ياسر حارب
ياسر حارب
كاتب إماراتي

زمن الكتابة الخليجية

السبت ١٣ يوليو ٢٠١٣

الناظر إلى الساحة الثقافية العربية يجد تحولاً في مراكز الإنتاج الأدبي (جغرافياً) ونمواً في دور الكاتب الخليجي إقليمياً ودولياً. حيث برزت في العقد الأخير مجموعة من الكُتّاب والأدباء من منطقة الخليج العربي لم يكونوا معروفين من قبل، وصار تأثيرهم في الإعلام العربي ومشاركتهم في الصحف الغربية مشهوداً ومؤثراً. وإذا نظرنا إلى جائزة البوكر العربية (الجائزة العالمية للرواية الأدبية) التي تُعد أهم جائزة على الساحة الثقافية اليوم، فسنجد بأن ثلاثة من أصل سبعة فائزين ينحدرون من الخليج (سعودي وسعودية وكويتي). وكم أختلف مع تقارير التنمية البشرية العربية التي تصدر من الأمم المتحدة، وتقارير الحالة الثقافية العربية التي تصدر من مؤسسات في المنطقة، عندما يتحدثون عن مستوى القراءة والاطلاع لدى شعوب المنطقة. انظر حولك وسترى أن الأرقام المُترديّة التي لم تتغير كثيراً منذ تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية الشهير الذي صدر عام 2003 وصدم العالم العربي، لم تعد تتناسب مع الواقع. من تجربة شخصية، كنتُ وما زلتُ متفاجئاً بأعداد الشباب من الجنسين الذين ألقاهم في معارض الكُتب والمناسبات الثقافية، أو الذين أتواصل معهم في الإنترنت. حيث لا يمر يوم إلا وتصلني رسالة أو كتاب أو ألتقي بقراء لمقالاتي وكتاباتي المتواضعة، يشتركون كلهم في شغفهم للبحث عن المعرفة، وفي اطلاعهم على آخر الروايات العربية أو الإنجليزية. وعلى الرُغم من الصراعات الفكرية والأيديولوجية…

نفق مظلم

السبت ٢٩ يونيو ٢٠١٣

الناظر في أحوال الدول العربية هذه الأيام يكاد لا يسمع إلا أصوات التشدد، وأخبار القتل والتكفير وتقسيم الناس بين الجنة والنار. وهذا حال طبيعي لكل أمة ترنو نحو الخروج من أنفاق التعصب الديني والجهل المعرفي. والقارئ للتاريخ لا يستغرب هذه التوترات والقلاقل التي باتت تمس الإنسان البسيط حتى في بيته، ففتاوى رجال الدين وخُطبهم وتصريحاتهم صارت شغلنا الشاغل، وأكرر مثلما ذكرت أكثر من مرة، أن الإسلام ليس فيه رجال دين، ولكن جُلّ من يمثلونه اليوم صنعوا من أنفسهم كذلك؛ وأصبحوا يخوضون في كل شيء باسم الدين، حتى حرّموا مطالبة الناس بحقوقهم المدنية والاجتماعية ووصفوا من يفعل ذلك بالكافر. ومع بروز حركات الإسلام السياسي في الدول العربية التي تشهد أحداثاً غير مستقرة، بدأ الصراع بين أصحاب المرجعية الدينية الأكثر عمقاً وقِدَماً (السلفيون) وبين خصومهم التاريخيين والجدد (الإخوان المسلمون) الأكثر براجماتية وطموحاً على المستوى السياسي. ويتجلى هذا الصراع اليوم في سعي الطرفين لإثبات مصداقية سياسية وليست دينية فقط؛ فكلٌّ يفترض أنه الأصوب فكرياً ويحاول تسويق وفرض رؤيته على المجتمع. وكُلٌّ يدّعي أن الإسلام، أي نموذجه هو، هو الحَلّ، مستخدمين الإعلام والسُّلطات التي تمكنوا من السيطرة عليها أو الجهات التي تصلها أموالهم. إن من حق «الإسلاميين» أن يخوضوا هذه التجارب السلطوية، فالناس لم تُجرّبهم على هذا المستوى من قبل، ومن يتعاطف معهم يقول…

