علي أبوالريش
علي أبوالريش
روائي وشاعر وإعلامي إماراتي

النوايا الحسنة

السبت ٠٨ فبراير ٢٠٢٠

البعض يعتقد أن النوايا الحسنة، سذاجة، أو ضعف، أو هوان. لذلك ذهب غاندي ضحية نواياه الحسنة، فاغتيل ظلماً وبهتاناً. لماذا؟ فقط لأنه أراد أن تكون الهند العظيمة ملكاً للهنود وليس للطائفيين، والمتقوقعين عند «الأنا» المتعجرفة. قتل غاندي على يد أحد من طائفته الهندوس، فقط لأن غاندي تجاوز نفسه، ودخل في المحيط، واستطاع بوعيه أن يعبر بحيرة التزمت والتعنت، واختار الخروج من محارة التعصب الديني. وهو هكذا فعل كما قال ابن رشد، إن الأديان كلها صحيحة إذا عمل الإنسان بفضائلها. ولم يكن روسو خارج هذه السماء الواسعة حين أكد أن الأفكار المسبقة مفسدة للعقل. وقد أبدى بروتاغوراس، وعياً بأهمية سعة الإدراك، حين قال: «إذا كان العقل مستبداً، فالصحوة مستحيلة». اليوم وبعد أن قطع العقل البشري ردحاً من الزمن، لم يزل البعض يغط في سبات العقل المستبد، والوعي الضحل، لأن الرثاثة تتشبث بالأنا، وتقبض على مرفق العقل إلى درجة أن إنسان اليوم «المتحضر»، يحمل في ثناياه، بقايا عصر الغاب، كما قال سيجموند فرويد. عندما يستأنف الإنسان حياته بالانقباض، وتتحكم في تصرفاته ذات مستلبة، لا تستطيع التنفس إلا من دخان الأنانية، ولا يستطيع التحرك، ألا تحت سطوة أغلال الأنا المتأزمة. في ظل هذا التسرب المستمر للأخلاق، يبقى الإنسان أسير سوء النية، ويبقى عداؤه مستمراً ضد كل ما هو مخالف للونه أو عرقه ودينه،…

التواصل

السبت ٠٩ نوفمبر ٢٠١٩

متى يحدث التواصل؟ عندما يختفي الخوف، وتصبح الأرواح مثل النهر الصافي، تحل طيور المحبة على صفحاته، وتتسرب في الماء بوعي الكائنات النبيلة. الخوف أساسه نفسي، ونحن الذين نحيك قماشته في ضمائر الصغار، ليصبح بعد حين من الدهر ملاءة رثة برائحة الغبار، ودخان الآهات الحارقة. نحن الذين نصنع من الخوف آلهة شر تلاحق ظلنا، وتلتصق بأرواحنا مثل بقع الزيت، وتستمر في غثاثتها، حتى تصيبنا بالدوار، وتملأ حلوقنا بالغثيان. نحن الذين نملأ جدران بيوتنا بصور الخوف، وهياكله العظمية المرعبة، ونستمر في تغذيتها بالمصطلحات العجيبة والمريبة، ونحن الذين نعلم أطفالنا الخوف من كل شيء نحن لا نريده، ومن كل شيء نحن نشأنا على كراهيته. الخوف كائن مجسد في ضمائر الذين فقدوا الوعي بأهمية ألا نخاف من الأوهام، والخوف سلعة رخيصة يصدرها لنا أناس خائفون من اللاشيء، أناس ترجفهم كلمة لا، فتجعلهم مثل أسماك ملقية على الرمل، تجعلهم مثل أرانب مذعورة من صوت خارجي مبهم، لا أحد يعرف من أين مصدره، ومن أي جهة يأتي. لا نستطيع التواصل مع الآخر ونحن نحمل في داخلنا هذه الكتلة من الجحيم، تحرق أوراق وعينا، وتخترق ألبابنا، وتمارس ضدنا، ما يفعله اللهيب في الأخشاب الجافة. الخوف كائن خرافي، نبتت أشواكه منذ أن فتح الإنسان عينيه، ورأى العواصف كيف تطيح الأشجار الواقفة، ثم تطور وكبر في عقولنا، ليصبح خوفاً…

