السبت ٠٣ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: جاءتني ابنتي منذ بضع سنوات تحمل رغبتها في عمل حسابٍ على أحد مواقع التواصل.. سألتها: ماذا ستنشرين؟ قالت: عادي، أي شي. قلت: لا ما عليه، حددي هدف ومادة تفيد الناس، ثم نتناقش. كان هذا رأيي دائمًا فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي؛ فليس الهدف مجرد إنشاء حساب، وإنما ماذا سننشر عبر هذا الحساب. وهذا يقودني لرصد ظاهرة أستطيع تسميتها بـ (حُمّى الظهور)، والحقيقة أن هذه الحُمّى التي أصابت الكثيرين هي التي أنتجت كل الـ (أي شيء) الذي يطغى على الفضاء الرقمي. وإلا ما الذي يدفع صبيًا في العاشرة إلى أن ينشئ حسابًا جلُّ محتواه وهو يتهيّأ للخروج، فيرافقه متابعوه وهو يلبس ثوبه ويتعطّر ويتعصّم ثم يخرج؟! وما الذي يدفع أحدهم، بعد أن كان يرافق زوجته في مقاطعها على تيك توك، أن يقرر(الاعتماد على نفسه ويبنى ذاته بذاته) فينشئ صفحةً مستقلةً باسمه؟! وما الذي يدفع إحداهن…
الخميس ٠١ يناير ٢٠٢٦
خاص لـ هات بوست: دخلوا عدن فحرروها من الميلشيات الحوثي، واستشهد من استشهد من أبطال الإمارات، في عملية لا يُقدم عليها غير الرجال الذين وهبوا أرواحهم لنصر من استنجد بهم فلبوا النداء، شكّل الحضور الإماراتي في اليمن أحد النماذج المركّبة للتدخل الذي جمع بين البعدين الأمني والإنساني، حيث لم تقتصر مشاركة القوات الإماراتية على الميدان العسكري فحسب، بل امتد دورها إلى تخفيف الأعباء الإنسانية التي فرضتها الحرب على السكان المحليين. ففي مناطق متفرقة، ترافقت العمليات الأمنية مع جهود إغاثية وتنموية أعادت تشغيل مرافق حيوية وأسهمت في استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة اليومية، في ظل واقع إنساني بالغ التعقيد. وعلى الرغم من تشابك المشهد السياسي واختلاف مقاربات الأطراف المحلية، ظل الحضور الإماراتي مرتبطًا باعتبارات الاستقرار وحماية المجتمعات من الانهيار المؤسسي، وهو ما أفرز أدوارًا تجاوزت منطق التحالفات التقليدية إلى مقاربة أكثر براغماتية تراعي خصوصية الجغرافيا اليمنية وحساسية النسيج الاجتماعي، وفقًا لما تعكسه قراءات متعددة للمشهد. …
الأربعاء ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥
ليست القرارات السيادية في الشؤون العسكرية بيانات عابرة، بل لحظات فاصلة تكشف فلسفة الدولة في إدارة الأزمات، وحدود أدوارها، ومعنى التزامها الإقليمي. ومن هذا المنطلق، جاء بيان وزارة الدفاع ليضع الأمور في سياقها الصحيح، ويؤكد أن الحضور الإماراتي في اليمن كان ولا يزال محكوماً بالمسؤولية، لا بالتصعيد، وبالواجب، لا بالامتداد المفتوح. فمنذ انضمامها إلى التحالف العربي عام 2015، شاركت دولة الإمارات ضمن إطار واضح ومعلن، وهو دعم الشرعية في الجمهورية اليمنية، والمساهمة في الجهود الدولية لمكافحة التنظيمات الإرهابية، والعمل من أجل أمن اليمن واستقراره. وقد قدّمت الإمارات، في سبيل هذه الأهداف، تضحيات جسيمة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار المنطقة مسؤولية جماعية لا تُدار بالشعارات، بل بالفعل المنضبط. وحين أعلنت الإمارات في عام 2019 إنهاء وجودها العسكري في اليمن، بعد استكمال المهام المحددة ضمن الأطر الرسمية المتفق عليها، كانت تؤسس لنهجٍ مختلف في إدارة الأزمات، نهج يعرف متى يبدأ الدور، ومتى يكتمل، ومتى يتعيّن…