متى تعود ليالي الحلمية؟

السبت ٢٢ يونيو ٢٠١٣

عكفتُ قبل مدة على مشاهدة المسلسلات العربية القديمة التي كنا نشاهدها ونحن صغار؛ فلقد قررتُ أن آخذ إجازة من التلفاز بخيره وشره ، وأتخلص من الأخبار والمُنغصات وأعود للماضي الجميل. وكان يوتيوب مُعيني في تلك الرحلة، وكأنه آلة زمن عادت بي إلى أيام النقاء والواقعية. بدأتُ أولاً بمشاهدة المسلسل الصعيدي «ذئاب الجبل» لكاتبه محمد صفاء عامر، وكان أداء عبد الله غيث فيه بمنزلة دورة تدريبية لمن يحب التمثيل. ثم انتقلت إلى «حسن أرابيسك» لأسامة أنور عكاشة، الذي يُعد أفضل مَن كَتب الدراما العربية حتى الآن. ولقد بدأ أسامة مشواره بكتابة القصة القصيرة والرواية إلى أن أقنعه صديقه المخرج فخر الدين صلاح بكتابة الدراما التليفزيونية، وفعلاً خاض تجربته الأولى عام 1976 حين كتب مسلسل «الإنسان والحقيقة» ففوجئ بالعائد المادي الذي دره عليه. لكن كل نجاحاته السابقة للعام 1983 لا تُحسب، فهو العام الذي عُرض فيه المسلسل الشهير «الشهد والدموع» الذي كان نقطة تحول في حياة أسامة ومسيرة الدراما العربية. وعندما التقى به نجيب محفوظ بعد سنوات طوال قال له: «ليالي الحلمية وقبلها الشهد والدموع هي روايات مرئية، مِيزتها أن غير المتعلم يستطيع أن يقرأ ما فيها بسهولة ومتعة، وما أكثر غير المتعلمين في العالم العربي.» ولقد كان تركيز أسامة على كتابة السيناريو مباشرة خطوة مهمة لزيادة إنتاجه الدرامي، واستطاع من خلال…

أما آن لـ«العريان» أن يتستّر؟

الأربعاء ١٩ يونيو ٢٠١٣

قبل شهرين زار فضيلة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، دولة الإمارات للمشاركة في فعاليات جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي اختارته لجنتها ليكون شخصية العام الثقافية. ولقد كان في زيارته كالبلسم الطيب، لا تجد منه إلا طيباً، فكان، حفظه الله، اسماً على مسمّى، يسعد من حوله، ويبث في قلوب الناس الطمأنينة بأن ما يجري في مصر والأمة مجرد أزمات، وسوف تتخطاها بعقلانية حكمائها وبترابط شعوبها. وتكريماً لذلك الرجل العظيم أفرجت حكومة الإمارات عن 130 سجيناً مصرياً من الذين صدرت في حقهم أحكام مدنية تتعلق بقضايا مالية، بعد أن قامت الحكومة بتسديد التزاماتهم. ليس ذلك فقط، بل تعهدت الإمارات، تكريماً للشيخ الطيب، بتخصيص 250 مليون درهم "لصيانة مكتبة الأزهر وإعادة إنشائها على أحدث مستوى، تشبه أو ربما تفوق فيه المكتبات الغربية الملحقة بالمؤسسات الدينية الكبرى أو الملحقة بالجامعات العريقة" بحسب تصريح شيخ الأزهر، إلى جانب إنشاء معهد الشيخ زايد لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. ولقد استطاع شيخ الأزهر أن يُصلح ما أفسده ساسةُ حكومته، الذين لو حكّموا عقولهم وأخلصوا أعمالهم لجعلوه وسيطاً بينهم وبين رؤساء العالم. ولكنهم لم يكتفوا بمحاربته وزجه في أزمات داخلية، بل إنهم ذهبوا إلى اتهام كل من لا يؤمنون "بدعوتهم" بأنهم إما "كفار ومشركون" حسب وصف نائب رئيس هيئة الإصلاح والتنمية، أثناء محاضرة الرئيس مرسي قبل…