نحن الدولة الأسرع نمواً

السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩

«نحن الدولة الأسرع نمواً في عدد المشاريع». حقيقة نسافر إلى دول، ونقطع مسافات، ونحل ضيوفاً على شعوب وعوالم، وعندما نقارن هذه الدول وما أنجزته من مشاريع حضارية خلال قرون، نجد أنفسنا قد أنجزنا في غضون عقود من الزمن ما يفوق قدرة هذه الدول، وإمكانياتها الخدمية. نجد أنفسنا كمن امتطى صهوة خيل جامح، بينما الآخرون يسيرون إلى المستقبل على ظهور سلحفاة. ليست هذه مقارنة عجفاء، بل إن واقع الإمارات يشير ببنان واضح إلى هذه النتائج المبهرة، إنها معجزة العقول التي فكرت، والتي رأت وتبصَّرت، وتأنَّقت بذكاء وسخاء، واستطاعت أن تسابق الزمن في لحظة تأمل حقيقية، لما يتطلبه الإنسان الحقيقي من مقتضيات الحياة الكريمة. هذه هي الإمارات اليوم، تسخو، فتفيض بمشروعات، أذهلت، وأدهشت، وأيقظت في الروح نوازع الفرح، لأن الذين سهروا على ترتيب معانيها هم أناس أحبوا الحياة فأحبتهم، وأعطتهم وسخت في عطائها، وأكرمت، وأمعنت في تهذيب المشاعر، وتوضيب الإحساس، وتوظيف الوعي في إقامة صرح بدا قلعة وارفة الظلال، يستظل بظلها كل من لديه طموح الارتقاء بمفاهيمه، عن معنى أن نكون إنسانيين في هذه الحياة، وأن نكون حضاريين في الوجود، وقد قال الفيلسوف الألماني «الإنسان راعي الوجود». ومن هذا المنطلق العرفاني، فإن الإمارات بفضل قيادتها الواعية، استطاعت أن تشق الطريق إلى المجد، بكل جدارة ومهنية اقتصادية، وأن ترتقي سلم الحياة بقدرات فائقة،…

سنابل الوعي

الأحد ١٣ أكتوبر ٢٠١٩

نحن لدينا إرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، نستطيع به، وعلى إثره أن نضع أقدامنا على ضفة النهر، ونغتسل من العذوبة، ونرتوي حتى تعشب قلوبنا بسنابل الوعي، ما يجعلنا نكتسي بسندس الحضارة من دون إفراط ولا تفريط. نحن الشعب الوحيد في العالم الذي يمكنه أن يتجاوز مراحل التهور، بسلام لأنَّ ما قدمه المغفور له الشيخ زايد، من منظومة أخلاقية تجعلنا مكتفين ولا نريد المزيد، ما آمن به زايد هو الحب، وبالحب ترقى الشعوب، وتتعافى من كل مكروه وخبث وعبث. وهنا نستدعي مقولة الفيلسوف الدانماركي سورين كيركجارد بقوله «من لا يستطيع أن يكشف عن نفسه لا يستطيع أن يحب، ومن لا يستطيع أن يحب فهو أتعس إنسان على الإطلاق». ومن هو أعظم من زايد في الحب، وعشق الحياة، والتفاني من أجل الآخر؟ من هو أنبل من هذا القائد الذي رسخ الوضوح في حياته، كما هو النهر، في الفيافي، وكما هو القمر في الليالي المدلهمة. عندما تتخلص من عواهن عقد وتكون واضحاً متصالحاً مع نفسك، فإنك لا تحتاج إلى التقليد، ولا تحتاج إلى اللهاث خلف المبهرات من المظاهر ولا تحتاج إلى المساحيق، كي تضيء وجهك. ولا تحتاج إلى الأساور كي تخرخش في معصمك، لإسماع الآخرين أنك حاضر في المشهد. نحن نستطيع أن نواكب المسيرات العالمية الكبرى…

