد” لا يتفرَّق، والجغرافيا “الممتدة” لا تنحصر، والأنساب “المشتركة” لا تنفصل، والقرابة “الراسخة” لا تتزعزع، أما الوظيفة الخطابية فلم تكن كلمة (رسالة) في مطلعها اختياراً مؤقتاً، وإنما إعلان يتضمن التزاماً، مما أحال الكلامَ من الإخبار إلى العهد، ومن الوصف إلى الاعتراف بالجميل والانتماء.

     وهكذا تنتقل العلاقة عبر هذا النسيج البلاغي المتلاحم، من صلة تُقال إلى حقيقة ممتدة في الحلم والتاريخ والجغرافيا والدم والقربى، لا تُختصر في لحظةٍ ولا تُحَدُّ بحدٍّ، بل تظلُّ شاهدة على عمقٍ لا يمكن قياسه، ليتجاوز سموه حدودَ الرسالة الفرديّة إلى إنشاء خطاب عابر للأجيال، وتتجلَّى كثافتها البلاغية في تشابك مستويات البناء والدلالة تشابكاً محكماً، فيقف المتكلم موقفَ الحاضر الثابت الذي لا يحتاج إلى إنشاء، وينتقل من البحر الحاضنَ الجغرافيَّ الأول، إلى الصحراء ذلك الفضاء البري الفسيح الضامّ، ثم إلى الخليج بوصفه الإطارَ الإقليمي الحاضنَ للهوية، ثم إلى أبنائه وأجياله ومثقفيه ومفكريه، لأنهم الامتداد البشري والفكري لهذه الجغرافيا، فكأنَّ المتكلم يرسم دائرةً تُحيط بالماء والبر والإقليم والإنسان، فلا يترك لبُعدٍ مكاناً إلا وأدرجه في نسيج الانتماء.

     انتقى سموه في رسالته صيغاً حرة، اختارها عمداً لتنفي التعدُّدَ والضيقَ والحدودَ، الأمر الذي منح النصَّ إحساساً بالوحدة والانعتاق معاً.

               رسالة عمادها الاستنهاض الذي جاء بصيغة “النداء” «إخواني وأخواتي أبناء الخليج»، حذف أداة النداء للتأكيد على قُربِ المنُادَى من قلْبِ المُتحدث، لذا لم يقف سموه عند حدِّ تحديد المتلقي، وإنما تجاوز ذلك إلى بناء علاقةِ قرابة ووجدان قبل الطلب، إذ تنقل صيغةُ «إخواني وأخواتي» الخطابَ من العلنية الرسميّة إلى الحميميّة الاجتماعيّة، مما يحوَّل الطلب اللاحق من أمرِ مسؤولٍ لرعيّته إلى التماسِ أخٍ لأخيه، مما أضفى على الخطاب مشروعيةً عاطفيةً تُسهِّل الاستجابة، ولا يتوقف أثرُ هذا النداء عند لحظةِ وروده، وإنما أضحى إيقاعاً يوقظ المتلقي ويستدعيه باستمرار إلى ساحة الخطاب، ويُبقي أواصر الأخوّة حاضرةً في كلِّ انتقالٍ دلالي بعده.

     ويمضي سمو الشيخ محمد بن راشد في رسالته ليثبت شرعية بعض الثوابت ويفند ما ترسخ في الضمير الجمعي، أو بعبارة أخرى مما أشاع الإعلام وروَّج له، في مفارقات حادَّةٍ تُبنى على فعل النفي والاستدراك، فتُقرِّر أنَّ ما يجمع -من جغرافية وتاريخ ودم- أرسخُ ممَّا يُفرِّق، وأنَّ الإعلامَ -على سطوته- لا يملك أن يُلغِي ما عقدته الأرضُ والذاكرةُ والنسب، وبُنيت الجملةُ على تقسيم ثنائي محكم: “لن تجمعنا” في الشقِّ الأول، و “تفرِّقنا” في الشقِّ الثاني، جاعلاً -بصورة استعارية- المكانَ والإعلامَ قوى فاعلة ذات إرادة، ويُحمِّل المسؤولية للفضاءات لا الأفراد، فيُخفِّف عن المتلقِّي عبء اللّوم ويُوجِّهه نحو الإصلاح، وعبّر سموه  بلفظ (ساحات) مرتين، فالتكرارُ -هنا- ليس حشواً، بل هو توازٍ يُبرز التقابلَ بين ساحةٍ جامعة أصيلة وساحة مفرِّقة طارئة، ويؤكِّد أنَّ التفرقة عارض لا أصل، واستعمل أداة النفي (لن)، ليجعل النفي مؤكَّداً وممتداً في المستقبل، ويُعزِّز هذا التوكيد بناء الجملة على التقديم والتأخير، فقد قُدِّم ما يجمع وعُطف عليه ما يفرِّق بـ “الواو” التي تُفيد الجمعَ ، ثم جاءت “وتفرِّقنا” لتُحدث صدمة دلاليّة تُنبِّه المتلقِّي إلى المفارقة.

