أحدث دساتير العمل – مريم راشد

أخبار

في زمن تسمية الأشياء بغير أسمائها وتداخل المفاهيم والمفردات، يتوجب علينا كمثقفين يشغلنا حال الأمة أن نبدأ من عقر دار المؤسسات وقبل مقامات البيوت؛ لأننا نود التعامل مع عقول لا تتطلب الكثير من الشرح والتفصيل لكوننا نتعشم فيها النضج والدراية ، وبالتالي نختصر الوقت ونتكيء على فهم أفرادها الذي يُفترض به أن يكون كافياً لاستيعاب مضمون مقالنا، فقد فاض بنا الكيل عمّا نسمع من مهاترات ومناوشات في أماكن العمل إلى الحد الذي دفعنا إلى محاولة إعادة النظر في كيفية الفصل بين ما يتم في مجال الوظيفة من ممارسات وما يمكن أن يحدث خلف أبواب المنازل الموصدة من تفاصيل خاصة تتعلق بالدرجة الأولى بنظام التنشئة فيها. ولهذا أستعرض هنا بعض مما ينبغي على العامل أن يدركه وهو في طريقه إلى مكتبه:

– عليك أن تدخل إلى مقر العمل وأنت متجرد تماماً من كل ما تحمل من أفكار وانطباعات وأحكام شخصية عن الآخرين سواء سمعتَ أو قرأت عنهم، وأن تبني رأيك الخاص بناء على تعاملك ( النظيف ) معهم.

– أن تعلم أن دورك لك ولن يسرقه منك أحد وبالتالي عليك أن تهدّيء من روعك وتخفف حمل القلق الذي بداخلك حيال بقائك في وظيفتك، فالأرزاق يوزعها الله وثباتك أو رحيلك من الأمور التي لك أن تعتبرها تحت لائحة: ( قدر ومكتوب ).

– يجب أن تعي الفرق بين التنافس الشريف والصراع الغابوي على الأدوار والمناصب، فإن كنت ذا مطمع فعليك أن تنافس الهدف نفسه لا الأشخاص، أن تضع نقطة وصول معينة نصب عينيك وأن تتوجه إليها دون أن تبيّت نية الفكاك من كل من هو في طريق بلوغ تلك النقطة السوداء!

– تذكر أن المنافسة الشريفة تعني الإرتقاء بالسلوك العملي والبعد به عن الأساليب الخبيثة والماكرة والملتوية، وعدم سلك الطرق الدنيئة للإطاحة بالآخر وإزالته عن طريقك الوعر بأي ثمنٍ خسيس، كفاك تأثراً ب ( توم آند جيري ) رغم لطفهما مقارنةً بما نرقب في جهات العمل.

– تعلّم الترفع عن صغائر الأمور وتوافه الأشياء والنزعات وأن تنظر إلى المسائل في مكان عملك من زاوية واحدة ضيّقة وهي حالتك الوظيفية ودورك ومهمتك المكلف بها، ودع عنك كل ما سوى ذلك حتى لا تجرفك تيارات هائجة تجدها في العديد من البيئات الوظيفية كالثرثرة ودس الأنف والنميمة وعدد من الأساليب البربرية لبعض الأشخاص العاطلين عن العمل المثمر.

– إحذر من محاولة أي زميل من التأثير عليك سلباً وإيغار صدرك ضد أي أحد فأنت في المكان موظف مطالب بأداء ما عليك والإنصراف، أنت مُستَأجَر لإتمام خدمة مدفوع ثمنها، فالهدف هو إنجاز اللازم ومغادرة الموقع، والمهنية تحميك من الوقوع في براثن بعض الأشقياء التعِسين الذين تربوا على إفساد أي مكانٍ وُضِعوا فيه وذلك ببث الفتن ونشر الضغائن.