إنجازات هائلة

الأربعاء ٠٩ أكتوبر ٢٠١٩

اليوم وخلال العشرين سنة الأخيرة، حدث ما يشبه الحلم. حدث شيء يثير الصدمة الاجتماعية، حدث تغير في النسيج، حيث القماشة الاجتماعية تغيّرت في سمكها ولونها، وهذا أمر طبيعي يحدث لأي مجتمع انتقل من مرحلة الطفولة الثقافية إلى النضج. ولكن خلال هذه الرحلة حدث ما يشبه القفزة فوق حبل يربط جدارين عاليين حدث انصهار قيم، وبروز قيم أخرى، وحدث اغتراب في المفاهيم، والمصطلحات، والعادات، والتقاليد، والسلوك الجماعي. حدث خلال هذه الرحلة انبعاث أشعة فوق بنفسجية، غيرت من الرؤية، ومن المزاج، والمذاق أيضاً. بدءاً من الملبس، والمأكل، والمشرب مروراً بالعلاقة بين الأفراد، في مجال الأسرة، والعمل، والصداقة، ثم انتهاء بحزمة من الاستخدامات اليومية للغة، وثقافة عامة، نتجت في خضم الانتقالة السريعة، من منطقة الماضي، إلى الحاضر، ويبدو أن العربة الاجتماعية تمر سريعاً على الكثير من القيم، وتتجاوزها، ولا يتم الالتفات نحوها، لأنه ما من فرصة، ولا وقت يسمحان بالتريث، فالعقل منشغل كثيراً بالمستقبل، والقلب متخم بالمشاعر الجديدة، والعين يغبشها النور الساطع، ولا شيء يتوقف في هذه الحالة، بل إن المسافة ما بين الماضي والحاضر على الرغم من قربها زمنياً، إلا أنها نفسياً تبدو أبعد من المسافة ما بين الشمس والقمر. سنوات ضوئية قطعت خلال العشرين سنة، لم تستطع شعوب غيرنا قطعها خلال قرون من الزمن. المجتمع حظي بمميزات تفوق التخيل من خلال…

المنظومة الأخلاقية

الإثنين ٠٧ أكتوبر ٢٠١٩

هذا الإرث، وهذا النث، وهذا البث، وهذا الحث، وهذه المنظومة الأخلاقية، التي شعت، واتسعت، ومدت، وامتدت، في المدى شراعاً ويراعاً واتساعاً، وفاضت من فيض، وروض ومنحت الحياة نسقاً معرفياً، بدا في الوجود قامة ومقامة واستقامة، بدا في الوطن سحابة هيابة، تظلل وتهطل زخات ورفرفات، لها تنيخ الركاب شجوناً، ولحوناً، وتسود الأطيار، وتترنم الأشجار، وتميل الأغصان طرباً وصخباً. هذا العرف القمي سكن القلوب، فاستكانت هدأة وطمأنينة، وازدهرت أماناً وسكينة، وبدت التضاريس مروجاً وبروجاً، وصارت البيداء فيحاء على ربواتها تحلم النوق، وتتألق الجياد، وتتدفق الوهاد عشباً يلون التراب بأخضر اليفوع ورونق الينوع، وتتباهى العيون ببريق أنيق رشيق والناس في فيافي الوطن، يرتلون آيات الحب، لوطن زرع الحب أصولاً وفصولاً، ومنح الأحلام بياض السليقة، ونصوع الخليقة. هذه منظومة زايد الأخلاقية، أكسبت الوطن قامته وشامته وعلامته ووسامته وجزالته وأصالته ونبله وخير سبله، هذه المنظومة ألهمت الوطن إبداعه وبلاغته وفصاحته، وحصافته وقدرته على صناعة المجد بكل براعة ونبوغ ومنحت الناس الوجاهة والبهجة ونهج التسامح والتصالح والخروج من شرنقة التقوقع والاختزال، والانفصال عن باقة الزهور والعطور هذه المنظومة، رسمت صورة البهاء والصفاء والنقاء والوفاء والانتماء إلى الوحدة البشرية، وتكامل الموجود هذه المنظومة هي في البدء حلم، ثم صارت علماً وعلماً، صارت في الكون نجوماً ترصع السماء بقلائد وفرائد وقصائد، وتنسج في الأرض خيوط الحرير، لشراشف الدفء…