الثلاثاء ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: ما معنى أن تكون مثقفاً؟ هل هو حرف د. يسبق اسمك، مقروناً بالأستاذ والبروفيسور ربما؟ هل هو منصب معين مرموق؟ عضوية ما؟ شهادات أنيقة على الجدار؟ مستوى معرفة، وأرتال من الكتب التي قرأتها والدورات التي حضرتها؟ أم مكتبة فارهة تزين منزلك؟ أو لعله مظهر معين؟ نظارة طبية سميكة، كوفية، وطريقة كلام تشبه مذيعاً تلفزيونياً في برنامج حواري ساخن، إبان طفرة الفضائيات العربية؟ وإذا أضفنا لهذا السؤال الشائك بعداً آخر: ما معنى أن تكون مثقفاً وفق معطيات اليوم؟ زمن ما بعد العولمة، وما وراء قنوات التواصل الاجتماعي، في ظل الخوارزميات، وبمحاذاة الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز؟ نقول ثقافة ومثقف، وندخل في جدل طويل حول المعنى واللفظ، ثقف يثقف فقد حذق، وهو حاذق، ومشذب بأداة حادة من الأعراف والتقاليد السائدة والمعرفة المتوارثة.. لا أريدُ أن أذهب بعيداً؛ الثقافة، في جوهرها، إذا أمعنا النظر وببساطة شديدة، حالةُ وعيٍ حيّ، وحراك دائم، طريقةُ…
الإثنين ٢٩ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: في المجتمعات التي تسعى إلى بناء مستقبلٍ متماسكٍ وقادرٍ على الاستجابة لتحدّيات العصر، لا تُصنع القرارات الكبرى في فراغ، ولا يمكن اختزالها في إرادةٍ سياسيّةٍ منفردةٍ أو ظرفٍ عابر. فالقرار العام، في جوهره، هو انعكاسٌ مباشر لطبيعة العقل الجمعيّ الذي ينتجه، ولمستوى النضج الفكريّ الذي يحكم العلاقة بين السياسة والمجتمع. وحين يغيب التفكير المنظّم، تتحوّل السياسة إلى إدارةٍ آنيةٍ للأزمات، وتغدو التنمية مجرّد شعاراتٍ لا تجد طريقها إلى الواقع. من هنا، يبرز سؤال العقل الجمعيّ بوصفه المدخل الأعمق لفهم كيف تُبنى السياسات، ولماذا تنجح بعض المجتمعات في تحويل الرؤية إلى إنجاز، بينما تتعثّر أخرى رغم الإرادة ووفرة الموارد. والعقل الجمعيّ ليس مجموع العقول الفرديّة، بل هو الإطار الثقافيّ والمعرفيّ الذي تتشكّل داخله تصوّرات المجتمع عن الدولة، والعدالة، والمصلحة العامّة، والمستقبل. وهو عقلٌ يتغذّى من الخطاب العام، ومن منظومة التعليم، ومن الإعلام، ومن إنتاج المعرفة، كما يتأثّر بدرجة الثقة بين المواطن والمؤسّسات. وفي هذا السياق،…
السبت ٢٧ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: مرَّت منذ بضعة أيام الذكرى السادسة لرحيل الدكتور محمد شحرور رحمه الله. وكما كان في حياته، لا يزال الرجل محل جدل، والسجالات بين مُحبيه ومنتقديه لا تنتهي؛ بل ظلت تراوح مكانها، تخبو تارةً وتشتعل تارةً أخرى. على الصعيد الشخصي، أحمل لهذا الرجل الكثير من الامتنان وأعترف بفضله عليّ؛ فقد كان منذ سنوات واحدًا ممن وسّعوا مداركي، ونبهوني إلى فضيلة إعمال العقل التي غابت عن أذهان معظمنا في مرحلةٍ ما من مراحل حياتنا. ورغم أنني لم أنطلق في رؤيتي له من باب الاتباع، ولم أعتبره قدوةً مطلقةً في كل ما طرحه من أفكار، ولكن الذي لا جدال فيه أن الدكتور محمد شحرور شكّل إضاءة ناصعة وحجرًا ثقيلًا في بركة الركود والركون الفكري الذي كنت أعتقد أنني مطمئنة فيه. ومن خلال متابعتي أستطيع أن أجد هذا الأثر لدى البعض؛ حيث إنه فتح الأعين وأعاد توجيهها للنص القرآني تفكّرًا وتدبّرًا، وهو…
