الإثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٦
أدين لمدرس لغة عربية، لا أظن أن ذاكرته اليوم تحتفظ حتى باسمي، بأثرٍ ما زلت أعيشه. قرأ يوماً نصاً كتبته، ثم قال جملة عابرة بقيت معي سنوات. لم يكن يعلم أنه لم يشجع طالباً على موضوع تعبير، إنما وضع حجراً صغيراً في طريق ما زلت أسير فيه. كلما تذكرته، لم يشغلني ماذا قال، بقدر ما شغلني كم شخصاً مرّ في حياتنا وغيّرها دون أن يعلم، ثم مضى تاركاً أثراً سيعيش بسنوات. أغرب ما في الأثر الإنساني أن صانعيه لا يعرفون غالباً أنهم صنعوه. قد لا يتذكرون أسماءنا، وربما رحلوا وهم يظنون أنهم لم يتركوا خلفهم سوى مرورٍ عابر. وربما نحن أنفسنا كذلك: أثرٌ في حياة أحدهم، لا نعرف أننا تركناه، لكن الإنسان لا يغيّر الآخرين دائماً بقصد. في الماضي، كان من السهل أن تضع الحياة في طريقنا من يغيّرنا: معلم، أو كتاب يقع في أيدينا صدفة، أو صديق يختلف عنا، أو رحلة، أو خسارة قاسية. لم تكن تلك اللقاءات جزءاً…
الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: حين غدر صدام حسين ونظامه، في لحظة حماقة، بدولة الكويت الشقيقة، وباغتوها ذات فجرٍ مشؤوم، لم تتردد الإمارات لحظة، فقد كانت على أهبة الجاهزية لنصرة الأشقاء، حيث ارتدى الشيخ الشجاع بدلته العسكرية، وأخذ، مع قادة جيش بلاده، يجهّز الصفوف استعداداً للمشاركة في معركة التحرير. هذا الموقف لم يكن عابراً، بل عقيدة راسخة: الكويت شقيقة، ودمها من دمنا. مرّت السنون، وتبدّلت الوجوه والملفات، لكن الثابت الوحيد لم يتبدّل؛ فقد كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، وما زال، حاضراً مع الكويت في أوقات الرخاء وأوقات الشدة. هو القائد الكبير الوفيّ لأصدقاء بلاده، فما بالك بدولةٍ شقيقة تجمعنا بها وبأهلها تاريخ من المحبة والتعاون والتآزر. وقد جاءت زيارة سموّه، مؤخرًا، للكويت، في توقيتٍ بالغ الدقة، وسط ظروف إقليمية تتسم بحساسية أمنية متزايدة، لتحمل رسالة واضحة تؤكد ثبات الموقف وصلابة الالتزام، وتعكس نهجًا راسخًا في الوفاء بالأشقاء. ولم تكن هذه الخطوة مستغربة من قائدٍ واجه بحزم كل…
الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ما لهذا العنوان من صلة مباشرة بالفيلسوف الأندلسي، وقاضي قرطبة الألمع، ابن رشد، وكتابه الرائع "تهافت التهافت"، إلا في حدود ولعي بابن رشد وزمانه، والبيئة التي كتب فيها، وانتصاره للفلسفة وروحها السامية. جاء كتابه ردّاً تفكيكيّاً بالغ الذكاء على الآليات الجدلية التي اعتمدها الغزالي في "تهافت الفلاسفة"، حيث برهن على خلو كثير منها من الصرامة العلمية اللازمة، واعتمادها على المغالطات السفسطائية لتحقيق انتصارات خطابية، وتلبيس الخصم وإلزامه ما لا يلزم، مؤكداً أن الفيلسوف الحقيقي يطلب الحق، ولا يسعى إلى إسقاط خصومه بالمصادرات اللفظية.. ومن خلال هذا التفكيك، شيد ما يمكن أن نسميه "أخلاقيات الحوار"، القائمة على الأمانة في النقل، ومقارعة الحجة بالحجة وفق شروط القياس البرهاني، رافضاً الخلط بين المنهج الخطابي الإقناعي الموجَّه للجمهور، والمنهج البرهاني الخاص بالراسخين في العلم، ليختتم بحثه الأنيق بالانتصار لقانون السببية وضرورة العقل، وعدم تعارض الفلسفة مع الدين. ظل عنوان كتابه يطرق ذهني، وأنا ما…
الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: سألتني ابنتي - كثيرةُ الأسئلة - ذات يوم: ماذا لو ناديتكِ (ميرة)، وليس (ماما)؟! كانت المرة الأولى التي أسمع فيها ابنةً تنادي والدها باسمه، في مسلسل (ليالي الحلمية)، حيث دأبت (قمر) على مناداة (زينهم) باسمه المجرّد. لم يبدُ لي الأمر حينها مستهجَنًا، رغم أنه غير مألوف ويكسر القالب الاجتماعي المعتاد، ولم أتوقف عنده كثيرًا، ولا عند مواقف مشابهة تكررت لاحقًا في القليل من الأعمال الفنية. لكنني توقفت أمام سؤال ابنتي. كنت أعلم أنه سؤالٌ ضمن الكثير مما يزدحم به رأسها، وقد لا يتكرر طرحه، لكنني وجدت نفسي أتمعّن في أبعاد السؤال: ماذا لو نادتني (ميرة) وتراجعت (ماما) إلى الخلف؟! ما معنى (ماما) أصلًا؟! هل هي تعريفٌ يحدد صلة هذه البنت بي وبالعالم، كوني ملاذها الأول الذي تنضوي في حضنه؟ أم استحقاقٌ نابعٌ من تحمل مسؤولية الوفاء بمتطلبات هذه الرسالة من رعايةٍ وتربيةٍ والتزامٍ حقيقيٍ تجاهها؟ أفهم…
الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: “انتوا أهلها كأنكم في أبوظبي”.. عبارة قصيرة قالها سمو أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وهو يستقبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، لكنها حملت من المعاني ما يفوق الكلمات، واختصرت تاريخاً طويلاً من الأخوة والمواقف المشتركة بين البلدين. لم تكن تلك الكلمات بروتوكولاً دبلوماسياً عابراً، بل كانت رسالة سياسية وإنسانية تعكس طبيعة العلاقة الاستثنائية بين الإمارات والكويت؛ علاقة لم تُبنَ على المصالح الآنية أو الحسابات المؤقتة، وإنما على الثقة والاحترام والمواقف التي صمدت أمام اختبارات التاريخ. وجاءت هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة، حيث تتصاعد التوترات الأمنية وتزداد المخاوف من تهديدات الصواريخ الإيرانية ومحاولات زعزعة الاستقرار في الخليج العربي. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الزيارات واللقاءات بين القادة أكثر من مجرد مناسبات رسمية، فهي تعبير واضح عن وحدة المصير وتماسك الصف الخليجي. وجود الشيخ محمد…
الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: لست من أولئك الذين يتابعون كرة القدم بشغف، ولا أدّعي امتلاك القدرة على تقديم تحليل فني للمباريات أو تقييم أداء المنتخبات. لكن بعض المباريات تتجاوز حدود الرياضة، وتتحول إلى لحظة إنسانية ووطنية تستحق المتابعة، وهذا ما دفعني إلى الحرص على مشاهدة مباراة مصر والأرجنتين على ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا، ضمن دور الـ16 من كأس العالم. لسبب يصعب تفسيره، أشعر دائماً أن المنتخب المصري ليس منتخب دولة شقيقة فحسب، بل فريق نمثّل جميعاً جزءاً من جمهوره. وأعتقد أن هذا الإحساس يشاركني فيه كثير من العرب. ففي كل مواجهة يخوضها المنتخب المصري أمام الكبار، يصبح الانتماء أوسع من حدود الجغرافيا، وتتحول المدرجات العربية، ولو كانت بعيدة، إلى مساحة تشجيع واحدة. في تلك اللحظات أشعر وكأنني أشجع فريقي الوطني؛ أصفق لكل هجمة، وأتوتر مع كل فرصة ضائعة، وأغضب مع كل قرار تحكيمي أراه مجحفاً، حتى أكاد أخاطب الحكم قائلاً: "اتق الله يا رجل!" …