البوح الجميل

الأربعاء ٠٢ أكتوبر ٢٠١٩

الحب.. منازل القلوب، واستمد بنيانه من فرادته في الشفافية، واستثنائيته في العفوية، وتميزه في العطاء من غير شرط، وانحيازه الدائم إلى الحق، وبلوغه مجد التفاني من دون تردد، وهكذا تشرب الحب من وحي تربة صحراوية نبيلة، وبيئة طبيعية أصيلة. لم يكن في الحياة إلا نسيماً يمر على وجنات الوجود، برشاقة المخلوقات الخارقة، ولباقة الرجال النجباء. في رحلة إلى باريس، برفقة زملاء المهنة والواجب، قادتني خطواتي إلى نهر السين، وهناك عند السور القديم استوقفتني عبارة كتبها أحد العشاق فحواها «نحن عيال زايد». هذه العبارة أدهشتني كثيراً، كما أبهرتني، وأنا أتأمل الكلمات المحفورة على جدار السور، وتساءلت حينها! ما الذي جعل هذا الإنسان أن يتذكر الشيخ زايد وهو في بلاد تبعد عن الإمارات آلاف الأميال؟ ثم قفزت إلى ذهني مضامين ما تعنيه هذه العبارة، حيث الحب الطاهر لا تخفيه المسافات، ولا تعرقله الأمكنة، ولا تعيقه الغربة. هناك خيط ذهبي ربط هذا الشخص، كاتب تلك العبارة، والشيخ زايد، إنه الحب عندما يحتل وجدان الإنسان، ويصبح جزءاً من كيانه، بل والدم الذي يجري في شريانه. أَحب الشيخ زايد الناس فأحبوه، ووضعوه موضع الرمش من العين، وأسكنوه في القلب، وفي صفحة الجبين. زايد الذي رفع هامات الناس إلى أعالي القمم، ولوَّن حياة البشر بالأحلام الزاهية، ولم تغمض له عين، وهو يسمع عن شعب مظلوم، أو…

انتخابات الوطن (5)

الإثنين ١٦ سبتمبر ٢٠١٩

الناخب والمنتخب عليهما واجب، كما لهما حق. الواجبات تجاه الوطن تتقدم الحقوق، نحن جميعاً أعضاء في الوطن، ونحن جميعاً تقع علينا مهمة الوصول بالوطن إلى شواطئ اللحمة الواحدة، والنسيج المتلاحم، بعيداً عن الأغراض الشخصية وكل ما يغري في مقاعد، ومنصات البروز الاجتماعي. الناخب لا يفكر في المرشح كونه اليد التي ستتناول له ثمرات اللوز من قمة الشجرة، بل ينظر إليه كقامة سوف تحقق للوطن قيمته، وشيمته، ونخوته، وعزته، وكرامته، وشأنه، وفنه، ولحنه، وشجنه. هكذا هي الرؤية التي تضعها القيادة أمام الجميع، في مرآة الواقع. هكذا هي الآمال المعقودة على كل من يفتح عينيه في كل صباح، ويبدأ يومه في الدعوة للوطن، بأن يكون أجمل الأوطان، وأرفعها قامة، ومقامة، وأن يكون الشجرة التي تؤمها طيور المحبة والسلام، والوئام، والانسجام، وأن يكون المنطقة المعشوشبة، بمشاعر الألفة والتكاتف، والتآلف، والتحالف ضد كل ما يعكر، وكل ما يكدر، وكل ما يصادر الوعي بحب الوطن. ما يدور في خلد كل من يعيش على هذه الأرض أن يكون الناخب والمنتخب، كلاهما مجدافا سفر إلى آفاق النمو، وتطور المنشآت، والمشروعات، والمكتسبات، وأن يكونا السور والطوق والعنق، وأن يكونا، المسار والمدار والمحور الذي تدور في فلكه كواكب الحلم، ومواكب ذوي العلم. هكذا نتصور في كل من يتصدر المشهد ويعلن أنه ممثل للشعب، وحامٍ لحياضه، ورياضه، ولا مفرد، ولا…