الفِكْرة «ملالا»

السبت ٠١ يونيو ٢٠١٣

فتاة صغيرة، تخطو خطواتها الأولى في مرحلة المراهقة، إلا أنها تحمل هم رجال ونساء بلغوا من الكِبر والعَمَلِ عِتيّا. ملالا الباكستانية ذات الـ15 عاماً، التي تعرضت السنة الماضية لمحاولة اغتيال من قبل عناصر طالبان في قريتها بوادي سوات، لا لشيء إلا لأنها كانت تحض بنات جيلها على التعلّم، وتحاول أن توجِد حراكاً اجتماعياً لمنح المرأة حق التعليم؛ ففي بيئتها لا يُسمح للفتاة أن تُكمل دراستها بعد الصف الرابع. وعندما أصيبت ملالا برصاصة في رأسها حرّكت الإمارات طائرة خاصة لتنقلها إلى المملكة المتحدة للعلاج وحرص المسؤولون على زيارتها تباعاً حتى تماثلت للشفاء، وأكدوا لها بأن الإمارات واقفة معها قلباً وقالباً، وبأنها ملتزمة بدعم رسالتها العظيمة. ولقد تأثر العالم كثيراً بقصتها، حتى أن الأمين العام للأمم المتحدة أعلن يوم 15 نوفمبر من كل عام يوماً عالمياً لحق البنات في التعليم وأطلق عليه «يوم ملالا العالمي». كما أنها رُشحت قبل ذلك عام 2011 للحصول على جائزة نوبل للسلام. وقبل أيام استقبل سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، ملالا مع أسرتها في قصر سموه. وأكد لها أمام الجميع بأن ما قامت به يتماشى جنباً إلى جنب مع رسالة الإمارات السامية لتمكين المرأة ومساواتها بالرجل، كل في مجاله وحسب قدرته. وأكثر ما أعجبني…

كانوا يحلمون

السبت ٢٥ مايو ٢٠١٣

تابعتُ برنامجاً وثائقياً شيّقاً في «قناة التاريخ» يستعرض تاريخ الإنسان والحضارات منذ بدء الخليقة وحتى وقت قريب. ولفتت انتباهي الحلقة التي تتحدث عن حياة القائد المنغولي «جنكيز خان» الذي على الرغم من أنه كان دموياً وقاسياً ومجرماً؛ أباد شعوباً وانتهك أعراضاً، إلا أنه حقق لأمّته في خمسة وعشرين عاماً ما لم تحققه الإمبراطورية الرومانية خلال أربعة قرون؛ فوسع دولته ووطدها بشكل يعجز المرء عن وصفه. ولا يهمنا في هذا السياق فداحة جرائمه، فلا ريب أنه كان أحد طغاة التاريخ، إلا أنه لا ريب أيضاً كانت له إنجازات كثيرة، خصوصاً وأنه ظهر من تحت رماد المجتمع حتى قاد العالم. فلقد كانت حياته قاسية بعد مقتل والده على يد التتار، فتشرّد مع أسرته وأُسر واستُعبِد واضُطهِد، وكان الأولى به أن يموت منسياً لا يعرفه أحد. إلا أن إصراره كان أكبر من مصيره، فكتب تاريخه بنفسه. ولقد نجح لثلاثة أسباب رئيسة، حاله في ذلك كحال كثير من الذين غيروا مسار الأيام: الأول أنه كان يحمل حلمه معه أينما ذهب؛ فيتأقلم مع الظروف سعياً لتحقيقه. والثاني أنه كان مؤمناً بأنه سيصل إلى هدفه؛ ولذلك لم يكفّ عن المحاولة. والثالث أنه استغل ظروف عصره وفهم أدواته ووظفها بالطريقة الصحيحة؛ فلقد اهتم بالخيول كثيراً حتى اشتهر المغول بها، وأتقنوا تدريبها وصارت سلاحهم الأكثر فتكاً في حروبهم…