الأربعاء ٠٨ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: مع التطور التكنولوجي المتسارع، ودخول الأجهزة والتطبيقات في تفاصيل حياتنا اليومية، شخصيًا ومهنيًا، أصبح استخدامها أمرًا اعتياديًا يكاد لا يُلاحظ. لكن هذا الاعتياد لا يلغي أن هذه المساحات الرقمية تخضع، بدرجات متفاوتة، لأطر قانونية قد يجهلها كثير من المستخدمين، أو لا يدركون حدودها إلا عند وقوع الإشكال. وقد يُفترض أن الأجهزة الشخصية تمثل مساحة خاصة، إلا أن هذا الافتراض ليس دقيقًا بالكامل. فالرسائل، أو إعادة إرسال المحتوى، سواء كان نصًا أو صورة أو ملفًا، قد تبدو تصرفات بسيطة، لكنها قد تترتب عليها آثار قانونية أو مهنية تبعًا لطبيعة المحتوى وسياق استخدامه. فقد يعيد شخص توجيه رسالة أو صورة دون التحقق من صحتها، أو دون إدراك أبعادها، بينما يُفهم هذا التصرف لاحقًا خارج سياقه الأصلي، أو يُستخدم بطريقة تختلف تمامًا عما قصده مرسلها. وفي الحياة اليومية، تتداخل الحدود بين ما نراه تواصلًا طبيعيًا، وما قد يتحول إلى تجاوز غير…
الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لا تحتاج الأكاذيب إلى أدلة كي تنتشر. يكفي أن تُكرَّر بما يكفي حتى يظن البعض أنها حقيقة. ومن أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك كذبة«الديانة الإبراهيمية»، مصطلح جرى تداوله بكثافة خلال السنوات الماضية حتى اعتقد كثيرون أنه مشروع قائم أو عقيدة جديدة. والحقيقة أن هذا الاسم لم تتبنّه دولة الإمارات يوماً، ولم يرد في أي وثيقة رسمية أو مبادرة حكومية، بل هو توصيف اختلقه خصوم مشروع «بيت العائلة الإبراهيمية» ثم بنوا عليه حملة كاملة من الاتهامات والتحريض. وقد أعاد الأستاذ محمد الحمادي هذا الموضوع إلى الواجهة عندما سأل الكاتب المصري إبراهيم عيسى، في برنامجه «بالمنطق» على قناة سكاي نيوز عربية، سؤالاً مباشراً: ما المقصود بما يسمى «الديانة الإبراهيمية»؟ سؤال كشف هشاشة الرواية التي رُوِّجت طوال سنوات، إذ يصعب تعريف شيء لا وجود له أصلاً إلا في الخطاب الإخواني الدعائي. وحين تُسأل عن مصدر هذا المصطلح أو…
الإثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: لم يكن افتتاح أولى رحلات قطار الاتحاد مجرد مناسبة احتفالية أو إضافة جديدة إلى شبكة النقل في دولة الإمارات، بل كان رسالة استراتيجية بامتياز. ففي المشهد الذي شهدته محطة الفجيرة، حيث ارتفعت الأعلام الإماراتية وارتدى الركاب أوشحة الوطن احتفاءً بانطلاق الرحلة، كان ثمة معنى أعمق من الاحتفال نفسه؛ معنى يتعلق بدولة اعتادت أن تستثمر في المستقبل قبل أن تفرضه عليها الأزمات. وأنا شخصياً من المتحمسين لخوض هذه التجربة قريباً. أن أجلس على متن القطار بين أبوظبي والفجيرة، وأقطع هذه المسافة خلال ساعة وخمس وأربعين دقيقة، ليس فقط للاستمتاع بالرحلة، بل للتأمل في قصة وطن تحولت فيه الرؤية بعيدة المدى إلى واقع ملموس. فكل كيلومتر من هذا الخط يختصر سنوات من التخطيط والعمل والإصرار على بناء خيارات استراتيجية لا ترتبط بردود الفعل، وإنما بصناعة المستقبل. يمتد خط القطار قرابة تسعمئة كيلومتر من الغويفات حتى الفجيرة، لكنه ليس مجرد مشروع للنقل أو…
الإثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: سنوات طويلة ونحن نستمع إلى الرواية ذاتها، إذا جلست مع بعض الناس في الخارج، فلا بد أن تجد من يبتسم ابتسامة العارف بأسرار المجتمعات، ثم يقول لك بثقة لا تهتز: "إذا أردت أن تنهي أي معاملة في أي دولة خليجية، فلا تنسَ الواسطة." يقولها وكأنه اكتشف قانونًا من قوانين الفيزياء. أما إذا كان الجالس مثقفًا، فاستعد لمحاضرة مجانية قد تمتد أكثر من المعاملة نفسها، سيعدل نظارته، ويخفض صوته قليلًا، ثم يبدأ بتحليل يعتقد أنه عميق: "في الحقيقة، الواسطة في الخليج ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي نتاج البناء القبلي." ثم تنطلق المصطلحات الثقيلة، التضامن الاجتماعي، البنية التقليدية، شبكات النفوذ، إعادة إنتاج العلاقات، إلى آخر القائمة التي تجعل السامع يشعر أنه يحضر مؤتمرًا في علم الاجتماع لا جلسة شاي. ثم يخبرك بثقة أكبر أن الدراسات أثبتت ذلك، وأنا، في كل مرة، أتساءل، أين هذه الدراسات؟ لا أحد يعرف،…
الإثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٦
تخاصم صديقان قبل أيام. السبب صورة. نشر الأول صورة جمعتهما في حفل توقيع أحد الكتّاب، فاتصل به الثاني غاضباً: احذفها، لا أريد أن يظن الناس أنني أوافقه على آرائه. لم يقل الرجل رأياً واحداً، لكن وقوفه في الصورة أصبح موقفاً يُحاسب عليه. في الماضي كان الإنسان يخشى أن يعلن رأيه. اليوم صار يخشى حتى أن يُرى بجوار رأي لا يخصه. أما أصعب شيء على الإطلاق فهو أن تقول: كنت مخطئاً. كان تغيّر الرأي قديماً جزءاً من النضج. الفقيه يراجع فتواه، والفيلسوف يتجاوز كتابه الأول، والعالم يصحح نظريته. كان الرأي فكرة نملكها، نختبرها بالتجربة، ثم نستبدلها إذا وجدنا ما هو أصدق. المعرفة لا تتقدم بالتشبث بالصواب، بل بالشجاعة في تصحيح الخطأ. كان تصحيح الخطأ فضيلة معرفية، فأصبح مغامرة مشوبة بالحذر. اليوم انقلبت المعادلة.. كانت الهوية تسبق الرأي، فصار الرأي يسبق الهوية ويعيد تشكيلها. ماذا يحدث حين تصبح فكرتك تعريفاً لك؟ …
الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: ليس ضرورياً أن تتفق مع محمد العبار في كل ما يقوله، أو أن تعجبك جميع أفكاره، أو حتى أن تتابع لقاءاته الإعلامية. فالاختلاف مع الشخصيات العامة أمر طبيعي، بل وصحي. لكن يصعب تجاهل حقيقة لافتة: أن الرجل يمتلك واحدة من أكثر مهارات التواصل تأثيراً في عالم الأعمال العربي، فهو لا يدير شركاته فحسب، بل يدير الرسائل التي يريد أن تصل إلى الناس. ومع مرور الوقت، يصبح أقرب إلى اليقين أن معظم تصريحات العبار ليست ارتجالاً، ولا مجرد إجابات تلقائية على أسئلة إعلامية، بل جزء من استراتيجية واعية. فهو يدرك أن الكلمة، حين تصدر من قائد يقود شركات بمليارات الدولارات، تتحول إلى حدث، وأن التصريح الجيد قد يحقق أثراً يفوق أحياناً حملة إعلانية كاملة. ولا يعني ذلك أن جميع تصريحاته صائبة، أو أن كل ما يقوله يصلح لكل مؤسسة، لكن من الصعب إنكار قدرته على توجيه النقاش العام. حين قال قبل…