قبل الضجيج

الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠١٩

أنت في كل صباح، تصحو من نومك، وتفرك جفنيك، وتعتدل في جلستك، ثم تمضي لطرد النوم من عينيك، عبر تذكر ما حفظته قبل أن تغمض عينيك. ربما تكون تحت شرشف الابتسامة الناعمة تختالك صورة ما، تمسح على وجنتيك، وتتلمس جبينك مثل جناح فراشك، تشعر أنت بالبهجة، ويلفك الحبور، ويطويك السرور. في هذه اللحظة وقبل الضجيج، أنت في قارب بحري يتهادى بين موجات الصحو، وزبد الغفلة الأخيرة. أنت لا تحلم، وإنما تستدعي خيوطاً مرت من هنا، مرت من قماشة القلب، وشيدت فرحك المنيع، أو هكذا كما تتصور، أنت بعد الصحو، تبدو مثل عصفور يمهد جناحيه للطيران ويمسد أطراف الحديث الداخلي بتغريدة، ربما هي الدفقة الأولى إلى التحليق، والرفرفة. قبل الضجيج هناك في الثنايا وريقات تهفهف، على نغم الحفيف فوق أغصان الشجر، وهناك في غرفة العقل تتحرك الجملة الفعلية، لتكون أنت الفاعل، وأحياناً أنت المفعول به. قبل الضجيج، هناك حشر، ونشر، يتهيأ للنهوض من السبات، ويقول لك هيا ننشر الشراع فالرحلة طويلة، وممتدة، وربما تكون الموجة فيها أعلى من جبال رأس الخيمة، وربما تكون الريح تصفر في الأذهان مثل صرخة المتألم من جرح قديم. وأنت الآن في الشارع، في قلب الصدام بين الأرواح، وتباين الوجوه، وتعارض الاتجاهات، يعتريك خوف ما، لا تدري مصدره، ولا تعرف كنهه، إنك فقط بين جناحي الرجفة، إنك…

الإمارات زاهية بعشاقها

الإثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩

هكذا هي الإمارات، زاهية بعشاقها، ماضية إلى الآخر بمشاعر كقماشة الحرير، وأفكار مثل عذوبة النهر، وعلاقات كقطرات الندى على أوراق التوت. هذه هي فلسفة من كان الحب طريقاً لوصوله إلى قلوب الآخرين، ومن كان الود وسيلته في بناء الشراكة والقواسم والثوابت مع العالم. هذه هي الأيقونة التي على أثرها تتبع الإمارات أشعة النور، وهي البوصلة التي تهدي الركاب إلى مناطق العشب القشيب. هذه هي رؤية من رأوا أنه لا حياة من دون الأحلام الزاهية، فهي الزهور التي تعبق ببستان القلوب، وهي الأشجار التي تلون منازل الناس، وهي الأقلام التي تسجل في صفحات التاريخ منجزات البشرية المبهرة. هذا هو ديدن الإمارات، ونسق الذين أحبوا الحياة، فحببت فيهم الناس أجمعين، حتى أصبحت الإمارات اليوم موئل العشاق، ومثوى الذين يرفلون بأجمل المشاعر، وأنبل الخواطر، وأجل الأواصر. هذه هي سجية من تفانوا كي يعيش العالم تحت ظلال الآمال العريضة، وتهنأ النفوس بالعيش الكريم والفرح المستديم. هذا هو الخط البياني الذي تسير عليه الإمارات، ذاهبة إلى العلا، كنورس يطوف حول المحيط، بحثاً عن وشوشة الموجة، وبأسئلة الوجود النابض بالشفافية، تمد الإمارات أشرعة السفر البعيد، مكسوة بمخمل القيم العالية، مشمولة بنخوة النجباء الذين سوروا الصحراء بنفيس الأخضر اليانع، وطوّقوا أعناق الناس بقلائد الفخر والعزة والشرف الرفيع. هذه هي الإمارات، تمضي في الركب، والقلوب عامرة بالحب، غامرة…