     وفي هذه (الرسالة) يتحدَّث سمو الشيخ بلسانِ مَن يملكُ تشخيصَ الداء وتحديد المسؤول، فهو يُسمِّي الجمعَ والتفريقَ تسمية حاسمة، ويُوزِّع الأدوار بين الجغرافيا والتاريخ والدّم من جهة، والإعلام من جهة أخرى، فهو في موقعَ الحَكَمِ العارفِ بموازين الأمور، ذلك الموقع الذي أكسبه سلطة خطابية مستمدَّة من الوضوحِ والثقةِ ، فأضحى كلامُه أقربَ إلى العهدِ منه إلى الرأي، وتشخيصاً عوضاً عن الوعظ، وبحكم خبرة سموه وأسلوبه القريب من القلوب فإن المتلقي ليس أمامه سوى الاقتناع إدراكاً منه بأن التفريقَ الإعلامي عارض لا يعكسُ حقيقةَ الجمعِ الأصيل، كما ركزت عبارات (الرسالة) على التحفيز حين يُدرك المتلقي بأنه طرف في الموضوع، وليس مجرد متلقٍ للخطاب.

     وحملت الرسالة أبعاداً حضاريّة عميقة، ورسمت مساراً للتحول الحضاري الخليجي من البداوة والبساطة والاعتماد على اللؤلؤ والصيد، إلى الحداثة والعولمة والاستثمارات الضخمة والملاحة الدولية، وكان سموه لا يفصل بين المادة والإنسان، بل يربط بين «بناء الثروات» و«بناء الإنسان»، وهو ربط دالّ على وعي حضاري متوازن يرفض اختزال التقدم في الجانب الاقتصادي، ويرتفع النص بالهوية الخليجية إلى موقع الاعتزاز، مؤكداً أن الحداثة لم تُفقد أبناء الخليج هويتهم القوية وثقافتهم المتفردة وأصالتهم المتميزة، وإنما ظلت هذه العناصر راسخة وحاضرة في قلب التحول، بما يجعل الخليج كياناً حضارياً ممتداً ومتكاملاً،  وليس مجرد كيانات سياسية منفصلة، وبهذه الصورة يمكن أن تحقق الرسالة في جوهرها مشروعا فكرياً يدعو إلى إعادة النظر في مفاهيم الوحدة والقوة والاختلاف والتكامل، كما تتأسس الرسالة على فكرة مركزية مؤداها أن «الكل أقوى من مجموع الأجزاء»، وهي فكرة تستدعي منطق التكامل، والتعاون، وإدارة الاختلاف ، وحرص سموه على توضيح أن حديثه ليس دعوة إلى اتحاد سياسي بين دول الخليج، وليس تجاهلاً لخصوصية تجاربها، بل دعوة إلى التقارب والتعاون وإدارة الاختلافات وتقوية المؤسسات وتنسيق الجهود، وهذا ينسجم مع قوله: «القوة ليست أن نكون نسخة واحدة، بل تجارب متنوعة تخلق زخماً حضارياً جديداً»، ولم ينسَ سموه أن يؤكد بأن الوحدة الحقيقية هي وحدة القلوب والغايات والمصائر وليست وحدة الحدود والنسخ المتماثلة، وأن الأنهار المختلفة حين تصب في بحر واحد لا تفقد أسماءها، بل تخلق محيطاً من الفرص.