– تعرّف على شخصية مديرك، وتذكّر أن أسوأ الأصناف هو ذلك المُتلِف الإنقسامي المشرذِم المتّبِع لسياسة (فرّق تسد) والذي يُحيل بيئة العمل إلى بؤرة توتر سرعان ما تتحول إلى صدامات داخلية وحرب نفسية زملائية !

– إحرص على أن لاتحمل معك أي شيء من بيئة عملك، إنفض ثوبك جيداً وانزع عنه كل ما يمكن أن يلصق به، خُذ ما لك ودع عنك ما لا علاقة لك به، فإن صاحَبتْك أي مشاعر سلبية انتابتك في دائرة أدائك لدورك فقد رافقتْك بإرادتك، وأن تقرر مغادرة باب مكتبك وهي بحوزتك فهذا يعني أنها ستقضي السهرة المسلية وتتناول البطاطا المقرمشة معك وهي التي كان يجب أن تبقى حبيسة مكان العمل ومحيطه الداخلي. هنا تجيء فائدة زي العمل، حيث يساعد ارتداؤه على تقمص دور الموظف وأداؤه باحتراف، وبالتالي فإن خلع ( اليونيفورم ) يعني عودتك إلى حالتك الإنسانية الطبيعية !

– درّب نفسك على أن لا تحمل مشاعر خاصة لأحد من زملائك ومرؤوسيك لأن العاطفة متى ما تمكنِتْ منك سلبَتْك الحيادية التامة والموضوعية المطلوبة، على أن تدرك جيداً أن إهمال العاطفة في العمل لا يعني أن تغدو صلباً متحجراً جامداً جلف الخُلُق، غليظ الطبع، أجوف الضمير، إنما عليك أن تتعامل بأسلوبٍ رفيع وأن يكون الجميع عندك سواء، فالقلب يفتح عليك باب التفرقة حسب ظروف ميَلانه الذي تحكمه النبضات والدقات والنفس والهوى.

– إذا كنت صانع قرار فعليك أن تدرّب جوارحك جيداً على عدم السماح بالخلط والمزج بين رغبتك الشخصية ومزاجك الخاص وهوائيتك وكل ما يندرج تحت قائمة ( عواطف وميول) وبين ما تتطلبه مصلحة العمل وما يفرضه الإتسام بالمهنية العالية.

– أغلق باب قلبك جيداً بإحكام وأنت على رأس عملك، واحترس من بواعث الميل والإنجذاب لأي أنثى، فأنت هناك لست سوى موظف مجردٌ حتى من ذكورتك، أنت في مهمة يومية شبه آلية تنتهي بإنجاز تجربة مهنية لا مغامرة عاطفية أو غريزية أعانك الله.

– من المهنية أن تفصل تماماً بين ما تشعر به وبين ما يجب أن يتم كموظف خالص نقي من شوائبك البشرية التي عليك أن تتذكر دائماً أن تضعها عند مدخل مبنى الشركة التي تعمل فيها، ولكَ كامل الحق أن تأخذها لاحقاً بعد انتهاءك من عملك، وإن كنت أنصحك أن تعيد معك إلى بيتك فقط اللوازم الطيبة وأن ترمي نوازع نفسك الأمارة بالسوء والمخلفات الأخلاقية الأخرى التي تعلمتَها من أي بيئة كنت فيها في سلة تضمن أن لا تطالها فئة الفضوليين الذين ينبشون سلال الخلق أو حتى الجماعة المعنية بإعادة التدوير لأن العالم في غنى عن أي مخلفات أخلاقية تضمر الشر والحقد والحسد في دواخلها.

– تذكّر أن التحلي بالمهنية يرتبط بالأخلاق، لذا عليك أن تتعلم الفصل بين صفاتك الشخصية ( البيتية) بما أن المرء هو ابن بيئته، وبين ما يجب أن تكون عليه في مكان العمل، فالخَلق غير مجبرين على تحمل نواقصك التربوية.

خاص لـ ( الهتلان بوست )