فرحة وطن

الخميس ٠٦ يونيو ٢٠١٩

تكبر المشاعر، وتزدهر، وتثمر ابتسامة بحجم الوطن، عندما يكون الفرح بقيمة ذوي الفضل والقيم الرفيعة. في هذه الأيام تشع في سماء بلادنا البوارق، والشوارق، والشواهق والطوارق، والنمارق، محتفية بعرس آل مكتوم، وأفئدة الناس تفترش مخمل السعادة، وتطوق أرواحها بحرير الحبور. عندما تكون القيادة في قلب الناس، تكون القواسم المشتركة سجادة يانعة بخيوط الرهافة، وأهداب الشفافية، ويصبح النسيج الاجتماعي مثل ماء النهر، عذباً، صافياً، مدراراً، ويصبح الوطن شعلة من نور، تصبح الحياة شلال النمو والازدهار، يصبح العالم جغرافية بلا حدود ولا سدود ولا قدود، يصبح الزمن شجرة وارفة، أوراقها من حنان، وأغصانها نعيم الأشجان، وأثمارها من تين وزيتون ورمان، ويصبح الإنسان طائراً بأجنحة تجوب الأكوان. هكذا علمتنا القيادة الرشيدة بأن الفرح يعم ولا يخص، وأن البنان لا يشير إلا لقلب واحد، هو قلب الوطن الكبير، الإمارات الحبيبة. وفي هذه الأيام، يفيض قلب الإمارات فرحاً، لأنّ ثلاثة من أبنائها يدخلون مشيمة الأحلام الزاهية، بقلوب مضاءة بالحب، وأرواح تزخر بالفخر والاعتزاز، لأنهم يلجون محيط الزواج الميمون، وهم مؤزرون بحب أبناء وطنهم، ووفائهم، وانتمائهم، وولائهم إلى من لونوا حياتهم دائماً بالفرح، وأثثوا وجدانهم بالطمأنينة، وملأوا قلوبهم بالسعادة. العرس الكبير، عرس آل مكتوم، عرس الوطن، عرس العالم، وكيف والإمارات اليوم هي وطن الناس أجمعين، وفلكهم الذي يطرق نحورهم بالألفة والمحبة وثقافة الشفافية. وطننا الإمارات اليوم،…

ما الضمير؟

الخميس ٢٨ مارس ٢٠١٩

نتحدَّث عن الضمير، في كل مواقعنا، وظروفنا، وتصرفاتنا، في خلافنا، وفي اتفاقنا، في حزننا، وفي فرحنا، فهو الحاضر الغائب، المتدفق مثل الهواء نحسه ولا نراه، هو السائل بلا لون كالماء، هو المتجمد والمتغير، هو المناهض والمسالم، هو الساكن والمتحرك، يتسمى باسمه المتدين والعلماني، الكبير والصغير، الغني والفقير، هو في كل عقيدة، ومبدأ يكون في صلب الحقيقة البشرية، يكون في خلايا التفكير، أينما حل وارتحل، وأينما انطلق. ولكن ما هو هذا الضمير الساحر المتشعب الراصد لسلوكنا، المراقب لكل دفقة من دفقات قلوبنا؟. أطلق عليه الأنا، وفي بعض الأحيان يسمى الوعي، المسلم يخاطب الناس باسم الضمير، والمسيحي كذلك، الطوائف، والملل، والنحل، والإثنيات، والعرقيات، كل هذه الطرائق، تذهب إلى الحياة باسم الضمير، ولكن نسأل مرة أخرى ما هو هذا الضمير، الذي يظهر في العالم مثل الكائن الخارق، الطارق، والمتحذلق، والمتفق واللا متفق، مع أو ضد، في الـ«النعم، واللا». الضمير يبدأ في النخر، أو الوخز، وينتهي في التأنيب أو التأييد، ولكن هو في كل الحالات، يبقى الكائن الخفي الكامن في معطف الذات من غير هوية واضحة، هو لم يكشف عن وجهه إلا من خلال تأثيره في سلوكنا، سواء كان سلباً أو إيجاباً. إذن ما الضمير؟ هو مفهوم هيولي غير مرئي، ملقى في الذات، يعمل على تفسير الأحداث، وتصنيفها، وأرشفتها، وتوضيبها في الذات، ثم إصدار…