مجتمعنا المُرتبك

السبت ١١ مايو ٢٠١٣

يدخل مركزاً تجارياً مرتدياً ثوباً وحاسراً رأسه، أو يضع فوق رأسه قبّعة (كاب) فتتخاطفه نظرات بعض الناس مستنكرة تلك الصورة. ثم يدخل مرة أخرى ببنطال وقميص فلا يلاحظه أحد، إلا عندما يعرفون بأنه مواطن إماراتي، فإنهم حينها يزدرونه أكثر؛ لأنه غير ملتزم بالعادات والتقاليد، وقد يصفونه بأنه ثائر عليها. سألتُ مجموعة من الأصدقاء عن رأيهم في هذا الموضوع، فقال أحدهم بأن مجتمعنا منقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول قسمٌ شرقي، نسبة إلى تمسكه بالعادات المحلية «الشرقية». والثاني غربي، ترك عاداته وتقاليده، ثار عليها، وتسربل بكل ما هو عالمي؛ في لبسه وشكله وكلامه وتصرفاته. أما القسم الثالث، وهو الأقلية، يقف بين الأول والثاني، ما زال متصلاً بشرقيته من خلال علاقته بكبار السن، ولكنه لا يستطيع أن يتملص من إرهاصات المرحلة الحضارية التي يعيشها؛ لأنه يتفاعل مع العالم أجمع من خلال الاطلاع والسفر ووسائل التواصل الحديثة. وتكمن المشكلة الحقيقية، حسب حديث الأصدقاء، أن النوعين الأول والثاني يرفضان فكرة التعرف على ما عند كل من الطرف الآخر، ولذلك فإنهما يريان فيه إما رجعية أو استلاباً. إلا أن سؤالي كان: وما شأن كل طرف بالآخر؟ ولماذا يرى الناس أنه من حقهم أن يحكموا على أي كان بسبب لبسه أو تصرفاته أو اعتقاده، طالما أنه لا يخدش الحياء العام ولا يُسفّه المعتقد الديني؟ في مجتمع الإمارات…

العالَم ليس جزءاً من الإسلام

السبت ٢٠ أبريل ٢٠١٣

وافقت السلطات السويدية قبل أيام بالسماح لمسجد (فتيجا) الكائن في إحدى ضواحي العاصمة ستوكهولم برفع الأذان لأول مرة في تاريخ السويد، لمدة خمس دقائق كحد أقصى وقت صلاة الجمعة. وعندما تقرأ التعليقات المكتوبة تحت الخبر، تجد أنها مليئة بالتكبير والدعاء بعزة الإسلام، والمجد لراية التوحيد. فكّرتُ قليلاً: ماذا لو كنتُ أحد السويديين الذين صوتوا للسماح بالأذان وقرأتُ هذه التعليقات، هل سأندم على دعمي وإيماني بحق المسلمين، وأي طائفة دينية أخرى في السويد، بممارسة شعائرها في العلن؟! ثم فكرّتُ أكثر: لماذا ننظر إلى هذه الأخبار والأحداث في الغرب، التي من المفترض أن تكون إيجابية ومتسامحة، نظرة صراع وغزوات وفتوحات؟ تصور أنك دخلتَ منزل أحدهم، وبعد العشاء طلبتَ منه أن تبيت فيه فسمح لك، وعندما أدخلك غرفة الضيوف وانصرف صرختَ "اللهم انصرني عليه" فهل تعتقد بأنك بذلك أفضل منه؟ اسأل نفسك: من أكثر تسامحاً؟ ومن أخلاقه أكثر رقياً؟ ليس بالضرورة أن تكون مسلماً لتصبح متسامحاً، ولكن عليك أن تكون متسامحاً حتى تصير مسلماً حقاً. نتحدثُ كثيراً عن أن الإسلام يدعونا للتسامح والوسطية والاعتدال، وهو كذلك دون شك، ولكننا نحنُ المسلمون لم نعد كذلك. بل إن غالبيتنا بعيدة تماماً، ودون أن تدري أو تشعر، عن معاني التسامح والرحمة. قال لي أحدهم بأن الدم يغلي في جسده عندما يرى سيارة أجنبي في بلده وقد…