الخميس ٢٥ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: في أحد المطاعم الفاخرة، رأيت رجلًا يتحدث مع النادل. لم يكن يصرخ، ولم يكن فظًا. لكن كان هناك شيء في طريقته: مسافة غير مرئية، نبرة تحمل تعليمات لا حوارًا، ونظرة تمر عبر الإنسان دون أن تراه. ثم أدركت أنني أفعل الشيء نفسه مع الآخرين. أحيانًا، لا أشعر برغبة في الحديث مع بعض من يعملون معي، كأن الوظيفة تكفي لتعريفهم. أتعامل باحترام، لكن دون فضول حقيقي، ودون محاولة لرؤيتهم خارج إطار العمل. وحين يخبرني أحد الموظفين أن له طفلًا لم يره منذ سنتين، أومئ برأسي بلطف، ثم أعود لهاتفي. لا قسوة في المشهد، فقط تجاهل مهذّب. هذه هي الطبقية التي لا نعلنها. الطبقية ليست نظامًا اقتصاديًا فقط، بل طريقة نتعامل بها مع عالم معقّد. في مجتمعاتنا، نعيش وسط تراتبيات تضع البشر في خانات شبه ثابتة بناءً على أصولهم، لهجاتهم، أو مهنهم. هذا التعقيد يرهقنا، فنختصر ونبسّط. نضع كل إنسان في خانة جاهزة تريحنا…
الأربعاء ٢٤ ديسمبر ٢٠٢٥
في الأشهر الأخيرة، تزايدت الأسئلة حول موقف دولة الإمارات من السودان، ومن قضايا المنطقة عموماً، لا سيما في ظل حملة إعلامية غير مسبوقة تتعرض لها الدولة، تقودها جهات معروفة، وأخرى قريبة لم يكن متوقعاً أن تنخرط في هذا المسار. هذه الضجة تستدعي قراءة هادئة للموقف الإماراتي، بعيداً عن السجال والانفعال، ومن خلال فهم السياق الاستراتيجي الذي يحكم سياسة الدولة الخارجية خلال السنوات الأخيرة. منذ عام 2018 دخلت السياسة الخارجية الإماراتية مرحلة تحول واضحة، تمثلت في إنهاء الدور العسكري المباشر ضمن التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية الشقيقة في اليمن، بعد أن أدت القوات الإماراتية دوراً محورياً في معارك مفصلية، من تحرير عدن، إلى مواجهة تنظيم «القاعدة» في المكلا، وتأمين الساحل الغربي. كان ذلك العقد أحد أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ المنطقة، تحمّلت فيه الإمارات مسؤولياتها كاملة في مواجهة فوضى عارمة هددت أمن الإقليم. ومع انحسار العمل العسكري، انتقلت الدولة إلى مرحلة يمكن وصفها…
الأربعاء ٢٤ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: لقد آليتُ على نفسي، منذ اندلاع هذه الحرب الماحقة، أن أكتب عن "اليوم التالى" بعد أن تضع أوزارها، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن واجب اللحظة لا يقتصر على إدانة الحرب أو السعي لوقفها فحسب، بل يمتد - وبإلحاح أشد - إلى التفكير الجاد في ما أعددناه لإعادة بناء السودان دولةًً ومجتمعاً، وترميم لُحمة شعبه ونسيجه الاجتماعي الذي مزقته هذه الكارثة أو كادت تقضي عليه. غير أن المؤسف حقاً أن الغالبية العظمى من كتّاب المقالات والرأي انغمسوا فى تناول يوميات الحرب ومساعي السلام الآنية - على أهميتها، دون أدنى تدبر منهجي أو فكري في سؤال: ثم ماذا بعد الحرب؟ والأسوأ من ذلك، أن المجال العام بات رهينة لسرديات سطحية مدمرة تُضخ عبر "اللايفات" ومنصات التواصل الاجتماعي، على ألسنة أنصاف مثقفين و"فلاسفة" افتراضيين لا يجيدون سوى نفخ كير الحرب، وإذكاء نوازع العنصرية والجهوية، وإعادة إنتاج خطاب الكراهية والانقسام. وفي هذا السياق، الذي يمكن اعتباره…
