د. عبدالله ماجد آل علي

ذاكرة العطر

الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦

       في خضمّ الاستعداد لحفل تخرّجي في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بمناسبة حصولي على درجة الدكتوراة، وجدتني أفكر في معنى هذه اللحظة، وفي المسافة الطويلة التي قطعتها منذ مقاعد الدراسة الأولى حتى اليوم. تذكرتُ محطاتٍ ووجوهاً وأمكنة وأحداثاً، لكن الغريب أن أول ما استدعته ذاكرتي لم يكن كتاباً قرأته، ولا شهادة حصلت عليها، ولا أستاذاً تتلمذت على يديه، بل زجاجة عطر لا أزال أحتفظ بها منذ سنوات بعيدة.      زجاجة عطر أهدتني إياها أمي يوم نجاحي في أحد صفوف المرحلة الإعدادية. لا أذكر اليوم تفاصيل ذلك النجاح، ولا الدرجات التي حصلت عليها، لكنني أذكر فرحة أمي. وربما لم أكن أدرك آنذاك أن أمي، وهي تقدم لي هديتها، كانت تمنحني شيئاً سيبقى معي طوال العمر؛ كانت تربط في وجداني بين النجاح والفرح، وبين الاجتهاد والتقدير، وتزرع في نفسي رغبةً في أن أعود إليها بنجاح جديد، لأرى الفرحة نفسها في عينيها.      مرت السنوات، وتوالت النجاحات والإخفاقات، وتغيرت أشياء كثيرة في حياتي، وبقيت زجاجة العطر التي اشتريت لاحقاً مجموعة منها على مدى سنوات، ولم أحتفظ بها لقيمتها المادية، ولا لأنها من عطر مشهور، بل لأنها أصبحت وعاءً لذاكرة لا أريد لها أن تغيب. وكلما عدت إليها، شعرت أنني لا أستنشق رائحة عطر بقدر ما أستنشق زمناً…