لماذا لا نُحسن الفرح؟

السبت ١٣ أبريل ٢٠١٣

تكتب شيئا مفرحاً في تويتر فيباغتك أحدهم بتغريدة عن الآخرة والموت، ولا يفتأ يذكّرك بالحساب والعقاب. تتابع مئات التغريدات يومياً فتجد أغلبها يدور حول الحروب والدماء والقتل. والخلافات الطائفية والعرقية، والصراعات الطبقية في عالمنا العربي، مما يدفعك للتساؤل: أين اختفى الفرح؟ وهل حالتنا الاقتصادية اليوم أسوأ من أجدادنا الذين عاشوا في الخيام وبيوت العريش قبل ستين عاماً حتى نكون، على ما يبدو، أتعس منهم؟ كانت جدتي رحمها الله مريضة، ومنذ أن أدركتُ الدنيا لم أرها ترفل بصحة جيدة. إلا أنها لم تكن تكثر من الحديث عن المرض، بل كانت امرأة بشوشة سعيدة، وعندما أخذتها مرة إلى المستشفى لعلاج التهاب أصاب عينيها، قال لها الطبيب إنها أتت في الوقت المناسب؛ ولو أنها تأخرت فلربما فقدت القدرة على الإبصار. ابتسمَت وقالت لي: "لو تأخرتُ لكنتُ دخلتُ الجنة" وكانت تتحدث عن الأجر العظيم الذي خصصه الله تعالى لمن فقد بصره. لم أدرك حينها من أين كانت تأتي بكل ذلك التفاؤل والإيمان، وعلى رغم أنها لم تكن متعلمة ولم تقرأ ستيفن كوفي أو أنتوني روبنز، فإنها لم تعان عقدا نفسية ولم تكن الكآبة قادرة على التمكن منها. أتساءل الآن: لماذا لا نستطيع، ونحن المتعلمون والمسؤولون ورجال الدين والتجار والدارسون والمتميزون، أن نحسن الفرح؟ ولماذا يبحث الناس اليوم عن الصراعات ويستمتعون بمختلف أنواع الحروب؛ الكلامية…

هوامش

السبت ١٦ مارس ٢٠١٣

على هوامش الحياة ارتكبنا حماقات كثيرة؛ أذنبنا، اقترفنا أخطاء وموبقات، ثم رحنا نتوب في وسط الصفحات، على السطور البارزة حتى يظن الناس أننا أنقياء طيبون. علمتنا الهوامش أن أجمل لحظات حياتنا هي التي لا نهتم بتدوينها وننسى أن نوثقها في دفاتر التاريخ. لذلك نعود بعد زمن طويل ونتذكر ثم نكتب على أطراف الصفحات، وبخط صغير، جُملاً قصيرة تبدأ بكلمة "ملاحظة". كم جميل أن يذيل أحدنا رسائله بالملاحظات. كنت أفعل ذلك دائماً، وخصوصا في الرسائل الرسمية التي كنت أرسلها بالبريد الإلكتروني. اكتشفت الآن بأنني كنت أكتب بعدها تعليقات فكاهية، وإشارات عاطفية دون أن أشعر. كل الرسائل كاذبة إلا ما نكتبه في نهاياتها؛ وما الملاحظات إلا هوامش ذات عناوين. نظن بأن لا أحد سيقرأ هوامشنا، ولا ندري بأن أعين القراء تسقط عليها أولا. هم أيضاً لديهم هوامش مثلنا، ولذلك تجدهم يبحثون عن هفواتنا ليشعروا بأنهم أفضل منا، أو حتى لا يشعروا بأنهم فقط من يحب الخروج على القواعد والأحكام. كلنا نكذب عندما ننتقص من غيرنا ونقول: "إنه يعيش على الهامش" لأننا نتمنى في داخلنا أن نكون مثله؛ مهمشين لا يعرف أسماؤنا غير بعض الأصدقاء، نفعل ما نريد ثم لا يُلقي لنا العالم بالا لأنه مشغول بمن يعيشون في وسط الصفحات، وبمن يصنعون التاريخ كل يوم. في الهوامش يا أصدقائي لا نستطيع أن…