الثلاثاء ٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: للموت حكاية قديمة مع الإنسان، حكاية لا تشيخ ولا تتعب، تعود كل مرة بثوبٍ جديد، وتترك في القلب ندبة لا تندمل. لكنه حين يطرق باب المبدعين، لا يأخذ جسدًا فحسب، بل يطفئ ضوءًا، ويكسر جملة لم تُكمل بعد. هكذا جاء رحيل الكاتب والروائي السعودي أحمد أبو دهمان، موجعًا على نحوٍ خاص، كأن الفقد هذه المرة يعرفنا واحدًا واحدًا، وينادي أسماءنا بصوتٍ خافت. رحم الله الأخ والصديق أحمد أبو دهمان، الذي لم يكن كاتبًا عابرًا في مشهد السرد العربي، بل كان حالة إنسانية وثقافية متفردة. كان محفّزًا على الكتابة كما لو أنها فعل حياة، وعلى الترحال كما لو أنه شكلٌ من أشكال المعرفة، وعلى السؤال الدائم عمّا يختبئ خلف الجبال التي تحيط بقرى الجنوب وبلداتها. لم يرَ في الجبل نهاية الطريق، بل بدايته، ولم يتعامل مع القرية كحدٍّ ضيق، بل كبوابة مفتوحة على العالم. كان أحمد، أو “أبو نبيلة” كما…
الثلاثاء ٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: مشكلة الإعلام اليوم ليست أنه سيئ، بل أنه ناجح بالطريقة الخاطئة. وهذا ليس حكمًا بقدر ما هو توصيف لحالة. ماذا نريد من الإعلام اليوم؟ هل نكتفي بنجاح الأرقام، أم نبحث عن المعنى؟ الخلاف لم يعد حول التمويل أو الدعم—هذه متوفرة اليوم أكثر من أي وقت مضى. التحوّل الحقيقي حدث حين انتقل الإعلام من كونه رسالة تُقاس بقدرتها على التأثير والبقاء، إلى قطاع مُنتِج يُدار بمنطق السوق ويُقاس بمنحنيات المشاهدة. هذا التحول، في حد ذاته، ليس خطأ. الخطأ أن يحدث دون إعادة تعريف واضحة لمعنى النجاح. المشكلة أن هذا النجاح صار وهمًا مريحًا. برنامج يحقق ملايين المشاهدات، يُحتفى به في اجتماعات التقييم (اجتماعات طويلة، بالمناسبة)، ثم بعد شهرين لا تتذكر اسمه. لكن حين تُطرح أسئلة عن الأثر، يُدافع عن هذا النجاح باستماتة. لماذا؟ لأنه نجاح في التنظيم، في الأرقام، في الإدارة، لكن ليس بالضرورة في المحتوى أو في المعنى. ربما لا يعكس…
الثلاثاء ٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥
خاص لـ هات بوست: في لحظات التحوّل الكبرى التي تعيشها المجتمعات الإنسانيّة، لا تعود اللغة مجرّد أداةٍ للتواصل، بل تغدو ساحةً لصراع المعاني، وميزاناً تُقاس به قيمة الإنسان وموقعه في العالم. فاللغة، بوصفها وعاء الفكر ومرآة الوعي الجمعيّ، ليست محايدةً ولا بريئةً؛ إنّها تحمل في بنيتها رؤى الوجود، وتُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الآخر، وبينه وبين الزمن الذي يعيش فيه. وحين تتبدّل الأزمنة وتتصاعد أسئلة الحداثة، يصبح السؤال اللغويّ سؤالاً أخلاقيّاً بامتياز: أيّ لغةٍ نستخدم، وكيف نعبّر، وما القيم التي نمرّرها من خلال الكلمة. إنّ الجمال في اللغة ليس ترفاً أسلوبيّاً ولا زينةً خطابيّةً، بل هو تعبيرٌ عن انسجامٍ داخليّ بين المعنى والموقف، وعن احترامٍ عميقٍ لعقل الإنسان وكرامته. فالكلمة الجميلة ليست تلك التي تُبهر السمع فحسب، بل التي تُنصف المعنى، وتُقيم العدل في التعبير، وتفتح المجال أمام المحبّة والحرّيّة والمساواة بوصفها قيماً إنسانيّةً حيّةً، لا شعاراتٍ مجرّدةً. ومن هنا، تتحوّل اللغة إلى…