         وتتجلى الذروة الحضارية للرسالة في استعارة الشجرة حيث: «الخليج شجرة عظيمة تعدّدت أغصانها، وزانت ثمارها، وازدهرت ظلالها، لكنّ أصلها واحد، وجذرها واحد، وماءها واحد، ومصيرها واحد بإذن الله»، وهذه الاستعارة تحمل فلسفة حضارية كاملة: فالأغصان المتعددة ترمز إلى تنوع التجارب الخليجية وخصوصية كل دولة، والثمار اليانعة ترمز إلى الإنجازات المتحققة، والظلال الوارفة ترمز إلى الأثر الحضاري الممتد، وبهذا تقدم هذه الصورة الاستعاريّة تصوراً يقوم على «الوحدة في التنوع» لا «الوحدة في التماثل».

     كما تعيدُ الرسالة تأسيس مفهومِ الهوية الخليجية على قاعدة التعايش ، حين يقرِّر أنَّ أبناء الخليج «استطاعوا بناء الإنسان، وترسيخ محبة الأوطان، وتعزيز قيم التعايش والتسامح مع جميع من زارنا، وعمل معنا، وشاركنا في رحلتنا»، عبارة سموه عميقة المقصد والغاية فهي لم تكتف بذكر التعايش مجرَّداً، بل أضافت إليه التسامح، ثم قيدتْه بثلاثةِ أوصاف دالَّة: «مَن زارنا» و«عمل معنا» و«شاركنا»؛ فكأنَّها ترسم دائرة متدرِّجة للآخر: زائر عابر، ثمَّ شريك في العمل، ثمَّ رفيق في الرحلة، فلا يُستثنى أحد من دائرة التعايش مهما اختلف أصلُه أو دينُه أو جنسيتُه، و-هنا- يظهر الفارق الجوهري بين خطابين: خطاب يرى في تعدُّدِ الجنسياتِ والثقافات «مصدراً للأفكار الدخيلة»، وخطاب يُعيد تأطير هذا التعددِ ليصنع منه فرصةً للتعايش، ويقدم سموه في رسالته فكرةً مركزية أخرى تُعيد ترتيبَ علاقة النهضة والتقدم الحضاري بأسبابه، مشيراً إلى أن النهضة مرهونة بعواملَ ذاتية، وذلك حين يقرِّر سموه أنَّ «المستحيلات» إنما تصير «مشاريعَ لم تبدأ بعد» متى تقاربت طموحاتُ الخليج وثرواتُه وهمَّة أبنائه، وبعمق نظرته الثاقبة يربط سموه بين ثلاثة عناصر ربطاً محكماً لتحويل المستحيل إلى واقع: “الطموح“، و”الثروة“، و”الهمَّةَ“.

         وتتجاوز الرسالة الإطارَ الخليجيّ إلى أفق أوسع حين يعلن سموه: «نحن أبناء الخليج.. أمل الأمة.. وقبلتها.. ورجاؤها لاستئناف حضارتها وقوتها ومجدها»، وهي عبارة تحمل رؤيةً فكرية استراتيجية تخرج الخليج من دائرة المصلحة الخاصة إلى دائرة المشروع النهضوي للأمة العربية والإسلامية بأسرها، فالتقدم الخليجي يُعد نموذجاً واضحاً يمكن أن تستعيد به الأمةُ مكانتَها الحضارية، وشكلت عبارة سموه رؤية عميقة تحمل وعياً بالالتزام والمسؤولية، وفي ثناياها الأمل يتجدد.

     إنّ رسالة سمو الشيخ محمد بن راشد إلى أبناء الخليج تمثل وثيقة فكرية وحضارية تتجاوزُ لحظتها التاريخية إلى أفق مستقبلي مفتوح، إنها تقترحُ طريقاً وسطاً يُعبِّر عن حكمة سياسية في إدارة التوقُّعات، فهي تُؤكِّد الوحدة الوجدانية دون الالتزام بالوحدة السياسية، وتدعو إلى التقارب دون تحديد آليات مؤسسية، وتُحذِّر من التفرقة دون تقديم أدوات لمواجهتِها، وإنما دعوة من صاحب خبرة وخوف على مستقبل الخليج وأهله، إنّ رسالته توازن بين الطموحِ والواقع بأسلوب عميق، يحمل أبعاداً ومضامين حكيمة.