أشياء تدفعنا للحياة

السبت ٠٩ مارس ٢٠١٣

رأيته يتحدث على المنصة عن مواضيع عدة تتعلق بالعمل الحكومي. كان مرتاحاً ومبتسماً ويجيب عن الأسئلة بدقة تنم عن إلمامه بعمله جيداً. اتصلت لأهنئه وقلت له بأنه تحدث أمام الناس بنفس الطريقة التي حدّثني فيها عن عمله قبل عدة أشهر عندما كنا في رحلة معاً، وسألته عن سر ذلك الارتياح الغامر، فقال لي: "لأنني أعيش هذه التفاصيل يومياً، فلم أكن في حاجة إلى تحضير." إلا أن صديقي هذا الذي يرهق نفسه بالعمل كثيراً، لا ينفكّ يضحك ويبتسم ويصل الناس في أفراحهم وأحزانهم. لم أره يوماً غاضباً أو مكتئباً، بل إنه يعرف كيف يُضحك مَن حوله حتى في خضم المشكلات الجمّة التي تَلُفُّه على مدار الساعة. كنتُ أقول في نفسي، قبل أن أعرفه، بأن السعادة تبدأ عندما تنتهي الالتزامات، وفي كل يوم يزداد جدولي ازدحاماً وتتشعب ارتباطاتي العملية ويصير الهمّ أكبر والعبء أثقل، وكنتُ أؤجل المتعة والفرح حتى أنتهي مما في يدي. إلا أنني أدركتُ، عندما رأيته مبتسماً وهادئاً على المنصة، بأن السعادة الحقيقية تنبع من خضم المشكلات؛ فعندما نعاني كثيراً نشعر بقيمة الحياة أكثر. فالسعادة كغيرها من الأشياء؛ تصبح ساذجة ومبتذَلة عندما يطول مداها، وحينها نفقد الرغبة في الحصول عليها؛ لأن قيمة الأشياء تزداد عندما نستمر في البحث عنها. أعرفُ صديقاً آخر يفاجئني دائماً بالاتصال بأمه قبل ركوب الطائرة، أو…

الفقيه المُجدِّد والفقيه الفضائي

السبت ٠٢ مارس ٢٠١٣

يروي الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه «الفقيه الفضائي»، قصة جرت أحداثها في الثلاثينيات من القرن الماضي، عندما تم تركيب مكبرات صوت في الحرم المكي الشريف. فقد ثار الناس على ذلك الاختراع الجديد، وعلى رأسهم الشيخ النقشبندي الذي حرّمه على الفور، ثم راح يرشقها بالحجارة، وعندما عجز عن «إنكار المنكر بيده» كما ورد في الكتاب. فإنه هاجر إلى الطائف. ثم ذهبت مجموعة من رجال الدين إلى مجلس الملك عبدالعزيز بن سعود، وتحدثوا معه في أمر ذلك المنكر الدخيل عليهم، فاستشار الملك من كان حاضراً. وبعد نقاش طويل سأل الشيخ محمد المانع أحد المشايخ المعترضين على الاختراع، عن سبب لبسه النظارة؛ فقال بأنها تكبر الحروف وليست وسيلة شيطانية، فقال له المانع: «والمايكروفون يا شيخنا يكبر الصوت»، فضرب الملك بيده على كرسيه وقال: «لقد حُسم الأمر..». ثم يستطرد الدكتور الغذامي في حديثه عن تغيّر النسق الثقافي العام للمجتمع عبر السنين، وكيف أنه عندما أُريدَ، قبل أعوام، إغلاق مكبرات الصوت وقت الصلاة، ثار الناس مطالبين بعدم كتم صوت الحق. لتنتقل المكبرات في ثمانين عاماً من صوت للشيطان إلى صوت للحق! وما أشبه اليوم بالبارحة؛ حيث لا يتأخر كثير من الفقهاء الأفاضل وطلبة العلم الشرعي، في إطلاق فتاوى «وأحكام شرعية» في قضايا معاصرة، من دون تمحيصها والنظر في حيثيات الواقع الكائنة فيه. ولربما يكون السبب…