خاص لـ هات بوست:
على مر السنين، جوبهت مساعي تجديد الفكر الإسلامي وإعادة قراءة التراث الفقهي بمقاومةٍ شديدةٍ وهجومٍ عنيف، تتصدرهما تياراتٌ تظن أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وتتقن أساليب الجدال وتحوير النقاش والتلاعب الحواري والنفسي، وتوظفها في الترصّد لكل تجربة تنويرية جادة بغية إسقاطها.
قد أفهم عداء جماعات الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة والإرهابية، لأن مشروع التجديد يفكك بعض المرتكزات التأويلية التي استندت إليها تلك الجماعات في تسويغ العنف والتطرف وتبرير جرائمها وانحرافاتها.
لكنني أتوقف أمام المسلم العادي، الذي لا يقيده فكرٌ أيديولوجي، ولا تربطه بتلك الجماعات مصلحةٌ ولا انتماء، ويقلقه لفظ التجديد، ويلتبس عليه مفهوم التنوير في سياقه الإسلامي والعربي، حتى إن كانت بلاده ذاتها ترفع راية التجديد أو تدعو إليه أو تتبنّى مخرجاته عبر مؤسساتها الرسمية وبالاستناد إلى اجتهادات مؤسستها الدينية ومختصّيها في العلوم الشرعية!
ونحن لا نشك في ولاء هذا المسلم لوطنه ولا في محبته لبلاده وقيادته ومؤسساته، لكنه ما إن يواجه مفهوم “تجديد الفكر الإسلامي” حتى يرتبك، وكأني به يخشى مجرد التفكير والنظر في الفكرة.
والسؤال هو:
كيف وصلنا إلى مرحلة يشعر فيها بعض المسلمين بأن مجرد إخضاع الموروث الفقهي للسؤال والمراجعة قد يكون ذنبًا حتى قبل أن يعرفوا إلى أي نتيجة ستنتهي تلك المراجعة؟
لقد عاش كثيرٌ منا أسرى خطاباتٍ دينيةٍ صلبةٍ شيطنتْ المفاهيم الحديثة، إذ ربطت مصطلحاتٍ مثل “التجديد” و”التنوير” و”العقلانية” و”قراءة التراث” بمفاهيم مرعبة مثل الإلحاد والتغريب وهدم الثوابت، ناهيك عن إقناع العقل الجمعي بوهم المؤامرة على الإسلام. ورسّختْ في الوعي الجمعي أن أي مساس بالموروث الفقهي هو مساس بالدين ذاته، وروّجتْ لفكرة إغلاق باب الاجتهاد، أو حصره في نطاقٍ ضيق، حتى استقر في أذهان كثيرين أن ما قاله السابقون لا يجوز تجاوزه، وأن الحداثة أو التنوير هما بالضرورة نقيضان للهوية والإيمان.
في الوقت نفسه، فإن المسلم العادي يعيش في عالمٍ يشهد تحولاتٍ سريعة ومربكة على المستوى الثقافي والقيمي، وفي ظل إحساسه المستمر بأن هويته تتعرض لضغوطٍ جارفة، يصبح التراث الديني في نظره الحصن الآمِن الذي يحتمي به، فيشعر بأن التمسّك بما تشرّبه من ذلك التراث، بفقهه وفتاواه، هو الخيار الأكثر أمانًا.
من ناحيةٍ أخرى، فإن التعليم الديني التقليدي غالبًا ما كان يعتمد على التلقين والحفظ بدلاً من التحليل والسؤال، وحين ينشأ الفرد في بيئةٍ تعتبر السؤال تشكيكًا، والبحث جرأةً، وإعادة النظر والتأويل خروجًا، تتراجع تدريجيًا ثقته في مشروعية استخدام العقل في مساءلة الموروث الديني. وعندما يُحرَم الفرد من التدرّب على التفكير النقدي وقراءة النصوص في سياقاتها التاريخية واللغوية، تَضعُفُ قدرته على إدراك تعدد الاجتهادات أو فهم العلاقة بين الأحكام ومقاصدها.
والأسوأ هو الخلط الشديد بين المقدّس وغير المقدّس، وبين الإلهي والبشري، واتساع دائرة الثوابت على نحوٍ شمل ما ليس منها، فذاب الخط الفاصل بين قداسة النص الإلهي وبين بشرية فهمه وتأويله، حتى اكتسبت بعض التأويلات والآراء الفقهية حصانةً تتجاوز طبيعتها الاجتهادية، مع أنها، مهما بلغت من الصحة والرجحان، تظل اجتهاداتٍ بشريةً لا ينبغي أن تتجاوز منزلتها المعرفية إلى مرتبة القداسة.
ولا أغفل أن الخوف من التجديد قد يكون في جوهره خوفًا من الوقوع في الخطأ الديني، لا مجرد تحفّظٍ على اجتهاداتٍ فقهية مختلفة. ولعلي أميّز هنا بين مسارين: مسار التقليد والاتباع والميل إلى الأخذ بالأحوط طلبًا لسلامة الدين، ومسار الورع والخشية العميقة من أن يُدخِل التجديد في الدين ما ليس منه.
وفي كلا المسارين، قد يكون الدافع حرصًا صادقًا على الدين، لكن المفارقة أن الخوف من إدخال ما ليس من الدين فيه قد لا يصاحبه خوفٌ مماثل من إضفاء القداسة على اجتهاداتٍ بشريةٍ ليست من ثوابته.
إن المسلم الذي يخشى التجديد قد لا يكون رافضًا للعقل، ولا معاديًا للاجتهاد، ولا راغبًا في الجمود، وإنما هو إنسانٌ تشكّل وعيه الديني على أساس أن سلامة إيمانه مرهونةٌ بسلامة الموروث من السؤال. ولذلك فإن خوفه من التجديد قد لا يكون خوفًا من فكرةٍ مغايرة، بقدر ما هو خوفٌ من أن يكتشف أن بعض ما اعتقد أنه من ثوابت الدين ليس إلا اجتهادًا بشريًا قابلًا للمراجعة.
وآخِرُ القول:
تجديد الفكر الإسلامي ليس اعتداءً على الدين، بل محاولةً لتحرير فهمه من الجمود، وإعادة التمييز بين قداسة النص وبشرية التأويل
